د- أثر العقيدة في سلوك المجتمع 1
إن ما تقدم من تأثير العقيدة في سلوك الفرد هو كذلك تأثير للعقيدة في المجتمع، لأن الأفراد هم لبنات المجتمع، فصلاحهم صلاحه وفسادهم فساده، وكل جهد لتربية الفرد الصالح على العقيدة، هو جهد أصيل لتكوين المجتمع الصالح، لما يوجد من علاقة وثيقة بين الفرد والمجتمع.
وليس من السهل أن تؤثر عقيدة ما في الفرد دون أن ينعكس ذلك على المجتمع ولو على المدى البعيد؛ ولذلك كان صلاح المجتمع بعد تطهير العقيدة من الشوائب الدخيلة عليها معتمدًا على تطهيره مما شانه من أعمال يقوم بها أفراده مناقضة للعقيدة.
والآن نلخص أبرز آثار العقيدة في المجتمع:-
1- أمة العقيدة أعرق أمة في التاريخ، وتاريخها حافل بالوقائع والتجارب، قادتها الرسل، وقد بين الله للمؤمنين أمتهم الواحدة من اتباع الرسل بقوله تعالى--------------------------------------------
1 انظر الإيمان والحياة للقرضاوي ص201 - ص324. والإيمان وآثاره لزكريا يوسف ص10- 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
في نهاية عرض قصص الأنبياء مع أقوامهم المكذبين: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} 1، وأول قائد لهذه الأمة العريقة هو آدم عليه السلام وآخر قادتها وأجلهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم من سار على نهجه إلى يوم الدين.
هذا التراث الكبير والتجارب العميقة تشكل الذخيرة الحية لأمة العقيدة، وهي الحضارة التي تملك الأمة أن تقدمها للإنسانية وهي واثقة ومطمئنة أنها ليست بحاجة لاستيراد القيم والأخلاق والعقائد من الأمم الكافرة؛ لأنها أمة متبوعة لا تابعة لغيرها.
2- أمة العقيدة تتلقى للتنفيذ، لا مجال عندها للتردد ومخالفة الأوامر، فإذا نزل القرآن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء انقلب كل رجل إلى أهله يتلو عليهم ما أنزل الله تعالى، فيبادر الجميع لامتثال المأمور به واجتناب المنهي عنه.
3- إن أمة العقيدة أمة لا تعيش لذاتها ومصالحها فقط، بل هي أمة ترى على عاتقها مسئولية إنقاذ البشرية مما هي فيه من الضلال، لأنها تشعر بنعمة اهتدائها إلى الله، لذلك تحب أن تهدي غيرها من الأمم.
إن أمة العقيدة تشعر بخيريتها على سائر الأمم، لا خيرية الجنس واللون، لكن خيرية الدين والعقيدة انطلاقًا من قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 3.
فأمة العقيدة تتعامل مع غيرها على هذا الأساس، وهذا هو الذي--------------------------------------------
1 سورة الأنبياء آية 92.
2 سورة آل عمران آية 110.
3 سورة البقرة آية 143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
أخرج الصحابة -رضوان الله عليهم- من ديارهم وأموالهم يطوفون مشارق الأرض ومغاربها يهدون للنور الذي هداهم الله إليه، لا كما يزعم أعداء الله أنهم خرجوا طلبًا للقوت واستعمار الأمم والشعوب.
4- أمة العقيدة هي الأمة الوحيدة التي يستوي فيها الناس جميعًا حاكمهم ومحكومهم، ويستطيع الفرد العادي فيها أن ينصح الحاكم دون هيبة من سلطانه؛ لأنه يعلم أن الحاكم منفذ للدين وحارس للشريعة، ولذلك كان علماء الإسلام يناقشون الحكام وينصحونهم وإن زلوا يحاكمونهم إلى الشرع.
