تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره (محمد حسين الذهبي)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره
المؤلف: الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (ت 1398هـ)
الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة
الطبعة: الثانية
عدد الصفحات: 31
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره
تأليف: محمد حسين الذهبي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فقد هالني ما كان من بعض دور النشر في مصر وبيروت من الأخذ في طبع كتاب التفسير المنسوب لابن عربي، وإصدار بعض أجزائه وطرحها في الأسواق ليشتريها القراء على اختلاف ثقافاتهم وتفاوت ما بينهم من صلة بعلوم الدين.
وقد قدر لهذا التفسير أن يطبع من زمن بعيد ومضى على طبعته الأخيرة نحو مائة سنة، ونفذت نسخه من الأسواق، ولم يبق منها إلا ما ندر في بعض المكتبات العامة أو الخاصة، وأصبح الكتاب- والحمد لله- في عداد المنسيات أو كاد، وما عرفت المطابع ودور النشر عن إخراج هذا التفسير طوال هذه المدة إلا لما فيه من زيع وفساد، ولعل بقية من دين كان لها أثر في ذلك.
ولكن بعض دور النشر في هذه الأيام أصبحت لا تهتم إلا بما تحصل عليه من أرباح مالية، فتنشر من الكتب ما يحقق لها الربح ولو كانت كلها شرا وفسادا، وما دام الربح يجرى لتفيض به جيوبهم، فلا عليهم بعد ذلك أن يسري الزيغ والضلال إلى قلوب العامة لتفيض بالشك والحيرة في دينها حتى تضل وتشقى!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
هالني ذلك، وهال الكثير غيري، وقال بعض الغيورين على دينهم وكتاب ربهم: ما بال الأزهر يسكت عن مثل هذا الفعل الذي يسيء إلى الإسلام ويذهب بقدسية القرآن!!؟.
وكنت أعلم أن الأزهر- ممثلا في مجمع البحوث الإسلامية- لم يسكت عن هذا العمل الذي اجترأت عليه بعض دور النشر فأحيت به بدعة وأيقظت فتنة، فسارع إلى اتخاذ إجراء- هو من صميم مهمته- لمصادرة ما طبع من هذا التفسير، وللحيلولة دون إتمام طبعه ونشره.
وقال قائل: ولكن بعض أجزاء الكتاب وصلت إلى أيدي القراء وبعضهم- لاشك- مضلل مخدوع، وبعضهم سوف لا يعرف سر توقف ناشره عن نشره، وقد يظنه لأمر مالي، أو لندرة الورق، أو لشيء من هذا القبيل، وحق هؤلاء وأولئك أن يبصروا بحقيقة الأمر، ويعلموا أن الكتاب ضلال يجب أن تقي الناس شره، وتجنبهم ضره.
ورأى بعض الزملاء الأفاضل أن أتجرد لهذه المهمة وأحمل عبئها، دفاعا عن كتاب الله وحماية له من عبث العابثين، وإلا فعلى من وزر هذه الشنيعة النكراء كعبء لا طاقة لي به.
ورأيتني- إن سكت عن هذا الباطل- شيطانا أخرس، فاستخرت الله تعالى في كتابة كتيب يكشف للناس حقيقة ابن عربي، وحقيقة هذا التفسير المنسوب إليه، وسألته- سبحانه- التوفيق والسداد، وأن يجعله عملا خالصا لوجهه، والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.
د. محمد حسين الذهبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
نشأة التصوف وتطوره:
كلمة "تصوف" قيل: إنها مشتقة من الصوف، وذلك لأن الصوفية خالفوا الناس فلبسوا الصوف تقشفا وزهدا.
وقيل: هي مشتقة من "الصفاء"، وذلك لصفاء قلب المريد، وطهارة باطنه وظاهره عن مخالفة ربه!.
وقيل: إنه مأخوذ من "الصفة" التي ينسب لها فقراء الصحابة المعروفون بأهل الصفة.
