فالتمثيل إذا أطلق يراد به: مشابهة الشيء للشيء ومشاركته له في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، فلا يكون بمجرد الموافقة في بعض الصفات(1).
وضابط التمثيل المنفي عن الله: ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين الله تعالى، في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، وذلك فيما يجب له تعالى، أو يجوز له، أو يمتنع عليه.
وكذلك ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص الله تعالى في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله لشيء من المخلوقات.
وذلك أن كل ما كان مختصاً بالمخلوق فلا بد أن يكون فيه نقص، والله تعالي منزه تنزيهاً مطلقاً عن كل نقص، وواجب له كل كمال، ومنزه في كماله عن كل مثال، فامتنع أن يضاف ذلك إلى الله تعالي"(2).
وهذا الحد هو ما أراده أئمة السنة، ممن بين معنى التشبيه بأنه قول المشبه: يد الله كيدي، أو مثل يدي، وسمع الله كسمعي، أو مثل سمعي، كما بين ذلك الإمام إسحاق بن راهويه(3)، وأحمد بن حنبل(4)، وعثمان بن سعيد الدارمي(5)، رحمهم--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية-ط: القاسم (1/ 477)، وفي طبعة المجمع (3/ 135).
(2) انظر: تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة (79)، بيان تلبيس الجهمية (1/ 588)، درء تعارض العقل والنقل (4/ 146) (5/ 84، 327)، منهاج السنة النبوية (2/ 529، 595)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (6/ 35 - 36)، التدمرية (39 - 40، 124).
(3) انظر: جامع الترمذي (3/ 50)، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (153)، فتح الباري (13/ 407).
(4) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (/ 1/ 43 - 45)، المختار في أصول السنة لابن البنا (91)، درء تعارض العقل والنقل (2/ 32)، بيان تلبيس الجهمية (1/ 476 - 477).
(5) انظر: نقض الدارمي على المريسي (1/ 435 - 436).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 861)
الله، وغيرهم، مما يبين أن المحذور إنما هو في إضافة شيء من خصائص صفة المخلوق إلى صفة الخالق، إذ هذا ما يفه من قولهم عن المشبهة: (يد الله كيدي)، كما يبين أن مفهوم التشبيه عندهم لا يتحقق بمجرد إضافة الصفة الله، بل غالب أقوالهم في نفي التشبيه تتضمن الدلالة على أن إثبات الصفة الله لا يعتبر تشبيها.
وبهذا يتبين أن المحذور: إثبات شيء من خصائص أحدهما للآخر، وقولنا: إثبات الخصائص إنما يراد: إثبات مثل تلك الخاصة، وإلا فإثبات عينها ممتنع مطلقا(1)، وسيأتي البيان بأن التمثيل منفي بين الخالق والمخلوق جملة وتفصيلا، سواء كان تمثيلا من كل وجه، أو تمثيلا من وجه دون وجه، لأن لفظ التمثيل قائم على اشتراك المتماثلين في الحقيقة والكيفية.
وأما لفظ التشبيه فيشار فيه إلى ما يلي:
أولا: أن لفظ (التشبيه) لم يرد نفيه وذمه في الكتاب والسنة، وإنما الوارد نفي التمثيل.
ثانيا: أن لفظ (التشابه) ليس مطابقًا في المعنى للفظ (التماثل) الذي ورد نفيه.
قال أبو هلال العسكري في فروقه اللغوية: "إن الشيء يشبه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته"(2).
ويقال في اللغة: إن هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا: إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة(3)، فالتشبيه في اللغة .. قد يقال بدون التماثل في شيء من--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (2/ 596).
(2) الفروق للعسكري (176)، وانظر: نقد الشعر لقدامة بن جعفر (124)، سر الفصاحة للخفاجي (246).
(3) انظر: الجواب الصحيح (3/ 445).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 862)
الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين»(1).
ومما يبين ذلك أن الله تعالى قد قال في كتابه عن نعيم أهل الجنة: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) [البقرة: 20].