5- أمة العقيدة أمة عزيزة الجانب مصونة لا تقيم حربًا أو سلمًا إلا على أساس عقيدتها كما كان عمل الرسول صلى الله عليه وسلم أول مقدمه إلى المدينة مع مختلف الطوائف داخل المدينة وخارجها من الممالك والإمارات، وإذا جاهدت أمة العقيدة فليس هدفها من الجهاد إراقة الدماء ونهب الأموال، إنما هدفها تحرير الإنسانية من الحكام الكفرة، الذين يحولون بين أممهم وبين الدين الحق.
إن أمة العقيدة تعلل كل وقائعها وانتصاراتها على ضوء عقيدتها، وكذلك إذا هزمت فإنها تقيس ذلك بميزان عقيدتها لتتعرف على عوامل هزيمتها مؤمنة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} 1.
6- أمة العقيدة تقوم الروابط بين أفرادها على العقيدة؛ لأن الروابط الأرضية من الجنس واللون واللغة والأرض والمصالح المشتركة، روابط ليس للإنسان فيها اختيار، فهو لن يستطيع اختيار جنسه ولونه ولغة قومه والأرض التي--------------------------------------------
1 سورة الرعد آية 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
يولد فيها، وهذه الروابط الأرضية لا تدوم، فسَرعان ما يدب الخلاف بين أصحابها، أما رابطة العقيدة فهي أقوى وأقوم، ولذلك كان المجتمع الإسلامي الأول يضم العربي والفارسي والرومي والحبشي والهندي، هذه الجنسيات كلها يجمعها اسم الأمة الإسلامية، بدون فوارق عرقية أو طبقية.
لقد قامت الإمبراطورية الرومانية قديمًا على أساس طبقي: العبيد والأشراف، وتقوم الشيوعية حاليًا بالتفريق بين العمال وأصحاب رءوس الأموال، وكذلك المجتمعات الغربية تفرق على أساس العرق واللون، وهذا ما يؤكد أنه ليس هناك مجتمع عالمي إنساني مفتوح لكل أبناء البشرية غير مجتمع العقيدة الإسلامية.
لذلك لما شعر أعداء الأمة الإسلامية بالخطر، وتنبهوا لسر قوتها، لجأوا لتحطيم هذه القوة بإقامة أصنام سموها الوطن والقوم والجنس وهي التي ظهرت على مدى التاريخ باسم الجنسية الطورانية أو القومية الفرعونية والفنيقية والفارسية والعربية، وغيرها من الأسماء والشعارات التي لم تلق رواجًا إلا عندما ضعفت العقيدة في النفوس، فأصبحت هذه الأصنام والشعارات مقدسات ويعتبر الخارج عليها كافرًا بوطنه وقوميته خائنًا لبلده يجب محاربته والقضاء عليه.
7- مجتمع العقيدة مجتمع يفتخر بأصله ويعتز بانتسابه لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وكل ما في الكون مسخر لخدمته ونفعه لقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} 1، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ--------------------------------------------
1 سورة إبراهيم آية 32- 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} 1، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} 2. هذا المجتمع لا تساويه المجتمعات التي تعلم أفرادها أن أصلهم قرد أو حيوان أحط من القرد، وأن كل ما في الكون عدو له ويقف ضده، فهو في صراع مع الكون ويعتبر أن أي اكتشاف علمي إنما هو تغلب على الكون وقهر للطبيعة، بينما مجتمع العقيدة يرى أن من واجبه الاهتداء لهذه السنن والاستفادة منها، وأن الإنسان مهما بلغ في العلم فهو من تعليم الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم.
8- مجتمع العقيدة مجتمع قوى متماسك يشد أفراده على أيدي بعضهم بعضًا كأنهم بنيان مرصوص، آمالهم وآلامهم واحدة؛ لأنها نابعة من عقيدتهم، وكلهم يسعون لتحقيق العدل والمحبة والأخوة، ليعيش كل فرد في هذا المجتمع آمنًا على دينه وروحه وعقله وماله وعرضه، ولكل فرد في المجتمع العقيدة حق العمل، وإلا فالدولة توفر الضروريات للعاجزين عن العمل وللذين لا يجدون ما يكفيهم.--------------------------------------------
1 سورة الجاثية آية 12- 13.
