Arabic source text

📘 আল-আওয়ামিলুল মুয়াসসিরাতু ফী নাউতিল হুকমি বিল মাযিন্নাতি আউ বিল হিকমাহ (আয়মান সালিহ)

📘 العوامل المؤثرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة (أيمن صالح)

📘 আল-আওয়ামিলুল মুয়াসসিরাতু ফী নাউতিল হুকমি বিল মাযিন্নাতি আউ বিল হিকমাহ (আয়মান সালিহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مزيل من الطاهرات، كالورق وغيره، ومن جهة العدم: قالوا بعدم إجزاء الحجارة الثلاثة إذا لم تنقِ المحلّ. ولكنّهم، مع ذلك، اشترطوا في المزيل أن يُستعمل في ثلاث مَسَحاتٍ على الأقلّ، وهذا الاشتراط التفاتٌ منهم إلى لفظ التثليث الوارد في المظنّة المنصوصة.
أمَّا الحنفيّة(1) والمالكيّة(2)، فأداروا الحكم مع حكمة الإنقاء وقطعوه عن المظنة تمامًا، فأجازوا الاستنجاء بكلّ طاهر مزيل، وقالوا بعدم إجزاء الحجارة الثلاثة إذا لم تنقِ المحلّ، ولم يشترطوا في المزيل أن يُستعمل في ثلاث مَسحات، بل تكفي المسحة الواحدة إذا كانت مُنقية، فالعبرة عندهم بحكمة الإنقاء لا بعين المزيل ولا عدده. فهم أداروا الحكم مع الحكمة بالكُلِّية، وجودًا وعدمًا، لوضوحها وانفرادها، فاجتهادهم في هذه المسألة من الشكل الأول. والشافعيّة والحنابلة أداروه مع الحكمة، ولكنّهم اشترطوا معها شرطًا استمدّوه من المظنة المنصوصة، إمّا احترامًا لظاهر النصَّ، وإمّا لأنَّهم قدَّروا وجود نوعٍ من التعبُّد في الحكم المنصوص. وإمّا لأمر معنوي وهو أنَّ إنقاء الدّبُر يعسر أن يكون بمسحة واحدة، كما يعسر غالبًا التحقّق من حصول الإنقاء في الواقع لغياب موضعه عن نظر المستجمر، فكان الاحتياط ألّا يُجتزأ بأقلَّ من ثلاث مسحات. وهو ملحظٌ وجيه.

‌‌المطلب الثالث: العوامل المؤثِّرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة في الوقائع:
نظريًّا، التعليلُ بعين الحكمة يَفْضُل التعليل بالمظنة من حيث إنه تعليل بالمقصود من الحكم نفسه، لا بما هو وسيلة إليه، وهذا أدنى إلى تحقيق قصد الشارع من الحكم من غير تفويت له في أيّ جزئية من جزئيّات الحكم.
وفي المقابل التعليل بالمظنة يَفْضُل التعليل بالحكمة من حيث ما يحقِّق من مصالح ثانويةٍ تتمثّل في الضبط مع ما يستبطنه هذا الضبط من التسهيل والاحتياط وقطع النزاع، بالإضافة إلى تحقيق الحكمة والمقصود من الحُكم في معظم الجزئيّات. والتضحيةُ بفوات تحقيق المقصود من الحُكم في بعض الجزئيات؛ نتيجةً للنوط بالمظنة، تُعوِّضُه المصالح الأخرى المترتِّبة على الضبط واطّراد الأحكام.--------------------------------------------
(1) ابن الهمام، فتح القدير، 1/ 213.
(2) الحطاب، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، 1/ 289.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 118)

ولأجل هذا التكافؤ النظري بين نوعي التعليل هذين، كلٌّ من جهة، يتردَّد الفقهاء بينهما في آحاد الوقائع، فمنهم من يعلِّل الحُكم بالحكمة في واقعة، ويخالفه فقيهٌ آخرُ فيعلِّل الحُكمَ بالمظنة في الواقعة نفسها، وأحيانًا يكون للمجتهد الواحد قولان في الواقعة نفسها: أحدُهما دائرٌ مع المظنة، وآخرُ دائرٌ مع الحكمة.
هذا، وإن كان الغالب أن الشارع يعلِّل بالمظانّ المنضبطة، كما ذكر غيرُ أصولي(1)، فتعليله بالحِكَم، وبالأوصاف المطلقة غير المنضبطة بنفسها كلّ الضبط، كثيرٌ أيضًا.
والأمثلة على تردُّد حكم الواقعة بين أن يُجرى مع مقتضى المظنّة، أو مع مقتضى الحكمة - كما مرّ بنا، وسيمرّ أيضًا فيما بقي من هذا البحث - كثيرةٌ جدًّا. وميلُ الفقيه إلى تقرير الحُكم بحسب ما تقتضيه المظنّة (التعليل بالمظنة)، أو ما تقتضيه الحكمة (التعليل بالحكمة)، تؤثِّر فيه عواملُ متعدّدة. ومن الأهميّة بمكان تسليط الضوء على هذه العوامل، ولكن قبل ذلك لابدّ من تحرير محلّ النزاع في التعليل بالحكمة الذي يتعارض مع التعليل بالمظنة؛ إذ تحرير ذلك مقدّمة لا غنى عنها لإدراك مدى تأثير هذه العوامل في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة.
ولذلك جاء هذا المطلب في فرعين:
أحدهما: تحرير محلّ النزاع في التعليل بالحكمة الذي يتعارض مع التعليل بالمظنة.
والفرع الثاني: بيان العوامل المؤثِّرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة في الوقائع.

‌‌الفرع الأول: تحرير محلّ النزاع في التعليل بالحكمة الذي يتعارض مع التعليل بالمظنّة:
اتّفق الأصوليون - من حيث المبدأ - على جواز التعليل بالمظنة: منصوصةً أو اجتهاديّة. وهم متّفقون - فيما يظهر لنا - على جواز التعليل بالحكمة في ثلاثة مواطن(2):
أحدها: إذا كان يُقصد بالتعليل مجرّد إبداء المناسبة والمصلحة من غير نوطٍ للحُكم بالحكمة.--------------------------------------------
(1) ينظر: صالح، "التعليل بالمظنة لا بالحكمة: دراسة أُصولية"، مجلة الصراط، م 21، عدد 38، 53.
(2) ينظر: صالح، "العلّة والحكمة والتّعليل بالحكمة"، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، م 31، عدد 2، 97.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 119)

