.................................................................................................--------------------------------------------
= وهو منقول عن بعض المتكلمين، ونسب خطأ إلى الشافعية، فهي نسبة غير صحيحة.
واستدل القائلون بذلك بأدلة ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها.
منها: ما روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم: قال: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" "رواه الترمذي والدراقطني: الترغيب والترهيب جـ1 ص256".
وقالوا في وجه الدلالة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأن الصلاة في أول الوقت سبب رحمة الله ورضائه عن فاعلها، وأن فعلها في آخر الوقت يعد معصية، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "عفو الله" لأن العفو إنما يكون عن شيء فيه مخالفة.
وأجيب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف جدًّا. قال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث كذبه أحمد بن حنبل، وقد روي بأسانيد كلها ضعيفة.
"تحفة الأحوذي 1/ 517، سبل السلام 1/ 17".
الوجه الثاني: أنه مع فرض التسليم بصحته فإنه لا يثبت المدّعي، لأن العفو الوارد في الحديث لا يدل على أن الصلاة في آخر الوقت معصية، لكنه يلج على أن المكلف قد تباطأ في أداء العبادة في أول وقتها، ولا شك أن الوقت الأول وقت فضيلة بلا خلاف، فإهمال لوقت الفضيلة يستحق العفو من الله تعالى. فغاية ما يدل عليه الحديث: هو حث المكلف على المبادرة بأداء العبادة في أول وقتها حتى يستحق رضا الله تعالى ومغفرته.
بالإضافة إلى أن أن هذا الحديث مخالف لحديث جبريل المتقدم وهو حديث صحيح.
المذهب الثاني:
أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعل أوله كان من قبيل التعجيل، وهو مروي عن بعض الحنفية.
واستدلوا على ذلك: بأنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه لكن التالي باطل، وهو أنه لا يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
فصل: [في تضييق الواجب الموسع]
إذا أخر الواجب الموسع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه1 لم يمت عاصيًا، لأنه فعل ما أبيح له فعله، لكونه جُوِّز له التأخير2.--------------------------------------------
= وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.
وأجيب عن هذا الدليل: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم وجوب الفعل، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب هو الترك في جميع أوقات الفعل، لا الترك في بعض الأجزاء والإتيان به في البعض الآخر.
والوجوب في الوقت الأخير أصبح مضيقًا، بحيث إذا لم يفعله فيه خرج وقته كله.
المذهب الثاني: أن المكلف إذا أتى بالفعل في أول الوقت، فإن جاء آخر الوقت والمكلف على صفة التكليف، بأن كان بالغًا، عاقلًا، خاليًا من الموانع الشرعية، كان فعله في أول الوقت واجبًا.
وإن جاء آخر الوقت وقد زالت عن المكلف صفة التكليف، بأن جن المكلف، أو حاضت المرأة مثلًا، كان الفعل الذي فعله في أول الوقت مندوبًا، وهذا المذهب مروي عن الإمام الكرخي من أئمة الحنفية.
وهذا المذهب من الضعف بحيث لا يحتاج إلى استدلال أو مناقشة. فهو مذهب مخالف لما عليه عامة الفقهاء، كما أنه مخالف لظاهر الآيات، وللأحاديث الصحيحة التي تثبت أن الواجب الموسع يجوز فعله في أي جزء من أجزاء هذا الوقت، وإن كان الأداء في أول الوقت فضلية.
1 يريد: قبل تضييق وقته، فلو أخره حتى ضاق الوقت فإنه يموت عاصيًا، كما لو أخر الصلاة لوقت لا يكفي لأدائها.
2 هذا تعليل كونه لا يموت عاصيًا، وهذا الرأي هو الراجح عند المحققين من =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
فإن قيل1: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة؟
قلنا: هذا محال؛ فإن العاقبة مستورة عنه2.
ولو سألنا فقال: "عليّ صوم يوم فهل يحل لي تأخيره إلى غد" فما جوابه؟
إن قلنا: "نعم" فلم أثم بالتأخير؟
وإن قلنا: "لا" فخلاف الإجماع.
وإن قلنا إن كان في علم الله أنك تموت قبل غدٍ، لم يحل، وإلا فهو يحل.
فيقول: وما يدريني ما في علم الله، فلا بد من الجزم بجواب.
فإذًا: معنى الوجوب وتحقيقه: أنه لا يجوز له التأخير، إلا بشرط العزم، ولا يؤخر إلا إلى وقت يغلب على ظنه البقاء إليه. والله أعلم.--------------------------------------------
= الأصوليين، حتى حكى بعضهم الإجماع على ذلك.