ويرى بعض العلماء أن الكلمة لقب غير مشتق، قال القشيري
رحمه الله: "ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب، ومن قال باشتقاقه من الصفاء أو الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي. قال: وكذلك من الصوف، لأنهم لميختصوا به"1.
وأيا ما كان الأمر فالتصوف هو- كما قيل- إرسال النفس مع الله على ما يريده.
وقيل: "هو مناجاة القلب، ومحادثة الروح، وفي هذه المناجاة طهرة لمن شاء أن يتطهر، وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرجس والدنس، وفي تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة، وصعود إلى عالم الفيض والإلهام، وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل والنظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، بيد أن الجسم والنفس متلازمان، وتوأمان لا ينفصلان، ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون--------------------------------------------
1 مقدمة ابن خلدون ص 522 ط. الشرفية سنة 1327 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
الآخر، فمن شاء لنفسه صفاء ورفعة فلابد له أن يتبرأ عن الشهوات وملذات البدن.. فالتصوف إذا: فكر، وعمل، ودراسة، وسلوك"1. والتصوف بهذا المعنى موجود منذ الصدر الأول للإسلام، فكثير من الصحابة كانوا معرضين عن الدنيا ومتاعبها، آخذين أنفسهم بالزهد والتقشف، مبالغين في العبادة. فكان منهم من يقوم الليل ويصوم النهار، ومنهم من يشد الحجر على بطنه تربية لنفسه، وتهذيبا لروحه، غير أنهم لم يعرفوا في زمنهم باسم الصوفية، وإنما اشتهر بهذا اللقب فيها بعد من عرفوا بالزهد والتفاني في طاعة الله، وكان ظهو هذا اللقب في القرن الثاني الهجري، قيل: وأول من اشتهر به، أبو هاشم الصوفي المتوفي سنة 55اهـ خمسين ومائة من الهجرة2.
وفي القرن الثاني وما بعده تولدت بعض الأبحاث الصوفية، وظهرت تعاليم القوم ونظرياتهم التي تواضعوا عليها، وأخذت هذه الأبحاث تنمو وتتزايد كلما مر عليها الزمن، وبمقدار ما اقتبسه القوم من المحيط العلمي الذي يعيشون فيه تطورت هذه الأبحاث والنظريات. غير أن الصوفية تأثروا بالفلاسفة أكثر من تأثرهم بغيرهم، وأخذوا من الفكر الفلسفي كثيرا من النظريات الفلسفية التي يتنافي بعضها مع الدين، بل وكون بعض المتصوفة لأنفسهم فلسفات خاصة، وأوغلوا في ذلك حتى أصبحنا نرى بعضا منهم أشبه بالفلاسفة منهم بالمتصوفة.
وكان لبعض هؤلاء المتصوفة فلسفات لا تتفق ومباديء الشريعة، مما أثار عليهم جمهور أهل السنة إلى حد أن رموهم بالكفر والزندقة، ومن--------------------------------------------
1 دروس في تاريخ الفلسفة للدكتور بيومي مدكور ويوسف كرم ص 140.
2 كشف الظنون ح 1 ص150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
ذلك الوقت دخل في التصوف رجال من غير أهله، تظاهروا بالورع والطاعة، وتحلوا بالزهد الكاذب والتقشف المصطنع، ومن هؤلاء الذين اندسوا بين جماعة المتصوفة، جماعة الباطنية الذين تبطنوا الكفر والتحفوا الإسلام، وتستروا وراء مظاهر الزهد الكاذب والورع المصنوع، كما تستروا وراء التشيع لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غرض لهم من وراء ذلك كله إلا أن يفسدوا على المسلمين عقائدهم، ويزعزعوا ثقتهم في دينهم وكتاب ربهم!!.
ولقد نتج عن تأثر المتصوفة بالفلاسفة وبمن اندسوا بينهم من الباطنية أن تنوع التصوف إلى نوعين:
تصوف نظري: وهو الذي يقوم على البحث والدراسة.
وتصوف علمي: وهو الذي يقوم على التقشف والزهد والتفاني في طاعة الله.
