• كيفيّةُ معرفةِ العلماء المتقدّمين لضبط الرواة:
وقد كان للنُّقّاد وسائلُ عديدةٌ لمعرفة ضبط الرواة، منها:
1 - الإبدال عمدًا، للاختبار.
2 - سؤال الراوي عن حديثه في أزمانٍ متباعدة.
3 - النظر في أصوله وضبطِها، إن كان يروي من كتاب.
4 - مطالبتُه بأصله للتَّثَبُّت من حفظه، إذا ما حدّث من حفظه.
5 - الرجوع إلى كُتُب شيخِ الراوي، فَمَن فوقَه، أو جمعُ حديثِه.
6 - سَبْرُ حديث الراوي، وهي من أهمّ وأدَقّ وسائل معرفة ضبط الراوي:
وهذا السَّبر يتمُّ من خلال عمليّةٍ شاقّةٍ تستلزم حفظًا واسعًا وفهمًا ثاقبًا وإدراكًا كبيرًا لعلوم الحديث بجميع فنونها.
على أنه ليس كل الرواة يُمكن سَبْرُ حديثِهم: كالمجهول الذي لم يَرْوِ عنه إلا تلميذٌ ضعيف، أو لم يَرْوِ هو إلا عن شيخٍ ضعيف، أو أنه ما عُرف له حديثٌ إلا محاطًا بضعيفٍ من الجهتين: فكان شيخُه فيه ضعيفًا، وتلميذُه الراوي عنه ضعيفًا. إلا في حالة واحدة، يمكن فيها سَبْرُ حديث مثل هذا المجهول، وهي حالة أن تكون نكارة الحديث أشدّ من درجة ضَعْفِ الراوي الذي فوقه (الشيخ) والراوي الذي تحته (التلميذ)، مما ينتجُ عنه: أن درجةَ النكارة وشدّتَها لا تليق إلا بذلك المجهول.
وكذلك يجب التنبّه إلى أن هذا السَّبْرَ قد يَصعُبُ (ولا يستحيل) حتى على النُّقّاد: إذا لم يكن للراوي إلا رواياتٌ موقوفةٌ ومقطوعة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
أو مراسيل غير متصلة أصلا.
كما قد يصعب هذا السَّبرُ أيضًا (ولا يستحيل) عند إقلال الراوي جدًّا، كمن ليس له إلا الرواية الواحدة أو الروايتان، فيصعب غالبا على النُّقّاد سَبْرُ حديث المقلِّين، لكنه لا يمتنع دائمًا. وقد يتوقف فيه بعضهم، وقد يتنبّه غيرُهم لأسباب الحُكم فيه، فيحكمون عليه رُغمَ قِلّةِ حديثِ الراوي.
وعمليّةُ السَّبرِ هذه هي باختصار بالغ: تقوم على تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين:
- الأحاديث التي تَفرَّدَ بها.
- والأحاديث التي شُوْرِكَ في أصل روايتها.
فإن غلبت عليه المفاريد: كان ذلك دليلَ ضعفه، بل ربما كانت دليل وَضْعِه للحديث.
فإن لم تغلب عليه المفاريد، لكنها لم تزل في حيِّز الكثرة، وجب سَبْرُ ما شُورِك فيه وَحْدَهُ، ثم ما انفرد به وَحْدَهُ، ثم يُوازَنُ بين النظرَيْنِ، ليَخرج الناقدُ بالنتيجة.
فبالنظر إلى التّفرّدِ يجب أن تُلْحَظَ ملاحظُ دقيقةٌ جِدًّا، كالملاحظ التالية:
1 - قوّة تأثير المفاريد على دلالة إتقانِه المستنبَطِ مما لم ينفرد به من الحديث وشُورِكَ في أصل روايته:
o فقد يقع في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تفرُّدَه، وقد لا يقع فيه ما يَجبُره.
o وما لا يقع في إتقانه ما يَجبُره: قد تدلّ خِفّةُ درجةِ خطئه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
على أنه مجرّدُ وَهَمٍ غيرِ مقصود، فلا يؤثّر في عدالة الراوي، وقد تَفْحُشُ درجةُ النكارةِ حتى يغلب على ظن الناقد أو يتيقّن أنّ تلك النكارة لا تقع من عَدْل (كما سيأتي).