1 هذا يعتبر مذهبًا ثالثًا، وهو: أنه يجوز التأخير بشرط سلامة العاقبة، مثل: عدم المرض، أو كبر السن وما أشبه ذلك.
2 صحيح هي مستورة، لكن لها أمارات، والأحكام العملية يكتفى فيها بغلبة الظن.
وتفرع على ذلك: أنه لو تخلف ظنه وعاش بعد الوقت الذي ظن أنه لن يعيش بعده، وأدى الفرض -بعد هذا الوقت-، فهل يعتبر أداء، باعتبار الواقع، لا عبرة بهذا الظن الذي تخلف. أو يعتبر قضاء باعتبار ظنه رأيان في المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
فصل: [في مقدمة الواجب وحكمها]
ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى: ما ليس إلا المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب.
وإلى ما يتعلق باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب.
وهذا أولى من قولنا: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب؛ إذ قولنا: "يجب ما ليس بواجب" متناقض، لكن الأصل: وجب بالإيجاب قصدًا، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود، فهو واجب كيف ما كان، وإن اختلفت علة إيجابهما1.--------------------------------------------
1 خلاصة ذلك: أنه من المباحث المتعلقة بالواجب: ما يسمى بمقدمة الواجب، أو ما لا يتم الواجب إلا به، أو ما يتوقف عليه الواجب، أو الوسيلة، وكلها تنزل على معنى واحد. ومقدمة الواجب نوعان:
1- مقدمة وجوب: وهي ما يتوقف عليها وجوب الواجب، وقد تكون سببًا كملك النصاب للزكاة، وقد تكون شرطًا كالبلوغ، فإنه شرط للتكليف، وقد تكون مانعًا، كالدين، فإنه مانع من وجوب الزكاة. وهذا النوع لا خلاف بين العلماء في عدم التكليف به، لعدم قدرة المكلف على تحصيله.
2- مقدمة وجود: وهي ما يتوقف عليها وجود الواجب وإيقاعه على صفة الكمال، كما أراد الشارع. وهي أيضًا نوعان:
أ- نوع غير مقدور للمكلف، مثل: حضور الإمام والعدد المشترط لصحة صلاة الجمعة. وهذا النوع متفق على عدم التكليف به أيضًا، لعدم قدرة المكلف على تحصيله. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
فإن قيل: لو كان واجبًا لأثيب على فعله، وعوقب على تركه، وتارك الوضوء والصوم لا يعاقب على ما ترك من غسل الرأس وصوم الليل1.
قلنا: ومن أنبأكم أن ثواب القريب من البيت في الحج مثل ثواب البعيد وأن الثواب لا يزيد بزيادة العمل في الوسيلة؟
وأما العقوبة: فإنه يعاقب على ترك الوضوء والصوم، ولا يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى لإضافته إلى التفصيل.--------------------------------------------
= ب- النوع الثاني: مقدمة مقدورة للمكلف. وهي محل خلاف بين العلماء في: هل إذا أمر الشارع أمرًا مطلقًا بفعل يتوقف وجوده على شرط أو سبب، يكون أمرًا بالمقدمة، أو أنها تكون بأمر آخر؟
وقد اختار المصنف أن الأمر بالشيء الواجب يقتضي وجوب المقدمة، ولذلك قال: "فهو واجب كيفما كان".
1 اعتاد المصنف: أن يورد المذهب المخالف ضمنًا في صورة اعتراض، يدل على المذهب وعلى دليله، وهذا هو دليل المذهب الثاني الذي يرى أن الأمر بالشيء ليس أمرًا بما يتوقف عليه، سواء أكان سببًا أم شرطًا.
وهناك مذهبان آخران أغفلهما المصنف:
أحدهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب السبب، دون الشرط، وحجة أصحاب هذا المذهب: أن ارتباط السبب بالمسبب أقوى وأشد من ارتباط الشرط بالمشروط، ولذلك يلزم من وجود السبب وجود المسبب، بخلاف الشرط، فلا يلزم من وجوده الوجود.
ثانيهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يستلزم إيجاب ما يتوقف عليه إن كان شرطًا شرعيًّا، أما إن كان شرطًا عقليًّا أو عاديًّا، أو سببًا فلا يقتضي ذلك، وهذا الرأي منسوب لإمام الحرمين.
