لما فيه من البيان بالإخراج إلى ما يقع عليه الإدراك من تخليط الإنسان بالهيمان في كل واد يعن له فيه الذهاب. وقال تعالى: {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} السراج ها هنا مستعار وحقيقته مبينا ، والاستعارة أبلغ للإحالة على ما يظهر بالحاسة. وقال عز وجل: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} أصل الرقاد النوم وحقيقته من مهلكنا ، والاستعارة أبلغ لأن النوم أظهر من الموت ، والاستيقاظ أظهر من الإحياء بعد الموت ، لأن الإنسان الواحد يتكرر عليه النوم واليقظة ، وليس كذلك الموت والحياة. وقال تعالى: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} أصل الموج للماء وحقيقته تخليط بعضهم ببعض ، والاستعارة أبلغ ، لأن قوة الماء في الاختلاط أعظم. وقال تعالى: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} العقيم مستعار للريح ، وحقيقته ريح لا يأتي بها سحاب غيث ، والاستعارة أبلغ لأن حال العقيم أظهر من حال الريح التي لا تأتي بمطر ، لأن مالا يقع من أجل حال منافية أوكد مما يقع من غير حال منافية وأظهر. وقال عز وجل: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} ، حقيقته لا تمنع نائلك كل المنع والاستعارة أبلغ لأنه جعل منع النائل بمنزلة غل اليد إلى العنق ، وذلك مما يحس حال التشبيه فيه بالمنع فيهما إلا أن حال المغلول اليد أظهر وأقوى فيما يكره. وقال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} حقيقته لنعذبنهم ، والاستعارة أبلغ ، لأن إحساس الذائق أقوى لأنه طالب لإدراك ما يذوقه ، ولأنه جعل بدل إحساس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
الطعام المستلذ إحساس الآلام ، لأن الأسبق في الذوق ذوق الطعام. وقال تعالى: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} حقيقته منعناهم الإحساس بآذانهم من غير صمم ، والاستعارة أبلغ لأنه كالضرب على الكتاب فلا يقرأ ، كذلك المنع من الإحساس فلا يحس ، وإنما دل على عدم الإحساس بالضرب على الآذان دون الضرب على الأبصار ، لأنه أدل على المراد من حيث كان قد يضرب على الأبصار من غير عمى فلا يبطل الإدراك رأسا ، وذلك بتغيمض الأجفان ، وليس كذلك منع الإسماع من غير صمم في الآذان لأنه إذا ضرب عليها من غير صمم دل على عدم الإحساس من كل جارحة يصح بها الإدراك ، ولأن الأذن لما كانت طريقا إلى الانتباه ثم ضربوا عليها لم يكن سبيل إليه. وقال عز وجل: {ثم نكسوا على رؤوسهم} هذا استعارة ، حقيقته أطرقوا للمذلة عند لزوم الحجة ، إلا أنه يولغ في العبارة بجعلهم كالواقع على رأسه للحيرة بما نزل به من الآبدة. وقال تعالى: {ولما سقط في أيديهم} هذا مستعار وحقيقته: ندموا لما رأوا من أسباب الندم ، إلا أن الاستعارة أبلغ للإحالة فيه على الإحساس. لما يوجب الندم بما سقط في اليد ، فكانت حاله أكشف في سوء الاختيار لما يوجب من الوبال.
باب التلاؤم
التلاؤم نقيض التنافر ، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، والتأليف على ثلاثة أوجه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، متلائم في الطبقة العليا.
فالتأليف المتنافر كقول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر … وليس قرب قبر حرب قبر
وذكروا أن هذا من أشعار الجن لأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع ، وإنما السبب في ذلك ما ذكرنا من تنافر الحروف.
وأما التأليف المتلائم في الطبقة الوسطى - وهو من أحسنها - فكقول الشاعر:
رمتني وستر الله بيني وبينها … عشية آرام الكناس رميم
(رميم التي قالت لجيران بيتها … ضمنت لكم ألا يزال يهيم)
ألا رب يوم لو رمتني رميتها … ولكن عهدي بالنضال قديم
والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله ، وذلك بين لمن تأمله. والفرق بينه وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى. وبعض الناس أشد إحساسا بذلك وفطنة من بعض ، كما أن بعضهم أشد إحساسا بتمييز الموزون في الشعر من المكسور ، واختلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الناس في ذلك من جهة الطباع كاختلافهم في الصور والأخلاق. والسبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤما. وأما التنافر فالسبب فيه ما ذكره الخليل من البعد الشديد أو القرب الشديد وذلك أنه إذا بعد البعد الشديد كان بمنزلة الطفر ، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد ، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه ، وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الاعتدال ، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال.
والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة. ومثل ذلك مثل قراءة الكتاب في أحسن ما يكون من الخط والحروف ، وقراءته في أقبح ما يكون من الحرف والخط ، فذلك متفاوت في الصورة وإن كانت المعاني واحدة.
ومخارج الحروف مختلفة ، فمنها ما هو من أقصى الحلق ، ومنها ما هو من أدنى الفم ، ومنها ما هو في الوسائط بين ذلك.
والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد. وذلك يظهر بسهولته على اللسان ، وحسنه في الأسماع ، وتقبله في الطباع ، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام ، كما يظهر له أعلى طبقات الشعر من أدناها إذا تفاوت ما بينهما. وقد عم التحدي به للجميع لرفع الإشكال ، وجاء على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
جهة الإخبار بأنه لا تقع المعارضة لأجل الإعجاز ، فقال عز وجل: {وإن كنتم على ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادهوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين} ثم قال: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} فقطع بأنهم لن يفعلوا. وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} ، وقال: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادفين}. ولما تعلموا بالعلم والمعاني التي فيه قال: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات}. فقد قامت الحجة على العربي: والعجمي بعجز الجميع على المعارضة إذ بذلك تبين المعجزة.
باب الفواصل
الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني. والفواصل بلاغة ، والأسجاع عيب ، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها. وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة ، إذ كان الغرض الذي هو حكمة إنما هو الإبانة عن المعاني التي الحاجة إليها ماسة ، فإذا كانت المشاكلة وصلة إليه فهو بلاغة ، وإذا كانت المشاكلة في خلاف ذلك فهو عيب ولكنة ، لأنه تكلف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة ، ومثله مثل من رصع تاجا ثم ألبسه زنجيا ساقطا ، أو نظم قلادة در ثم ألبسها كلبا وقببح ذلك وعيبه بين لمن له أدنى فهم ، فمن ذلك ما يحكى عن بعض الكهان: " والأرض والسماء ، والغراب الواقعة بنقعاء ، لقد نفر المجد إلى العشراء ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
ومنه ما يحكى عن مسيلمة الكذاب: " يا ضفدع نقي كم تنقين ، لا الماء تكدرين ولا النهر تفارقين ".
فعذا أغث كلام يكون وأسخفه ، وقد بينا علته ، وهو تكلف المعاني من أجله ، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلم بها ما كانت.
وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة ، لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها ، وإنما أخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة. وذلك أنه ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة ، كما ليس في سجع الحمامة إلا الأصوات المتشاكلة ، فإذا كان المعنى لما ستكلف من غير وجه الحاجة إليه والفائدة فيه لم يعتد به ، فصار بمنزلة ما ليس فيه إلا الأصوات المشاكلة.
والفواصل على وجهين: أحدهما على الحروف المتجانسة والآخر على الحروف المتقاربة ، فالحروف المتجانسة كقوله تعالى: {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى}. الآيات. وكقوله: {والطور وكتاب مسطور} الآيات ، وأما الحروف المتقاربة فكالميم من النون ، كقوله تعالى: {الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} ، وكالدال مع الباء نحو: {ف والقرآن المجيد} ثم فال: {هذا شيء عجيب} وإنما حسن في الفواصل الحروف المتقاربة لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد في تمييز الفواصل والمقاطع ، لما فيه من البلاغة وحسن العبارة. وأما القوافي فلا تحتمل ذلك لأنها ليست في الطبقة العليا من البلاغة وإنما حسن الكلام فيها إقامة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الوزن ومجانسة القوافي ، فلو بطل أحد الشيئين خرج من ذلك المنهاج وبطل ذلك الحسن الذي له في الأسماع ، ونقصت رتبته في الأفهام. والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع ، وتحسينها الكلام بالتشاكل وإبداؤها في الآي بالنظائر.