2 سورة لقمان آية 20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
هـ- أمثلة لآثار العقيدة
نذكر فيما يلي أمثلة من أبرز آثار العقيدة على سبيل الاختصار فنبدؤها:
1- سحرة فرعون يقولون له بعد أن هددهم لما آمنوا بموسى ما قاله تعالى عنهم: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} 1، ويصبرون للصلب والتقطيع حتى الموت، ونالوا الشهادة صابرين.--------------------------------------------
1 سورة طه آية 72- 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
2- أصحاب الأخدود يلقون الموحدين في النار فيموتون فيها، حتى لا يكفروا وقد ذكرهم القرآن بالثناء عليهم وذم من عذبوهم فقال: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} 1.
3- عندما استشار يهود بني قريظة أثناء الحصار أبا لبابة فأشار لهم بأنه الذبح قال: "والله مازالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم"، ثم انطلق إلى المسجد فربط نفسه بعموده حتى نزلت توبة الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم2.
4- عمير بن سعد في حجر زوج أمه جلاس بن سويد بن الصامت، فقال جلاس في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة نابية، فقال عمير: "يا جلاس، إنك لأحب الناس إليّ وأحسنه عندي يدًا، وأعزه أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمت ليهلكن ديني ولأحدهما أيسر على من الآخر، ثم أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم"3.
5- الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يطلب منه المأمون أن يقول بخلق القرآن فيرفض، فيسجنه ببغداد مقيدًا بالسلاسل، ويأتي المعتصم بعد المأمون فيزيد البلاء بالضرب والسحب ويتناوب عليه الجلادون وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين: دمه في عنقي ليغريه بقتله، ولا يزيد الإمام أحمد--------------------------------------------
1 سورة البروج آية 8-11.
2 انظر سيرة ابن هشام 3/ 255 - 256 وبين العقيدة والقيادة ص 185.
3 انظر سيرة ابن هشام 2/ 141 وبين العقيدة والقيادة ص 163.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
على قوله: "أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"، ويبقي في السجن ثلاثين شهرًا يقاوم السلطان، حتى انتصر رحمه الله عليهم بغير جيش ولا سلاح، إلا سلاح الإيمان والصبر والتمسك بالعقيدة الصحيحة، فكانت فتنته رحمه الله نهاية لهذا المذهب، فمن زمانه دفنت هذه العقيدة في بطون الكتب فأصبح حب أحمد شعار أهل السنة1.
6- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يحاسب غازان التتري رابع ملك مسلم من التتار الذي احتل دمشق حتى شرد أهلها وبقي شيخ الإسلام بفئة قليلة فخرج إليه وقال له: "أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاضٍ وإمام ومؤذن، فعلام تغزو بلادنا؟ أبوك وجدودك كانوا كافرين وما ؤغزونا بعد أن عاهدونا وأنت عاهدت فغدرت".
ولما قدم له غازان الطعام رفض أكله قائلًا: "نهبتم أغنام الناس وطبختموها بأشجار الناس".. ودار بينه وبين غازان جدال طويل لم يخش فيه سلطانه وهيبته3.--------------------------------------------
1 أحمد بن حنبل بين محنة الدين ومحنة الدنيا لعبد الجواد الدومي ص 118 إلى ص 138.
2 ابن تيمية "حياته وعصره أراؤه وفقهه" لمحمد أبي زهرة ص36 - ص40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات
مدخل
…
الفصل الخامس: ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات
لقد شاعت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر آراء تقول بأن كل شيء في هذا العالم متطور، وهذا التطور يشمل العلوم والصناعات والأخلاق والعقائد وكل شيء، وبناء عليه ظهرت عدة تفسيرات لنشأة العقيدة الدينية تبين مراحل تطوراها خلال التاريخ من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد.
