تدوين السنة ومنزلتها (عبد المنعم السيد نجم)القسم: علوم الحديث
الكتاب: تدوين السنة ومنزلتها
المؤلف: عبد المنعم السيد نجم
الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة
الطبعة: السنة الحادية عشر - العدد الثالث - ربيع الأول 1399هـ
عدد الصفحات: 50
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مدخل
…
تدوين السنة ومنزلتها
لفضيلة الدكتور عبد المنعم نجم الأستاذ المساعد بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية
نريد بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموع ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، ولا شك أن رسول الله مبلغ عن الله {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} 1، ومبين عن الله مراده {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 2؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين ما أراد القرآن أحيانا بالقول وحده، وأحيانا بالفعل وحده، وأحيانا بهما، كما صلى وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وحج وقال: "خذوا عني مناسككم"؛ فهي إذا شارحة للقرآن تبين مجمله وتقيد مطلقه، وتؤول مشكله، فليس في السنة شيء إلا والقرآن دلّ على معناه دلالة إجمالية، أو تفصيلة وتلك الدلالة من وجوه.
منها ما هو عام جدا، وهو ما ورد في القرآن من إيجاب اتباع الرسول صلى اله عليه وسلم، نحو قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 3، وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 4 إلى غير ذلك من الآيات ومنها الوجه المشهور عند العلماء، كالأحاديث في بيان ما أجمل ذكره من الأحكام، إما يحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو مواقعه أو لواحقه، أو ما أشبه ذلك، كبيانها للصلاة والزكاة وغير ذلك مما وقع في السنة بيانا للقرآن.--------------------------------------------
1 انظر كشف الظنون في أساس العلوم والفنون
2 الآية 67 من سورة المائدة
3 آية 7 من سورة الحشر
4 الآية 65 من سورة النساء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
السنة من الوحي:
السنة النبوية بالمعنى المتقدم - ما أضيف للنبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال والتقريرات - هي أحد قسمي الوحي الإلهي الذي نزل به جبريل الأمين على النبي صلى الله عليه وسلم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم.
فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى} 1، وبذلك جاءت السنة نفسها؛ فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه"2.
يقول المنذري في مختصر السنن: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
يقول الإمام الخطابي في معالم السنن: "قوله " أوتيت الكتاب ومثله معه" يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما: أن يكون معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطى من الوحي الظاهر المتلو.
ويحتمل أن يكون معناه: أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب ويعم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرح ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن.
وقوله: "يوشك شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن" فانه يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا.
(والأريكة) : السرير، ويقال: إنه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة iii.
وإنما أراد بهذه الصفة: أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم ولم يغدوا ولم يروحوا في طلبه في مظانه واقتباسه من أهله".
ثم يقول الخطابي: "وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه".--------------------------------------------
i الآية 10 من سورة النجم، وانظر الحديث والمحدثين للشيخ أبي زهو.
ii انظر سنن أبي داود جـ 2 ص 505 كتاب السنة باب فما لزوم السنة ط ا.
iii الحجلة بفتحتين: واحدة حجال العروس، وهى بيت يزين بالثياب والأسرة والستور اهـ. مختار الصحاح ص124ط7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
عرض الحديث على القرآن:
أما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله؛ فان وافقه فخذوه وإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
خالفه فدعوه" فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا بن يحي الساجي عن يحي بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة.
ويقول الخطابي: "وقد روي هذا من حديث الشاميين، عن يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان. ويزيد بن ربيعة هذا مجهول، ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان وإنما يروي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان". اهـ1.
وعلى هذا فالسنة صنو الكتاب العزيز، والذي جاءنا بالقرآن هو الذي نطق بالسنة؛ فلا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا2. وروى الحافظ ابن عبد البر بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك بأحدكم يقول: هذا كتاب الله ما كان فيه من حلال أحللناه وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسو له والذي حدثه" 3.--------------------------------------------
1 انظر مختصر وشرح سنن بي داود جـ7 ص1 حديث 4436.
2 انظر مختصر سنن أبي داود المنذرى جـ7 ص 10 حديث 4441.
3 انظر جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله لأيى عمر يوسف بن عبد البر النورى القرطبي المتوفى 463هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
شرف علم الحديث:
لا يختلف اثنان في أن علم الحديث أشرف علم بعد كتاب الله، كيف لا وهو المرتبة الثانية بعد القرآن، والمصدر الثاني للشريعة الإسلامية، نطق به الذي جاءنا بالقرآن من عند الله، المعطى جوامع الكلم المفوض إليه من الله أمر التبيين والتحصيل، روى أبو داود بسنده عن العرباض بن سارية.. فقال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي؛ فانه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" 4.