والموطن الثاني: إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة، فينطبق عليها ما ينطبق على العلة/ المظنة.
والموطن الثالث: إذا كانت الحكمةُ حكمةً للحُكم المستفاد من خطاب التكليف الابتدائي (أي: غير القائم على سبب)، حتّى لو لم تكن ظاهرة أو منضبطة، ونيط الحكم بها وجودًا، كحكم تحريم السرقة حفظًا للمال؛ فيُقاس عليها في التحريم - لا في وجوب الحد - كلُّ ما يؤدّي إلى تضييع المال، كالنبش، والنشل، والاختلاس … الخ.
واختلفوا في جواز التعليل بالحكمة في موطنين:
أحدهما: في حكمة الحكم الوضعي (حكمة السبب والمانع والشرط) - أو الخطاب التكليفي المترتِّب عليه - هل يجوز تعدية الحكم بها أو لا، وهي ما تُعرف بمسألة القياس في الأسباب، ككقياس النبش والنشل والاختلاس على السرقة في وجوب الحدّ لحكمة الزجر عن تضييع المال، وقياس العمل الشاقّ على السفر في إباحة الفطر في رمضان لحكمة دفع المشقّة، حيث نقل النّاقلون - كما قال الغزالي - عن أبي زيد الدّبوسي (ت 430 هـ): «أنَّ الأحكام تتبع الأسباب دون الحِكَم، وأنَّ الأسباب لا تُعلَّل، وأنّ وضع الأسباب بالرأي والقياس لا وجه له، وأنَّ الحكمة ثمرةُ الحُكم ومقصودُه لا علّته»(1). وقال: «ليس إلينا نصبُ الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصبُ أسبابها، وفي نصب الأسباب نصبٌ للأحكام، ولا شروطِها، ففي نصب الشروط المانعة رفعٌ للأحكام. وإذا لم يكن إلينا ذلك بالرأي بطل تعليلُ مدّعيها لأنّه يُعلِّل للنَّصْب»(2). وما قاله الدّبوسي يندرج فيما قررَّه شيخ شيوخه الكرخي حين قال: (ت 340 هـ): «الأصل أنّه يُفرَّق بين علّة الحُكم وحكمته، فإنَّ علَّته موجِبة وحكمتَه غير موجبة»(3).
وممّا يخرّجه الأصوليّون على الخلاف في هذه القضية الخلاف بين الجمهور والحنفية في: قياس النبّاش على السارق، في وجوب القطع، واللائط على الزاني، في وجوب الحدّ، والقاتل بالمثقَّل على القاتل بالمحدَّد، في وجوب القصاص.--------------------------------------------
(1) الغزالي، شفاء الغليل، 604.
(2) الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، 295.
(3) الكرخي، "أصول الكرخي"، في رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية، 127.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 120)

وهذا التخريج ليس بسديد من وجهة نظرنا؛ إذ يمكن ردُّه لخلافهم في القياس في أسباب الحدود خاصّة، لا في عموم الأسباب، والحدود لها مزية أنها تُدرأ بالشبهة لذلك لم يقبل بعض الحنفية في إثباتها خبر الواحد فضلا عن القياس(1).
وقد لقي القول بمنع القياس في الأسباب نقدًا شديدًا من الأصوليّين غير الحنفية، فوصفه الغزالي بأنّه «فاسد، والبرهان قاطعٌ على أنّ نصب السبب حُكمٌ شرعي، فيُمكن أن تُعقل علته، ويمكن أن يتعدّى إلى سبب آخر»(2)، وقال ابن تيمية: هو «خلاف ما عليه الفقهاء، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا»(3). قلت: ومما يؤكد فساده وبطلانه إطباقُ القائسين، حتى الحنفيّة، على قياس ما يشوِّش الذهن على الغضب في «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، فهو «قياس مظنّة على مظنّة» كما قال ابن دقيق العيد(4). والفروعُ المنقولة عن أبي حنيفة، رحمه الله، وحاصلها قياس الأسباب على الأسباب، كثيرة، ولكنّ الحنفيّة يعتذرون عنها بأنّها ليست قياسًا وإنّما دلالة نص (مفهوم موافقة)، أو تنقيح مناط(5)، وإذا كان الأمر كذلك تؤول المسألة إلى خلافٍ في اللفظ والتسمية، ولا ثمرة لها، وهو ما انتهى إليه عددٌ ممن أفرد المسألة بالبحث(6).
والموطن الثاني: اختلفوا في العلة الغائية (حكمة الحُكم أو حكمة السبب) إذا عادت - بعكسها - على مظنتّها المنصوصة بالتخصيص أو التقييد، سواء أكانت هذه المظنة محلّاً للحكم التكليفي، أم الوضعي، كما حصل في استثناء الشافعي "السفر الآمن" من عموم المظنة (السفر) في حديث النهي عن سفر المرأة إلا بمحرم.
وقد أفردنا مسألة عود العلة على أصلها بالتخصيص هذه بالبحث والتأصيل والتمثيل في كتاب "أثر تعليل النص على دلالته"، وزدناها توضيحًا في بحث "فوائد تعليل الاحكام"، وحاصل القول فيها: إنّه يجوز من حيث المبدأ التخصيص والتقييد بالعلّة، ومع ذلك تظل كلُّ مسألة فقهية خاضعةً لنظر خاصٍّ من المجتهد على حيالها، يعتمد على الموازنة بين قوّة العلة/ الحكمة من جهة، وقوّة شمول العموم/ الإطلاق للمحلّ أو الفرد الذي يُراد إخراجه منه--------------------------------------------
(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، 2/ 96.
(2) المستصفى، 329 بتصرف.
(3) ابن تيمية، الصارم المسلول، 487.
(4) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 2/ 272.
(5) السرخسي، أصول السرخسي، 1/ 242.
(6) ينظر: الربيعة، "القياس في الأسباب"، أضواء الشريعة، عدد 12، 93؛ النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، 4/ 1946.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 121)

بالحكمة من جهة أخرى، فكما الحكمة على درجات من حيث القوّة، فكذلك العموم تتفاوت قوّة دلالته على الأفراد/ المحالّ المشمولةِ به بحسب الفرد/ المحل المراد تخصيصه هل هو كثير أو قليل، نادر أو غالب، يخطر بالبال عند ذكر العموم أو لا يخطر.
فإذا تقرّر ما سبق وتحرّر محل النزاع في التعليل بالحكمة الذي يعارض التعليل بالمظنة فقد آن الأوان لبيان العوامل المؤثِّرة في التعليل بأحد الأمرين عند التقابل: المظنة أو الحكمة.

‌‌الفرع الثاني: بيان العوامل المؤثِّرة في نوط الحكم بالمظنّة أو بالحكمة في الوقائع:
هي باستقرائنا العوامل التسعة الآتية:
1. كون المظنّة أو الحكمة منصوصة أو اجتهادية.
2. وجود نصٍّ صريح يلغي التعليل بالمظنّة أو الحكمة في عين الواقعة.
3. مدى احتياج التعليل بالمظنّة، أو بالحكمة، إلى تأويل ظاهر النصّ أو تخصيصه.
4. مذاهب الصحابة في الواقعة محلّ النظر، وهل جرت مع المظنّة أو مع الحكمة.
5. مدى الخفاء أو الاضطراب في الحكمة، والذي قد يتغيّر بتغيّر الزمان.
6. مدى إفضاء المظنّة إلى الحكمة، والذي قد يتغيّر بتغيّر الزمان.
7. مدى قوّة مناسبة الحكمة لحُكم الواقعة.
8. مدى انفراد الحكمة بحكم الواقعة.
9. كون الواقعة المعلّلة في مجالٍ يكثر فيه التعبُّد، أو في مجالٍ يكثر فيه التعليل.