وسأقوم في هذا الفصل بإذن الله تعالى ببيان مذاهب التطوريين والرد عليها، ثم بيان أسباب القول بفكرة التطور، ثم بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه، ثم ختمت الفصل برد إجمالي على نظرية التطور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
مذاهب التطوريين والرد عليها
مدخل
…
أ- مذاهب التطوريين والرد عليها
تعددت مذاهب علماء الأديان المقارنة في نشأة العقيدة، وأستطيع حصرها في ثلاثة مذاهب رئيسية هي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
1- المذهب الطبيعي:
وقد نادى به "ماكس مولر" سنة 1856م و"كوهن" سنة 1859م و"شغارتز" سنة 1863م، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها.
ورد العالمان جيفونس ودريكايم على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة، لأنه مع الزمن يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها1.--------------------------------------------
1 انظر الدين لمحمد دراز ص 119- ص132 ونشأة الدين للنشار ص 70- 200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
2- المذهب الروحي:
وقد نادى به سبنسر وتيلور، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده.
ورد دور كايم على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولي ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلم يكف هذا لتفسير نشأة العقيدة1.--------------------------------------------
1 انظر الدين لمحمد دراز ص 139-140 ونشأة الدين للنشار ص 32- 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
3- المذهب التوتمي:
قال به "دور كايم"، والتوتم عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
هذا التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر.
وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا وعندها يحرم أكله وقتله.
وقد رد كل من "لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشمت" على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا وإن كان رمزًا لها1.
هذا هو ملخص أقوال أصحاب المذاهب الثلاثة في تفسير نشأة العقيدة الدينية، واعتقد كل فريق منهم أن تفسيره هو الصحيح وأن باقي المذاهب الأخرى تابعة من حيث الزمن لمذهبه، وأخذ يرد على مذاهب غيره ويبطل صحتها، ولكنهم جميعًا متفقون على أن العقيدة الدينية من إنتاج البشر وتخيلاتهم، وأن تعدد الآلهة هو الأصل وأن التوحيد مرحلة متأخرة جدًّا، وذلك بعد أن أخذت الأمم تترقى في عقائدها وتقلل من عدد المعبودات، وكانت الأمة الغالبة في الحرب تخضع إله الأمة المغلوبة لإلهها، وهكذا حتى انتهى عدد الآلهة لإلهين، ثم آل الأمر إلى الاعتقاد بوحدانية الإله ، إذن فالتوحيد حادث ومتطور عن التعدد.
وقد تأثر كثير من الكتاب المعاصرين بهذه الفكرة التطورية وألفوا مؤلفات - إما عن خبث وإما عن جهالة وانخداع- يؤيدون فيها فكرة التطور هذه، ومن هؤلاء الكتاب عباس محمود العقاد، ويظهر ذلك واضحًا في كتابه الذي سماه الله، فقد افتتح الكتاب بالعبارة التالية:--------------------------------------------
1 انظر الدين لدراز ص159- 165 ونشأة الدين للنشار ص100 - ص174.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
"ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلوم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات.." 1.
وكتابه كله ينم عن تأييده لفكرة التطور، وهو وإن كان لا يرجح مذهبًا بعينه من المذاهب التطورية، إلا أنه لا يمانع أن تكون التفسيرات التطورية كلها أسبابًا مختلفة لنشأة العقيدة الدينية، فهو يقول في كتابه:
"وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضًا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع إلى غيره، ومسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد وأنها قد تتسع لجميع تلك التعليلات معًا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات … ويجوز على هذا أن تنبعث العقيدة عن أكثر الفروض المتقدمة لا عن فرض واحد، فنحن لا نهمل سببًا يخطر على البال.." 2 انتهى باختصار.
ويعتقد العقاد أن عبادة الشمس هي أرقى مرحلة توصل إليها العقل البشري، وأنها هي المرحلة السابقة لمرحلة التوحيد مستدلًا بقصة إبراهيم فيقول:
"وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية واستعدت بعده للإيمان بإله واحد لجميع الأكوان والمخلوقات.. فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة.. ولنا أن نقول إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد" 3 انتهى باختصار.--------------------------------------------
1 موسوعة العقاد 1/25.