ومن خلال استعراض هذه المذاهب الأربعة نرى رجحان ما ذهب إليه ابن قدامة، من أن الأمر بالشيء يستلزم وجوب ما يتوقف عليه مطلقًا، سواء أكان =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
فصل: [في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب]
وإذا اختلطت أخته بأجنبية1، أو ميتة بمذكاة حرمتا: الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه.
وقال قوم: المذكاة حلال، لكن يجب الكف عنها.
وهذا متناقض2، إذ ليس الحل والحرمة وصفًا ذاتيًّا لهما، بل هو متعلق بالفعل، فإذا حرم فعل الأكل فيهما فأي معنًى لقولنا: هي حلال؟!
وإنما وقع هذا في الأوهام، حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالسواد والبياض، والأوصاف الحسية، وذلك وَهْم على ما ذكرناه. والله أعلم.--------------------------------------------
= سببًا أم شرطًا، لأنه لا يعقل أن يكلف الشارع بشيء يتوقف وجوده على شيء آخر بدون تكليف بهذا الشيء، ما دام مقدورًا للمكلف.
انظر في هذه المسألة: الإبهاج للإمام السبكي "1/ 110"، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد "1/ 244".
1 وكذا لو اختلطت زوجته بأجنبية، حرمتا أيضًا، الأجنبية حرام، لأنها أجنبية، وحرمت زوجته لاشتباهها بالأجنبية، ولا يمكن اجتناب الأجنبية إلا باجتناب الاثنتين، ويقال مثل ذلك في الميتة والمذكاة، الميتة حرام أصلًا، والمذكاة حرام لاشتباهها بالميتة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب هنا هو الكف عن أخته فلا يتزوجها، وعن الأجنبية فلا يقربها، وعن الميتة فلا يأكلها، ولا يتحقق ذلك إلا بالكف عما اختلط بالمحرم، فاجتناب ما اشتبه بالمحرم بالأصالة واجب.
2 لأنه يؤدي إلى أنهما يباحان ويحرمان في وقت واحد. وهذا الرد من "ابن قدامة" فيه مبالغة، لأن المخالفين نظروا إلى الواقع ونفس الأمر، والواقع: أن الأجنبية =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
فصل: [في الواجب غير المحدد] 1
الواجب الذي لا يتقيد بحد محدود، كالطمأنينة في الركوع والسجود، ومدة القيام والعقود، إذا زاد على أقل الواجب: فالزيادة ندب، واختاره أبو الخطاب2.--------------------------------------------
= حلال، والمذكاة حلال، لكنهما وجب الكف عنهما -مؤقتًا- لحين التمييز بينهما، ولم يقل أحد من العلماء إن التحريم متوجه إلى الذوات، وهذا ما قاله البيضاوي -تبعًا للإمام الرازي ومختصريه- قال: "لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا: على معنى أنه يجب الكف عنهما" قال الإسنوي -شرحا على ذلك-: "المراد بتحريم الأجنبية: إنما هو الكف، لا تحريم ذاتها" انظر: نهاية السول على منهاج البيضاوي جـ1 ص212 وبهامشه سلم الوصول للشيخ المطيعي.
1 هذا فرع آخر من الفروع المخرجة على ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ووجه تخريجه عليه: أن غير الواجب فيه وهو الزيادة لاحق له من آخره، ومقدمة الواجب لاحقة له من أوله.
وقد بين الطوفي في شرح مختصر الروضة "1/ 348" محل الخلاف فقال: "الزيادة على الواجب إما أن تكون متميزة عنه أو لا: فإن تميزت عنه: كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي -يعني الزيادة المتميزة- ندب اتفاقًا. إذ لا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا جامع بينها وبين الواجب حتى تقاس عليه، ولا اشتدت ملابستها للواجب حتى تلحق به، ولا مدرك لثبوت الأحكام شرعًا إلا هذه الأدلة: النص والإجماع والقياس والاستدلال.
وإن لم تتميز الزيادة على الواجب ولا تنفصل حقيقتها من حقيقته حسًّا، كالزيادة في الطمأنينة..... واجبة عند القاضي أبي يعلى، ندب عند أبي الخطاب وهو الصواب".
2 محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي. ولد سنة 432هـ، كان أحد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وقال القاضي1: الجميع واجب؛ لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد، والأمر في نفسه أمر واحد، وهو أمر إيجاب، ولا يتميز البعض عن البعض، فالكل امتثال.
ولنا: أن الزيادة يجوز تركها مطلقًا من غير شروط ولا بدل، وهذا هو الندب.