وكل من النوعين كان له أثر في تفسير القرآن الكريم، مما جعل التفسير الصوفي يتنوع- هو أيضا- إلى نوعين:
تفسير نظري أو فلسفي، وتفسير صوفي فيضي أو إشاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
التفسير الصوفي النظري أو الفلسفي:
أما التفسير الصوفي النظري أو الفلسفي، فقوامه المباحث النظرية، والتعاليم الفلسفية، والصوفي إذا كان من أصحاب هذه النزعة الفلسفية، نظر إلى القرآن من خلال نزعته، وكله حرص على أن يجد في القرآن ما يشهد لنظرياته وفلسفاته، وليس من السهل أن يجد في القرآن ما يتفق صراحة مع تعاليمه، ولا ما يتمشى بوضوح مع نظرياته فإذا به يحاول أن يطوع القرآن قسرا إلى ما يقول به، وإذا به ينتهي بعد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
إلى تعسف في فهم النص القرآني فهما يخرجه عن ظاهره الذي يؤيده الشرع وتشهد له اللغة!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
ابن عربي والتفسير النظري الفلسفي:
ونستطيع أن نعتبر محي الدين بن عربي شيخ هذه الطريقة في التفسير، إذ أنه أظهر من خب فيها ووضع، وأكثر أصحابه معالجة لتفسير القرآن على طريقة التصوف النظري.
وفي الكتب المنسوبة لابن عربي على اختلافها وكثرتها نراه يطبق
كثيرا من الآيات القرآنية على مفاهيم فلسفية.
فمثلا: يفسر بعض الآيات بما يتفق والنظريات الفلسفية الكونية، فعند تفسيره لقوله تعالى في الآية (50) من سورة مريم في شأن إدريس عليه السلام {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} ويقول ما نصه:
"وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك، وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس وتحته سبعة أفلاك، وفوقه سبعة أفلاك، وهو الخامس عشر.. ثم ذكر الأفلاك التي تحته والتي فوقه، ثم قال: "وأما علو المكانة فهولنا أعني المحمديين، كما قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} في هذا العلو، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة1.
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين (19، 20) من سورة الرحمن: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} يقول ما نصه:--------------------------------------------
1 الفصوص لابن عربي ص 26 ط: الزمان سنة 4 130
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
"مرج البحرين " بحر الهيولى الجسمانية الذي هو الملح الأجاج، وبحر الروح المجرد الذي هو العذب الفرات "يلتقيان" في الوجود الإنساني، "بينهما برزخ " هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الروح المجردة ولطافتها، ولا في كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها "لايبغيان" لا يتجاوز أحدهما حده فيغلب على الآخر بخاصيته، فلا الروح يجرد البدن ويخرج به ويجعله من جنسه، ولا البدن يجسد الروح ويجعله ماديا.. سبحان خالق الخلق القادر على ما يشاء"1.
كذلك نرى ابن عربي يتأثر في تفسيره للقرآن الكريم بنظرية
وحدة الوجود التي هي أهم النظريات التي بنى عليها تصوفه، فتراه في كثير من الأحيان يشرح الآيات على وفق هذه النظرية حتى أنه ليخرج بالآية عن مدلولها الذي أراده الله تعالى منها!!.
فمثلا: عندما تعرض لقوله تعالى في أول سورة النساء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ..} الآية، يقول ما نصه: "اتقوا ربكم" اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم- وهو ربكم- وقاية لكم، فإن الأمر ذم وحمد فكونوا وقايته في الذم، واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين"2.
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين (29، 30) من سورة الفجر: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} يقول ما نصه:
" … وادخلي جنتي التي هي ستري، وليست جنتي سواك، فأنت تسترني بذاتك الإنسانية، فلا أعرف إلا بك، كما أنك لا تكون--------------------------------------------
1 تفسير أبن عربي ج ص 380 من النسخة الأميرية 1283هـ.
