القول الحق في قبول خبر الآحاد
وبعد أن سردنا المذاهب فى الاحتجاج بخبر الآحاد نقول: إن الحق الذي لا يعول على غيره: أن خبر الآحاد يفيد العلم والعمل جميعاً، إذا توافرت فيه شروط القبول، ولم يطعن فيه أحد من العلماء المعتبرين، سواء أكان في الصحيحين أم في غيرهما. وإليك الأدلة التي تفيد ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
أولاً: الكتاب:
1- قول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] فالفرقة في الآية يراد بها الثلاثة فأكثر، والطائفة تصدق على الواحد والاثنين فهي جزء من الفرقة، ومن ذلك أن الله أمر بتشكيل واحد أو اثنين للخروج من كل فرقة تضم ثلاثة أفراد من أجل التفقه فى الدين ومن أجل الإنذار بعد العودة، فدل ذلك على صحة أخذ العلم عن خبر الآحاد ودل بالتالي على وجوب العمل به (1) .
2- وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] .
وفى قراءة لحمزة والكسائي وخلف: {فتثبَّتوا} .--------------------------------------------
(1) انظر الفقيه والمتفقه ص 110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
ذكر الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي فى أضواء البيان: أنَّ أهل الأصول استدلّوا بالآية على "قبول خبر العدل؛ لأن قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} يدل بدليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن الجائي بنبأ إن كان غير فاسق بل عدلا لايلزم التبين فى نبئه على قراءة: فتبينوا. ولا التثبيت على قراءة: فتثبتوا. وهو كذلك" (1) .
3- وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] قال ابن القيم: "وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولو كان ما بلغه لم يفده علماً لما كان متعرضاً بمخالفة مالا يفيد علماً للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر" (2) .
4- وقال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] .
قال ابن القيم: "ووجه الاستدلال: أنه أمر أن يُرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله هو الرد إليه في حياته وإلى سننه بعد وفاته، فلولا أن المردود إليه يفيد العلم وفصل النّزاع لم يكن في الرد إليه فائدة، إذ كيف يرد حكم المتنازع فيه إلى مالا يفيد--------------------------------------------
(1) أضواء البيان 7 / 627، وذكر نحو ذلك الأستاذ العلامة محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير 26/231.
(2) مختصر الصواعق المرسلة ص 603.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
علماً ألبتة؟ ولا يدري حق هو أم باطل؟ وهذا برهان قاطع بحمد الله" (1) .
5- وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49-50] .
قال ابن القيم: "وجه الاستدلال أن كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله أنزله على رسوله، وقد تكفل سبحانه بحفظه، فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من الرواة، ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله وكفالته لحفظه، وهذا من أعظم الباطل" (2) .
وقال الحافظ ابن حجر: "واحتج بعض الأئمة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة:67] . مع أنه كان رسولاً إلى الناس كافة ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الآحاد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة، لتعذر خطاب جميع الناس شفاهاً، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم". قال الحافظ: "وهو مسلك جيد" (3) .
6- وقال الإمام أبو محمد بن حزم: "قال الله عز وجل عن نبيه--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق المرسلة ص 603.
(2) مختصر الصواعق المرسلة ص 603 – 604.
(3) فتح الباري 13 / 235
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4] . وقال تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50] . وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] .
وقال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} . [النحل:44] . فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لاشك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر مُنَزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه وأن لا يُحَرف منه شيء أبدًا تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه؛ إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعال كذباً وضمانه خائساً، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل من طلبه مما يأتي أبداً إلى انقضاء الدنيا، قال تعالى: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} . [الأنعام:19]
فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، ولا سبيل ألبتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز عن أحد من الناس بيقين؛ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كذباً ووعداً مخلفاً، وهذا لا يقوله مسلم" (1) .
ثانياً: السنة:
1- ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل رسله إلى الملوك فى مختلف الأمصار--------------------------------------------
(1) الإحكام فى أصول الأحكام 1 / 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
لدعوتهم إلى دين الإسلام، كما كان يبعث برسله إلى الآفاق لنشر الدعوة الإسلامية وبيان أحكام هذا الدين، فقاموا بذلك وهم فرادى (1) .