قال الإمام الخطابي: "والنواجذ آخر الأضراس، واحدها: ناجذ، وإنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة؛ فعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعاً له أن ينتزع، وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشيء، إذا كان ما يمسكه بمقاديم فمه أقرب تناولا وأسهل انتزاعا. وفي قوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى"5.--------------------------------------------
4 انظر سنن أبي داود جـ 2 كتاب السنة باب في لزوم السنة ص 506 ط 1.
5 انظر مختصر المنذري جـ7 ص12 حديث 4443.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
يقول الإمام النووي: "إن من أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني معرفة متونها، صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية أنواعها المعروفة، ودليل ذلك أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات، وعلى السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجَلّ العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو مشتمل على بيان أفضل المخلوقات، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات الخ"1.
ويقول العلامة الشهاب أحمد المنبتي الدمشقي الحنفي "إن علم الحديث علم رفيع القدر عظيم الفخر، شريف الذكر، لا يعنى به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غمر، لا تفنى محاسنه على ممر الدهر، لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة، وكم عزّ به من كشف الله له مخبآت أسراره وجلاله؛ إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين، ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين، ومنه يدرى شمائل من سما ذاتا ووصفا واسما، ووقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عربا وعجما.
وناهيك بعلم من المصطفى صلى الله عليه وسلم بدايته وإليه مستنده وغايته، وحسب الراوي للحديث مشرفا وفضلا وجلالة ونبلا، أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول، وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاء والوصول.
وطالما كان السلف يقاسون في تحمله شدائد الأسفار، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة، ولا يقنعون بالنقل من الأسفار، فربما ارتكبوا غارب الإغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت روايته فيه، أو لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه.
وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية؛ فضبطوا الأسانيد وقيدوا منها كل شريد، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل، وسلكوا في تحرير المتن أقوم سبيل، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله؛ فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها الهمم العوالي"2.
وفي كتاب الخطة: "اعلم أن آنف3 العلوم الشرعية ومفتاحها، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملك كل نهي وأمر، ولولاه، لقال:--------------------------------------------
1 انظر مقدمة صحيح مسلم.
2 انظر قواعد التحديث.
3 آنف: أول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
من شاء وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء.. وهو تلو كلام الله العلام، وثاني أدلة الأحكام …
تم قال: وما الحق إلا فيما قاله صلى الله عليه وسلم أو عمل به أو قرره أو أشار إليه أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه.
فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب، والعمل بهما في كل إياب وذهاب، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء، ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} 1.
فياله من علم مزج بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى.
وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين رحمه الله يقول: "إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث". لقد صدق فإنه لو تأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق، لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة، وهذا العلم تعطي مزاولته صاحبه معنى الصحابة؛ لأنها في الحقيقة هي الإطلاع على جزئيات أحواله صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول، ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان، وإليه أشار القائل بقوله:
أهل الحديث هموا أهل النبي وإن … لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فالحاصل أن أهل الحديث - كثر الله سوادهم، ورفع عمادهم - لهم نسبة خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي صلى اله عليه وسلم لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم". اهـ بتصرف i.--------------------------------------------
1 انظر قواعد التحديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
فضل نشر الحديث وروايته:
روى أبو داود بسنده عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى بلغه؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" 2.--------------------------------------------
2 انظر سنن أبي داود كتاب العلم فضل نشر العلم جـ 2ص 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه من حديث عبّاد والد يحيي عن زيد بن ثابت. اهـ1.
وروي: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها".
وفيه روايات عدة لهذا الحديث.
قال سفيان بن عيينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا في وجهه نضرة لهذا الحديث".
يقول الإمام الخطابي:" في قوله "نضر الله " معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة، يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودهما التخفيف.
وفي قوله: "ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" دليل على كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط والاستدلال لمعاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه وجوب التفقه والحث على استنباط معاني الحديث، واستخراج المكنون من سره". اهـ.
وقد قيل في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} 2 ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمام لهم غيره صلى الله عليه وسلم3.
وقد ورد في شرف الحديث وأصحابه، وفضل الإسناد وأربابه أخبار كثيرة؛ فمن ذلك حديث أسامة بن زبد رفعه: " بحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وعمر وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة وأبو أمامة، وأورده ابن عدى من طرق كثيرة كلها ضعيفة، كما صرح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر.
لكن يمكن أن يتقوّى بتعدد طرقه ويكون حسنا لغيره، كما جزم به العلائي.
وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين الذين غلوا في الدين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.
قال النووي في أول تهذيبه: "وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم بحفظه، وعدالة ناقليه، وأن الله يوفق في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث؛ فان الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا". اهـ.--------------------------------------------
1 انظر مختصر المنذرى ومعالم السنن للخطايى جـ 5 ص253 باب جامع في فضل العلم.