باب التجانس
تجانس البلاغة هو بيان بأنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد في اللغة والتجانس على وجهين ، مزاوجة ومناسبة ، فالمزاوجة تقع في الجزاء كقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} أي جازوه بما يستحق على طريق العدل ، إلا أنه استعير للثاني لفظ الاعتداء لتأكيد الدلالة على المساواة في المقدار ، فجاء على مزاوجة الكلام لحسن البيان. ومن ذلك: {مستهزئون ، الله يستهزئ بهم} ، أي يجازيهم على استهزائهم. ومنه: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) أي جازاهم على مكرهم. فاستعير للجزاء على المكر اسم المكر لتحقيق الدلالة على أن وبال المكر راجع عليهم ومختص بهم. ومنه {يخادعون الله وهو خادعهم} أي مجازيهم على خديعتهم ، ووبال الخديعة راجع عليهم. والعرب تقول: الجزاء بالجزاء ، والأول ليس بجزاء ، وإنما هو على مزاوجة الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فهذا حسن في البلاغة ، ولكنه دون بلاغة القرآن لأنه لا يؤذن بالعدل كما آذنت بلاغة القرآن ، وإنما فيه الإيذان براجع الوبال فقط ، والاستعارة للثاني أولى من الاستعارة للأول لأن الثاني يحتذى فيه على مثال الأول في الاستحقاق ، فالأول بمنزلة الأصل والثاني بمنزلة الفرع الذي يحتذى فيه على الأصل ، فلذلك نقصت منزلة قولهم: الجزاء بالجزاء ، عن الاستعارة بمزاوجة كلام القرآن.
الثاني من المجانس وهو المناسبة ، وهي تدور في فنون المعاني التي ترجع إلى أصل واحد ، فمن ذلك قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} فجونس بالانصراف عن الذكر صرف القلب عن الخير ، والأصل فيه واحد وهو الذهاب عن الشيء ، أما هم فذهبوا عن الذكر ، وأما قلوبهم فذهب عنها الخير. ومنه: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} فجونس بالقلوب التقلب ، والأصل واحد ، فالقلوب تتقلب بالخواطر ، والأبصار تتقلب في المناظر ، والأصل التصرف. ومنه: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} فجونس بإرباء الصدقة ربا الجاهلية ، والأصل واحد وهو الزيادة إلا أنه جعل بدل تلك الزيادة المذمومة زيادة محمودة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
باب التصريف
التصريف تصريف المعنى في المعاني المختلفة ، كتصريفه في الدلالات المختلفة ، وهو عقدها به على جهة التعاقب ، فتصريف المعنى في المعانى كتصريف الأصل في الاشتقاق في المعاني المختلفة ، وهو عقدها به على جهة العاقبة ، كتصريف الملك في معاني الصفات ، فصرف في معنى مالك ، وملك ، ذي الملكوت ، والمليك ، وفي معنى التمليك ، والتمالك ، والإملاك ، والتملك ، والمملوك ،
كذلك تصريف معنى العرض في الأعراض ، والاعتراض ، والاستعراض ، وبالتعرض ، والتعريض ، والمعارضة والعرض والعروض. وكله منعقد بمعنى الظهور. ومنه: أعرضت اليمامة أي ظهرت وهو الأصل ، ومنه أيضا الإعراض عن الإنسان لأنه انزواء عن الظهور له ، ومنه الاعتراض وهو ظهور ما يصد عن الذهاب ، ومنه الاستعراض للجارية لأنه طلب لظهورها للحاسة ، ومنه التعريض للأمر لأنه طلب لظهوره بالفعل ، ومنه التعريض للنفع لأنه يصير على السبب الذي به بقع ظهور النفع ، منه المعارضة لأنها مقابلة يقع منها ظهور المساواة ، أو المخالفة ، ومنه المعرض لأن ظهور الشيء به أبين ، ومنه العرض لأنه على ظهور شيء لا يلبث ، ومنه العروض لأنه ميزان الشعر ، يظهر به المنكسر من المتزن. وهذا الضرب من التصريف فيه بيان عجيب يظهر فيه المعنى بما يكتنفه من المعاني التي تظهره وتدل عليه. أما تصريف المعنى في الدلالات المختلفة فقد جاء في القرآن في غير قصة ، منها قصة موسى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
عليه السلام ، ذكرت في سورة الأعراف وفي طه والشعراء .. وغيرها لوجوه من الحكمة. منها التصرف في البلاغة من غير نقصان عن أعلى مرتبة ، ومنها تمكين العبرة والموعظة ، ومنها حل الشبهة في المعجزة ، وذلك أن الأشياء على وجهين: منها مالا يدخل تحت الممكن فيه معارضة ، ومنها ما يدخل تحت الممكن ، فالأول كالتحدي بعدد يضرب في عدد فيكون منه خمسة وعشرون غير خمسة في خمسة وكذلك في قسمة المقادير أنه لا يخلو مقداران من أن يكون أحدهما أزيد من الآخر أو أنقص أو مساويا. فإذا قال قائل: هاتوا مثل هذه القسمة في غير المقادير قلنا لا يلزم ذلك لأنه لا يدخل تحت الممكن. وكذلك سبيل الجذور ، ولو قال جذر مائة عشرة فهاتوا لها جذرا غير العشرة. وليس كذلك سبيل أعلى الطبقات في البلاغة لأن الذي قدر على أن يأتي بسورة آل عمران والذي قدر على المائدة هو الذي قدر على الإنعام ، وهو الله عز وجل الذي يقدر أن يأتي بما شاء من مثل القرآن فظهور الحجاج على الكفار بأن أتى في المعنى الواحد بالدلالات المختلفة فيما هو من البلاغة في أعلى طبقة.
