Arabic source text

📘 হুজ্জিয়াতু খাবারিল আহাদ ফিল আকাইদি ওয়াল আহকাম - মুহাম্মাদ জামিল মুবারক (মুহাম্মাদ বিন জামিল মুবারক)

📘 حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - محمد جميل مبارك (محمد بن جميل مبارك)

📘 হুজ্জিয়াতু খাবারিল আহাদ ফিল আকাইদি ওয়াল আহকাম - মুহাম্মাদ জামিল মুবারক (মুহাম্মাদ বিন জামিল মুবারক)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وأثبت هؤلاء ما كان مباحاً بخبر الواحد (1) .
وقد اتفق الإمامان الشافعي والبخاري على الاستدلال بالحديث على حجية خبر الواحد، ومما يزيد هذه الحجية قوة ما ورد في بعض طرقه: "فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (2) ".
الدليل الثالث: جملة من الأحاديث التي فيها بعث النبي صلى الله عليه وسلم آحادا من الصحابة دعاة وولاة وقضاة وأمراء ورسلا؛ فبعث أبا بكر والياً على الحج ليقيم للناس مناسكهم "وأخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لهم وما عليهم" (3) ، وخبره خبر واحد، وبعث علي بن أبي طالب لينبذ إلى قوم عهدهم، ولولم تكن الحجة قائمة بخبر كل واحد منهما لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وولى زيد بن حارثة بعث مؤتة، وبعث ابن أنيس سرية وحده، وبعث اثني عشر رسولا إلى اثني عشر ملكا يدعو كل واحد منهم من بعث إليه إلى الإسلام (4) .
وقد ضمن الإمام البخاري هذا المعنى بابين: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد… وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحداً بعد واحد، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة، وباب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 27/276.
(2) السابق 27/276.
(3) الرسالة ص 414.
(4) انظر السابق ص 414 – 418.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

دليل الإجماع:
إجماع الصحابة من أقوى الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد، إذ لم يكن يثبت عن أحد منهم أنه رفض قبول خبر الواحد من حيث هو كذلك، حتى إن الأصوليين أكدوا أن "إجماعهم على العمل بخبر الواحد منقول تواتراً" (1) والتواتر دليل قطعي لا يتطرق إليه شك، وقد رويت وقائع كثيرة جداً تدل على أنهم جميعاً يقبلون خبر الواحد ويعملون به.
ومن هذه الوقائع الكثيرة: اعتماد أبي بكر الصديق رضي الله عنه على خبر الواحد في توريث الجدة السدس (2) .
ومنها: ما صح عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر" (3) .
ومثله: ما روى طاوس أن عمر قال: "أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئاً؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جارتين لي –يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره" (4) .--------------------------------------------
(1) البرهان للجويني 1/600.
(2) انظر الحديث في جامع الترمذي كتاب الفرائض باب ما جاء في ميراث الجدة، وفي غيره.
(3) أخرجه الشافعي في الرسالة ص 426 وانظر أيضاً: الأم 6/77.
(4) الرسالة ص 427.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

قال الشافعي: "فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضحاك إلى أن خالف حكم نفسه" (1) .
ففي هاتين الواقعتين دليل واضح على قبول خبر الواحد العدل مع كون عمر أعلم ممن أخبره، وأكثر صحبة، ولم يقل للضحاك: "أنت رجل من أهل نجد، ولحمل بن مالك: أنت رجل من أهل تهامةلم تريا رسول الله، ولم تصحباه إلا قليلاً، ولم أزل معه ومن معي من المهاجرين والأنصار، فكيف عزب هذا عن جماعتنا وعلمته أنت، وأنت واحد، يمكن فيك أن تغلط وتنسى؟ " (2) .
ومنها: اعتماد عثمان بن عفان رضي الله عنه على خبر الفريعة بنت مالك في كون المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت الزوجية (3) .
قال الشافعي: "وعثمان في إمامته وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار" (4) .
وقد صرَّح كثير من علماء الحديث وعلماء الأصول بحصول إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد، واستمر ذلك الإجماع إلى أن حدثت مذاهب تشكك في خبر الواحد.
ولم يمنع الشافعي من التصريح بالإجماع إلا تحفظه المعروف في--------------------------------------------
(1) السابق ص 429.
(2) اختلاف الحديث بهامش الأم 7/20.
(3) الرسالة ص 438 – 439.
(4) السابق ص 439.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

