وقد وردت بشارته بالجنة فيما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار فأتى الرجل1 النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى2: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: "اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" 3.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك أنه قال: لما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} 4 إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: "يا أبا عمر، وما شأن ثابت؟ أشتكى5"؟ قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكو، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل هو من أهل الجنة".
وفي رواية أخرى له عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث6 ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة7.--------------------------------------------
1ـ هذا الرجل هو سعد بن معاذ كما في رواية مسلم التي ستأتي بعد هذا الحديث.
2ـ هو ابن أنس راوي الحديث عن أنس. انظر: فتح الباري 8/592.
3ـ صحيح البخاري: 3/191.
4ـ سورة الحجرات آية/2.
5ـ أشتكى: الهمزة للاستفهام أي: أمرض، فالشكوى هنا المرض وهمزة الوصل ساقطة كما في قوله تعالى: {أصطفى البنات على البنين} .
6ـ أي: وروى الحديث على وجهه.
7ـ الحديثان في صحيح مسلم: 1/110-111.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 782)
هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لثابت بن قيس رضي الله عنه وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أهل الجنة رضي الله عنه وأرضاه.
17- "حارثة بن سراقة":
هو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، أمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، شهد بدراً، وقتل يومئذ شهيداً، قتله حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظاراً يوم بدر ورماه فأصاب حنجرته فقتله، وهو أول قتيل قتل ببدر من الأنصار1.
وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: "أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: "ويحك ـ أو هبلت ـ أو جنة واحدة هي؟ إنها جنات كثيرة، وإنه في جنة الفردوس" 2.
وروى أيضاً: بإسناده إلى أنس بن مالك أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة ـ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب ـ فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" 3.
في هذين الحديثين منقبة ظاهرة لحارثة بن سراقة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر--------------------------------------------
1ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد 3/510-511، الاستيعاب على حاشية الإصابة 1/284، الإصابة في تمييز الصحابة 1/297، فتح الباري 7/305، أسد الغابة 1/355-356.
2ـ صحيح البخاري 3/7.
3ـ صحيح البخاري 2/139.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 783)
أمه بأنه في الجنة وأنه أصاب من الجنان أعلاها، وهي الفردوس.
18- حارثة بن النعمان:
هو: حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من فضلاء الصحابة، توفي رضي الله عنه في خلافة معاوية بن أبي سفيان1.
وحارثة هذا وردت بشارته بالجنة فيما صح من الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قاريء يقرأ فقلت: من هذا؟، قالوا: حارثة بن النعمان" فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذاك البر كذاك البر" وكان أبر الناس بأمه"2.
ورواه أبو عبد الله الحاكم بلفظ: "دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذلكم البر كذلكم البر" 3.
قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم: "كذلكم البر كذلكم البر" المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة، فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم رأى هذه الرؤيا وقصها على أصحابه، فلما بلغ إلى قوله النعمان نبههم على سبب نيل تلك الدرجة بقوله--------------------------------------------
1ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد 3/487-488، طبقات خليفة ص/90، المستدرك 3/208، الاستيعاب على حاشية الإصابة 1/282-284، أسد الغابة 1/358-359، سير أعلام النبلاء 2/378-380، الإصابة 1/298-299.
2ـ المسند 6/151-152، قال الحافظ: إسناده صحيح. الإصابة 1/298.
3ـ المستدرك 3/208، وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي 3/519، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/616.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 784)
"كذلكم البر"، أي: حارثة، نال تلك الدرجة بسبب البر وموقع هذه الجملة التذييل كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} ، وفيه من المبالغة أنه جعل جزاء البر براً، وعرف الخبر بلام الجنس تنبيهاً على أن هذه الدرجة القصيا لا تنال إلا ببر الوالدين والتكرار للاستيعاب. أ.هـ1.
19- "عبد الله بن سلام":
هو: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف بن يعقوب صلى الله عليه وسلم، كان حليفاً للأنصار، وهو أحد أحبار اليهود أسلم رضي الله عنه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين2.
أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.
روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ} 3 الآية.
ورويا أيضاً ـ عن قيس بن عباد، قال: كنت جالساً في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج، وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد4 أن يقول ما لا يعلم،--------------------------------------------
1ـ ذكره عنه المناوي في فيض القدير 3/519 والآية رقم 34 من سورة النمل.
2ـ انظر ترجمته في الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة 2/374-376، أسد الغابة 3/176، البداية والنهاية 8/30، الإصابة 2/312-313.
3ـ صحيح البخاري 2/314، صحيح مسلم 4/1930، والآية رقم 10 من سورة الأحقاف.
4ـ هذا إنكار من عبد الله بن سلام حيث قطعوا له بالجنة فيحمل على أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 785)
وسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة1 فقيل له: ارقه، قلت: لا أستطيع فأتاني منصف2 فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت العروة فقيل له: استمسك فاستيقطت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت" وذاك الرجل عبد الله بن سلام"3.
وفي سنن الترمذي من حديث طويل عن معاذ بن جبل، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ـ أي في ابن سلام ـ "إنه عاشر عشرة4 في الجنة"5.
هذه الأحاديث تضمنت الشهادة بالجنة لعبد الله بن سلام وأنه من المقطوع لهم بها.
قال ابن كثير في ترجمة عبد الله بن سلام: "وهو ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو ممن يقطع له بدخولها"6.--------------------------------------------
= أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو، ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعاً وإيثاراً للخمول وكراهة للشهرة. شرح النووي: 16/42، فتح الباري 7/131.
1ـ العروة: هي مقبض الشيء. انظر لسان العرب 15/45.
2ـ هو الخادم الصغير المدرك للخدمة. شرح النووي 16/42، النهاية في غريب الحديث 5/66.
3ـ صحيح البخاري 2/314-315، صحيح مسلم 4/1930-1931، وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان 3/164.
4ـ جاء في تحفة الأحوذي: 10/307: "عاشر عشرة في الجنة" أي: مثل عاشر عشرة، أو المعنى يدخل بعد تسعة نفر من الصحابة في الجنة ذكره السيد جمال الدين. قال القاريء: وفيه أنه يلزم تقدمه على بعض العشرة، فلعله العاشر من الذين أسلموا من اليهود، أو مما عدا العشرة فيدخل الجنة بعد تسعة عشر من الصحابة. أهـ.
5ـ سنن الترمذي 5/336، وقال عقبه: وفي الباب عن سعد هذا حديث حسن غريب.
6ـ البداية والنهاية 8/30.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 786)
20- "أم سليم بنت ملحان":
هي: أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء أو الرميصاء كانت تحت مالك بن النضر، أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت أنساً في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام، فمات، فتزوجت بعده أبا طلحة الأنصاري1.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآها وسمع صوت حركة مشيها في الجنة.
فقد روى البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء2 امرأة أبي طلحة" 3.
وعند مسلم بلفظ: "أريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة" 4.
وروى مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "دخلت الجنة فسمعت خشفة 5 فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك" 6.
فهذه الأحاديث تضمنت شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لأم سليم رضي الله عنها.--------------------------------------------
1ـ الطبقات الكبرى لابن سعد 8/424-434، الجرح والتعديل 9/464، الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/437-438، سير أعلام النبلاء 2/304-311، الإصابة 4/441-442، تهذيب التهذيب 12/471.
2ـ الرمص: قذى يابس وغير يابس يكون في أطراف العينين. انظر شرح النووي: 16/11، النهاية في غريب الحديث 2/263.
3ـ صحيح البخاري 2/293.
4ـ صحيح مسلم 4/1908.
5ـ هي: حركة المشي وصوته. انظر: شرح النووي 16/11، النهاية في غريب الحديث 2/34.