‌‌أوّلًا: كون المظنّة أو الحكمة منصوصة أو اجتهادية:
لا شك في أنّ النص الشرعي له الصدارة في نظر المجتهد عند تقرير الحكم الشرعي في مواطن الخلاف، فهو يعلو ولا يُعلى عليه، ويقضي ولا يُقضى عليه. ولذلك لا تتمتّع المظانّ التي لا تستند إلى نصٍّ صريح - بأن قال بها العلماء اجتهادًا - وكذلك الحِكَم

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 122)

المستنبطة، لا تتمتّعان بنفس الوزن والاعتبار الذي تناله المظانّ والحِكَم المنصوصة أو المجمع عليها.
وللمظنة والحكمة في آحاد الوقائع أربعُ حالات من حيث الاستناد إلى النص، أو الاجتهاد، كالآتي:
الأولى: أن تكون المظنة منصوصة والحكمة اجتهاديّة.
الثانية: العكس: بأن تكون الحكمة منصوصة والمظنة اجتهاديّة.
والثالثة: أن تكون المظنة والحكمة كلاهما منصوصًا.
والرابعة: العكس: بأن تكون المظنة والحكمة كلاهما اجتهاديًّا.
وفيما يلي إلقاء للضوء على هذه الحالات الأربع:

‌‌الحال الأولى: أن تكون المظنة منصوصة والحكمة اجتهادية:
ومثال ذلك النهي عن سفر المرأة إلا مع محرم أو زوج، فالسفر، وهو المظنة، منصوصٌ عليه، وأمّا الحكمة، وهي أمن الطريق، فمستنبط، لذلك دار الجمهور مع المظنة ونازعوا في أنّ الأمن وحده هو المقصود من النهي، لأنّ المرأة، بالإضافة إلى الأمن، تحتاج إلى من يقوم على حاجاتها في السفر أيضًا(1).
ومثاله أيضا قطع الزكاة عن المؤلّفة قلوبهم، كما في اجتهاد أبي حنيفة، رحمه الله، لأنّ إعطاء النبي، صلى الله عليه وسلم، إيّاهم كان معلولًا بحكمة ضعف المسلمين، فكأنّ إعطاءَهم كان لحاجة الدولة إليهم دفعًا لخطرهم المحتمل إذا ما انقلبوا، أو دفعًا لخطر مَنْ وراءَهم من الكفار، أو تكثيرًا لسواد المسلمين، ومع عزّة الإسلام، وانتشاره، وكثرة أتباعه، تنتفي هذه الحكمة. والجمهور داروا مع المظنة وهي وجود وصف التأليف نفسه، لا مع الحكمة المذكورة، ورأوا أنّ التأليف والتحبيب في الإسلام مقصودٌ أيضًا بغضّ النظر عن حاجة الدولة للمؤلّفة وعدمها، ومن ثَمّ لا يتأثّر بقوّة الدولة وضعفها(2).--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن الهمام، فتح القدير، 2/ 421.
(2) ينظر: أبو عبيد، الأموال، 720؛ ابن هبيرة، اختلاف الأئمة العلماء، 1/ 215.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 123)

‌‌الحال الثانية: أن تكون الحكمة منصوصة والمظنّة اجتهادية:
الغالب في الشرع النصّ على المظنة لا على الحكمة، ولكن ثمّة حالات ينصّ الشارع على وصف لا يبلغ الغاية في الانضباط والظهور، أو ربّما صارت تلزم عنه مفسدة بتغيّر الزمن، فيجتهد الفقهاء بوضع ضابط لهذا الوصف يكون مظنة له، وينيطون الحكم بهذه المظنة الاجتهادية، ويقطعونه عن الوصف الشرعي المنصوص (المظنة المنصوصة)، أي أنّهم يقيمون المظنة الاجتهادية مقام المظنة المنصوصة. وحينئذٍ تُصبح المظنة المنصوصة حِكمةً بالنّسبة إلى المظنّة الاجتهادية؛ لأنّ هذه الأخيرة (المظنة الاجتهادية) تُفضي إليها (أي إلى المظنة المنصوصة) وتضبطها. وكنا قد أشرنا إلى أنّ اعتبار وصف ما "مظنة" أو "حكمة" هو أمر نسبي في عديد الأحيان تحكمُه ظاهرة تسلسل العلل والأوصاف، فيكون الوصف مظنةً بالنسبة لما يقع بعده في التسلسل من الأوصاف، ويكون حكمةً، في الوقت نفسه، بالنسبة لما يقع قبله(1).
ومثال هذه الحالة نوط جمهور الفقهاء وجوب المهر كاملًا على الزوج بمجرّد خلوته بالمرأة، مع أنّ النصّ علَّق الحكم ظاهرًا بالدخول ولم يذكر الخلوة، ولكن لما رأى كثيرٌ من الفقهاء أنّ الدخول يتّصف بالخفاء عن الشهود، فيعسر إثباته في مجاري القضاء، إذا ادّعته المرأة ونفاه الزوج، ناطوا الحكم بمظنّته، وهي الخلوة، وأداروا الحكم معها بغضّ النظر عن حصول الدخول وعدمه(2).
ومثال ذلك أيضًا نوطُ الفقهاء البلوغَ بسنٍّ معيّنة، سواء ظهرت علامات البلوغ على المكلّف أم لم تظهر، مع أنّ الشرع نصّ على الاحتلام والحيض ولم ينصّ على السنّ، لكنّهم اعتبروا أنّ هذه السنّ مظنّة للبلوغ الحقيقي، واختلفوا في تقديرها اختلافًا كثيرًا. وكذلك اختلفوا في السنّ التي يثبت معها النَّسب من الزوج، فبعضهم جعلها سنّ البلوغ نفسها؛ لأنها مظنّة القدرة على الإنجاب؛ وبعضهم نزل فيها دون ذلك؛ لأنّ البلوغ الحقيقي كثيرًا ما يكون بأقلّ منها في الواقع، والنَّسب مبناه على الاحتياط(3).--------------------------------------------
(1) صالح، "العلّة والحكمة والتّعليل بالحكمة"، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، م 31، عدد 2، 86.
(2) ينظر: الطحاوي، مختصر اختلاف العلماء، 2/ 348.
(3) ينظر: السبكي، إبراز الحكم من حديث رفع القلم، 70.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 124)

وقريبٌ من ذلك أيضًا اجتهاد أبي حنيفة، رحمه الله، في حدِّ سنّ الرشد (الذي يَدفع الوليُّ بموجبه المالَ إلى اليتيم) بما لا يتجاوز خمسًا وعشرين سنة(1)، مع أن الآية الموجِبة للدفع أطلقت إيناس الرشد من اليتيم من غير حدّه بسنّ معينة، لكن رأى أبو حنيفة، رحمه الله، أنّ سنّ خمس وعشرين مظنّة غالبة للرشد فناط الحكم بها، سواء أُنِس الرشد من اليتيم فِعلًا أم لا، وذلك دفعًا لتعسّف الأولياء في ادّعاء عدم رشد اليتيم على ما يبدو.

‌‌الحال الثالثة: أن تكون المظنّة والحكمة كلاهما منصوصًا:
وهو كثيرٌ في الشرع، كما ورد النص في رخصة الفطر في رمضان في السفر والمرض لحكمة التيسير. والأمر بالوضوء عند القيام للصلاة لحكمة التطهير، والأمر بالزواج عند الباءة لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وندب الاقتصار على زوجة واحدة لأنه أبعد عن الظلم أو عن الفقر على اختلاف المفسرين في قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3](2)، وتحريم الخمر والميسر للعداوة والبغضاء والصد عن الذكر، وورد تحريم الخمر في السنة معلَّلا بالإسكار، وهو نوع ضبط للحكمة المذكورة في القرآن، لأنّ حصول السكر هو مظنة حصول العداوة والبغضاء والصد عن الصلاة والذكر. والنهي عن السفر بالقرآن مخافة أن يناله العدو، والنهي عن مناجاة اثنين دون الثالث؛ لأنّ ذلك يحزنه، وغير ذلك كثير.