قال قتادة وعكرمة(2): "يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب"(3)، وهذا أحد التفسيرين في الآية، فقد وصفت الآية ثمر الجنة بمشابهته لثمر الدنيا، وهي مشابهة واشتراك من بعض الوجوه، مع القطع بنفي المماثلة بينهما، بل بينهما تباين عظيم في الكيفية والحقيقة، فالمشابهة ها هنا ثابتة، والمماثلة منفية، مما يدل على ثبوت الفرق بين المشابهة والمماثلة(4).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و (التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:
وقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و (المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيداً يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية (1/ 477).
(2) عكرمة بن عبد الله، أبو عبد الله البربري، المدني، الحبر، العالم، المفسر، الثقة، مولي ابن عباس، روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، مات سنة (104 هـ). ينظر: طبقات المفسرين للداوودي (1/ 286)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (12).
(3) تفسير الطبري (1/ 391)، تفسير ابن كثير (1/ 205).
(4) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (5/ 347) (6/ 113) (13/ 279)، درء تعارض العقل والنقل (6/ 123 - 125).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 863)
والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلاً، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».
وقول المصنف: "والقرآن قد نفى مسمَّى «المثل» و «الكفء» و «النِّدّ» ونحو ذلك"
فنفى مسمى المثل وذلك كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى الآية: 11].
ونفى مسمى الكفء كما وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص الآية: 4].
ونفى مسمى الند كما في قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة الآية: 22]
وقول المصنف: "ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة".
هناك ثلاثة أقوال في تعريف الصفة.
أولًا: قول أهل السنة والجماعة.
تعريف الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.
والوصف والصفة:
1 - تارة يراد به: الكلام الذي يوصف به الموصوف، مثاله: قول الصحابي في {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص الآية 1]: أحبها لأنها صفة الرحمن(1)--------------------------------------------
(1) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، ح 7375 ولفظ البخاري " فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 864)
3 - وتارة يراد به: المعاني التي دل عليها الكلام كالعلم والقدرة،
وأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به(1)
فإذا كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه، بل لا يكون إلا صفة كالعلم، والقدرة، والكلام، والرضا، والغضب، فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه فتكون قائمة به سبحانه(2)
ثانيًا: قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم.
والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذا ويقولون: إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، فقالوا: إن إضافة الصفات إلى الله من إضافة وصف من غير قيام معنى به(3)
فالقول بأن الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات هو قول المعتزلة(4).
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه، فردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به(5) لأنهم يقولون إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، وينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة أو كلام(6)--------------------------------------------
(1) - رسالة العقل والروح (مطبوعة ضمن الرسائل المنبرية 2/ 38، 39)
(2) - مجموع الفتاوى 17/ 152
(3) - مجموع الفتاوى 6/ 147 - 148
(4) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/ 336 (.
(5) مجموع الفتاوى 6/ 147، 148
(6) مجموع الفتاوى 3/ 335
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 865)
ثالثًا: متكلمة الصفاتية.
الكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الوصف والصفة، فيجعلون الوصف: هو القول، والصفة: المعنى القائم بالموصوف(1).
فأدخلوا في الوصف (الذي هو القول عندهم) صفات الأفعال حتى ينفوا قيامها بالذات.
وأدخلوا في الصفة (التي هي المعنى القائم بالذات) ما أثبتوه من الصفات كصفات المعاني السبعة (العلم، الحياة، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام) ليتأتى لهم على هذا التقسيم اعتبار بعض الصفات قائماً بالذات، وبعضها غير قائم بها، فأرادوا بذلك نفي صفات الأفعال واعتبروها نسباً وإضافات لا تقوم بالذات
وقول المصنف: "فلا تدخل في النص" أي أنهم يقولون إن نصوص نفي المثل والكفء والند تتعلق بالموصوف أي الذات، وليس الصفة، فهي بهذا ليست داخلة في نص المسألة الذي هو الكلام في الصفات.
وقول المصنف: "وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة"
وقد عرف عن أهل الكلام أنهم لم يقبلوا للنصوص الشرعية قولها في صفات الرحمن جل شأنه. لأنها تثبت له من الصفات ما تقتضي عقولهم نفيه، فهم يرجعون في ذلك إلى حكم العقل وحده إثباتا ونفيا ويرفضون أحكام القرآن(2).