6ـ صحيح مسلم 4/1908.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 787)
وهناك جماعة من أهل بيت النبوة غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه وردت نصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها دلالة واضحة في أنهم ممن يقطع لهم بدخول الجنة، منهم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد، فقد بشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب1، وابنته فاطمة رضي الله عنها أخبر بأنها سيدة نساء أهل الجنة2 وولداها الحسن والحسين فقد بين عليه الصلاة والسلام بأنهما سيدا شباب أهل الجنة3، وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه دخل الجنة فنظر فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة وإذا حمزة متكيء على سرير4.
فكل من تقدم ذكره شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة على سبيل التنصيص عليه باسمه منفرداً، كما شهد صلى الله عليه وسلم بالجنة لخلق كثير من الصحابة على سبيل الجمع كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فأهل بدر كان عددهم رضي الله عنهم بضعة5 عشر وثلاثمائة6، فهؤلاء أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة فقد روى البخاري من حديث طويل عن علي رضي الله عنه، وفيه أنه قال: "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم" 7.--------------------------------------------
1ـ صحيح البخاري 2/315-316، صحيح مسلم 4/1887.
2ـ انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 6/627-628، المستدرك 3/151.
3ـ انظر المسند 3/3، سنن الترمذي 5/321، سنن ابن ماجه 1/44، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي 3/415.
4ـ انظر المستدرك 3/209، الجامع الصغير للسيوطي. انظر فيض القدير للمناوي 3/521، صحيح الجامع الصغير للألباني 3/140-141.
5ـ البضع: في العدد بالكسر وقد يفتح ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد. النهاية في غريب الحديث 1/133.
6ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 7/290-291.
7ـ صحيح البخاري 3/7.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 788)
وأما أهل بيعة الرضوان فقد كان عددهم ألفاً وأربعمائة1 وكلهم شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأنهم ممن يقطع لهم بدخولها، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر عند مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" 2.
فقد قال أهل العلم: "معناه لا يدخلها أحد منهم قطعاً … وإنما قال: إن شاء الله للتبرك لا للشك" 3.
فأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لكل من قدمنا ذكره في هذا المبحث 4، بل يشهدون بالجنة لجميع الصحابة من مهاجرين وأنصار حيث إن الله تعالى وعدهم جميعاً بالحسنى كما قال: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} 5.--------------------------------------------
1 ـ ذكر البخاري ثلاثة أقوال في عددهم وأرجحها ما أوردناه هنا. انظر صحيح البخاري 3/42-43، وشرحه فتح الباري 7/440.
2ـ صحيح مسلم 4/1942.
3ـ شرح النووي على صحيح مسلم 16/58.
4ـ انظر كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/261-264، عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 1/128، لمعة الاعتقاد لابن قدامة ص/28، العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/169، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر لصديق حسن خان ص/98.
5ـ سورة الحديد آية/10.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 789)
الفصل الثاني: إثبات عدالتهم رضي الله عنهم
المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح
…
المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح
أولاً: معنى العدالة في اللغة:
جاء في الصحاح1 للجوهري: "العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدلته، وفلان من أهل المَعْدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضاً: وهو جمع عدل وقد عدل الرجل بالضم عدالة.. إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام".
وجاء في لسان العرب2: "رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 3، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو مؤنثاً، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر"أ. هـ.
وجاء في المصباح المنير: "وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و"عُدِّل" هو بالضم، عدالة وعدولة فهو "عدل"أي: مرضي يقنع به ويطلق "العدل" على الواحدة وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية--------------------------------------------
1ـ 5/1760-1761، مختار الصحاح ص/415-416.
2ـ 11/430.
3ـ سورة الطلاق آية/2.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 795)
والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس:
وتعاقد العقد الوثيق وأشهدا من كل قوم مسلمين عدولاً
وربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة1.
وجاء في القاموس2: "العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعدولة والمعدلة والمعدلة"أ. هـ.
فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة3 وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها4.
ثانياً: تعريف العدالة في الاصطلاح:
أما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء:
1- روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها5.
2- وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: "العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن--------------------------------------------
1ـ المصباح المنير 2/397.
2ـ 4/13.
3ـ انظر لسان العرب 11/431، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 11/282.
4ـ انظر المصباح 2/397.
5ـ الكفاية ص/102.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 796)
كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقاً حتى يكون مع ذلك متوقياً لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير1.
3- وعرفها الغزالي بقوله: "والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضاً: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصداً، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجريء على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا، فلا"2.
4- وعرفها ابن الحاجب3 بقوله: العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة"4.
5- وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: "المراد بالعدل من له--------------------------------------------
1ـ الكفاية ص/103.
2ـ المستصفى للغزالي 1/157.
3ـ هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس بن عمرو جمال الدين بن الحاجب فقيه مالكي من كبار العلماء بالعربية ولد في أسنا من صعيد مصر سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة هجرية. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء 23/264-266، البداية والنهاية 13/168، الأعلام للزركلي 4/374، معجم المؤلفين 6/265.
4ـ مختصر منتهى الأصولي مع شرح القاضي عضد الملة والدين 2/63.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 797)
ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة"1.
6- وعرفها أيضاً بتعريف آخر فقال: "والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلماً مكلفاً حراً غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة"2.
واشتراط الحرية فيه نظر.
7- وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"3 حيث قال: "العدالة: هي استواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة".
وذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: "اجتناب الريبة وانتفاء التهمة". زاد في الرعاية: "وفعل ما يستحب وترك ما يكره"أ. هـ.
8- وقال السيوطي في تعريف العدالة: "حدها الأصحاب: بأنها ملكة أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة وهذه أحسن عبارة في حدها وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار"4.--------------------------------------------
1ـ نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص/29، وانظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول للقرافي ص/361.
2ـ فتح الباري 5/251-252، وانظر تيسير التحرير 3/44.
3ـ 12/43.
4ـ الأشباه والنظائر ص/384-385.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 798)
هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضاً: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق.
والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.
والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:
الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصداً.
الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.
ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 799)
المبحث الثاني: تعديل الله ورسوله للصحابة
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعديل الصحابة الكرام رضي الله عنهم، مما لا يبقى معها شك لمرتاب في تحقيق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ذلك:
1- قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} 1.
ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة رضي الله عنهم أن وسطاً بمعنى "عدولاً خياراً"2، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: "إنه وارد في الصحابة دون غيرهم"3.
وقد بين الرازي المعنى لقوله تعالى في الآية: {وسطاً} من وجوه:--------------------------------------------
1ـ سورة البقرة آية/143.
2ـ انظر جامع البيان 2/7، الجامع لأحكام القرآن 2/153، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/335.
3ـ انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص/64.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 800)
أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطريفين فكان معتدلاً فاضلاً.
الثاني: إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين والعدل هو: المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.
الثالث: لا شك أن المراد بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له، ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله وسطاً: ما يتعلق بالمدح في باب الدين ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً، فوجب أن يكون المراد من الوسط العدالة.
الرابع: أن أعدل بقاع الشيء وسطه لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوساط محمية محوطة، فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة"1أ. هـ.
فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.
2- قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 2.
ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة رضي الله عنهم أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وذلك يقتضي استقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن--------------------------------------------
1ـ تفسير الرازي 4/97.
2ـ سورة آل عمران آية/110.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 801)
البعيد أن يصفهم الله عز وجل التي بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك، كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً ـ أي: عدولاً ـ وهم على غير ذلك.
والخطاب في هاتين الآيتين وإن كان موجهاً لمن كان موجوداً مع النبي صلى الله عليه وسلم وقت نزول الآيتين إلا أنه يشمل جميع الأمة ويكون الصحابة هم أولى الناس بالدخول فيه لما لهم من المآثر الجليلة والأعمال الخيرية النبيلة التي جعلتهم أهلاً لأن يتصفوا بتلك الصفات الواردة في الآيتين.