2 - درجة غرابتها، حيث إن الغرابة درجات، وتَفَاوُتُ درجاتها يرجع إلى درجة توفُّر الدواعي لنَقْل الحديث قوةً وضعفا. ومع تَفاوُتِ الدرجات يجب أن يُلْحَظَ موطنُ التفرّد أيضًا: هل هو في المعنى، أم اللفظ، أم الإسناد:
o ففي المعنى: هل تفرّد الراوي بأصل؟ أم كان تَفرُّدُه مجرَّدَ تَفَرُّدٍ بلفظٍ لأصلٍ مشهورِ المعنى؟
o وفي اللفظ: هل اللفظ مما يُستنكر على اللفظ النبوي؟ أم هو مما يليق به؟
o وفي الإسناد: هل هناك تَفَرُّدٌ بأصلٍ إسناديٍّ يصل حَدَّ ما لا يصحّ أن يقع مثله أصلا، أو هو فقط ما لم يقع مثله قط، أم هو إسنادٌ معروف لكنه تفرّد بذلك المتن، فكل واحدة من صور التفرّد هذه أشدُّ غرابةً من الأخرى.
3 - طبقة الراوي الزمنية: فتفرُّدُ كبار التابعين أوْلى قبولًا من صغارهم، وكبار أتباع الأتباع وإن كانوا دون التابعين في احتمال التفرّد منهم: لكنّ تَفَرُّدَهم أقربُ احتمالا من صغار أتباع التابعين أيضًا.
4 - علاقة الراوي بمن تفرّد عنه: هل يَحتمِلُ التفرُّدَ عنه لشدّة ملازمته وقوة خبرته بحديثه، أم ليس كذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
فإن كانت المفاريد قليلةً ولم تصل حدّ التشكيك في عدالته، أو كانت المفاريد لا وجود لها في حديث الراوي، فهو مُشَارَكٌ في كل حديثه. نُظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شُورِكَ في أصل روايته. هل الغالب عليه فيه موافقةُ الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فُحشًا وعددًا) بالنسبة لموافقته لهم.
فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابطٌ في الجملة، عُدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وُجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابرًا لما تفرّد به؟ هل يحتمل ضبطُه التَّفرُّدَ بما تَفَرَّدَ به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطُه، نظرنا:
هل فيها منكراتٌ شديدة؟ فإن كان فيها شيءٌ من ذلك: ربما أسقطنا حديثه؛ فرُبّ حديثٍ واحدٍ أَسقطَ مائة ألف حديث (كما قال الدارقطني).
ولا يعني ذلك أن الناقد لا ينظر إلى هذا القسم (قِسْمِ ما شُورك فيه الراوي) إلا بعد قِسْمِ ما تَفرَّدَ به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شُورِكَ فيه أصحّ، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل، وهو أقل عمقًا من سَبرِ المفاريد (مع عمقه أيضًا).
وكما أن ما يُردُّ من مفاريد الرواة مراتب (كما سبق)، فكذلك ما يُردُّ من جهة المخالفة مما شُورِكُوا في أصل روايته وتبيّنت فيه مرجوحيّةُ روايتهم، فهو أيضًا مراتب:
ومرجع ذلك إلى الموازنة بين درجة الغلط وحال الراوي من جهة العدالة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
o فإن كانت درجةُ الغلط لا تفوقُ درجةَ متانةِ عدالتِه وقوةَ يقينِ الناقدِ منها: رُدّ غلطُه فقط، دون أن يُجرح الراوي.
o وإن كانت درجةُ النكارةِ تَفُوقُ ما عَرَفَهُ الناقدُ من عدالة الراوي: رُدَّ المرويُّ والراوي معًا، فجُرح الراوي بهذا الحديث.
وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثرًا من الرواية، أما إذا كان مُقِلًّا، بل ليس له إلا الحديثُ الواحد أو الحديثان ونحوها. فإن الحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النُّقّاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم:
- فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقلّ مما شُورِكَ في نقله: سَهُلَ الحكمُ عليه من خلال ذلك.
- وإن كان جميع حديثه مفاريدَ، أو فيها مفاريدُ مع ما شُورِك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديثٌ واحد تَفرّدَ به: ففي هذه الحالة قد يَصْعُبُ الحكمُ عليه جدًا على أئمة النقاد وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقاتِ فيما شاركهم في روايته، إلا أن قِلّةَ حديثِه الذي شاركهم فيه أصلًا لا تكفي للحكم عليه بالضبط أو بعدمه، ولا بُدّ حينها من النظر في مفاريده أيضًا. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثًا واحدًا) أمرٌ في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارةٍ ظاهرةٍ في ذلك الحديث الفرْد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرّد (كالتابعين ثم أتباعهم).
- فإن كان في إسناد الحديث المدروس أكثر من راوٍ يُمكن أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
تُلحق به نكارتُه أو غلطُه: أُلحقت بالأضعف، فإن احتملها عددٌ من الرواة المتشابهين في الضعف: توقّف الناقد عن إلحاق الغلط بأحدهم.
ومن ظن أن الراوي الذي ليس له إلا حديثٌ واحد لا يمكن الحكم عليه؛ لاستحالة ذلك في ظنّه، ولوجود عباراتٍ لابن عَدِيّ قد تُوهِمُ بذلك = فقد أخطأ ظنُّه وفهمُه، بدليل أن ابنَ عدي كثيرًا ما ذكر تلك العبارات في حقّ من تكلم فيهم غيرُه من النُّقّاد، فما توقّف فيه ابنُ عدي، كان قد توصّل غيرُه فيه إلى حكم.
ويدل على إمكان ذلك عددٌ من الأدلة، منها:
1 - وقوع ذلك مرات كثيرة: يقول أبو حاتم الرازي عن سعيد بن محمد الزهري: «ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا». مع أن حديثَه هذا قد استنكره غيرُه. وقال أبو حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن حرملة عمّ القاسم بن حسان: «ليس بحديثه بأس»، رغم أن عليّ ابن المديني قال عن حديثٍ له: «لا أعلم رُوي عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيءٌ؛ إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله».
2 - وجود عبارات أخرى لابن عديّ تدل على إمكان ذلك أحيانًا.
3 - وقد نصَّ الخطيبُ على إمكان ذلك في (الكفاية).
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
• كيفيّةُ معرفةِ المتأخِّرِينَ والباحثينَ المعاصرينَ للضبط:
من خلال طرائق معرفة العدالة نفسِها (الاستفاضة، والتنصيص، والتوثيق الضِّمني). وذلك لأن أحكام أئمة الجرح والتعديل جاءت لبيان ما إذا كان الرواة مُحْتجًّا بما رَوَوْه أو غير محتجٍّ به، وذلك لا يحصل إلا بالحكم عليهم من خلال عدالتهم وضبطهم جميعًا؛ ولهذا جاءت أحكام أئمة الجرح والتعديل متناولةً الرواة من هاتين الجهتين جميعًا: العدالة، والضبط.
أما طريقة السَّبر التي سار عليها المتقدمون فلا يمكن للمتأخرين الاعتماد عليها لمعرفة ضبط الرواة استقلالًا (أي دون أن يكونوا مسبوقين بنحو حكمهم من إمامٍ متقدّم)، إلا في حالتين خاصّتين بمن لم نَجِد فيه جرحًا أو تعديلًا (كالمجهولين وشبه المجهولين):
الحالة الأولى: أن نَجِدَ لهذا الراوي المجهول حديثًا ظاهرَ النكارةِ أو واضحَ البطلان، فأحكمُ على الراوي بالذي يليق بمقدار تلك النكارة من الضعف أو شدة الضعف أو الاتّهام بالكذب. وذلك بشرط أن يكون الإسناد الذي فيه ذلك المجهول والذي فيه تلك النكارة مقبولَ الرُّواة نظيفًا؛ إلا من ذلك المجهول. وهذه الطريقة سار عليها الذهبي في (الميزان)، فيمن استقل بتضعيفهم، والحافظ ابن حجر في (اللسان)، والعبد الفقير في (ذيل اللسان).