2 موسوعة العقاد 1/36- 37.
3 موسوعة العقاد 1/43- 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
ويعتبر أن العرب مروا بهذه الأطوار، ثم يختم بحثه بقوله:
"فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه.. هذا التاريخ الطويل هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد" 1 انتهى باختصار.
ويعتبر العقاد أن التوحيد ليس نهاية التطور؛ حيث يقول عن العقل: "فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه" 2، فعلى رأيه هذا سيكون هناك مرحلة بعد مرحلة التوحيد.
ثم تَبِعَت العقاد في ذلك ثريا منقوش في كتابها "التوحيد في تطوره التاريخي" تؤيد فيه آراء العقاد وتزيد عليها حيث تقول:
"فتاريخ التوحيد ليس سوى تتابع لمختلف التطورات التي حدثت في تاريخ الفكر العقائدي، ابتداء بالكثرة الكثيرة إلى التعدد الثلاثي ثم إلى الوحدانية المتجسدة ممثلة بإله سماوي أي طبيعي مرئي ثم بمفهوم للواحد مجرد كلي القدرة والفعالية.." 3.
وتَعتبر أن الظروف المختلفة في الجزيرة واليمن أدت إلى فكرة التوحيد، وأن اليهود أخذوا التوحيد من السبأيين، وتأثر المسلمون باليهود فقالوا بعقيدة التوحيد، فهي تقول في ذلك:
"لقد دفع اليمنيون التوحيد القومي إلى شمال الجزيرة واحتضنه اليهود وأضافوا عليه مفاهيم ذلك العصر الفلسفية التجريدية ونقلوه بدروهم إلى الفكر الديني الذي يليهم وبخاصة الإسلام.."4 انتهى بلفظه.
وسنعرض فيما يلي الأسباب التي دفعت الكثيرين للقول بفكرة التطور.--------------------------------------------
1 موسوعة العقائد 1/45 - 53.
2 موسوعة العقاد 1/53.
3 التوحيد في تطوره التاريخي لثريا منقوش ص91.
4 التوحيد في تطوره التاريخي ص126. وانظر ص92 من نفس المصدر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
أسباب القول بفكرة التطور
مدخل
…
ب- أسباب القول بفكرة التطور 1
نذكر فيما يلي ثلاثة مصادر للأسباب الدافعة للقول بفكرة التطور هي:--------------------------------------------
1 انظر الدين لمحمد دراز ص81- ص83 وكتاب أخطاء المنهج الغربي الوافد لأنور الجندي ص73- ص75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
1- المصدر الأول: الكنيسة:
كانت الكنائس الأوروبية في القرنين المنصرمين مصدرًا لفكرة التطور لعدة نواحي:
أ- كانت الكنائس تفرض على أتباعها ضرائب باهظة.
ب- كانت الكنائس تمنع تفسير الإنجيل إلا للباباوات والقساوسة.
جـ- الانحلال الخلقي عند رجال الكنسية.
د- كانت الكنائس تحارب العلم والاكتشافات العلمية.
كل هذه الأسباب مجتمعة، أدت لنتائج سيئة، حيث ثار الشعب على الكنيسة وكفر بالدين وبكل ما تقوله الكنيسة، ونادى بالفكرة القائلة: الدين أفيون الشعوب، معتبرًا الدين من اختراع رجال الكنيسة ليخدروا الشعوب وتتم لهم السيطرة عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
2- المصدر الثاني: المبشرون:
وهناك طائفة من علماء الأجناس والأديان المقارنة كانوا مبشرين بالنصرانية، وممهدين لدولهم للسيطرة العسكرية والاقتصادية، مدفوعين بدافع الحقد الصليبي، ولا يتم لهم ذلك إلا بتشويه عقيدة الإسلام الصافية وشريعته النقية، فلذلك كثر تهجمهم على التوحيد والوحي والرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة والجهاد والحدود وغيرها، وأخذوا يبثون الشبه على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)