‌‌الحال الرابعة: أن تكون المظنّة والحكمة كلاهما اجتهاديًّا:
وهذا إنما يكون في الأحكام غير المنصوص على مظنتها ولا على حكمتها، وهي الأحكام القائمة على الاستصلاح المرسل، كالذي يكون في التنظيمات الإدارية والأحكام الوضعية، كإلزام المفتي والقاضي بالقضاء بمذهب معين أو بالمعتمد منه أو بالقانون، وذلك لحكمة ضبط القضاء ومنع التلاعب به، وإلزام الناس بقواعد المرور والعقاب على تركها، وكذا إلزامهم باستصدار بطاقات الهوية وجوازات السفر ورخص العمل والإقامة وغير ذلك من--------------------------------------------
(1) السرخسي، المبسوط، 24/ 162.
(2) ينظر: الطبري، جامع البيان، 7/ 458.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 125)

التنظيمات الإدارية التي تهدف إلى حفظ المصالح على الناس ودفع المفاسد عنهم بوسائل منضبطة بأسبابها وشروطها وموانعها من جهة الاجتهاد لا النص.
وعدمُ وجود النص الشرعي على هذه الوسائل/ المظانّ بعينها، ولا على نظيرٍ قريب منها يمكن قياسها عليه، لا يعني عدم مشروعيّتها واعتبارها، وذلك لأنَّ المصالح الناجمة عنها تندرج بأجناسها العُليا في المصالح الشرعية، فكونها أحكامًا مرسلة يعني أنها مرسلة عن النص والقياس اللذين يشيران إلى المعنى المصلحي المترتب عليها بعينها أو بنوعها القريب، وليست مرسلة عن جنس المصالح الشرعيّة، كعموم حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل والعرض، بل هي مندرجة فيها، ولذلك كانت هذه المظانّ المحقِّقة لهذه المصالح المندرجة في عموم مقاصد الشريعة مظانَّ معتبرةً شرعًا.
والحاصل بعد استعراض هذه الحالات الأربع وأمثلتِها، أنّ النص على المظنة أو الحكمة أو الإجماع عليهما يجعل لهما مزيّةً واعتبارًا أقوى ممّا لو لم يكونا منصوصين، وذلك لما يحمله النصّ - وكذا الإجماع - من دلالة على اعتبار الشارع لهما.
ومما تجدر الإشارة إليه هاهنا أنّ النصّ على كلٍّ من المظنة أو الحكمة قد يكون بنصٍّ واحد أو بمجموعة نصوص، وقد يكون بنصٍّ أو نصوصٍ صريحة أو غير صريحة (إشارية). وكلُّ هذا يؤثّر في مدى قوّة الاعتماد على كلٍّ من المظنّة أو الحكمة. ومثال ذلك مسألة النهي عن سفر المرأة إلا بمحرم، حكمتها وهي أمن الطريق مستنبطة، لكن قوّاها الشافعية بالمعنى الإشاري الذي جاء في الحديث: «لترينّ الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله»(1).
ومثال ذلك أيضًا النهيُّ عن إسبال الثوب، جاء مطلقًا في نصوصٍ ومقيَّدًا في أخرى بحكمة الخيلاء(2)، وجاء في نصٍّ شبه صريح نوطُ حكم الإسبال، من جهة العدم، بالخيلاء، حيث قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «إنّك لست تصنع ذلك خيلاء»(3). وقد كان لذلك--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، 4/ 197.
(2) ينظر: المرجع السابق، 7/ 141؛ مسلم، الصحيح، 1/ 102.
(3) البخاري، الصحيح، 5/ 6.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 126)

أثرٌ كبير في تبنّي جمهور الفقهاء القول بعدم نوط حكم التحريم بمجرّد الإسبال (المظنة)، بل بما يتضمّنه الإسبال عرفًا من معنى الخيلاء (الحكمة).

‌‌ثانيًا: وجود نصٍّ صريح يلغي التعليل بالمظنّة أو الحكمة في عين الواقعة:
هذا العامل يؤثّر بطريقة معاكسة للعامل السابق؛ إذ عِوضًا عن تأييد اعتبار المظنة أو الحكمة بالنص، قد يعمد الشارع إلى إلغاء اعتبار التعليل بأحدهما بالنصّ على هذا الإلغاء.
ومن الأمثلة على ذلك عدم اعتبار «الشّبَه» في إلحاق نسب المولود بالزوج أو السيّد؛ إذ ممّا لا شكّ فيه أنّ انقطاع الشبه بين المولود والزوج -كولدٍ أبيضَ لزوجين أسودين أو العكس - وإن لم يكن قاطعًا في انتفاء النسب، فهو مظنّة قويّة للارتياب فيه. ومع هذا فقد ألغاه النبي، صلى الله عليه وسلم، على حياله، حُجّة لإثبات النسب أو نفيه، كما دلّ عليه الحديثان: حديث «لعلّه نزعه عرق»(1)، وحديث ولد زَمْعة: «الولد للفراش»(2).
ومن الأمثلة أيضًا إعلانُ الكافر لإسلامه مع قيام قرائن عدم صدقه في ذلك، كأن يعلن كلمة الإيمان تحت السيف، فغالب الظنّ أنه أسلم تعوّذًا لإحراز دمه لا إيمانًا. ومع ذلك جاء النص بلزوم العمل بالمظنة (إعلان كلمة الإسلام)، وترك التعويل على الحكمة (حقيقة الإيمان)، كما دلّ عليه حديث أسامة بن زيد، رضي الله عنه، حين قَتل من نطق بكلمة التوحيد خوفًا من السيف، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله»(3).
ومنها: تركُ التعويل على ظنّ الإحداث في الصلاة بمجرّد الحسّ الداخلي، من دون سماع صوت ظاهر أو شمّ ريح(4)، وفي هذا دليل على لزوم ترك العلامة الخفية (مظنة الإحداث)، والتعويل على العلامة الظاهرة القطعية التي يُتيقّن معها من حصول الحكمة (حقيقة الإحداث)، فهو نقل للاعتبار من المظنة إلى المئنة/ الحكمة. وكذلك في الحكم بنجاسة الثوب أو المكان دلّت أدلة شرعية عدّة على اعتبار المئنة/ الحكمة وعدم التعويل على المظانّ.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، 7/ 53؛ مسلم، الصحيح، 2/ 1137.
(2) البخاري، الصحيح، 3/ 81؛ مسلم، الصحيح، 2/ 1080.
(3) البخاري، الصحيح، 5/ 144؛ مسلم، الصحيح، 1/ 96.
(4) ينظر: البخاري، الصحيح، 1/ 39؛ مسلم، الصحيح، 1/ 276.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 127)

ومن الأمثلة على إلغاء اعتبار التعليل بالحكمة في بعض المواطن ما دلّ النصُّ على بقائه من الأحكام بعد زوال حكمته التي شرُع لأجلها ابتداء، وذلك كرَمَله واضطباعه، صلى الله عليه وسلم، في حجّة الوداع، ولم يكن يومئذٍ بمكة مشرك، فدلّ ذلك على إلغاء التعليل بالحكمة التي شُرع الرمل والاضطباع لأجلها في عمرة القضية، وهي إظهار القوّة والجلَد للمشركين(1).
ومن ذلك أيضًا: إلغاءُ التعليل بحكمة الخوف التي لأجلها شُرع القصر في السفر: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 101]، وذلك لاستمرار فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، القصر، حتى مع ارتفاع الخوف، ولقوله حين روجع في ذلك: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»(2).
ومما يجدر التنبيه إليه هنا أنّ زوال الحكمة في هذه الوقائع لا يعني أنّ الحكم استمرّ من غير حكمة مطلقًا، فهذا غير وارد لأنّ الشارع حكيم، بل كلُّ ما في الأمر أنّ الحُكم شرُع ابتداءً لحكمة معيّنة ثمّ استمرّ لحكمةٍ أخرى خَلَفتِ الحكمةَ الأولى.