الحالة الثانية: وهي التي تكون نتيجتها الحكم بقبول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
حديث الراوي، وهي أشق من الأولى وأصعب. ولا يمكن ذلك إلا في حالة ما إذا كان الراوي مقلًّا، ويُنصّ على إقلاله، أو أَجِدُ ما يشهد لإقلاله من الحديث، بل قد يَنصُّ العلماءُ على عدد ما روى؛ ثم أقف على أحاديثه، وأستقصي في البحث؛ فيمكن حينها للعالم المتأخر صاحب الفهم الدقيق والممارسة الطويلة أن يحكم بالقبول إذا ظهرت له علاماتُه. خاصة إن وجد قرائن تؤيّد نتيجة سَبرِه هذا، من مثل كون الراوي من التابعين، أو روى عنه جمع، أو وَجَدَ قرائن تشهد لقبول المتقدمين له، مثل أن يوجد حديثُه في بعض أمهات السنة التي الأصل في أحاديثها الانتقاء، ك (السنن) لأبي داود (دون أن يُصَحَّحَ له؛ لأن التصحيح توثيقٌ ضمني، لا يحتاج معه الراوي إلى هذا السَّبر غالبًا).
أما الرُّواة المكثرون: فلو قَدَّرْنا عدمَ وجود جرح أو تعديل فيهم، فلا يمكن - مع كثرة حديثهم وانتشاره - أن يُحكم عليهم بالقبول؛ إذ يُحتمل - احتمالًا قويًا - أن يكون فيما سيفوت المتأخر (حتمًا) مِن حديثهم ما يَسْقُطُ به حديثُهم (ورُبَّ حديثٍ واحد أسقط مائة ألف حديث).
ولا يعني ذلك أن سَبْرَ المتأخرين من المتأهلين لذلك عديمُ الفائدة إلا في هاتين الحالتين، بل هو مفيدٌ حتى في غير هاتين الحالتين.
فالراوي الذي اشتدّ فيه الاختلاف جرحًا وتعديلًا، يمكن الاستفادة من سَبْرِ حديثه - سواءٌ أكان مكثرًا أم مقلًّا، وسواءٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
أكانت نتيجة سَبْرِ حديثِه القبول أم الرد - في الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة. فيكون السَّبر حينها للوصول إلى مرجِّحٍ فقط، لا إلى حُكمٍ اسْتِقْلاليّ.
تنبيهٌ: الضبطُ هو (غالبًا) سببُ تباين مراتب الرواة في مراتب الجرح والتعديل، أما القدحُ في العدالة (غير فِسْق المتأوّل فيه) فهو مرتبةٌ واحدةٌ إجمالًا، هي مرتبةُ شِدّةِ الضعفِ ممن لا يُعتبر بحديثهم من الرواة. أما من لم يُقدح في عدالته (بكذبٍ أو اتّهامٍ به أو فسقٍ أو جنون أو غفلةٍ شديدة تُنزَّل منزلةَ الجنون) فهو معتبَرٌ به، مهما اشتدّ ضعفُه في الضبط؛ إلا فيما تبيَّن أنه قد وَهِمَ فيه، فوَهْم الثقات لا يُعتبَر به أيضًا. إلا إن بَلَغت نكارةُ وَهْمِه درجةَ التشكيكِ في عدالته، على ما سبق بيانه.
وتنبيهٌ ثانٍ: أنّ الرواةَ الضعفاءَ الذين يُعتبَرُ بحديثهم هم أيضًا درجاتٌ ومراتب، فليس من اختُلف في قبوله وفي ردّه من الضعفاء كمن اختُلف في الاعتبار به وفي عدم الاعتبار.