باب التضمين
تضمين الكلام هو حصول المعنى فيه من غير ذكر له باسم أو صفة هي عبارة عنه. والتضمين على وجهين: أحدهما ما كان يدل عليه الكلام دلالة الإخبار ، والآخر ما يدل عليه دلالة القياس.
فالأول كذكرك الشيء بأنه محدث ، فهذا يدل على المحدث دلالة الإخبار ، والتضمين في الصفتين جميعا ، إلا أنه على الوجه الذي بينا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
وكذلك سبيل المكسور ومنكسر ، وساقط ومسقط
والتضمين على وجهين ، تضمين توجيه البنية ، وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به ، ومن حيث جرت العادة بأن يعقد به. فأما الذي توجبه نفس البنية ، وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به ، ومن حيث جرت العادة بأن يعقد به. فأما الذي توجبه نفس البنية ، فالصفة بمعلوم يوجب أنه لابد من عالم ، وكذلك مكرم ، وأما الذي يوجبه معنى العبارة من حيث لا تصح إلا به ، فكالصفة بقاتل يدل على مقتول من حيث لا يصح معه معنى قاتل ، ولا مقتول ، فهو على دلالة التضمين.
وأما التضمين الذي يوجبه معنى العبارة من جهة جريان العادة فكقولهم: " الكر بستين " المعنى فيه بستين دينارا ، فهذا مما حذف وضمن الكلام معناه لجريان العادة به. والتضمين كله إيجاز استغنى به عن التفصيل إذ كان مما يدل دلالة الإخبار في كلام الناس ، فأما التضمين الذي يدل عليه دلالة القياس فهو إيجاز في كلام الله عز وجل خاصة ، لأنه تعالى لا يذهب عليه من وجوه الدلالة ، فنصبه لها يوجب أن يكون قد دل عليها من كل وجه يصح أن يدل عليه. وليس كذلك سبيل غيره من المتكلمين بتلك العبارة ، لأنه قد تذهب إليه دلالتها من جهة القياس ولا يخرجه ذلك عن أن يكون قد قصد بها الإبانة عما وضعت له في اللغة من غير أن يلحقه فساد في العبارة. وكل آية فلا تخلو من تضمين لم يذكر باسم أو صفة ، فمن ذلك: " بسم الله الرحمن الرحيم " قد تضمن التعليم لاستفتاح الأمور على التبرك به والتعظيم لله بذكره ، وأنه أدب من آداب الدين وشعار للمسلمين ، وأنه إقرار بالعبودية واعتراف بالنعمة التي هي من أجل نعمة ، وأنه ملجأ الخائف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
ومعتمد للمستنجع. وقد بينا ذلك بعد انقضاء كل آية في كتاب " الجامع لعلم القرآن ".
باب المبالغة
المبالغة هي الدلالة على كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة. والمبالغة على وجوه منها المبالغة في الصفة المعدولة عن الجارية بمعنى المبالغة ، وذلك على أبنية كثيرة منها: فعلان ، ومنها فعال ، وفعول ، ومفعل ، ومفعال. ففعلان كرحمان عدل عن راحم للمبالغة ، ولا يجوز أن يوصف به إلا الله عز وجل لأنه يدل على معنى لا يكون له ، وهو معنى وسعت رحمته كل شيء. ومن ذلك فعال كقوله عز وجل: {وإني لغفار لمن تاب} معدول عن غافر للمبالغة ، وكذلك توَّاب ، وعلام. ومنه فعول كغفور وشكور ، وودود ، ومنه فعيل كقدير ، ورحيم ، وعليم. ومنه مفعل كمدعس ، ومطعن ، ومفعال كمنحار ، ومطعام.
الضرب الثاني المبالغة بالصيغة العامة في موضع الخاصة ، كقوله تعالى: {خالف كل شيء} وكقول القائل: أتاني الناس ، ولعله لا يكون أتاه (إلا) خمسة فاستكثرهم ، وبالغ في العبارة عنهم.
الضرب الثالث: إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة كقول القائل: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم له ، ومنه قوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئا له على المبالغة في الكلام ، ومنه: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي أتاهم بعظيم بأسه فجعل ذلك إتيانا له على المبالغة. منه قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا}.
الضرب الرابع: إخراج الممكن إلى الممتنع للمبالغة ، نحو قوله تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}.