2 النصوص ج 1 ص 50
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
إلا بي، فإن عرفك عرفني، وأنا لا أعرف فأنت لا تعرف، فإذا دخلت جنته دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أخرى غزير المعرفة التي عرضا حين عرفت ربك بمعرفتك إياها، فتكون صاحب معرفتين معرفة به من حيث أنت، ومعرفة به بك من حيث هو لا من حيث أنت، فأنت عبد رأيت ربا، وأنت رب لمن فيه أنت عبد، وأنت رب وأنت عبد لمن له في الخطاب عهد"1.--------------------------------------------
1 الفصوص ج1 ص 191-193.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
كلمة الحق في التفسير النظري الفلسفي:
بعد هذه الأمثلة التي سقناها، نستطيع أن نقرر في صراحة واطمئنان. أن التفسير الصوفي النظري تفسير يخرج بالقرآن عن هدفه الذي يرمى إليه: يقصد القرآن هدفا معينا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفي هدفا آخر معينا بأبحاثه ونظرياته، وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد، فيأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده إلى ما يقصده هو ويرمى إليه، وغرضه بهذا كله: أن يروج لتصوفه على حساب القرآن الكريم، وأن يقيم أبحاثه ونظرياته على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته الصوفية ولم يعمل للقرآن شيئا، اللهم إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين، وإلحاد نص آيات الله!!.
رأينا ابن عربي يميل ببعض الآيات إلى مذهبه القائل بوحدة الوجود، ووحدة الوجود- عنده وعند من يقول بها- معناها: أنه ليس هناك إلا وجود واحد، كل العالم مظاهر ومجال له، فالله- سبحانه- هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام، ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز. وهذه النظرية سرت إلى بعض المتصوفة عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله في أئمتهم، وصوروه- أعني الصوفية، بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ...."1.
هذا المذهب الذي، خول لمثل الحلاج أن يقول: أنا الله ولمثل ابن عربي أن يقول: إن عجل بنى إسرائيل أحد المظاهر التي اتخذها الله وحل فيها، والذي جرّه فيما بعد إلى القول بوحدة الأديان لا فرق بين سماوي وغير سماوي، إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم وصور جميع المعبودات.. هذا المذهب الذي يذهب بالدين من أساسه، هل يكون سائغا ومقبولا أن نجعله أصلا نبنى عليه أفهامنا لآيات القرآن الكريم؟.
وهل يليق بهذا الصوفي الذي وضعه مريدوه في القمة أن يتأثر بمذهبه في وحدة الوجود فيقول في شرحه لقوله تعالى في الآية (23) من سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} ما نصه:".. فعلماء الرسوم يحملون لفظ قضى على الأمر ونحن نحمله على الحكم كشفا، وهو الصحيح، فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء إلا لتقربهم إلى الله زلفى، فأنزلهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم وما ثم صورة إلا الألوهية فنسبوها إليهم، ولهذا يقضي الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن يهتضم وإن أخطئوا في النسبة فما أخطئوا في المقام، ولهذا قال: "إن هي إلا أسماء--------------------------------------------
1 وحدة الوجود ليست هي نظرية الحلول، غاية الأمر أن أصحاب القول بوحدة الوجود ينقسمون إلى فريقين: فريق يقول بالحلول، وفريق لا يقول به- انظر الفلسفة الإسلامية للدكتور محمد البهي ص 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
سميتموها" أي أنتم قلتم عنها آلهة.. وإلا فسموهم فلو سموهم لقالوا: هذا حجر، أو شجر، أو ما كان فتتميز عندهم بالاسمية، إذ ما كل حجر عبد ولا اتخذ إلها ولا كل شجر ولا كل جسم منير، ولا كل حيوان، فلله الحجة البالغة عليهم بقوله: "قل سموهم"1.
وأصرح من هذا أنه لما عرض لقوله تعالى في الآية (163) من سورة البقرة: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد} قال ما نصه.