الموضوع، ولكن كلامه غير بعيد عن التصريح بالإجماع، وذلك أنه لمَّا ذكر كثيراً من أعلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم قال: "كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إليه، والإفتاء به، ويقبله كل واحد عن مَن فوقه ويقبله عن مَن تحته".
ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته – جاز لي- ولكن أقول: "لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد" (1) .
وصرَّح ابن عبد البر بإجماع أهل العلم في جميع الأمصار على قبول خبر الواحد وإيجاب العمل به (2) .
وهكذا "شاع فاشياً عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول" (3) .
ومثل المحدِّثين علماء الأصول، فقد قال الآمدي بعد أن ساق أدلة من القرآن الكريم على حجية خبر الواحد، وأورد اعتراضات عليها: "والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة" (4) .--------------------------------------------
(1) السابق ص 456 – 457.
(2) انظر التمهيد 1/2.
(3) فتح الباري 27/270.
(4) الإحكام ج 2/64، ومثله قول الكلوذاني الحنبلي: أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قبول خبر الواحد، التمهيد في أصول الفقه 3/54.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

وقبله الإمام الجويني الذي اختار في الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد مسلكين:
أحدهما: يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد، ولا يدرؤه إلا معاند.
"والمسلك الثاني مستند إلى إجماع الصحابة " (1) .
والجويني يلخص بهذا موقف الأصوليين، ويوحد بينهم وبين المحدثين في وجوب العمل بخبر الواحد، رغم المناقشات المستفيضة التي أثارها الأصوليون حول إفادة خبر الواحد العلم أو الظن كما سيأتي، لكن العبرة بهذه النتيجة التي جمع فيها الجويني حجتين يقينيتين قاطعتين هما: التواتر والإجماع، أي التواتر في نقل الروايات التي توجب العمل بخبر الواحد، وإجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد، وهذا الإجماع منقول نقلاً متواتراً مفيداً للقطع واليقين.
فلم يُبْقِ الأصوليون بعد هذه الحجج عذراً لأحد في مخالفة خبر الواحد.
ولم يكتف العلماء بإقامة هذه الحجج على وجوب العمل بخبر الواحد حتى دحضوا كل الشبه، وفندوا كل الحجج التي تعلق بها منكرو حجية خبر الآحاد، سواء منهم أولئك الذين ردُّوه جملة، وأولئك الذين ردوه إذا كان في موضوع العقائد.
ومن تلك الشبه: ما تعلقوا به من قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ--------------------------------------------
(1) البرهان 1/600 – 601، وأضاف الزركشي إلى هذين مسلكا ثالثا وهو: " أن العمل بخبر الواحد يقتضي رفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا…" البحر المحيط 1/260.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] فقد فهموا أن النهي يتناول الأخذ بخبر الواحد من حيث إن الأخذ به اتباع ما ليس للآخذ به علم، وقد عَدَّ ابن حزم تعلقهم بهذه الآية أقوى ما شغبوا به، ورد عليهم بقوله: "وهذه الآية حجة لنا عليهم في هذه المسألة؛ لأنا لم نَقْفُ ما ليس لنا به علم، بل قد صَحَّ لنا به العلم، وقام البرهان على قبوله، وصح العلم بلزوم اتباعه والعمل به، فسقط اعتراضهم بهذه الآية … " (1) .
ورد عليهم إمام الحرمين تمسكهم بظاهر هذه الآية بأن "مضمون الآية: النهي عن اقتناء الظنون من غير ضبط متأيد بمراسم الشرع، وليس الغرض الإضراب عن كل ما ليس معلوما" (2) .
وقد عاكسهم ابن القيم في الاحتجاج بالآية على عكس ما احتجوا بها عليه، وهو وجوب العمل بخبر الواحد، وإفادته للعلم من حيث إن المسلمين لم يزالوا منذ عهد الصحابة يتبعون أخبار الآحاد ويعملون بمقتضاها، ويثبتون بها صفات الله تعالى "فلو كانت لا تفيد علما لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قَفَوْا ما ليس لهم به علم" (3) .
ومن تلك الشبه: أنهم رأوا وقائع في عهد الصحابة فهموا منها أنهم يرفضون الاحتجاج بخبر الواحد، كرد أبي بكر لخبر المغيرة بن شعبة في--------------------------------------------
(1) الإحكام 1/103.
(2) البرهان 1/605.
(3) مختصر الصواعق المرسلة ص 479.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