* * *
• أئمّةُ الجرحِ والتعديل
شروط المعدِّل والجارح: يقول الذهبي في الموقظة: «الكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ مِن الهوى والميْل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعِلَلِه ورجاله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
كيف نعرف من وُجدت فيه هذه الشروط:
1 - من خلال الكتب المصنّفة في ذلك:
أ - وأَوّلُ هذه الكتب: كتاب (الجرح والتعديل) لابنِ أبي حاتم (ت 327 هـ)، فقد صرّح ابنُ أبي حاتم في مقدمة كتابه أنه لن يَنقُل إلا كلامَ من كان يستحقّ الاعتمادَ عليه عنده في الجرح والتعديل(1).
ولذلك فقد جمع أسماءَ هؤلاء الأئمة الدكتور هشام بن عبد العزيز الحلَّاف في كتاب سمّاه (المزكُّون لرواة الأخبار عند ابن أبي حاتم)، ورتَّبهم على حروف المعجم.
ب - كتاب الأربعين المرتَّبة على طبقات الأربعين: لعليّ بن المفضَّل المقدسي (ت 611 هـ).
ت - (ذِكْرُ من يُعتمَدُ قولُه في الجرح والتعديل): للذهبي (ت 748 هـ).
ث - (المتكلِّمون في الرجال): للسَّخاوي (ت 902 هـ).
2 - من خلال ترجمته وما تتضمَّنُه الترجمةُ من وصفٍ بالحفظ والإمامة والنقد.
تنبيهٌ: يُقبل الجرح والتعديل من إمام واحدٍ إذا تحقّقت فيه شروطُ أهليّة الكلام في الرواة.
* * *--------------------------------------------
(1) قال ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه: «وقَصَدْنا بحكايتنا الجرحَ والتعديلَ في كتابنا هنا إلى العارفين به العالمين له، متأخِّرًا بعد متقدِّمٍ، إلى أن انتهتْ بنا الحكايةُ إلى أبي وأبي زرعة (رحمهما الله). ولم نَحْكِ عن قومٍ قد تكلّموا في ذلك؛ لقلّةِ معرفتهم به». الجرح والتعديل (2/ 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
• تفسيرُ الجرحِ والتعديلِ وإبهامُهُما
الجرحُ والتعديل المفسَّر: هو الذي بيّنَ الجارحُ أو المعدِّلُ فيه سببَ الجرح أو التعديل.
الجرحُ والتعديل المبهم: هو الذي لم يبيّن الجارحُ والمعدِّلُ فيه سببَ جرح الراوي أو تعديله.
على أن التعديل يكاد يتعذّر ذِكْرُ أسبابه، ولذلك لا كلامَ في قبوله مبهمًا (غيرَ مفسَّر). وأما الجرح: فهو الذي يَسْهُلُ ذِكْرُ أسبابه.
والصحيح: أنه لا خلاف في قبول الجرح والتعديل المبهمَينِ كليهما: عند عدم وقوع تَعارُضٍ في الراوي جرحًا وتعديلًا. وليس لقبولهما شرطٌ (رغم إبهامهما) في هذه الحالة؛ إلا أن يكونا صادِرَينِ ممن يُقبل قولُه في الجرح والتعديل، والذي مِن شروطه أن يكون عارفًا بأسباب الجرح والتعديل.
فإن تعارضَ الجرحُ والتعديل، فهي المسألة الكبرى التالية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
تَعارُضُ الجرحِ والتعديل
الأغلب أن يكون التعارُضُ واقعًا بين أئمةٍ متعدِّدِينَ، أي أن يكون الجارحُ إمامًا غيرَ الإمام المعدِّل. ولكن قد تكون العبارات المتعارضة صادرةً من إمام واحد، فالإمام نفسُه اختلَف قولُه المحكيُّ عنه في الراوي.
ولكل حالةٍ من هاتين الحالتين طريقةٌ عِلْمية للتعامل مع التعارض، تتيح لنا الخروجَ من هذا التعارض بأَولى الأقوال بالصواب وأحقها بالاعتماد.