ولأن الأمر إنما اقتضى إيجاب ما تناوله الاسم فيكون هو الواجب، والزيادة ندب، وإن كان لا يتميز بعضه عن البعض، فيعقل كونه بعضه واجبًا، وبعضه ندبًا، كما لو أدى دينارًا عن عشرين"*".--------------------------------------------
= أئمة المذهب وأعيانه، صنف العديد من الكتب منها "التمهيد" في أصول الفقه. توفي سنة 510هـ.
انظر في ترجمته: "المنهج الأحمد 2/ 198، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص211-239".
1 محمد بن الحسين بن محمد، أبو يعلى الفراء الحنبلي، كان عالم زمانه وفريد عصره، إمامًا في الأصول والفروع. ولد سنة 380هـ. وتوفي سنة 450هـ. من مؤلفاته في الأصول "العدة" "طبقات الحنابلة 2/ 193-230".
"*" الواجب العيني والواجب الكفائي.
ترك المصنف تقسيمًا من تقسيمات الواجب، وهو: تقسيمه إلى واجب عيني، وواجب كفائي، فلزم إضافة هذا التقسم هنا فنقول:
الواجب العيني: هو ما توجه فيه الطلب إلى كل مكلف، أي طلب الشارع فعله من كل واحد من المكلفين، فلا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ومن يأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين، لأن المنظور إليه في هذا الواجب: الفعل نفسه، والفاعل نفسه، مثل: فرائض الصلاة، والصيام، والوفاء بالعقود، وإعطاء كل ذي حق حقه.
والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
..........................................................................................--------------------------------------------
نظر إلى فاعله، لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.
فالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.
ومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.
ولا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع، لأنهم فوّتوا ما قصد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.
لكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟
فالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.
وذهب بعض الأصوليين ومنهم المعتزلة إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة، لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا الواجب أو لا؟
فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر، لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.
أما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك، لأن الخطاب لم يتوجه إليه.
وقد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًّا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، كالجهاد، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.
ومثل ذلك: إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر استطاعته. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
فصل: القسم الثاني: المندوب
…
القسم الثاني: المندوب 1
والندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل. كما قال:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا2--------------------------------------------
= ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.
أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟
للعلماء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: أن فرض العين أفضل، لشدة اعتناء الشارع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة، لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية.
وهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.
الرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل، لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم، وأولى مما يتعلق بالبعض.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين ووالده.
انظر: "التمهيد اللإسنوي، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع جـ1 ص183، الإبهاج للسبكي 1/ 100 طبعة الكليات الأزهرية، نهاية السول للإسنوي 1/ 94، الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان ص37، الطبعة الثانية.
1 القسم الثاني: من أقسام الحكم التكليفي: المندوب. ويسمى: سنة ومستحبًّا وتطوعًا وطاعة ونفلًا وقربة ومرغبًا فيه وإحسانًا. وهي اصطلاحات مستحدثة في المذاهب، والمتفق عليه بين المتقدمين: الفرض والسنة.
2 الشاعر هو: قريط بن أنيف العنبري، والبيت من القصيدة له يهجو بها قومه، ويمدح بني مازن الذين استنقذوا إبله بعد أن تخلى عنه قومه. انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي "1/ 19".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وحده في الشرع: مأمور لا يلحق بتركه ذم، من حيث تركه من غير حاجة إلى بدل1.
وقيل: هو ما في فعله ثواب، ولا عقاب في تركه.
والمندوب مأمور [به] . وأنكر قوم كونه مأمورًا [به] قالوا: لأن الله -سبحانه- قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} 2. والمندوب لا يحذر فيه ذلك.
ولأن3 النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"4. وقد ندبهم إلى السواك، علم أن الأمر لا يتناول المندوب.--------------------------------------------
1 قوله: "مأمور" جنس يتناول الواجب والمندوب، وقوله: "لا يحلق بتركه ذم...." أعم من أن يكون تركه مطلقًا أو إلى بدل، فيشمل: الواجب الموسع، والمخير، وفرض الكفاية، لأن جميعها مأمورات يجوز تركها، لكن إلى بدل، فلما قال: "من غير حاجة إلى بدل" أخرج ذلك كله وأبقى المندوب.
2 سورة النور من الآية: 63 وهي الدليل الأول للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.