ميراث الجدة حتى استظهر بمحمد بن مسلمة (1) ، وكرد عمر لخبر أبي موسى في الاستئذان حتى ظاهَرَهُ أبو سعيد الخدري (2) ، وكرده لخبر فاطمة بنت قيس في السكنى (3) ، وكرد علي لخبر أبي سنان الأشجعي في قصة بَرْوَع بنت واشق أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى لها بعد أن توفي زوجها - ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها- أن لها مثل صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة (4) .
وقد رد العلماء تمسكهم بهذه الشبهة بأن هناك فرقا بين التثبت والاستظهار، وبين رفض الاحتجاج، فهؤلاء الصحابة إنما أرادوا بفعلهم التثبت في قبول خبر الواحد في تلك الوقائع لأسباب اقتضت ذلك، بدليل أنهم في وقائع أخرى اعتمدوا على خبر الواحد (5) .
ولا عيب في الاستظهار على الخبر بخبر ثان وثالث ورابع وخامس وسادس "لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع" (6) .--------------------------------------------
(1) انظر: سنن أبي داود كتاب الفرائض باب في الجدة، وسنن الترمذي كتاب الفرائض باب ما جاء في ميراث الجدة.
(2) انظر: صحيح البخاري في كتاب الاستئذان باب التسليم والاستئذان ثلاثا، وصحيح مسلم كتاب الأدب باب الاستئذان.
(3) انظر قصتها في: صحيح مسلم كتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها.
(4) انظر: سنن أبي داود كتاب النكاح باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات، وسنن الترمذي كتاب النكاح باب ما جاء في الرجل يتزوج امرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها.
(5) انظر: تدريب الراوي 1/73 وما بعدها.
(6) الرسالة ص 433.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وما فعله بعض الصحابة من تحليف الراوي الواحد أو اشتراط شهادة آخرين على قبول خبر الواحد محمول على التثبت والاستظهار (1) .
والحاصل أن تَرْكَ الاحتجاج ببعض أخبار الآحاد في فروع فقهية لا يستلزم عدم الاحتجاج بها من حيث الأصل؛ إذ قد يكون ترك الاحتجاج بتلك الأخبار آتياً من أسباب أخرى كالاحتياط والتثبت في الرواية.
ومن تلك الشبه: أنهم رأوا اختلاف الأئمة في العمل بالخبر الواحد في فروع فقهية، فظنوا أن ذلك بسبب رد خبر الواحد، وقد ألمح الشافعي إلى هذه الشبهة بقوله: "فإن شبه على رجل بأن يقول: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث كذا، وحديث كذا، وكان فلان يقول قولاً يخالف ذلك الحديث" (2) ثم أجاب عنها بأن ذلك ليس بسبب رد الخبر، بل إما أن يكون عنده خبر آخر يخالفه، أو يكون سمع خبراً ممن هو أوثق عنده من الذي سمع منه الخبر الذي رده، أو يكون سمعه من غير حافظ أو من متهم، أو يكون الحديث محتملا عنده معنيين فيذهب إلى أحدهما دون الآخر (3) .
ومن تلك الشبه: أن خبر الواحد يمكن فيه الغلط، وإمكان الغلط فيه دفعهم إلى رده بناء على مبدأ انطلقوا منه وهو أن الحجة لا تقوم "بأمر يمكن فيه الغلط" (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان 1/609 – 610.
(2) الرسالة ص 458.
(3) انظر السابق ص 458 – 610.
(4) جماع العلم بهامش الأم 7/256.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

وقد رُدَّتْ عليهم هذه الشبهة بأن إمكان الغلط لا يستلزم وجوده وعدم اطلاع أهل العلم عليه؛ لأن ذلك يتنافى مع وعد الله بحفظ دينه (1) ، ويستلزم إضلال العباد "فإن ما يجب قبوله شرعاً من الأخبار لا يكون باطلا في نفس الأمر" (2) .--------------------------------------------
(1) انظر تفصيل هذا الرد في الإحكام لابن حزم 1/109 ومختصر الصواعق المرسلة ص 462.
(2) وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للشيخ الألباني ص 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