قال الشافعي: "وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عماله واحداً واحداً ورسله واحدًا واحداً، وإنما بعث عماله ليخبروا الناس بما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع دينهم، ويأخذوا منهم ما أوجب الله عليهم، ويعطوهم مالهم، ويقيموا عليهم الحدود، وينفذوا فيهم الأحكام.. ولو لم تقم الحجة عليهم بهم إذ كانوا في كل ناحية وجههم إليها أهل صدق عندهم ما بعثهم" (2) فمن ذلك:
أ- عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله بعثني رحمة للناس كافة، فأدوا عني رحمكم الله … فبعث ابن حذافة إلى كسرى، وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى صاحب هَجَر، وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجُلندي ملكي عمان، وبعث دحية الكلبي إلى قيصر، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فرجعوا جميعاً قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير العلاء بن الحضرمي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو بالبحرين" (3) فالحديث يدل على أن خبر الآحاد يفيد العلم والعمل معاً.--------------------------------------------
(1) ألَّفَ الإمام محمد بن علي بن حُدَيدة المتوفى سنة (783 هـ) كتابا سماه (المصباح المضيء فى كتاب النبي الأمي ورسله الى ملوك الأرض من عربي وعجمي) جمع فيه الرسل الذين أرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب مطبوع بالهند.
(2) الفقيه والمتفقه ص 113_ 114.
(3) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (20 /8) رقم 12، وفي الأحاديث الطوال رقم 23، وذكره الهيثمي فى مجمع الزوائد 5 / 305 وعزاه للطبراني. وقال: «وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف» . قلت: ومفردات الحديث رويت من طرق أخرى صحيحة، انظر كتاب المصباح المضيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
وقال الإمام أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني فى كتاب الانتصار: "لو لم يقع العلم بخبر الواحد فى أمور الدين لم يقتصر على إرسال الواحد من الصحابة فى هذا الأمر" (1) .
ب- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (2) .
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به" (3) .
2- مارواه الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نَضَر الله عبداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها، فَرُبَّ حامِل فقهٍ غيرِ فقيهٍ، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (4) . ووجه دلالته أنه أمر كل عبد يسمع مقالته أن يبلغها، مع إمكان كونه غير فقيه، والعبد حقيقة للشخص الواحد،--------------------------------------------
(1) نقله عنه ابن القيم فى مختصر الصواعق المرسلة ص 609.
(2) رواه البخاري 8/51، ومسلم (19) ، ورواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم.
(3) فتح الباري 3/360.
(4) في الرسالة (1102) وهو حديث صحيح رواه أصحاب السنن والمسانيد عن زيد بن ثابت وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ولا يأمره إلا وخبره مما تقوم الحجة به.
وقال الإمام الشافعي: "فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها، والمرء واحد، دلَّ على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدى عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحدّ يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، ودلَّ على أنه قد يحمل الفقهَ غيرُ الفقيهِ يكون له حافظاً ولا يكون فيه فقيهاً" (1) .
3- حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه الآنف الذكر: "ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته … " الحديث. ووجه الاستدلال كما قال ابن القيم: "أن هذا نهي عام لكل من بلغه حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالفه أو يقول: لا أقبل إلا القرآن، بل هو أمر لازم، وفرض حتم بقبول أخباره وسننه، وإعلام منه صلى الله عليه وسلم أنها من الله أوحاها إليه، فلو لم تفد علماً لقال من بلغته: إنها آحاد لا تفيد علماً فلا يلزمني قبول مالا علم لي بصحته، والله تعالى لم يكلفني العمل بما لم أعلم صحته ولا اعتقاده، بل هذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ونهاهم عنه، ولما علم أن في هذه الأمة من يقوله حذرهم منه، فإن القائل إن أخباره لاتفيد العلم هكذا يقول سواه لا ندري ما هذه الأحاديث، وكان سَلَفُ هؤلاء يقولون: بيننا وبينكم القرآن، وخَلَفُهُم يقولون: بيننا وبينكم أدلة العقول، وقد صَرَّحوا بذلك وقالوا: نقدم العقول على هذه الأحاديث، آحادها ومتواترها ونقدم الأقيسة عليها" (2) .--------------------------------------------
(1) الرسالة (1103،1104) ونقله عنه ابن القيم فى مختصر الصواعق المرسلة ص 604.