قال ابن تيمية: "وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:
فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.--------------------------------------------
(1) - مجموع الفتاوى 3/ 335. 6/ 341. التمهيد للباقلاني (ص 244 - 245).
(2) شرح القصيدة النونية ص 388.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 866)
ومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.
فإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألواناً، مع أن السواد ليس مثل البياض.
وأيضاً فمعلوم في اللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و (فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة»(1).
وهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه»(2)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا(3).
فتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (3/ 444 - 445).
(2) المسامرة شرح المسايرة (308)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (1/ 150 - 151).
(3) انظر: تبصرة الأدلة (1/ 150).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 867)
فساد القول بتماثل الأجسام
المتن
قال المصنف رحمه الله: "وكذلك أيضًا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيّز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه".
الشرح
معروف عن المعتزلة نفيهم لقيام الصفات بالله تعالى لاعتقادهم أن الصفات أعراض وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه(1).
ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة ومن وافقهم في الله: إنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره، ولكان جسماً، إذ إن ثبوت الصفات تقتضي كثرة، وتعداداً في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد.
فبالإضافة إلى زعمهم أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم-أيضاً- يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة، فقد أثبت الإلهين، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية(2).
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 6/ 147 - 148، 359.
(2) انظر: الملل للشهرستاني 1/ 44 - 46، مقالات الإسلاميين 1/ 245، منهاج السنة 2/ 169.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 868)
بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين؛ فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضاً أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزاءه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثاً مخلوقاً، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب، والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها(1).
والمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسماً وإمكان المعاد.
الرد عليهم: مما تقدم نعلم أن المعتزلة بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلاً للصفات والحركات، فلا يكون جسماً ولا متحيزاً؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يكن القول بموجبه.
والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:--------------------------------------------
(1) انظر: مختصر الصواعق 1/ 254.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 869)
أولاً: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليه، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات(1)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات البارئ عز وجل، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و (الجسم) و (العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب--------------------------------------------
(1) انظر: شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض تأسيس الجهمية 1/ 504، 511، وفي مجموع الفتاوى 5/ 418 - 430.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 870)
والسنة فهو باطل قطعاً. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك
وأيضاً: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة(1).
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محمل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء(2).
ثانياً: إن من استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً ليس بعالم ولا قادر ولا حي(3).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه(4).
ثالثاً: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي--------------------------------------------
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 228 - 233).
(2) انظر: كتاب: موقف ابن تيمية من قضية التأويل ص 381 - 385.
(3) مقالات الإسلاميين 2/ 177، وموقف المعتزلة من السنة النبوية ص 53.
(4) موقف المعتزلة من السنة النبوية ص 53.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 871)
مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم(1)، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام وهذا دليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم(2)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من لخطر والتأويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة؛ لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلاً عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة(3).
وأما قولهم: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء.
فهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)} [البروج 12 - 16].
وقال تعالى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ--------------------------------------------
(1) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في: مجموع الفتاوى 13/ 153.
(2) انظر كتاب: رسالة أهل الثغر ص 164 - 172 تحقيق عبدالله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
(3) مختصر الصواعق 1/ 256، 257، ودرء تعارض العقل والنقل 1/ 38 - 40.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 872)
الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى 1 - 5].
وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته(1).
فبهذا يعلمُ ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف 180].--------------------------------------------
(1) القواعد المثلى ص 8.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 873)
معنى الأفعال الاختيارية
المتن
قال المصنف رحمه الله: "وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه.
فلهذا تجد هؤلاء يسمُّون من أثبت العلو ونحوه مشبِّهًا، ولا يسمُّون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبِّهًا، كما يقوله صاحب «الإرشاد» وأمثاله".
الشرح
معلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات فقط وهي ما يسمونها بصفات المعاني وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي:
1 ـ أن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها فصانع العالم عندهم عالم بعلم وحي بحياة وقادر وهكذا.
2 ـ أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته لأن الدليل دل على أنه متصف بها ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم كان هو بعينه مفهوم قولنا قام بذاته علم، فلا تكون الصفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 874)
3 ـ أن هذه الصفات كلها قديمة لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلاً للحوادث وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة.