‌‌المبحث الرابع: نشأة ظاهرة التشكيك في حجية خبر الآحاد وأسبابها
هذه القضية من أهم القضايا المرتبطة بخبر الواحد من حيث نشأة النابتة التي ابتدعت رفض قبول خبر الواحد جملة، وهذه النابتة قد بذرت بذرتها منذ عقد الأربعين الذي ينظر إليه على أنه الحد الفاصل بين صفاء السنة والتزيد فيها (1) .
بل إن تيار الاقتصار على ما في القرآن قد ظهر مبكراً منذ عهد الصحابة كما يظهر من موقف الرجل (الخارجي) الذي جاء إلى عمران ابن حصين وهو يحدِّث الناس عن السنة فقال: يا أبا نجيد: حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرؤون القرآن؟ أكنت تحدثني عن الصلاة وما فيها وحدودها؟ أكنت تحدثني عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ لكن قد شهدت وغبت أنت، ثم قال: فرض رسول صلى الله عليه وسلم في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني، أحياك الله.
قال الحسن: "فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين" (2) .
وقد نفهم من هذه الواقعة إشارات:--------------------------------------------
(1) انظر: خبر الواحد للقاضي برهون ص 76.
(2) مفتاح الجنة للسيوطي ص 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

الأولى: أن الدوافع التي دفعت هذا الرجل وأمثاله ليقول لهذا الصحابي: حدثنا بالقرآن دوافع غامضة، فهل هو دافع الرغبة في تحصيل قدر أكبر من أسرار القرآن؟ أو هو دافع الاقتصار على ما في القرآن واستبعاد ما في السنة؟ أو هو دافع الجهل بموقع السنة من هذا الدين؟ أو هو دافع الارتياب والشك في ثبوت السنة؟ أو هي هذه الدوافع كلها؟!
الثانية: أن هذا الرجل ليس وحده الذي يقول هذا، بل من ورائه آخرون يرون الرأي نفسه، بدليل قول عمران له: "أنت وأصحابك" لكن يبدو أن لا تأثير لهم في ذلك العهد لأنهم مازالوا في طور النشأة.
الثالثة: أن هذا الرجل ليس ذا طوية خبيثة، ولو كان كذلك لما تراجع عن فكرته بعد محاورة عمران له، ولما قال له ممتنَّاً: "أحييتني أحياك الله" وإنما وقع فريسة الجهل بمكانة السنة النبوية وبأثرها المحمود في تسديد مسار المسلم في الحياة.
ومن أعلام النبوة: ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من وجود ظاهرة التشكيك في سنته؛ فقد روى أبو داود وغيره عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه"، الحديث … (1) .
واستمرت الظاهرة في تصاعد مع مرور الزمن حتى جعلتها طوائف--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود في كتاب السنة باب في لزوم السنة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

من سمات منهجها في التعامل مع السنة كطوائف المعتزلة والخوارج والروافض.
وقد حاول ابن حزم تحديد زمن نشأة هذه الظاهرة بقوله: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، تجري على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدَّث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك" (1) .
فابن حزم في هذا النص ينسب إلى متكلمي المعتزلة في القرن الثاني بدعة رفض قبول خبر الواحد بعد أن كان حجة عند جميع الفرق.
ويبدو أن هذه الظاهرة قد تنامت خلال القرن الثاني وما بعده وتفرعت إلى أكثر من فرع، وقد حمل لواء هذه الظاهرة أهل الكلام الذين ليس لهم موقف واحد في المسألة كما نفهم من قول الإمام الشافعي رحمه الله: "ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقاً متبايناً، وتفرق غيرهم ممن نسبته العامة إلى الفقه فيه تفرقاً" (2) .
فلبدعة نشأة الكلام والاشتغال به أثر واضح في نشأة ظاهرة التشكيك في خبر الواحد، ولا شك أن سيل البدعة إذا كان جارفاً سيتحطم على حصون السنة.--------------------------------------------
(1) الإحكام 11/102، وانظر أيضا ص 119.
(2) جماع العلم بهامش الأم 7/250.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