قال الشاطبي1 رحمه الله تعالى: سنة الصحابة رضي الله عنهم سنة يعمل عليها ويرجع إليها، ومن الدليل على ذلك أمور:
أحدها: ثناء الله عليهم من غير مثنوية ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، وقوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} ، ففي الآية الأولى: إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة.
وفي الثانية: إثبات العدالة مطلقاً، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال إن هذا عام في الأمة، فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم لأنا نقول:
أولاً: ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر.--------------------------------------------
1ـ هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشيهر بالشاطبي، أبو إسحاق، محدث، فقيه، أصولي، لغوي، مفسر، مات في شعبان سنة تسعين وسبعمائة. انظر ترجمته في "فهرس الفهارس" 1/134، الأعلام للزركلي 1/71، معجم المؤلفين: 1/118.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 802)
ثانياً: على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام وهم المباشرون للوحي.
ثالثاً: أنهم أولى بالدخول من غيرهم، إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح، وأيضاً: فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة، بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم، فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط، أي: عدول بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به1.
3- قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} 2.
ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.
4- قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 3.
ووجه دلالة هذه الآية على عدالتهم رضي الله عنهم أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلاً للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه.--------------------------------------------
1ـ الموافقات 4/40-41.
2ـ سورة الأنفال آية/74.
3ـ سورة التوبة آية/100.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 803)
ومن أثنى الله تعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلاً وإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا تثبت عدالة صفوة الخلق وخيارهم بهذا الثناء الصادر من رب العالمين.
5- قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} 1.
وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفاً وأربعمائة ووجه دلالة الآية على تعدليهم رضي الله عنهم أن ـ الباري جل وعلا ـ أخبر برضاه عنهم، وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من ـ الرب جل وعلا ـ إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على وفق ما أمر الله به والصحابة رضي الله عنهم كانوا في مقدمة من استقاموا في جميع الأحوال.
فالآية فيها بيان أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} وأما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فبقوله: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة، كما قال عز وجل {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رضي الله عنهم} 2
6- قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى--------------------------------------------
1ـ سورة الفتح آية/18.
2ـ انظر التفسير الكبير للرازي 28/95، والآية 22 من سورة المجادلة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 804)
عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} 1.
فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه، وهذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم؟.
قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: "فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر، فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال، فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث وهذا مردود فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: {مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ، وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد2.
7- قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} 3.
فالصحابة رضي الله عنهم هم السابقون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل خير، وإلى تحصيل كل قربة فيها رضى الرب جل وعلا، ولا يصدر ذلك إلا ممن تحقق--------------------------------------------
1ـ سورة الفتح آية/29.
2ـ الجامع لأحكام القرآن 16/299.
3ـ سورة الواقعة آية/10-12.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 805)
بوصف العدالة.
قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر أفضلية جماعات الصحابة حسب سبقهم إلى الإسلام وحسب المشاهد، قال: "فكل من تقدم ذكره من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم وأنهم كلهم مؤمنون صالحون، ماتوا على الإيمان والهدى والبر كلهم من أهل الجنة لا يلج أحد منهم النار البتة لقول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} 1 وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} 2 الآية ـ إلى أن قال: ـ فمن أخبر الله عنهم بذلك فلا يحل لأحد أن يتوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة3.
8- قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 4.
فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق هاتين الكلمتين من الآيتين حيث قال في خطبته يوم السقيفة مخاطباً الأنصار: "إن الله سمانا "الصادقين" وسماكم "المفلحين"، وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} 5،--------------------------------------------
1ـ سورة الواقعة آية/10-12.
2ـ سورة الفتح آية/18.
3ـ ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/265-266.
4ـ سورة الحشر آية/8-9.
5ـ العواصم من القواصم ص/44-45، والآية رقم 119 من سورة التوبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 806)