4 ـ أن الأسماء المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبع صادقة عليه أزلاً وأبداً فهو في القدم كان حياً قادراً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً(1).
فهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع فقط لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعها، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث.
ومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كانوا يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات(2).
فهم ينفون صفة العلو لأنها من الصفات الخبرية(3)، ويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة وإثبات الجهة يقتضي كونه جسماً، وكونه جسماً يقتضي كونه مركباً، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا والله سبحانه منزه عن الحوادث(4).--------------------------------------------
(1) انظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 84 - 101)، بتصرف.
(2) مختصر الصواعق (1/ 255).
(3) الصفات الخبرية وتسمى الصفات السمعية وهي: ما كان الدليل عليها مجرد خبر الرسول دون استناد إلى نظر عقلي كالاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك.
(4) نقض التأسيس (1/ 503).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 875)
فعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق أن ذكرنا الرد على المعتزلة فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيماً وقولا باطلاً فهذا كذلك.
وإن قالوا: إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.
قيل لهم: وكذلك هذا.
فإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.
قيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين(1).
المتن
قال المصنف رحمه الله: "وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو، لكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبى يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم، كما يقولونه في سائر الصفات. والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق".
الشرح
يشير المصنف هنا إلى مسألة القول بتماثل الأجسام من كل وجه وقد "ذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه وهؤلاء يقولون إذا كان هذا حيا عالما وهذا--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (13/ 165).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 876)
حيا عالما لم يجب أن يكون بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أن تتبدل على كل من الأجسام مع بقاء حقيقته.
وهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد بالضرورة بعد التصور الصحيح"(1).
وقول المصنف: "لكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبى يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه"
أي يقول إن العلو صفة خبرية أي تثبت بالخبر أي بالشرع فقط كما في صفة الوجه فلا تستلزم التجسيم عندهم.
وهذا هو قول وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم.(2) الذين يثبتون الصفات الخبرية الذاتية مثل الوجه واليدين والعلو ونحوها من الصفات، وإن كانوا ينفون الصفات الاختيارية النزول، الاستواء، الغضب، الفرح، الضحك.--------------------------------------------
(1) الصفدية 1/ 11
(2) -مجموع الفتاوى 5/ 411، 6/ 52، 53، 4/ 147، شرح الأصفهانية ص 78
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 877)
معنى الهيولى
المتن
قال المصنف رحمه الله: "وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة".
الشرح
مقصود المصنف بقوله: "وأصل كلام هؤلاء كلهم" هم طوائف أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، ومن وافقهم، وقد تقدم الحديث عن المعتزلة واستدلالاتهم والرد عليهم باعتبارهم أنهم ينفون جميع الصفات.
وأما بقية أقوال الصفاتية فيوضحها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات مع مسألة الجسم حيث قال: "ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول):
القول: صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا.
القائلين به: كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني:
القول: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 878)
من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء.
القائلين به: وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث:
القول: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم.
وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
الصنف الرابع:
القول: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام.
القائلين به: فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 879)
وتضليلهم)(1).
المتن
قال المصنف رحمه الله: "والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع المقدمة الثانية، وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وتارة بالاستفصال".
أي أن من الشبه التي يقررون بها أن إثبات االصفات يلزم منه التشبيه هذه الشبهة، وهي مركبة من مقدمتين:
والمقصود بالمقدمة الأولى هنا: قولهم: (إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز). والتحيز عندهم هو توضيح للجسمية لأنهما متلازمان.
والمقصود بالمقدمة الثانية: قولهم: (والأجسام متماثلة).
والنتيجة: أن قيام الصفات به يستلزم مماثلته للأجسام وهو التشبيه.
وهذه شبهة نفاة جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم فشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري عز وجل هي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره(2)
وبين المصنف أن الرد عليهم جاء من وجوه ثلاثة:--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية 1/ 269.
(2) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضاً يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.
انظر الملل للشهرستاني (1/ 44 - 46)، مقالات الإسلاميين (1/ 245)، منهاج السنة (2/ 169).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 880)