(2) مختصر الصواعق المرسلة ص 605.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
4- عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتي يؤذن ابنُ أمِّ مكتوم" (1) .
ودلالة هذا الحديث فى الأمر بتصديق المؤذن وهو واحد والعمل بخبره فى فعل الصلاة، والعلم بدخول وقت الصلاة، وأول وقت الإفطار والإمساك، مع أن هذه من العبادات التي تختل بتغير وقتها، ولم يزل المسلمون فى كل وقت ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بأذانهم في أوقات مثل هذه العبادات، وإن هذا لأوضح دليل على وجوب العمل بخبر الآحاد.
5- ما ثبت عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني رضي الله عنهما في قصة العسيف، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اغد يا أُنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت. (2)
ووجه الاستدلال فيه أن النبي اعتمد خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد وقتل نفس مسلمة. وقال الحافظ ابن حجر فى الفتح: "فيه دليل على أن الحكم المبني على الظن ينقضي بما يفيد القطع" (3) .
ثالثاً: الإجماع (4) :
1- قال الإمام أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني في كتاب الانتصار:
(1) رواه البخاري 4 / 117، ومسلم (1092) ، ومالك 1 / 74، والنسائي 2 / 10.
(2) أخرجه البخاري (برقم 6842، 6843) .
(3) فتح الباري 12 / 124.
(4) ولعل الباحث – وفقه الله – لم يقصد الإجماع الاصطلاحي، وإنما قصد الإجماع اللغوي؛ فإن الإجماع بمعناه الاصطلاحي لم يقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما بعد وفاته، لذا فإن الدليلين الثاني والثالث اللذين ذكرهما الباحث لا يدخلان في أدلة الإجماع بالمعنى الذي أراده. (اللجنة العلمية) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
"أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله تعالى وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض وإخراج الموجودين من المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقب أصحابه وأخبار الأنبياء المتقدمين وأخبار الرقاق وغيرها مما يكثر ذكره، وهذه الأشياء علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع العلم للسامع بها، فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ وجعلناهم لاغين هازلين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً ولاينفعه، ويصير كأنهم قد دوَّنوا في أمور الدين مالا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه". ثم قال: "وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من الصحابة، وهذا الواحد يؤديه إلى الأمة وينقله عنه، فإذا لم يُقبل قول الراوي لأنه واحد رجع هذا العيب إلى المؤدِّي، نعوذ بالله من هذا القول البشع والاعتقاد القبيح" (1) .
2- ما ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "كنت ساقي القوم في منْزِل أبي طلحة، فكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرة فاكسرها … " الحديث (2) . وهذا فيه دليل على أنهم اعتمدوا خبر هذا الشخص، وأن العمل بخبر الواحد كان معروفاً عندهم.
3- وقال الإمام القرطبي فى تفسير قول الله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ--------------------------------------------
(1) نقله ابن القيم فى الصواعق المرسلة انظر مختصره ص 608_609.
(2) رواه البخاري 13 / 232، ومسلم (1980) ، ومالك 2 / 846.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: من الآية150] . مانصه: "في الآية دليل على جواز القطع بخبر الواحد، وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعاً به من الشريعة عندهم، ثم إن أهل قباء لما أتاهم الآتي، وأخبرهم أن القبلة قد حُوِّلت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله واستداروا نحو الكعبة، فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون" (1) .
4- وقال ابن القيم: "إن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة التحليل والتحريم والإباحة والفروض ويُجْعَلُ ذلك ديناً يدان به في الأرض إلى آخر الدهر، فهذا الصدّيق رضي الله عنه زاد في الفروض التي في القرآن فرض الجدَّة وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مَسلمة والمغيرة بن شعبة فقط، وجعل حكم ذلك الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن في إثبات فرض الأم، ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد، وأثبت عمر بن الخطاب بخبر حمل بن مالك دية الجنين وجعلها فرضاً لازماً للأمة، وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده، وصار ذلك شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، وأثبت شريعة عامة في حق المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده، وأثبت عثمان بن عفان شريعة عامة في سكنى المتوفى عنها بخبر فريعة بنت مالك وحدها، وهذا أكثر من أن يذكر، بل هو إجماع معلوم منهم، ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد في الظنيات ونحن لاننكر ذلك لأنا قد قدمنا أنهم أجمعوا--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي 2/151، وقصة أهل قباء المذكورة رواها البخاري 13 / 233، ومسلم (926) ومالك 1/195.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
على قبوله والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون كذباً أو غلطاً في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة عل قبول الخطأ والعمل به، وهذا قدح فى الدين والأمة" (1) .