3 هذا هو الدليل الثاني للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب التمني "887" ومسلم: كتاب الطهارة، باب السواك "252" وأبو داود: كتاب الطهارة، باب السواك "46" والنسائي: كتاب الطهارة، باب السواك "1/ 12" والترمذي حديث رقم "23" وابن ماجه "287"، والطحاوي في شرح معاني الآثار "1/ 403" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. كما رواه عن زيد بن خالد الجهني: أحمد في مسنده "4/ 114، 116"، وأبو داود "47" والترمذي "23" وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد والطحاوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ووجه الدلالة من الحديث -كما قال أصحاب هذا المذهب-: أن السواك مندوب، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
ولأن1 الأمر: اقتضاء جازم لا تخيير معه، وفي الندب تخيير، ولم يسم تاركه عاصيًا.
ولنا2 أن الأمر: استدعاء وطلب، والمندوب مستدعًى ومطلوب، فيدخل في حقيقة الأمر. قال الله تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} 3 وقال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} 4. ومن ذلك ما هو مندوب.
ولأنه6: شاع في ألسنة الفقهاء: أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب.--------------------------------------------
= بالسواك، فلا يكون المندوب مأمورًا به. وقد أجاب المصنف على ذلك كما سيأتي.
1 هذا هو الدليل الثالث وخلاصته: أن الأمر طلب فعل جازم لا تخيير فيه، وتاركه يسمى عاصيًا، لقول الله تعالى -عن موسى عليه السلام لأخيه-: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] والمعنى: عصيتني بمخالفة أمري، والمندوب على عكس ذلك، فليس فيه طلب جازم، وإنما فيه تخيير بين الفعل والترك، كما أن تاركه لا يسمى عاصيًا، فدل ذلك على أن ليس مأمورًا به.
2 من هنا سيبدأ المصنف في إيراد الأدلة على أن المندوب مأمور به.
3 سورة النحل من الآية: 90.
4 سورة لقمان من الآية: 17.
5 ومثلهما قوله تعالى في سورة الحج الآية: 77: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن من المأمور به ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، فمن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو على سبيل الجزم، ومنه ما هو على سبيل الاستحباب والندب، وكذلك الأمر بالمعروف، وفعل الخير، فثبت بذلك: أن الأمر يطلق على المندوب، كما يطلق على الواجب، وهذا هو الدليل الأول.
6 هذا هو الدليل الثاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
ولأن1: فعله طاعة، وليس ذلك لكونه مرادًا، إذ الأمر يفارق الإرادة، ولا لكونه موجودًا؛ فإنه موجود في غير الطاعات "أو حادثًا، أو لذاته، أو صفة نفسه؛ إذ يجري ذلك في المباحات"2. ولا لكونه مثابًا؛ فإن الممتثل يكون مطيعًا وإن لم يثب، وإنما الثواب للتراغيب في الطاعات.
وقولهم3: "إن الأمر ليس فيه تخيير" ممنوع.--------------------------------------------
1 هذا هو الدليل الثالث.
2 ما بين القوسين من المستصفى، والذي في الروضة "فإنه في غير الطاعات" وهي توهم أن المندوب كما يكون في الطاعات يكون غير غيرها، وهو خطأ، فالمصنف بحذفه هذه العبارات جعل المعنى مختلًا. وخلاصة هذا الدليل: أن الندب أمر وفيه طاعة، وهذه العبارة ليست باعتبار كون الأمر مرادًا، لأن الأمر يفارق الإرادة، ولا باعتبار كونه موجودًا أو حادثًا أو لذاته أو صفة نفسه، فهذا كله موجود في المباحات، ولا باعتبار كونه مثابًا عليه، فإن المأمور يعتبر مطيعًا حتى ولو لم يثب، فإن الثواب للترغيب، فقد يحبط عمله بالفكر، فثبت بذلك كله أن المندوب داخل في الأمر.
انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص115".
3 بدأ المصنف ينافش أدلة المخالفين. فبدأ بمناقشة الدليل الأول: وهو: "أن الطلب والتخيير متنافيان" فقال: هذا غير صحيح، لأن الطلب قد يكون جازمًا وقد يكون غير جازم.
ولو سلمنا -جدلًا- بأن الطلب والتخيير متنافيان، فنقول: إن الندب ليس تخييرًا مطلقًا، بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك، للثواب على فعله، وعدم الثواب في تركه. ولم يسم تاركه عاصيًا، لأن الله تعالى هو الذي أسقط عنه هذا، لأن الأمر فيه ليس جازمًا.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "..... لأمرتهم بالسواك...." لا يدل على مدّعاكم، لأن المنفي في الحديث: هو الأمر على سبيل الجزم والوجوب، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم ندبهم إلى هذه السنة وأمرهم بها في بعض الأحاديث الأخرى، كقوله صلى الله عليه وسلم: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وإن سلمنا: فالمندوب كذلك، لأن التخيير عبارة عن التسوية، فإذا ترجح جهة الفعل ارتفعت التسوية والتخيير.