‌‌ثالثًا: مدى احتياج التعليل بالمظنّة، أو بالحكمة، إلى تأويل ظاهر النصّ أو تخصيصه:
قد لا يلزم أن تكون المظنة أو الحكمة المقول بهما اجتهادًا واقعتين في مقابل نصٍّ صريح، بل في مقابل نصٍّ ظاهرٍ أو عام. وحينئذٍ تتباين مسالكُ الفقهاء في اتّباع أيٍّ منهما.
ومثال ذلك حادثة الأمر بالصلاة في بني قريظة المشهورة(3)، فمن اعتبر الحكمة نظر إلى الإسراع فصلى في الطريق عندما خشي فوات الوقت فاستثنى من عموم النص في الأحوال هذه الحالة، ومن لم يعتبر الحكمة لمعارضتها ظاهر النص صلّى في بني قريظة ولو خارج الوقت، أو يُقال بأنّه رأى أنّ النزول إلى الصلاة في الطريق مع ما يستلزمه من التأخير، ولو يسيرًا، يفوّت حكمة الإسراع ولو جزئيًّا. وحينئذٍ يكون الخلاف بين الطرفين لا لمجرّد التعارض بين اللفظ والمعنى، كما درج كثيرون على ذكره، وإنما بسبب اختلاف وجهة النظر فيما يحقِّق الحكمة على التمام أو ينتقصها بعض الشيء. وهو ما نرجّحه لأنّ معنى الإسراع--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، 2/ 159؛ مسلم، الصحيح، 2/ 923.
(2) مسلم، الصحيح، 1/ 478.
(3) البخاري، الصحيح، 2/ 15؛ مسلم، الصحيح، 3/ 1391.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 128)

المفهوم من النص في غاية الجلاء، ويبعُد أن تغفله طائفة كبيرة من الصحابة بالكلّيّة وتتشبّث بالألفاظ بجمود، على طريقة الظاهرية.
وكنّا قد أشرنا سالفًا في مقدّمة هذا المطلب إلى مسألة "تأثير تعليل النص على دلالته"، وإلى حاصل القول فيها، فلا نكرّر الكلام هنا.
وأحيانًا تكون المظنة المقول بها اجتهادًا هي المعارضة لظاهر النص لا الحكمة، كما في اجتهاد الجمهور في إناطة ثبوت المهر بالخلوة لا بالدخول، وكما في اجتهاد أبي حنيفة بتقييد إيناس الرشد بسنّ معيّنة على خلاف إطلاق نص الشارع.
وفي هذه الأحوال - عندما تقع الحكمة أو المظنة الاجتهادية - في مقابل ظاهر النص يلجأ المجتهد إلى الموازنة بين الظنّين: الظنّ المستفاد من ظاهر النص، والظنّ المستفاد من الحكمة أو المظنة الاجتهادية، ولا شكّ أنّه لا يصير إلى ما تقتضيه المظنة أو الحكمة إلا إذا وجد إحداهما من القوّة بمكان بحيث تفوق قوّة الظهور في ألفاظ النصّ المقابل لها.

‌‌رابعًا: مذاهب الصحابة في الواقعة محلّ النظر، وهل جرت مع المظنّة أو مع الحكمة:
مذاهب الصحابة، رضوان الله عليهم، تحظى بتقديرٍ كبير من الفقهاء، ولا شكّ في أنّ الصحابة إذا اتّفقوا على حكم المسألة، سواء أكان حكمهم سائرًا مع المظنة، أم مع الحكمة، فإنّ الفقهاء يتّبعونه، ولكن الذي يحصل كثيرًا أن تكون أقوالهم مختلفة، أو تُنقل المسألة عن الواحد منهم، أو عن العدد اليسير، من غير تحقُّق من انتشار قولهم وما عساه يكون مؤشِّرا على إجماعهم عليه، وحينئذٍ يتفاوت الفقهاء في العمل بأقوالهم التي تجري مع المظنة أو مع الحكمة، ولاسيّما إذا لزم من هذه الأقوال تأويلُ النصّ الشرعي أو تخصيصه، كمثل اجتهاد عمر، رضي الله عنه، في المؤلّفة قلوبهم(1)، حيث ناط الحُكمَ بحكمةٍ مستنبطة، تخصِّص النص بحالٍ دون أخرى، وكما في اجتهاده، رضي الله عنه، في نقل الدية من العاقلة إلى أهل الديوان(2)، وهو قياس مظنة على مظنة بحكمة التناصر، وكما في اجتهاد عثمان، رضي الله عنه، بتوريث المبتوتة في مرض الموت(3)؛ نظرًا إلى الحكمة، وهي معاملة المطلِّق في مرض--------------------------------------------
(1) قلت: «أخرجه من حكاية عَبيدَة السَّلماني ابنُ أبي شيبة (المصنف: 6/ 473) مختصرا. والبخاري (التاريخ الأوسط: 1/ 56) مختصرا، ويعقوب بن سفيان الفسوي (المعرفة والتاريخ: 3/ 293) … والبيهقي (السنن الكبرى: 7/ 32)، وابن عساكر (تاريخ دمشق: 9/ 195)، «بإسنادٍ صحيح»، كما قال ابن حجر (الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 254)» ينظر: صالح، أهل الألفاظ وأهل المعاني: دراسة في تاريخ الفقه، 23.
(2) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، 9/ 159.
(3) المرجع السابق، 7/ 26؛ وصححه الألباني، إرواء الغليل، 6/ 159.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 129)

الموت بنقيض قصده، مع أن ذلك مخصِّصٌ لظواهر النصوص القاضية بعدم ميراث المبتوتة، ومُخرِجٌ حالَ مرض الموت منها، وكما في جَعْل عمر، رضي الله عنه، وأكثرِ الصحابة، ثبوتَ كامل المهر منوطًا بالخلوة لا بالدخول(1)، وحكمِهم بوفاة المفقود بعد أربع سنين(2)، وجعْلِهم حدَّ شرب الخمر ثمانين(3)؛ لأنّ الشارب في مظنة القاذف فأُلحق به، فهو من القياس في المظانّ، وهذا مخالفٌ لما كان عليه الحال في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، وزمن أبي بكر، رضي الله عنه(4).
وعند اختلاف الصحابة، فإنّه من الملاحظ أنّ الشافعي، رحمه الله، يَجري - في الغالب - مع المذاهب التي لا يلزم منها تخصيصُ النصوص وتأويلها، حتّى لو كان القائلون بها قلّةٌ من الصحابة خالفوا بها جمهورهم، أو خالفوا مذاهب الخلفاء الراشدين، بخلاف بقيّة الأئمة المجتهدين الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد، عليهم الرحمة، ولذلك لم يَقُل الشافعي بتوريث المبتوتة في مرض الموت(5)، ولا بالحكم بوفاة المفقود في أربع سنين(6)، ولا بنقل الدّية إلى أهل الديوان(7)، ولا بالجلد ثمانين في الخمر(8)، ولا بثبوت كامل المهر بالخلوة(9)، وغير ذلك ممّا لو استُقرئ لوجد كثيرًا، ولعلّ هذا كان سببًا في توهّم من قال من الشافعية: إنّ الشافعي لا يحتجّ بأقوال الصحابة، مع أنّ هذا مخالفٌ لما صرَّح به من اعتماده عليها(10). ولعلّ الصواب القول إنّه يحتجّ بآثار الصحابة، وبقول جمهورهم، لكن إذا لم تقتض تأويلَ النصّ. والمسائلُ المنقولة آنفًا تخالف أقوالُ جمهورِهم فيها ظاهرَ النصّ، فلعلّه لهذا لم يأخذ بها، رحمه الله. والله أعلم.