2 سورة الإسراء آية 71.
3 كذا في تدريب الراوي ص 170.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
على أنه قد يقال: ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم؛ لعدم عملهم". اهـ1.
وقال العراقي: "قال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه، واستدل على ذلك بحديث رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية ابن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله …به" أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: لا يعرف إلا به، ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل.
وفي كتاب علل الحلال: أن أحمد بن حنبل سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا هو صحيح؟ فقيل له: ممن سمعته؟ قال: عن غير واحد …الخ "2.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل3.--------------------------------------------
1 انظر القول السديد في اتصال الأسانيد للشيخ أحمد عثمان العدوي المعروف بالمنبتي مصطلح 38 مخطوط تيمور.
2 انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث.
3 انظر قواعد التحديث ص 50
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
تدوين الحديث وأطواره منذ فجر الإسلام حتى عصر أصحاب الصحاح الستة
لما كان الحديث من أصل الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه؛ فلذلك يسر الله للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانينه وأحاطوا به؛ فتناقلوه كابرا عن كابر، وأوصله كما سمعه أولهم إلى أخرهم، وحببه الله إليهم لحكمه حفظ دينه وحراسة شريعته؛ فلم يزل هذا العلم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم غضا طريا، والدين محكم الأساس قوي البنيان.
أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين خلفا عن سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الأحاديث؛ فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انقطعت الهمم شغف على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد ويفني الأموال والعدد ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقا وغربا في طلب حديث واحد يسمعه من راويه؛ فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته، ومنهم من تقترن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده؛ فانبعثت العزائم إلى تحصيله.
وكان اعتمادهم أولا على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله، ولا معولين على ما يسطرونه وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوحات، ومات معظم الصحابة وتفرقت أصحابهم وأتباعهم وقلّ الضبط، وكاد الباطل يلتبس بالحق احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة؛ لأنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والقلم يحفظ؛ فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وعقدوا العزم وأجابوا في نظم قلائده أفكارهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم، واستغرقوا في تقييدهم ليلهم ونهارهم، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها، ودونوا دواوين ظهرت شفوفها؛ فاتخذها العالمون قدوة، ونصبها العارفون قبلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الحديث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
بعث النبي صلى الله عليه وسلم والعرب في جهالة جهلاء وضلالة عمياء موروثة عن ذي قبل، فكان من رحمة الله بهم وبالإنسانية جمعاء أن أرسل فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، أشرف الناس نسبا وأكرمهم أما وأبا وأصلا ومحتدا.
ومن الحكمة البالغة أن بدأ بالدعوة سرا حتى لا يفجأ القوم بها، خاصة وهم غارقون في جهلهم يتخبطون في غيهم، فتبعه أفراد قلائل، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله؛ فدخل في الدين خلق كثير، دخلوا الإسلام عن بينة من أمره، واستمعوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، فخالطت أنوار الإيمان قلوبهم، لا سيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى صراط مستقيم؛ فصادف الإسلام قلوبا مستعدة متهيأة فتمكن فيها كل التمكن، وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم، ذلك أنهم عرفوا من النبي عليه السلام أن هذا الدين هو طريق سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم وتقدمهم، فعقدوا عليه خناصرهم، وأحبوا رسول الله حبا يسمو على الأبناء والآباء، وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه، وعلى ما حدثهم في بنائه العظيم بعد القرآن الكريم، كما علموا أمر الله باتباعها، وتحذيره الشديد من مخالفة أمره، اعتقدوا هذا بقلوبهم ووضعوه نصب أعينهم.
ملكت الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم، وسيطرت على ألبابهم وحواسهم، وأفسحت قلوبهم حبا لله ورسوله عليه السلام، وألهبت نفوسهم نشاطا نحو العلم والعمل؛ فلم يدخروا وسعا في حفظ الأحكام والسن.
وإلى جانب هذه الحمية الدينية، استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر ووفرة الذكاء وكمال العبقرية.
فالصحابة عرب خلص أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، فكل اعتمادهم على ملكاتهم في الحفظ، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية، فقد حفظوا أنساهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم، وكثيرا ما كانت تقع بينهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
المفاخرة المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم، وأخبار خصومهم، مما يرفع من شأن أعدائهم.
ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب، والتنابز والمثالب بالألقاب، مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوفر لأمة من الأمم؛ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فاندفع الصحابة إلى تلقي حديث رسول الله بنهم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله.