ولم يسم تاركه عاصيًا، لأنه اسم ذم، وقد أسقط الله -تعالى- الذم عنه، لكن يسمى مخالفًا وغير ممتثل، ويسمى فاعله موافقًا ومطيعًا.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ".... لأمرتهم بالسواك....." أي: أمرتهم أمر جزم وإيجاب.
وقوله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ونحن نقول به، لكن يجوز صرفه إلى الندب بدليل، ولا يخرج بذلك عن كونه أمرًا، كما ذكرناه في دليلنا. والله أعلم.
القسم الثالث: المباح
وحدّه: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه1.--------------------------------------------
= "تسننوا ولا تدخلوا عليّ قُلْحًا بُخْرا" [رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن بشر المازني. والقلح: الذي أصفرت اسنانه حتى بخرت من باطنها] . والجمع بين الحديثين يكون بحمل الأول على الندب، والحديث الذي معنا الذي نفى الأمر على الإيجاب، حتى لا يكون هناك تعارض في الأدلة الشرعية، والرد على الاستدلال بالآية الكريمة واضح.
1 هذا أحد التعريفات الشرعية للمباح، وعرفه البعض بأنه: ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه من غير مدح يترتب عليه ولا ذم.
أما معناه في اللغة: فمأخوذ من الإباحة، وهي: الإظهار، يقال: باح بسره، إذا أظهره: وقيل: مأخوذ من باحة الدار وهي ساحتها، إذ فيه معنى السعة =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وهو من الشرع1.--------------------------------------------
وانتفاء العائق، لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتف فيها.
انظر: "القاموس المحيط فصل الباء، باب الحاء، شرح مختصر الروضة 1/ 386".
1 وهذا هو رأي جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك، فمعنى الإباحة: قول الشارع: أبحت لكم هذا، أو أنتم مخيرون في فعله وتركه، وهذا يتوقف على خطاب الشارع، فتكون الإباحة حكمًا شرعيًّا.
وذهب بعض المعتزلة ومنهم الكعبي: "عبد الله بن أحمد، رأس طائفة من المعتزلة تسمى الكعبية. توفي سنة 319هـ" ذهب إلى أن الإباحة حكم عقلي، إذ إنها عبارة عن انتفاء الحرج عن المكلف، وذلك ثابت قبل ورود الشرع.
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير، وهذا متوقف على ورود الشرع. والخلاف بين الجمهور والمعتزلة في هذه المسألة متفرع على مسألة أخرى هي: الحسن والقبح في الأشياء، هل هي شرعية أو عقلية، فلا بد من بيان ذلك.
معنى الحسن والقبح:
يطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:
المعنى الأول: أن الحسن: ما يلائم الفطرة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار.
والقبح: ما ينافر الفطرة: فإنقاذ الإنسان من تهلكة حسن، وترك إنقاذه قبيح.
المعنى الثاني: أن الحسن: صفة كمال يستحق فاعله المدح من العباد في الدنيا.
والقبح: صفة نقص يستحق فاعله الذم من العباد في الدنيا. فالعلم حسن، والجهل قبيح.
وهذان المعنيان لا خلاف بين العلماء في أنهما عقليان أي أن الفعل يستقل بإدراك ما فيهما من حسن أو قبيح من غير توقف على الشرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
........................................................................................................--------------------------------------------
= المعنى الثالث: الحسن: ما يستحق فاعله المدح من الله تعالى، والثواب في الآخرة، كالصدق والتواضع، والجود.
والقبح: ما يستحق فاعله الذم من الله تعالى، والعقاب في الآخرة، كالكذب والتكبر، والبخل.
وهذا النوع هو الذي جرى فيه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة.
فالمعتزلة يرون أنهما عقليان، أي أن العقل يستطيع أن يدرك ما فيهما من حسن أو قبح، وأن الوقوف على حكم الله تعالى لا يفتقر إلى ورود الشرع، لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وهذا أمر يدركه العقل، والشرائع تأتي مؤكدة لذلك، وأن الله تعالى عليه أن يأمر وينهى على وفق ما في الأفعال من حسن أو قبح.