وقد كان لأهل الكلام وجود بارز في عصر الإمام الشافعي في كثير من البلاد، ونال خبر الواحد نصيباً من معارضتهم الجدلية كما يفهم من قول الإمام الشافعي: "فقد وجدت أهل الكلام منتشرين في أكثر البلدان، فوجدت كل فرقة منهم تنصب منها ما تنتهي إلى قوله، وتضعه الموضع الذي وصفت" (1) .
ويعد الإمام الشافعي رحمه الله أبرز العلماء الذين تعدُّ كتاباتهم تاريخًا أمينًا لهذه الظاهرة، كما يعد أبرزهم في التصدي لها.
وقد صرَّح أكثر من مرة في كتبه أن جميع العلماء منذ عهد الصحابة والتابعين كانوا يثبتون حجية خبر الواحد إلا فرقة يبدو أنها تفرعت إلى فرقتين (2) في عهده:
فرقة رفضت الاحتجاج بالسنة كلها
وفرقة رفضت الاحتجاج بأخبار الآحاد
وقد خصص للرد على الفرقتين بابين:
أحدهما: باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها (3) !!
وثانيهما: باب حكاية قول مَنْ ردَّ خبر الخاصة (4) .
ويبدو من نتيجة حوار الإمام الشافعي مع الطائفة الأولى التي ردت--------------------------------------------
(1) جماع العلم بهامش الأم 7/256.
(2) انظر السابق 7/250.
(3) السابق 7/251.
(4) السابق 7/256.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

الأخبار كلها أن مناظره منها قد رجع إلى جادة الصواب وأقر بحجية السنة كما يفهم من قوله للإمام: "والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرت إلى أن قبول الخبر لازم للمسلمين لما ذكرت وما في مثل معانيه من كتاب الله، وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره إذا بانت الحجة فيه، بل أتدين بأن علي الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيته الحق" (1) .
وإذا كان هذا المجادل المنصف الباحث عن الحق قد رجع إليه بتجلية الشافعي إياه له، فإن كثيرين من ذوي الأغراض السيئة قد لا يقنعهم هذا الحق الأبلج.
أما حواره مع الطائفة الثانية فيبدو منه أنهم كثيرون، كما يفهم من بعض عبارات الشافعي كقوله: "ثم كلَّمني جماعة منهم مجتمعين ومتفرقين بما لا أحفظ أن أحكي كلام المتفرد عنهم منهم وكلام الجماعة، ولا ما أخبر به كُلاًّ" (2) .
وكقوله: "قال هو وبعض من حضر معه" (3) وكقوله: "وقلت له أو لبعض من حضر معه (4) " وكقوله: "فقال جماعة ممن حضر منهم" (5) .--------------------------------------------
(1) السابق 7/251 – 252.
(2) السابق 7/255، وفي نسخة ((ولا ما أجبت به كُلاًّ)) .
(3) السابق 7/256.
(4) السابق 7/259.
(5) السابق 7/261.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

وتصور هذه العبارات ضراوة المعارك التي خاضها الإمام الشافعي مع هؤلاء وبسالته في مصاولتهم انتصاراً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المؤكد أن الإمام الشافعي أراد بهذا الحجاج العلمي أن يثبت أموراً:
الأول: أن السلف - مجمعون صحابةً وتابعيهم- على تثبيت حجية خبر الواحد ووجوب العمل به بشروطه.
وقد نال هذا الأمر قسطاً كبيراً من اهتمام الشافعي رحمه الله وإن تحاشى التصريح بالإجماع كما سبق وعدل عنه إلى قوله: "ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد… جاز لي، ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد … " (1) .
وقصده من تثبيت هذا الإجماع بيان أن ما ذهبت إليه الطوائف التي يرد عليها خرق لهذا الإجماع، فيلزم التصدي لهذا الخرق، والشبه التي يثيرها هؤلاء.
وقد صرح كثير من الأصوليين والمحدثين فيما بعد بحصول الإجماع على هذا، بل صرح ابن القيم بأن إجماع الصحابة على ذلك معلوم بالضرورة (2) .--------------------------------------------
(1) الرسالة ص 457 – 458.
(2) مختصر الصواعق المرسلة ص 457، وانظر أيضا ص 502.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