وتنبّه أن هذا الفصل (فصل تعارض الجرح والتعديل) هو أجلُّ فصول هذا العلم وأعمقها وأكثرها زللا لمن لم يتقنه! فعليك بالصبر في التدرّب على مراحله وخطواته، وأن لا تتعجل الخوضَ فيه قبل التمكن من هذا العلم تنظيرًا .. وتطبيقا عمليا، وذلك بالتفقه في العلم من خلال ممارساتِ أئمة الفن، كابن عدي من المتقدمين في كتابه (الكامل)، وكالذهبي من المتأخرين في عموم كتبه وخاصة (الميزان)، ومن خلال التَّمرُّنِ والتدريب الخاص على الرواة المختلَف فيهم، وموازنة نتائجك بنتائج العلماء.
وسنبدأ ببيان مراحل الدراسة عند وقوع التعارض بين عددٍ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
من الأئمة.
فعند تعارض العلماء في الجرح والتعديل: أسير على ثلاث مراحل، وتحت كل مرحلة خطوات أو تفصيل. فسوف نبدأ بذكر إجمال المراحل الثلاث، ثم سنعقد لكل مرحلة منها فصلا خاصًّا.
فنقول: عند تعارض العلماء جرحًا وتعديلًا، نسير وَفْقَ المراحل التالية:
المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وهميًا. فإن تبيّن أنه حقيقي، انتقلت إلى المرحلة الثانية.
وتحتها خطوات ثلاث:
1 - التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا).
2 - أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف.
3 - أن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف.
المرحلة الثانية: الترجيح. فإن عجزت عن الترجيح انتقلت إلى المرحلة الأخيرة.
المرحلة الثالثة: التوقُّف.
فإلى بيان مجمل هذه المراحل وشرحها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وَهْمِيًّا
ويتم ذلك من خلال الخطوات الثلاث التالية:
الخطوة الأولى: التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يثبت ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا. فإن ثبت التعارض، ولو ظاهريًّا، انتقلت للخطوة الثانية:
والخطوة الثانية: أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارض لفظيًّا ليس بحقيقي. فإن لم يمكن الجمع، مما يعني أن التعارض حقيقي، انتقلت للخطوة الثالثة:
الخطوة الثالثة: أن لا يمكن الجمع، لكن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف، فيكون لاغيًا لا وزن له.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
• أما الخطوة الأولى: وهي التثبت من صحة القول المعارض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يَثْبُتُ ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا، فمن أسباب عدم ثبوت القول في الجرح والتعديل ما يلي:
1 - أن يكون القول صادرًا ممن لا يُقبل قوله في الجرح والتعديل: كأبي العباس ابن عقدة - أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن - (ت 332 هـ)، وأبي الفتح الأزدي - محمد بن الحسين بن أحمد - (ت 374 هـ)، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن عثمان الأُموي مولاهم المديني نزيل مصر - يُعرف بابن أبي عُبيد الله - (ت 303 هـ).
وكغيرهم ممن لا يُعتمَدُ قوله في الجرح والتعديل، لعدم توفر شروطه فيه، وإن كان راويًا ثقةً أو مقبولَ الرواية.
2 - أن لا يثبت إسناد القول المعارِض عن الجارح والمعدِّل.
3 - أن يكون قد وقع خطأٌ في نقل عبارة الجرح أو التعديل، فتكون قد قيلت في غير من حُكيت العبارة في ترجمته.
أو أنه نُقص من العبارة ما يُغيّر دلالتها.
4 - أن يكون الناقد نفسه (الجارح أو المعدل) قد وقع في وهم الجمع أو التفريق، فأدَّى ذلك إلى اختلال تصوره عن حال الراوي.
5 - أن يُفسَّر الجرح والتعديل بسببٍ، ويكون هذا السبب غيرَ مُصَحِّحٍ واحدًا منهما:
o فلا هو يُصَحِّحُ الجرحَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
o ولا هو يُصَحِّحُ التعديل.
6 - أن يكون قد وقع خللٌ في فهم كلام الناقد أخرجَه عن دلالته الصحيحة.
7 - أن يكون القول في الجرح والتعديل منسوبًا إلى غير قائله، فقد يُنسب إلى من يُقبل حكمه، والصحيح أنه قولٌ لغيره ممن لا يكون له وزنه في ذلك الحكم.