أما أهل السنة: فإنهم يقولون: لا يعلم ذلك إلا من جهة الشرع، إذ لا حاكم إلا الله تعالى، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح، ما قبحه الشرع، وأما العقل فلا يحسّن، ولا يقبّح، ولا يوجب ولا يحرّم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة: أن المعتزلة يرون أن حسن الأشياء أو قبحها ذاتي، وأهل السنة يرون أنهما تابعان لصفات قائمة بهما.
ومن المؤكد أن رأي أهل السنة: هو الأرجح، وإلا لو كان حسن الأشياء أو قبحها ذاتيًّا، لكان الصدق حسنًا في كل الأحوال، ولكان الكذب قبيحًا في كل صوره، مع أن هذا مخالف للواقع.
وقد أطال العلماء في الرد على مسلك المعتزلة ومن معهم، ومن أقوى الأدلة الدالة على بطلان مذهبهم: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] فإن هذا النص الكريم يقتضي نفي التعذيب بمباشرة بعض الأفعال وترك بعضها قبل بعثة الرسل، ومذهب المعتزلة يستلزم تعذيب تارك الأفعال ومباشرة بعضها قبل بعثة الرسل، لأن الحسن والقبح -على مذهبهم- يتحقق قبل البعثة، والحسن في بعض الأفعال مستلزم لكونه واجبًا، والقبح في بعضها مستلزم لكونه حرامًا، فيكون بعض الأفعال قبل البعثة واجبًا، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
وأنكر بعض المعتزلة ذلك؛ إذ معنى الإباحة: نفي الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل ورود السمع، فمعنى إباحة الشيء: تركه على ما كان قبل السمع.
قلنا1: الأفعال ثلاثة أقسام:
قسم صرح فيه الشرع بالتخيير بين فعله وتركه، فهذا خطاب، ولا معنى للحكم إلا الخطاب.
وقسم لم يرد فيه خطاب بالتخيير، لكن دل دليل السمع على نفي الحرج عن فعله وتركه، فقد عرف بدليل السمع، ولولا هو لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه، فهذا اجتمع عليه دليل العقل والسمع.
وقسم لم يتعرض الشرع له بدليل من أدلة السمع، فيحتمل أن يقال: قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف فيه مخير.
وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل لا مدلول عليه سمعًا، فتكون إباحته من الشرع.
ويحتمل أن يقال: لا حكم له، والله أعلم.--------------------------------------------
= وبعضها حرامًا، وترك الواجب يقتضي استحقاق العقاب، كما أن فعل الحرام يستوجب العقاب أيضًا. فيؤدي ذلك في النهاية إلى إثبات أحكام شرعية، قبل البعثة وهو مخالف لمقتضى الآية الكريمة. انظر: "بيان المختصر للأصفاني جـ1 ص287 وما بعدها".
1 بدأ المصنف يرد على المعتزلة الذين قالوا: إن الإباحة حكم عقلي، فبين أن المسألة فيها عدة احتمالات، وبعضها للعقل فيه مجال، إلا أنها في النهاية ترجع إلى الشرع، وهي -كما سبق- راجعة إلى مسألة الحسن، والقبح هل هما عقليان أو شرعيان؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
فصل: [في حكم الأشياء قبل ورود الشرع]
اختلف في الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع ما حكمها1:
فقال التميمي2، وأبو الخطاب، والحنفية: هي على الإباحة: إذ--------------------------------------------
1 وضح الشيخ الشنقيطي محال الاتفاق ومحل الخلاف في المسألة فقال: "الأعيان المنتفع بها لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون فيها ضرر محض، ولا نفع فيها -ألبتة- كأكل الأعشاب السامة القاتلة.
الحالة الثانية: أن يكون فيها نفع محض، ولا ضرر فيها أصلًا.
الحالة الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة، وضرر من جهة أخرى.
فإن كان فيها ضرر محض، ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من نفعها أو مساويا له، فهي حرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" وإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف، والنفع أرجح منه فأرجح الأقوال الجواز، وقد أشار المصنف إلى هذا التفصيل بقوله: "المنتفع بها" فمفهومه: أن ما لا نفع فيه لا يدخل في كلامه" انتهى ببعض تصرف. "مذكرة أصول الفقه ص20".
وهذه المسألة مفرعة على مسألة: الحسن والقبح العقليين. وللعلماء فيها مذاهب كثيرة منها: ما رجحه المصنف، وهي أنها مباحة مطلقًا، وقيل: إنها على الحظر حتى يأتي الشرع بالإباحة، ومنهم من توقف في الجزم برأي معين.