وصرح إمام الحرمين أن إجماع الصحابة على حجية خبر الواحد منقول تواترا (1) .
عدَّ ابن عبد البر الخارقين لهذا الإجماع من الخوارج وطوائف من أهل البدع" شرذمة لا تعد خلافاً" (2) .
الثاني: أن مبدأ تثبيت حجية خبر الواحد لا يجوز التساهل فيه مع تلك الطوائف كيلا يغتر بهم الأغرار من المسلمين، وهذا ما يفسر تلك الإطالة الملحوظة عند الشافعي في تثبيت حجية خبر الواحد رغم تصريحه بأنه لم يحفظ فيه خلافاً عن أحد من فقهاء المسلمين.
وتنفيراً للمسلمين من الاغترار بهؤلاء، وصفهم الشافعي بقوله: "فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة! " (3) .
الثالث: أن دحض كل الشبه وكل الأدلة التي تستمسك بها الطوائف التي ترفض الاحتجاج بخبر الواحد من مهمات العلماء، وإذا لم تدحض تلك الشبه فإنها تتغلغل شيئا فشيئا حتى تصبح في صورة أدلة.
الرابع: أن التيار الخارق للإجماع في حجية خبر الواحد يبدو أنه قوي كما يفهم من بعض عبارات الشافعي كقوله: "قلت له: أنت تسأل عن الحجة في ردِّ المرسل وترده، ثم تجاوز فترد المسند الذي يلزمك عندنا الأخذ به" (4) ، وقوة هذا التيار يجب أن تقابلها قوة الرد.--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان 1/601.
(2) التمهيد 1/2.
(3) اختلاف الحديث بهامش الأم 7/26.
(4) الرسالة ص 470 – 471.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

أسباب نشأة ظاهرة التشكيك في خبر الآحاد
من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور التشكيك في خبر الآحاد خاصة وفي السنة عامة:
1 – ظهور قرن الفتنة التي عصفت بالأمة منذ مقتل عثمان رضي الله عنه، فالخوارج أدت بهم قضية "التحكيم" إلى تجريح الصحابة، لأنهم رضوا بالتحكيم، والروافض جرحوا كثيراً من الصحابة إلا علياً وأبناءه وشيعته، وكان من منهجهم ألا يقبلوا من الأحاديث إلا ما جاء عن طريق آل البيت (1) .
2 – طغيان المنهج العقلي في التعامل مع السنة، ولا سيما عند المعتزلة الذين جعلوا دلالة العقل أولى الدلالات، فالأدلة عندهم على الترتيب هي: "حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع" (2) .
وقد رأى القاضي عبد الجبار-وهو أحد أقطابهم- أن خبر الآحاد لا يعلم كونه صدقاً ولا كذباً فيلجأ فيه إلى الحجة العقلية التي هي الدليل الأول "فإن لم يكن موافقاً لها كان الواجب أن يرد! وأن يحكم أن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قاله حكاية عن غيره!! " (3) .
ومن نتائج طغيان هذا المنهج أن خبر الواحد يمكن أن يكون في نفس--------------------------------------------
(1) انظر خبر الواحد في: التشريع الإسلامي وحجيته للقاضي برهون ص 77 وص 283.
(2) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 88.
(3) شرح الأصول الخمسة ص 770، وانظر أمثلة لردهم الأحاديث المخالفة للمعقول في الاعتصام للإمام الشاطبي 1/231 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

الأمر كذباً أو خطأ، وقد جعلت "المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به، وقالوا: ما جاز أن يكون كذباً أو خطأ فلا يحل الحكم به في دين الله عز وجل، ولا أن يضاف إلى الله تعالى، ولا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يسع أحداً أن يدين به" (1) .
3 – قضية الصفات وما أثير حولها من تعطيل وتجسيم وتأويل، فنفاة الصفات ومعطلوها قالوا: "لا يحتج بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من صفات ذي الجلال والإكرام" (2) .
وقد انطلقوا في التعطيل من زعم تنزيه الله عن صفات البشر: إذ "لو كان الله عالماً بعلم لكان يجب في علمه أن يكون مثلاً لعلمنا" كما قال القاضي عبد الجبار (3) ، والصفات الواردة في القرآن الكريم لابد أن تؤول بما يتفق مع هذا المنطلق (4) ، وهو منطلق تنزيه الله عز وجل، والخوف من تشبيهه بمخلوقاته، إذ جعلوا قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة" (5) .
وقضية الصفات دفعت الكثيرين إلى التوقف في آيات الصفات من القرآن الكريم نفسه؛ لأن الصفات لابد فيها من القطع، والآيات القرآنية--------------------------------------------
(1) الإحكام 1/107.
(2) مختصر الصواعق المرسلة ص 438.
(3) شرح الأصول الخمسة ص 201 وص 770.
(4) انظر السابق ص 212.
(5) مختصر الصواعق المرسلة ص 509.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