وبعد: فهذه بعض الأدلة التي تشير إلى أن خبر الآحاد يفيد العلم والعمل جميعاً إذا كان صحيحاً وقبله علماء الحديث من غير نكير منهم عليه أو طعن فيه، وأنه حجة قاطعة فى الدين سواء أكان فى العقائد أم في غيرها، وأن الادعاء بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن أو لايعمل بها في العقائد ليس عليه أي دليل من القرآن والسنة وعمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان، بل أفادت هذه الأدلة مجتمعة أن الحديث إذا صحت نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسَلِمَ من القوادح الخارجية والداخلية وجب العمل به فى جميع أمور الدين، وأما ما نجده من تردد بعض الأئمة فى العمل به فى بعض الأحوال، فإنَّ ذلك كان لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد، من ريبة فى الصحة أو تهمة للراوي، كالذي حدث من سيدنا عمر رضي الله عنه فى عدم قبوله لخبر فاطمة بنت قيس، فإنَّ عدم القبول لم يكن لأنه خبر آحاد، ولكن لأن عمر لم يثق برواية فاطمة بدليل قوله: "لا ندري حفظت أم نسيت" (2) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق المرسلة ص 609.
(2) رواه مسلم 1481.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
مصادر ومراجع
…
مراجع البحث
1- الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن حزم الأندلسي، القاهرة.
2- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني، طبع مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1358هـ.
3- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، طبعة المدني بالقاهرة.
4- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، للأستاذ أحمد شاكر، دار الكتب العلمية في بيروت.
5- التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر 1984 م.
6- تفسير القرطبي، المسمى: الجامع لأحكام القرآن، مطبعة دار الكتب المصرية.
7- التقريب، للإمام النووي، مطبعة محمد علي صبيح بالقاهرة سنة 1388هـ.
8- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، وزارة الأوقاف المغربية 1967 م.
9- توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار، للإمام الصنعاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بالقاهرة 1366 هـ.
10- تيسير التحرير، لأمير بادشاه الحنفي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1350 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
11- جامع الأصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير الجزري، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط. دمشق 1389 هـ.
12- حجية السنة النبوية، للدكتور عبد الغني عبد الخالق.
13- الدين الخالص، لصديق حسن خان، طبع فى القاهرة.
14- السنة المفترى عليها، للأستاذ سالم البهنساوي، دار البحوث العلمية الكويت 1401 هـ.
15- صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، للإمام ابن الصلاح: تحقيق الدكتور موفق عبد الله، طبع في دار الغرب.
16- علوم الحديث، لابن الصلاح، تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن 1984 م.
17- علوم الحديث، للدكتور صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت 1988 م.
18- الفتاوى، لابن تيمية، دار المعرفة بيروت.
19- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر. مكتبة الرياض الحديثة.
20- فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للسخاوي، دار الكتب العلمية في بيروت 1403 هـ.
21- الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، نشر زكريا علي يوسف بالقاهرة.
22- فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، للعلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين، مطبوع بهامش المستصفى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
23- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعلاء الدين عبد العزيز البخاري، طبع في استنبول سنة 1308 هـ.
24- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي.
25- مختصر الصواعق المرسلة، لابن قيم الجوزية اختصار الموصلي، مكتبة المتنبي بالقاهرة.
26- مختصر علوم الحديث لابن كثير، طبع مع الباعث الحثيث.
27- المستصفى من علم الأصول، لأبي حامد الغزالي، المطبعة الأميرية، ببولاق سنة 1322 هـ.
28- المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني بالقاهرة سنة 1384 هـ.
29- نزهة النظر شرح نخبة الفكر، لابن حجر العسقلاني، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
30- وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة والأحكام للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)