يراجع في ذلك: المستصفى "1/ 63"، والإحكام للآمدي "1/ 91".
2 هو: عبد العزيز بن حارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، المولود سنة 317هـ. صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر بن عبد العزيز، كان من أعيان علماء الحنابلة، له مؤلفات في الأصول والفروع. توفي سنة 371هـ.
انظر: "طبقات الحنابلة جـ2 ص139، المنهج الأحمد جـ2 ص66".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
قد علم انتفاعنا بها من غير ضرر علينا، ولا على غيرنا، فليكن مباحًا.
ولأن الله -سبحانه- خلق هذه الأعيان لحكمة لا محالة، ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يرجع إليه، فثبت أنه لنفعنا.
وقال ابن حامد1، والقاضي2، وبعض المعتزلة: هي على الحظر؛ لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله -سبحانه- المالك ولم يأذن3.
ولأنه4 يحتمل أن في ذلك ضررًا، فالإقدام عليه خطر5.--------------------------------------------
1 هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، إمام الحنابلة في عصره ومعلمهم ومفتيهم. من مؤلفاته: "الجامع" في الفقه وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة 403هـ. انظر: "طبقات الحنابلة جـ2 ص171، شذرات الذهب جـ3 ص166".
2 تقدمت ترجمته قريبًا.
3 هذا هو الدليل الأول للقائلين بالحظر: قياس تصرف العبد في ملك الله -تعالى- على التصرف في ملك العباد، وهو ما يسميه الأصوليون: قياس أحكام الله تعالى على أحكام الخلق فيما بينهم، ونظم القياس هكذا: الواحد منا لا يجوز له أكل طعام غيره أو شرب شرابه، أو ركوب دابته، أو لبس ثوبه بغير إذنه، فكذلك أحكام الله تعالى، لا يجوز لنا التصرف فيها أن الحكم عليها بدون إذنه سبحانه.
4 هذا هو الدليل الثاني للقائلين بالحظر، وتقريره: أن الإقدام على هذا الانتفاع خطر، أي مخاطرة بالنفس، فالإمساك عنه أحوط لها في العقل.
أما أنه خطر، فلأن بتقدير الحل في نفس الأمر أمَنَةً من العذاب، وبتقدير التحريم تكون معرضة له، فهذا وجه المخاطرة، وهو: ركوب أمر يلحق فيه الضرر على بعض الاحتمالات. وأما أن الإمساك عن الانتفاع المذكور يكون أحوط، فهو من القضايا الضرورية عقلًا وشرعًا وعرفًا. "شرح مختصر الروضة جـ1 ص395".
5 في الأصل "حظر" وصححناه من شرح مختصر الروضة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وقال أبو الحسن الجزري1، وطائفة من الواقفية2: لا حكم لها؛ إذ معنى الحكم: الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع.
والعقل لا يبيح شيئا ولا يحرمه، وإنما هو معرف للترجيح والاستواء، وقبح التصرف في ملك الغير إنما يعلم بتحريم الشارع ونهيه.
ولو حكمت فيه العادة [لقضت بأنه] إنما يقبح في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، بل يقبح المنع مما لا ضرر فيه، كالظل وضوء النار.
وهذا القول هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا دخل له في الحظر والإباحة، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وإنما تثبت الأحكام بالسمع.
وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} 3.--------------------------------------------
1 هو: أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن الجزري -نسبة إلى جزيرة ابن عمر بالعراق- من قدماء الحنابلة، ومن المبرزين في المناظرة، والجدل والأصول والفروع. توفي سنة 380هـ "طبقات الحنابلة 2/ 167".
2 هم الذين يقفون في المسائل المختلف فيها، ولا يجزمون فيها برأي معين، والتوقف له معنيان، أو سببان: إما لعدم الدليل أصلًا، وإما لتعارض الإدلة.
3 سورة البقرة من الآية: 29 وقد بين الشيخ "ابن بدران" وجه الاستدلال بالآية الكريمة فقال: "وجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى أخبرهم -في معرض الامتنان عليهم وتذكيرهم النعمة- أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك، إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة: تخصيص من الله -سبحانه- لهم بانتفاعهم به؛ إذ لا مالك -على الحقيقة- إلا الله سبحانه وتعالى فاقتضى ذلك: أنهم متى اجتمعوا وما خلق لهم وسخر لهم في الوجود ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم به؛ إذ فائدة الملك: جواز الانتفاع". "نزهة الخطر جـ1 ص19".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)