".. إن الله تعالى خاطب في هذه الآية المسلمين والذين عبدوا غير الله قربة إلى الله فما عبدوا إلا الله، فلما قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فأكدوا ذكر العلة، فقال الله لنا: إن إلهكم والإله الذي يطلب المشرك القربة إليه بعبادة هذا الذي أشرك به واحد، كأنكم ما اختلفتم في أحديته.. فقال: وإلهكم، فجمعنا وإياهم إله واحد، فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم، ومن قصد عن أجل أمر فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا من ظهر أنه قصد، كما يقال: من صحبك لأمر، أو حبك لأمر ولى بانقضائه، ولهذا ذكر الله: أنهم يتبرءون منهم يوم القيامة وما أخذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم، لا أنهم جهلوا قدر الله في ذلك، ألا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال: وإلهكم إله واحد؟ ونبههم فقال: "قل سموهم" فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء الله، ثم وصفهم بأنهم في شركهم قد ضلوا ضلالا بعيدا أو مبينا، لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة، لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيدهم وعلموا أنه لا يسمع ولا يبصرو لا يغنى عنهم من الله شيئا".
ويستطرد ابن عربي في الحديث إلى أن يقول: "فإذا علمت هذا وتقرر لديك، علمت أن الله إله واحد في كل شرع عينا، وكثير صورة--------------------------------------------
1 الفتوحات المكية ج3 ص 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
وكونا، فإن الأدلة العقلية تكثره باختلافها فيه، وكلها حق، ومدلولها صدق، والتجلي في الصور كثرة أيضا لاختلافها، والعين واحدة، فإذا كان الأمر هكذا فما تصنع؟ أو كيف يصح لي أن أخطيء قائلا؟.. الخ"1.
وبعد: فالذي أدين الله عليه أن مثل هذا التفسير الذي أخضعه ابن عربي وغيره إلى نظرية وحدة الوجود أو إلى المفاهيم الفلسفية الغامضة، مرفوض بالكلية، لأنه خروج بالنص العربي عن مدلوله، ولا يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أو تابعيهم: أنه نحى مثل هذا المنحى العجيب في التفسير، وكتاب الله أعلى وأجل من أن تلصق به هذه الأفهام الضالة المضلة. "ومن يضلل الله فما له من هادى".--------------------------------------------
1 المرجع السابق ج4 ص 16-17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
التفسير الصوفي الفيضي أو الإشاري:
وأما التفسير الصوفي الفيضي أو الإشاري: فهو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة من الآيات.
الفرق بين التفسير النظري والتفسير الإشاري:
على ضوء ما تقدم نستطيع القول بأن الفرق بين التفسير النظري والتفسير الإشاري من وجهين:
أولا: أن التفسير الصوفي النظري، ينبني على مقدمات علمية تنقدح في ذهن الصوفي أولا، ثم ينزل القرآن عليها بعد ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
أما التفسير الإشاري، فلا يرتكز على مقدمات علمية، بل يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها من سخف العبارات هذه الإشارات القدسية، وتنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية.
ثانيا: أن التفسير الصوفي النظري، يرى صاحبه أنه كل ما تحمله الآية من المعاني، وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل الآية عليه.. هذا بحسب طاقته طبعا.
أما التفسير الإشاري، فلا يرى الصوفي أنه كل ما يراد من الآية بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويراد منها أولا وقبل كل شيء: ذلك هو المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره.