‌‌خامسًا: مدى الخفاء أو الاضطراب في الحكمة، والذي قد يتغيّر بتغيّر الزمان.
الحكمة هي الوصف الحقيقي المقصود من الحُكم، ولكن يَعدِل الشارع عن نوط الحكم بهذا الوصف إذا كان خفيًّا أو مضطِّربًا، إلى نوطه بوصفٍ ظاهرٍ منضبط هو مظنّة له. وهذا العدول لثلاث غايات: التسهيل والاحتياط وقطع النزاع، وقد أفضنا في بيان ذلك في بحثٍ سابق(11).--------------------------------------------
(1) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، 6/ 338؛ وصححه الألباني، إرواء الغليل، 6/ 356.
(2) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، 7: 47؛ وصححه الألباني، إرواء الغليل، 6/ 150.
(3) مسلم، الصحيح، 3/ 1331.
(4) المرجع السابق.
(5) الشافعي، الأم، 5/ 241.
(6) المرجع السابق، 1/ 299.
(7) المرجع السابق، 6/ 124.
(8) المرجع السابق، 7/ 192.
(9) المرجع السابق، 5/ 264.
(10) العلائي، إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، 37.
(11) صالح، "التعليل بالمظنة لا بالحكمة: دراسة أُصولية"، مجلة الصراط، م 21، عدد 38، 59.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 130)

والحِكَم، في اتّصافها بالخفاء أو الاضطراب، طرفان وواسطة:
فمنها حِكَمٌ ظاهرة منضبطة يتّفق أكثر الفقهاء على نوط الحكم بها وجودًا وعدمًا، كحكمة الإسكار في الخمر، وحكمة الإنقاء في الاستجمار، وحكمة تطهير الأسنان في الاستياك، وحكمة إرهاب العدوّ في الأمر بإعداد القوة ورباط الخيل، وغير ذلك من الحِكَم التي يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا.
ومنها حِكَمٌ غايةٌ في الخفاء أو الاضطراب، لذلك يتّفق الفقهاء على عدم نوط الحكم بها في ذاتها، بل بمظنّتها، كوصف الرضا في العقود، والعمدية في القتل الموجب للقصاص، والمشقّة في رخصة الإفطار، والزجر في وجوب الحدود.
ومنها حِكَمٌ هي في الوسط، ولذلك يختلف الفقهاء بين نوط الحكم بها مباشرة، أو بمظنتها:
كحكمة ثبوت كامل المهر هل يكون بالخلوة أو الوطء، لأنّ الوطء مما لا خفاء فيه في ذاته، بل هو ظاهر منضبط علّق الشارع به كثيرًا من الأحكام، كوجوب الغسل، ووجوب الحدّ، وغير ذلك، ولكن في موضوع ثبوت المهر احتيج إلى ظهورٍ يمكن إثباته عند تنازع الزوجين - أو ورثة أحدهما - فيه بين منكر ومثبت، والوطء ممّا يعسر إثباته بالبيّنة عند النّزاع، ولذلك أُقيمت الخلوة مقامه عند الجمهور؛ لأنّها ممّا يتيسّر إثباتها بالبيّنة عند الإنكار(1).
ومن ذلك أيضًا حكمة الشهوة - أو اللّذة - التي علّق بها المالكية(2) والحنابلة(3) حكمَ نقض الوضوء؛ إذ كثيرًا ما يختلط أمرها على المكلّف، ولذلك علّق الشافعيّة(4) الحكم بمظنّتها لا بعينها، وهو لمس من هنّ مظنّة للشهوة من النساء، سواء حصلت الشهوة أم لم تحصل.
ومما تجدر الإشارة إليه هاهنا أن الحكمة قد تكون خفيّة أو مضطربة في زمن النص، أو بعده، فينيط الشارع أو الفقهاء الحكم بمظنّتها، ولكن بتغيّر الزمن تنقلب هذه الحكمة من--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن رجب، القواعد، 3/ 132؛ ابن قدامة، المغني، 8/ 100.
(2) الحطاب، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، 1/ 296.
(3) البهوتي، كشاف القناع، 1/ 301.
(4) الشربيني، مغني المحتاج، 1/ 145.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 131)

وصف الخفاء إلى وصف الظهور فتحتاج حينئذٍ المسألة إلى إعادة اجتهاد؛ لأنّ الحُكم إنما شُرع للحكمة لا للمظنّة، وأُنيط بالمظنّة في زمن النص أو زمن الفقهاء استثناءً لمصلحة الضبط والتيسير، فإذا أمكن نوطُه بالحكمة مباشرة في الأزمان اللاحقة؛ لأنّها أصبحت ظاهرة منضبطة فهو أولى. قال الآمدي (ت 631 هـ): «إذا كانت الحكمة - وهي المقصود من شرع الحكم - مساويةً للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها»(1). وقال الزَّنجاني (ت 656 هـ): «حيث اعتبرنا صور الأسباب دون مضمونها فذلك لتعذُّر الوقوف والاطّلاع على مضمونها، وإلا فمتى أمكن الاطّلاع على مضمون السّبب فهو المعتبر لا صورة السّبب»(2). وقال القرافي (ت 684 هـ): «القاعدة: أنّه لا يُعدَل إلى المظنّة إلا عند عدم انضباط الوصف [أي الحكمة] دائمًا أو في الأغلب»(3). وقال ابن تيميّة (ت 728 هـ): «المظنّة إنّما تُقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفيّةً، أو غير منضبطة، فأمّا مع ظهورها وانضباطها فلا»(4). وقال الرّهوني (ت 773 هـ): «لو وُجدت حكمة مجرّدة، وكانت ظاهرة منضبطة بحيث يمكن اعتبارها ومعرفتها، جاز اعتبارها وربطُ الأحكام بها على الأصحّ؛ لأنّا نعلم قطعًا أنّها هي المقصودة للشارع، واعتباره المظنّة لمانع خفائها واضطرابها، فإذا زال المانع من اعتبارها، جاز اعتبارها قطعًا»(5). وقال الونشريسي (ت 914 هـ): «مَنْعُ التعليل بالحكمة مشروطٌ بالخفاء أو عدم الانضباط. أمّا مع الظهور والانضباط فلا على ما هو المختار»(6).
ومن الأمثلة على ذلك حكمُ بعض الفقهاء بعدم جواز شقّ بطن المرأة الحامل المتوفّاة لاستخراج الجنين، لأنّ الغالب موتُه بموتها. فناطوا الحكم بالمظنة؛ لأنّ الوقوف على حقيقة حياته لم تكن ممكنة في زمنهم. قال إسحاق بن راهويه (ت 238 هـ): «وكيف يجوز ذلك، وليس أحد يستيقن بأنّه ولدٌ حي؟!»(7)، وأمّا اليوم فلا حاجة لأن يُناط الحكم بالمظنة، بل يُناط بحقيقة الحكمة مباشرة، وهي حياة الجنين، فيُقال إن كان حيًّا، ويمكن إخراجه حيًّا، فيجوز شقُّ بطنها لاستخراجه، وإلا فلا يجوز، ويسهل على الأطباء اليوم تحديد ما إذا كان الجنين في بطنها حيًّا أو ميتًا قبل إجراء عملية الشقّ عن طريق أجهزة السونار.--------------------------------------------
(1) الآمدي، الإحكام، 3/ 203.
(2) الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، 300.
(3) القرافي، الفروق، 2/ 170.
(4) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، 1/ 348.
(5) الرهوني، تحفة المسؤول، 4/ 28.
(6) الونشريسي، المعيار المعرب، 6/ 295.
(7) الكوسج، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، 7/ 3743.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 132)