وتظاهر العامل الروحي والعامل الفطري؛ فأتى القوم بما لم يأت به أمة من يوم أن بعث الله رسله إلى الخلق، فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
الطريقة التي تلقى الصحابة بها الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
لم يكن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يجيد الكتابة إلا نفر قليل؛ فقد كانت الأمية غالبة عليهم، فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم على استعدادهم في الحفظ، كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إما بطريقة المشافهة، وإما بطريقة المشاهدة لأفعاله وتقريراته، وإما بطريق السماع ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم، أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم، بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
كتابة الحديث في عهد النبي عليه السلام:
تقدم أن الصحابة قد اعتمدوا على الحفظ في تلقي ما يأتيهم به النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم البعض أن قلة التدوين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعود بالدرجة الأولى إلى ندرة وسائل الكتابة، وأنا لست مع من يقول بذلك؛ لأنها لم تكن قليلة إلى هذا الحد الذي يبالغ فيه، وهي - على كل حال - قلة نسبية، قد تكون أحد العوامل في ترك كتابة الحديث، ولكنها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من تجشم المشاق وركوب الصعاب في كتابة القرآن كله في اللخاف والعسب والأكتاف والأقناب وقطع الأديم، ولو أنهم أرادوا تدوينه مثل القرآن لفعلوا، ولكن الصحابة بتوجيه من نبيهم ومن تلقاء أنفسهم كانوا منصرفين إلى تلقي القرآن، مشغولين بجمعه في الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جل أوقاتهم، كما يملك عليهم مشاعرهم، وحديث رسول الله حينئذ أكثر من أن يحصوه، فله في كل حادثة قول، وفي كل استفتاء توضيح، وفي كثير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
من الوحي القرآني تبيان وتفسير، فأنى للكتبة منهم الوقت لمتابعة الرسول عليه السلام في كتابة جميع ما يقوله أو يعمله أو يقر الناس عليه، خاصة وأن الكاتبين منهم قليل.
ومع ذلك قام بعض هؤلاء الكاتبين بتقيد جميع ما سمعه ورآه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرهم على ذلك حين أمن التباس السنة بالقرآن، على حين كتب أفراد آخرون أشياء قليلة، وظل سائرهم بين قارئ كاتب لكنه مشغول بالقرآن شغلا لا يتيح له كتابة الحديث، فغدا يسمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ويعمل به ولا يجد الحاجة لتقييده، وبين أمي يحفظ من القرآن والحديث ما تيسر له في صدره، وهو ما كان عليه أكثر الصحابة في بدء الإسلام ومطلع فجره.
وانصرف الصحابة إلى القرآن جمعا له في الصدور والسطور، واشتغالهم به عن كل شئ سواه كان جزءا من التوجيه النبوي الحكيم لهؤلاء التلامذة الخالدين من الأميين والكاتبين، وهو توجيه متدرج مع الحياة والأحياء متطور مع الأحداث التي تعاقبت على المجتمع الإسلامي، فما كان لهذا التوجيه أن يجمد على صورة واحدة، بل روعي فيه الزمان، وروعيت الأشخاص.
فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة الأحاديث أول نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن، ولا سيما إذا كتب هذا كله في صحيفة واحدة مع القرآن.1
وقال: " لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" 2.--------------------------------------------
1 وقد أشار إلى ذلك الخطابي في معالم السنن فقال: (يشبه أن يكون النهي متقدما، وآخر الأمرين الإباحة) .
وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب مخطوطا وتقييد العلم بالخط منهيا عنه فلا. اهـ مختصر جـ5 ص 346 كتاب العلم حديث 3499.
2 صحيح مسلم بشرح النووي جـ18 ص 129 كتاب الزهد من حديث أبي سعيد الخدري. وقد أعل بعضهم هذا الحديث ووقفه على أبي سعيد الخدري قال: ابن حجر في الفتح ج1 ص 218: ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره اهـ. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الباعث الحثيث ص 148: وهذا غير جيد؛ فإن الحديث الصحيح. وملحظ الشيخ شاكر لأن الحديث معروف متدوال بين العلماء وفي كتب الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
الصحف المكتوبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
ثم أذن بذلك إذنا عاما حين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون، وأمن اختلاطه بسواه، فقال عليه الصلاة والسلام: " قيدوا العلم بالكتاب" 3.
من المؤكد أن بعض الصحابة كتبوا طائفة من الأحاديث في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كتبها بإذن خاص من النبي صلى الله عليه وسلم.
من تلك الصحف: صحيفة سمرة بن جندب (60هـ) ، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير.--------------------------------------------
3 رواه ابن عبد البر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيدوا العلم بالكتاب". ورواه موقوفا على عمر بن الخطاب وابن عباس مثله، وعن أنس أيضا أنه كان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب اهـ جامع بيان العلم وفضله جـ 1 باب الرخصة في كتاب العلم ص 86.
انظر مسند عبد الله بن عمرو في مسند أحمد 2/158-226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)