شرعية التفسير الإشاري:
ولسنا ننكر أن للتفسير الإشاري سندا شرعيا، ولا ندعى أنه حدث في الدين ابتدعه المتصوفة في تفسير القرآن الكريم فقد أشار إليه القرآن الكريم بقوله: {.. فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء82، وقوله: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد 24 وبيان ذلك- كما يقرره الشاطبي في الموافقات- 2 ص 382،383-: "أن القرآن له ظهر وبطن، فحيث ينعى القرآن على الكفار أنهم لا يكادون يفقهون حديثا يحضهم على التدبر في آياته، لا يريد بذلك أنهم لا يفهمون نفس الكلام أو حضهم على فهم ظاهره، لأن القوم عرب والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره ولاشك، وإنما أراد بذلك: أنهم لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، وحضهم على أن يتدبروا في آياته حتى يقفوا على مقصود الله ومراده، وذلك هو الباطن الذي جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
ويقرر الإمام السيوطي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبه على التفسير الإشاري بقوله في الحديث الذي رواه الغربابي عن الحسن مرسلا "لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع " وقد فسر الحديث بتفسيرات عدة، ولم أقف له على أصل صحيح يعتد به فلعل المعنى القريب للحديث ما حكاه ابن النقيب: من أن ظهرها: ما ظهر من معانيه لأهل العلم بالظاهر وبطنها: ما تضمنته من الأسرار التي يطلع الله عليها أرباب الحقائق.
وأقول: أن بعض الصحابة كانت لهم في القرآن أفهام فوق ظاهر النص، هي في الواقع إشارات قد لا يفهما الكثير منهم، فمن ذلك مثلا:
ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: أنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ماتقولون في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له: قال إذا جاء نصر الله والفتح، فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول"1.
فبعض الصحابة لم يفهم من السورة أكثر من معناها الظاهر، أما--------------------------------------------
1 البخاري: باب التفسير ج 6 ص 179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
ابن عباس وعمر- رضي الله عنهم فقد فهما معنى آخر وراء الظاهر هو المعنى الباطن الذي تدل عليه السورة بطريق الإشارة.
وأيضا ما ورد من أنه لما نزل قوله تعالى في الآية (12) من سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} ، فرح الصحابة وبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال: ما بعد الكمال إلا النقص مستشعرا نعيه عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج ابن أبى شيبة: أن عمر رضي الله عنه لما نزلت الآية بكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك؟ " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل، فانه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال عليه الصلاة والسلام: "صدقت" 1.
فعمر- رضي الله عنه أدرك المعنى الإشاري، وهو نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره النبي على فهمه هذا. وأما باقي الصحابة فقد فرحوا بنزول الآية، لأنهم أيفهموا أكثر من المعنى الظاهر لها.
هذه الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له ظهر وبطن.. ظهر يفهمه كل من يعرف اللسان العربي، وبطن يفهمه أصحاب المواهب وأرباب البصائر، غير أن المعاني الباطنية للقرآن لا تقف عند الحد الذي تصل إليه مداركنا القاصرة، بل هي أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور، ولقد فهم ابن مسعود رضي الله عنه: أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا فقال: "من أراد علم الأولين والآخرين فليثور2 القرآن" وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} سورة الأنعام "28".--------------------------------------------
1 تفسير الآلوسي ج6 ص60
2 أي لينقر عنه ويفكر في معانيه وتفسيره وقراءته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
هذا، وينبغي أن يعلم أن المعاني الظاهرة للنص القرآني لا يشترط لمعرفتها أكثر من الجريان على اللسان العربي، وكل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من تفسير القرآن في شيء.. لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو مبطل في دعواه.
أما المعنى الباطن، فلا يكفي فيه الجريان على اللسان العربي وحده، بل لابد فيه مع ذلك من نور يقذفه الله تعالى في قلب الإنسان يصير به نافذ البصيرة في التفكير، ومن هذا: أن التفسير الإشاري ليس أمرا خارجا عن مدلول اللغة، ولهذا اشترط العلماء لصحة هذا اللون من التفسير شرطين أساسيين:
أولهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، بحيث يجرى على المقاصد العربية.
ثائيهما: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض.
أما الشرط الأول: فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن وليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إلى القرآن أصلا، ومن قال هذا فهو متقول على الله بالهوى والغرض.
وأما الشرط الثاني: فانه إذا لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض، صار مرر جملة الدعاوى التي تدعى على القرآن، والدعوة المجردة عن الدليل غير مقبولة باتفاق العلماء"1.--------------------------------------------
1 انظر الموافقات للشاطبي ج 3 ص 394.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)