ومن الأمثلة أيضًا نوطُ ثبوت النسب بأسباب ثانوية غير الزواج، كالشهادة والإقرار والقيافة والقرعة ونحوها، وإناطة الحُكم بنفي النسب باللعان، فحكمةُ ثبوت النسب، كما دلّت عليها نصوص الشرع، واتّفق عليها الفقهاء هي البعضية - أو الجزئية - بين الوالد والمولود، أي كون هذا من صلب هذا، {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23]، ولكن لما كان يتعذّر الوقوف عليها بعينها لخفائها نيطَ حُكم النسب بأسباب أخرى ظاهرة، كالفراش، وما أُلحق به من أسباب. وفي هذه الأيام أمكن الوقوف على البعضية ذاتها بين المولود والزوج بيقين عن طريق فحص البصمة الوراثية، لذلك ينبغي أن يُعاد النظر في الأحكام الاجتهادية التي لجأ إليها الفقهاء في تقرير أسباب النسب ونفيه؛ لأنهم بنوها على خفاء الحكمة في زمنهم، والحكمة الآن ظاهرة. والحكمة إذا ظهرت وانضبطت نيط الحكم بها لا بمظنتها، وقد قدّمنا في ذلك نظرات فقهية موسّعة، تستند إلى دلائل الشرع وقواعد الأصول ومناهج الفقهاء، في كتاب مستقلٍّ أفردناه لهذا الغرض، فلتُنظر هناك(1).

‌‌سادسًا: مدى إفضاء المظنّة إلى الحكمة، والذي قد يتغيّر بتغيّر الزمان.
المظنّة - كما أسلفنا - هي المحلّ الذي يغلب فيه وجود الحكمة، ولذلك سُمّيت مظنة؛ لأنّ الحكم يُظنّ عندها. فإذا لم تفض هذه المظنة إلى تحقيق حكمة الحكم ومقصوده في جميع الأفراد والجزئيّات المنضوية تحت الحكم، أو أكثرها، لم تكن مظنّة، وفقدت المزية التي لأجلها ناط الشارع الحكمَ بها، بدلًا عن نوطه بالحكمة ذاتها.
وممّا يقتضيه كونها مظنةً التسليمُ بوجود بعض الجزئيات التي تشملها هذه المظنة بالحكم، ومع ذلك لا يتحقّق فيها المقصود من الحُكم (الحكمة). فهذا لا يلغي كون المظنّة مظنّة، ولا يلغي أيضًا أنّ ثمّة حكمة أخرى سوّغت إمضاء الحُكم على هذه الجزئيات رغم غياب حِكمة هذا الحُكم عنها، وهذه الحكمة هي الضبط بما قد يشمله من التسهيل والاحتياط ورفع النزاع. قال الشيخ عبد الرحمن المعلّمي: «اغتُفر … الإخلال بأصل الحكمة في بعض--------------------------------------------
(1) صالح، التحقق من النسب بفحص البصمة الوراثية والكشف عن نتائجه العرضية: نظرات فقهية جديدة، 143.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 133)

الجزئيّات مراعاةً لِحكمة الضَّبط التي هي أهمُّ»(1). وقال خلَّاف: «تخلُّف الحكمة في بعض الجزئيّات لا أثر له، بإزاء استقامة التّكاليف واطّراد الأحكام»(2).
فمثلًا: شربُ قليل النبيذ لا يؤدّي إلى السكر، المتمثِّل في غياب العقل مع بقاء الحواسّ، المؤدِّي إلى العداوة والبغضاء والصدّ عن الذكر والصلاة، ومع هذا فإنّ هذا القليل مشمولٌ بحُكم التحريم عند جماهير الفقهاء، حتّى مع غياب هذه الحكمة عنه، وذلك لوجود حكمةٍ أخرى خَلَفت الحكمة الأصليّة، وهي الضبط والاحتياط المعبَّر عنه في هذه الجزئيّة بحسْم مادّة الفساد؛ إذ لو لم يُحرَّم هذا القليل لما أمكن المنع من تداول المسكرات واقتنائها والاتجار بها، ولَتَهاون الأفراد في شربها؛ لأنّ شرب القليل منها يؤدّي، مع الاعتياد والألفة، إلى شرب الكثير، هذا فضلًا عن أنّ القدر الذي لا يسكر لا ينضبط، فما يُسكر بعض الناس لا يسكر آخرين، وما يسكر الشخص الواحد في حال قد لا يسكره في حال أخرى. إذن الحكمة من تحريم قليل النبيذ ليست هي حصول السّكر نفسه، وما يترتب عليه، كما في تحريم الكثير، بل هي سدّ ذريعة السكر احتياطًا وضبطًا.
ومثلًا نوط حكم رخصة الإفطار في رمضان بالسفر تتحقّق فيه الحكمة غالبًا، وهي دفع مشقّة الصوم غير المعتادة بسبب السفر الطويل، لكنّها مع ذلك قد تغيب في بعض الأسفار الطويلة في حقّ بعض الناس، ورغم هذا تشملهم الرخصة؛ لأنّ هذه الحكمة (المشقّة الزائدة) غير منضبطة، فالناس يتفاوتون في تقديرها والشعور بها فأنيط الحكم بالسفر الطويل الذي يكون مظنّة لها، حتّى لو لم تتحقّق هي في حقّ بعض الناس فِعلًا، وذلك من باب التسهيل والضبط ورفع الحيرة عن المكلّف عند امتثال الحكم.
والحاصل أنّ الجزئيات أو الأفراد الذين تشملهم المظنّة، ولا يتحقّق فيهم حكمة الحُكم عند نوطه بالمظنة، يتّصفون بصفتين:
أولا: أنهم أقليّة واستثناء بالنسبة لسائر الجزئيّات والأفراد الذين يشملهم حُكم المظنة.--------------------------------------------
(1) المعلمي اليماني، آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني، 2/ 83.
(2) خلاف، علم أصول الفقه، 66.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 134)