8 - أن يكون التعارُضُ بين حكمٍ بالجهالة من ناقدٍ وحكمٍ بالجرح أو بالتعديل من ناقدٍ آخر، فالجهل بحال الراوي لا يُعارِضُ العلمَ بحاله؛ إلا إن لاحَ خطأُ المعدِّل، كأن يكون ظنَّ المجهولَ راويًا آخر، أو نحو ذلك من احتمالات الخطأ في التعديل.
9 - أن يكون التَّعارُض بين ناقدٍ مجتهدٍ (كابن معين) وناقلٍ عن النقاد (كالذهبي وابن حجر)؛ إلا إن كان الناقلُ مُعْتَمِدًا على ناقدٍ مجتهدٍ، فيكون التعارُضُ حينها بين النُّقّاد المجتهدين.
فإذا انتهينا من الخطوة الأولى وتَبيَّنَ أن الجرح والتعديل ثابتان، ننتقل إلى الخطوة الثانية.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
والخطوة الثانية هي: أن يكون الجمعُ بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارُضُ لفظيًّا ليس بحقيقي.
وهذا الجمع يحتاج إلى علمٍ عميقٍ بألفاظ الجرح والتعديل وبمدلولاتها اللغوية والعُرفية وبمراتبها وطرائق استعمال الأئمة لها في التعبير عن أحكامهم.
ومن أمثلة هذه الألفاظ: لفظ (ضعيف)، الذي قد يُطلق على من كان في آخر مراتب القبول (مرتبةِ حَسَنِ الحديث، عند المتأخرين)، كما بيَّنتُه في (المرسل الخفي).
ومن الأمور التي يجب مراعاتها عند هذا الجمع، ما يلي:
أولا: مراعاة سياق الكلام الذي ذُكِرَتْ فيه تلك العبارة، إذ قد يكون الجرح أو التعديل نِسْبِيًّا:
* كمن ضُعِّفَ في بلد دون بلد: كمَعْمَر بن راشد.
* ومن ضُعِّف إذا حدَّثَ عن إقليم دون إقليم: كإسماعيل بن عيّاش وفَرَج بن فَضالة.
* ومن ضُعِّف إذا روى عنه أهل إقليم دون إقليم: كزهير بن محمد التميمي.
* من ضُعِّف في حديثه عن المجهولين، مع أن نكارة حديثه قد تكون جاءت من قِبَلِهم، لا منه.
* من ضُعِّف أو وُثِّق في شيوخ مُعَيَّنين: كسفيان بن حسين وجعفر بن بُرْقان في الزهري. ويكثر بيان ذلك عند كلام النقاد عن طبقات الرواة عن أئمة الرواية: كطبقات الرواة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
عن الزهري وعن الأعمش وعن نافع ونحوهم.
* من كان متقنا للرواية في باب من أبواب العلم وضعيفا في غيره أو أقل إتقانا في غيره.
* من ضُعِّفَ عَقِب حديث أخطأ فيه، أو وُثِّقَ عَقِب حديث وافق الثقات فيه.
* من ضُعِّفَ لبدعته (لا لأمرٍ آخر) ممن كان مذهبه التشديد في حكم رواية المبتدع. ومن ضَعّف المبتدع هجرانًا له وتأديبًا ولإماتة بدعته لا جرحًا له، ومن ضعّفه احتياطا مع الاستغناء عن حديثه بحديث غيره لعدم تفرّده بسُنّةٍ يُحتاج إليها.
* ونحوه من ضُعف لأخذ الأجرة مطلقا، ومن ضُعِّفَ لدخوله على السلطان.
* من ضُعِّفَ لروايته بالإجازة، عند من يُضَعِّف الرواية بها.
* من ضُعِّفَ في وقت دون وقت كالمختلط، ومن أضرَّ بصرُه في آخر عمره، ومن احترقت كتبه أو تَلِفَتْ، ومن طرأ عليه قبول التلقين.
* من ضُعِّفَ إذا حدَّث من حفظه، ووُثِّقَ إذا حَدَّثَ من كتابه.