وإن كانت لها صفة القطع من جهة الثبوت لا تفيد القطع من جهة الدلالة، وأخبار الآحاد فقدت القطع من الجهتين معاً، "وبهذا قدحوا في دلالة أحاديث الآحاد؛ لأنها لا تفيد العلم، فسدُّوا على القلوب معرفة الرب تعالى، وأسمائه وصفاته من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم " (1) .
4 – انتشار الوضع في الحديث، وقد شككت هذه الظاهرة كثيراً من الفرق في حجية السنة جملةً، رغم الجهود المضنية التي بذلها علماء الحديث لتمييز الحديث الصحيح عن غيره، ولتحذير الأمة من الأحاديث الموضوعة، لكن أهل الأهواء وفاقدي العلم بالحديث وجدوا في هذه الظاهرة مستنداً لهم لرد أخبار الآحاد.
بل إن بعض المعاصرين تَعدَّوْا التشكيك في أخبار الآحاد إلى التشكيك في الأحاديث المتواترة، وتساءل بعضهم: "هل كل ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله وأمر به يكون واجبا على الأمة الإسلامية في جميع الأزمنة والأمكنة وإن لم يرد له ذكر في القرآن؟ " (2) ثم أجاب عن السؤال بقوله: "إنه لا يجب!! " (3) .
5 – دعوى معارضة القرآن الكريم أو السنة المتواترة أو الأصول.
لكن يجب بصدد الحديث عن هذا السبب أن نفرق بين مذهب مَنْ--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق المرسلة ص 438.
(2) مجلة المنار 9/522 عن موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، للدكتور الأمين الصادق الأمين ص 277.
(3) انظر تأسيس النظر للدبوسي ص 99.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

يرفض العمل بخبر الواحد أصلاً، ومذهب مَنْ يرفضه إذا عارضه ما هو أقوى منه، كما هو مذهب أبي حنيفة مثلاً، وكما نسب إلى الإمام مالك في تقديم ظاهر القرآن الكريم على خبر الواحد.
وتجب ملاحظة هذه التفرقة حتى لا يظن بمثل أبي حنيفة أنه من الرافضين لحجية خبر الواحد، فهو رحمه الله إمام أهل الرأي، ويحتل القياس عنده مكانة بارزة في الاستدلال، ومع ذلك يقدم خبر الواحد على القياس، ومعه في هذا التقديم الإمامان محمد وأبو يوسف، وهذا من أقوى البراهين على حجية خبر الآحاد عندهم.
غير أن المشكل – منهجياً - أن هناك ما يشبه خيطاً رابطاً بين اتجاه من يرفض حجية خبر الواحد جملة، واتجاه من يرفض حجيته إذا عارضه ما هو أقوى منه، من الكتاب أو السنة المتواترة أو المشهورة، وهو ما يدخل في ما يطلق عليه "تعارض الأخبار" وقد ميَّز الإمام الشافعي بين الاتجاهين لما قال لمناظره: "قد أجد الناس مختلفين فيها (أي السنة) منهم من يقول بها، ومنهم من يقول بخلافها، فأما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط" (1) .
ويتمثل هذا الخيط الرابط بين الاتجاهين في مبدأ رد خبر الواحد، وفي مبدأ اتساع رقعة هذا الرد، وفي أدلة الرد، وأظهر هذه الأدلة ما استشهد به أصوليو المذهب الحنفي لردِّ خبر الواحد إذا تعارض مع الكتاب والسنة--------------------------------------------
(1) الرسالة ص 470.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)