ثانيًا: أنّه، حتّى لو لم تتحقّق فيهم حكمة الحُكم نفسه، فإنّه خَلَفتها حكمةٌ أخرى اقتضت شمولهم بهذا الحكم، وهي الضبط، وما ينطوي عليه من التسهيل والاحتياط وقطع النزاع.
ومع التسليم بما سبق من حيث الجملة فالأصوليّون يختلفون في بعض الجزئيات والأفرادِ الذين تشملهم المظنة ولا تشملهم الحكمة: هل يُستثنون من حكم المظنة لعدم وجود الحكمة أو لا. وهذه الجزئيّات هي التي تغيب عنها حكمةُ الحُكم على وجه اليقين، أي أنّه لا احتمال لحصول الحكمة فيها البتة.
وجمهورهم على أنّ هذه الجزئيّات الفاقدة للحكمة قطعًا تُستثنى من حُكم المظنة ويُرفع عنها، وخالف في ذلك الحنفية فالحُكم عندهم يدور مع المظنّة، حتى لو انتفت الحكمة يقينًا عن الفرد الجزئي محلّ الخلاف. قال الآمدي (ت: 631 هـ): «المقصود من شرع الأحكام الحِكَم فَشرْعُ الأحكام مع انتفاء الحكمة يقينًا لا يكون مفيدًا، فلا يَرِد به الشرع خلافًا لأصحاب أبي حنيفة»(1).
ويمثّل الاصوليون لذلك بالمسألة المشهورة: نكاح المشرقي للمغربيّة (أي نكاح من كان بالمشرق لمن هي بالمغرب بالوكالة من دون لقاء) فالجمهور لا يثبتون نسب الولد إذا أتت به المغربيّة لعدم إمكان اللقاء بينها وبين زوجها، فحِكمة البعضيّة التي يدلّ عليها إمكان الوطء بينهما منتفيةٌ قطعًا في هذه الحالة. أمّا أبو حنيفة فينيطُ حكمَ النسب بعقد النكاح نفسه، سواء انتفت اللقيا قطعًا أم لا. وشبيهٌ بهذه المسألة أيضًا من تزوّج وطلّق في المجلس نفسه بحضرة القاضي والشهود، وكذا من قال لامرأة إذا تزوجتك فأنت طالق، فتطلُق فورَ تزوّجها، فالجمهور لا يثبتون نسب ولدها من هذا الزوج للقطع بعدم حصول الجماع بينهما، في حين أنّ أبا حنيفة، رحمه الله، يثبت النسب في هذه الحالات إذا جاءت المرأة بالولد في مُدّة الحمل، وذلك نظرًا إلى وجود العقد(2).--------------------------------------------
(1) الإحكام، 3/ 273.
(2) المرجع السابق؛ الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، 302؛ ابن السبكي، الأشباه والنظائر، 2/ 176؛ الزركشي، البحر المحيط، 4/ 294؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، 3/ 146.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 135)

ومثال ذلك أيضًا بعض العقود والإيقاعات، كالنكاح والطلاق، فأبو حنيفة، رحمه الله، يصحِّحها إذا وجدت المظنة، وهي الصيغة، حتى لو انتفت الحكمة التي لأجلها اعتُبرت الصيغة، وهي الرضا، كما في حالات الإكراه؛ لأنه يلتزم المظنة، وهي موجودة ولا يلتفت إلى الحكمة وإن انتفت قطعًا. أمّا الجمهور فيستثنون الحالات التي يختلُّ فيها الرضا قطعًا، فلا يصحِّحون هذه العقود والإيقاعات. قال ابن الهمام من الحنفية: «وجميعُ ما يثبت مع الإكراه أحكامُهُ عشرةُ تصرُّفات: النكاح، والطلاق، والرجعة، والإيلاء، والفيء، والظّهار، والعِتاق، والعفو عن القصاص، واليمين، والنَّذر»(1). وقال التاج السبكي: «جَهِدَ أصحاب الرأي من حيث لا يشعرون فعمَّموا القول بأنّ صور الأسباب الشرعية هي المعتبرة في الأحكام دون معانيها، وإن وضُحت وضوح الشمس. وخصَّص الإمام المطلبي، رضي الله عنه، ذلك بالصور التي تضطرب معانيها، أو تخفى، أو تدقّ عن الأفهام، وتوجب مزيد الخبط؛ رفعًا للتشاجر؛ كيلا يتسع الخرق بزوال الضبط، وحملًا للحنيفية السمحة فيما هذا شأنه، وانسحابًا على المعاني، وإظهارًا للحِكَم فيما يلوح وجهُه»(2).
وفي هذا الصدد تنبغي الإشارة إلى أنّ عامل الزمن قد يؤثِّر في مدى إفضاء المظنة إلى الحكمة في بعض الوقائع، فقد تكون المظنة مفضية إلى الحكمة غالبًا في زمن النص إذا كانت هذه المظنة منصوصة، أو في زمن الفقهاء إذا كانت اجتهادية، لكنّها بتغير الزمان والأحوال يقلُّ إفضاؤها إلى الحكمة أو ينعدم، فهاهنا يجدر إعادة الاجتهاد في نوط الحكم بهذه المظنة.
ومثال ذلك الأمر بإعداد رباط الخيل المنصوص عليه في القرآن، وما جاء في السنة في فضل اتخاذ الخيل وتربيتها والإنفاق عليها(3)، والحكمة هو أنّها كانت وسيلة حاسمة ومهمّة في الجهاد وتحقيق النصر {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، أمّا اليوم فلم تعد الخيل وسيلةً فاعلة في الحرب،--------------------------------------------
(1) فتح القدير، 3/ 489.
(2) الأشباه والنظائر، 2/ 176.
(3) ينظر: الأعظمي، الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل، 7/ 282.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 136)

أي أنّ المظنّة لم تعد مُفضيةً إلى الحكمة التي شرعت لأجلها بعد أن كانت كذلك سابقًا، ومن ثَمّ يرتفع حُكم النصّ عنها، وهو ندب اتخاذها، ويرجع حكمها إلى الأصل، وهو الإباحة.
ومثال ذلك، أيضًا، حكمُ الفطر في السفر، إذ جاء السفر مطلقًا في القرآن الكريم، منصوصَ الحكمة وهي التيسير، فرأى جمهور الصحابة - نظرًا إلى الحكمة - تقييدَ هذا الإطلاق بالسفر الطويل، واختلفوا في حدّ الطول على أقوالٍ كثيرة بلَّغها بعضهم نحو عشرين قولًا(1)، وارتضى كثيرٌ من الفقهاء من هذه الأقوال القولُ بأنه سفرُ مسافةِ أربعة بُرُد (85 كم)؛ لأنَّ هذه المسافة مظنّة للمشقّة فعلًا، وما دونها ليس كذلك. وهذا الاجتهاد من الصحابة، رضوان الله عليهم، ومن تبعهم من الأئمة الفقهاء، هو من باب تقييد النصّ المطلق بالحكمة المستفادة منه، وهو ضربٌ شائع في اجتهاد الصحابة والأئمة الفقهاء، كما بينّاه في "أثر تعليل النص على دلالته"(2).
وإذا كان سفر أربعة بُرُد (85 كم) مظنة للمشقة فعلًا في زمن الصحابة والفقهاء، ومن بعدهم إلى قريب عصرنا في حقّ معظم الناس، فإنّه - بلا ريب - لم يعد كذلك الآن؛ لأن المسافة المذكورة تُقطع في أقلّ من ساعة بالسيارة في أوقاتنا هذه، في حين كانت في زمن الصحابة والفقهاء تُقطع في يومين أو ثلاثة أيام بلياليها. وعليه احتاجت المسألة إلى إعادة نظر في ضابط السفر المبيح لرخصة الفطر، لأنّه، وكما قلنا، إذا لم تفض المظنة إلى الحكمة غالبًا لا يصحّ وصفها بأنها مظنّتها، ومن ثَمّ فإنّ شرع الحكم معها يعني فقدان حكمته ومقصوده في غالب الأفراد، لا في بعضهم فحسب، كما كان الحال في زمن النصّ وزمن الفقهاء.
ولا يُقال هنا: إنّ الفقهاء والأصوليين نصُّوا على أنّ الحكم في مسألة السفر يدور مع المسافة بغض النظر عن المشقّة، فتُشرع الرخصة في حقّ من قطع المسافة المذكورة بلحظة كمن يستعين بالجنّ مثلا، أو من كان مرفَّهًا في سفره كالملِك المحمول.--------------------------------------------
(1) ابن حجر، فتح الباري، 2/ 556.
(2) صالح، أثر تعليل النص على دلالته، 81.

(খণ্ড: 70) (পৃষ্ঠা: 137)