* من ضُعِّفَ عندما قُرِنَ بمن هو أوثق منه، أو وُثِّقَ عندما قُرِنَ بمن هو أضعف منه.
* من ضُعّفَ لتدليسه عن الضعفاء؛ فإن التضعيف بذلك له شروط، فقد يكون التضعيفُ به مقبولا (كتضعيف غياث بن إبراهيم)، وقد يكون التضعيف به مردودا (كتضعيف بقية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
بن الوليد).
ثانيا: مراعاة شمول عبارات الجرح والتعديل عند الأئمة المتقدمين لمعانٍ ومراتب متعددة، وأن اللفظ الواحد قد تتجاذبه عدة مراتب متقاربة في أصل القبول أو في أصل الرد أو في أصل التوسُّطِ بين مرتبتين. خلافًا للمتأخرين الذين بالغوا في تكثير مراتب الجرح والتعديل وفي تنزيل ألفاظهما على تلك المراتب، وكأن كل لفظ من ألفاظ الجرح والتعديل لا بد أن يكون مُنَزَّلًا في تلك المرتبة الدقيقة دائما.
وفي ذلك يقول الإمام الذهبي في الموقظة: «ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات الجرح والتعديل، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة».
ومن أقوى الوسائل المبيّنةِ شمولَ عبارة الجرح أو التعديل لأكثر من مرتبة:
- تصريحُ الناقد نفسِه بذلك.
- أو استعماله هو نفسُه للعبارة بما يدل على أنها عنده عبارةٌ تتجاذبها أكثر من مرتبة.
على أن عامة أحكام النقاد لا يُراد بها إلا بيان المنازل الثلاثة الأساسية الكبرى، وهي:
1 - مطلق القبول.
2 - أو الضعف الخفيف القابل للاعتبار.
3 - أو شدّة الضعف المانعة من الاعتبار.
فالأكثر في أحكامهم بيان منزلة الراوي ضمن هذه المنازل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
الثلاثة؛ إلا في مراتٍ أقلَّ وقوعًا في كلامهم، وهي إن أرادوا بيانَ المنزلةِ الدقيقةِ للراوي ضمن منازل المقبولين، أو بيانَ منزلته الدقيقة ضمن خفيفي الضعف، أو تحديدَ شدة ضعفه إلى أين بلغت. وهذا التدقيق غالبا ما يقع من النقاد في مثل ما لو كان الناقد في سياق موازنة الراوي بغيره، أو في بيان طبقات الرواة عن شيخ معين، ونحو ذلك من سياقات الموازنات والترجيحات.
ولذلك كان من الخطأ أن يُعدَّ قولُ الناقد: «صدوق» معارِضًا مطلقًا قولَ آخر: «ثقة»، هكذا دائمًا وبإطلاق؛ فالأكثر أنهما إنما أرادا الحكم بقبوله: حُكمًا مطلقًا بالقبول، ولم يكونا يقصدان بيان منزلته الدقيقة من القبول؛ إلا إن ظهر من سياق كلامهما أو من كلام غيرهما أن الراوي مختلَفٌ في منزلته اختلافًا مشهورًا ضمن منازل المقبولين، ونحو ذلك من القرائن الدالة على أن اختلافَ ألفاظِهم في التعديل يدل على اختلافٍ حقيقيٍّ بينهم في بيان المنزلة الدقيقة للراوي، وليس اختلافَ لفظٍ لا يدل على اختلافِ معنى.
وكذلك من الخطأ أن أَعُدَّ قولَ ناقدٍ: «فيه لِين» مُعارِضًا مطلقًا قولَ من قال عنه: «ضعيف»، بحجة أن «فيه لِين» تدل على منزلة أخف ضعفًا من «ضعيف»؛ إلا إن تبيّن من سياق كلام النقاد أنهم أرادوا هذا التدقيق في بيان منزلته، وإلا فيبقى الحكم في الراوي هو خفة الضعف المطلق، بلا ادّعاءِ خلافٍ مزعوم.
وسبب هذا التخفُّفِ الواقع بكثرةٍ جدا في كلام النقاد عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)