الضرب الخامس: إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل والمظاهرة في الحجاج ، فمن ذلك: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}. ومنه: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} وعلى هذا النحو خرج مخرج قوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} جاء على التسليم أن لهم مستقرا خيرا من جهة السلامة من الآلام ، لأنهم ينكرون إعادة الأرواح إلى الأجسام فقيل على هذا أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا. ومنه {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} على التسليم أن أحدهما أهون من الآخر فيما يسبق إلى نفوس العقلاء.
الضرب السادس: حذف الأجوبة للمبالغة كقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} و {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب} ومنه: {ص ، والقرآن ذي الذكر} كأنه قيل: لجاء الحق أو لعظم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الأمر أو لجاء بالصدق. كل ذلك يذهب إليه الوهم لما فيه من التفخيم والحذف أبلغ من الذكر ، لأن الذكر يقتصر على وجه والحذف يذهب فيه الوهم إلى كل وجه من وجوه التعظيم لما قد تضمنه من التفخيم.
باب البيان
البيان هو الإحضار لما يظهر به تميز الشيء من غيره في الإدراك.
والبيان على أربعة أقسام: كلام ، وحال ، وإشارة ، وعلامة. والكلام على وجهين: كلام يظهر به تميز الشيء من غيره فهو بيان ، وكلام لا يظهر به تميز الشيء فليس ببيان كالكلام المخلط والمحال الذي لا يفهم به معنى. وليس كل بيان يفهم به المراد فهو حسن من قبل أنه قد يكون على عي وفساد ، كقول السوادي وقد سئل عن أتان معه فقيل له: ما تصنع بها؟ ، فقال: أحبلها وتولد لي ، فهذا كلام قبيح فاسد ، وإن قد فهم به المراد وأبان عن معنى الجواب ، وكذلك ما يحكى عن باقل ، والعرب تضرب به المثل في العي فتقول: أعى من باقل ، وأبين من سحبان وائل ، فبلغ من عيه أنه سئل عن ظبية كانت معه بكم اشتراها ، فأراد أن يقول بأحد عشر ، فأخرج لسانه وفرج عشر أصابعه فأفلتت الظبية من يده. فهذا وإن كان قد أكد للإفهام ، فهو أبعد الناس من حسن البيان. وليس بحسن أن يطلق اسم بيان على ما قبح من الكلام ، لأن الله قد مدح البيان واعتد به في أياديه الجسام ، فقال: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} ولكن إذا قيد بما يدل على أنه يعنى به إفهام المراد جاز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وحسن البيان في الكلام على مراتب: فأعلاها مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة من تعديل النظم حتى يحسن في السمع ويسهل على اللسان وتتقبله النفس تقبل البرد ، وحتى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقه من المرتبة.
والبيان في الكلام لا يخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم للمعنى أو صفة ، كقولك: غلام زيد ، فهذا التأليف يدل على الملك من غير ذكر له باسم أو صفة ، ودلالة الاشتقاق كدلالة التأليف في أنه من غير ذكر اسم أو صفة ، كقولك: قاتل تدل على مقتول وقتل من غير ذكر اسم أو صفة لواحد منها ، ولكن المعنى مضمن بالصفة المشتقة وإن لم تكن له. ودلالة الأسماء والصفات متناهية ، فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية ، ولهذا صار التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة ، ولو قال قائل ، قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن أحدا أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل لكان ذلك باطلا ، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية كما أن الممكن من العدد ليس له نهاية يوقف عندها لا يمكن أن يزاد عليها. والقرآن كله في نهاية حسن البيان ، فمن ذلك قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} ، فهذا بيان عجيب يوجب التحذير من الاغترار بالإمهال. وقال سبحانه: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} ، وقال: {إن المتقين في مقام أمين} فهذا من أحسن الوعد والوعيد. وقال: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} فهذا أبلغ ما يكون من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الحجاج وقال: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} ، فهذا أشد ما يكون من التقريع وقال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} فهذا أعظم ما يكون من التحسير. وقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ، وهذا أدل دليل على العدل من حيث لم يقتطعوا عما يتخلصون به من ضرر الجرم ، ولا كانت قبائحهم على طريق الجبر. وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} وهذا أشد ما يكون من التنفير على الخلة إلا على التقوى. وقال تعالى: {أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله} فهذا أشد ما يكون من التحذير من التفريط. وقال تعالى: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة}. وهذا أشد ما يكون في التبعيد. وقال عز وجل: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} وهذا أعظم ما يكون من الوعيد. وقال عز وجل: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل} ، وهذا أشد ما يكون من التحسير. وقال عز وجل: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون} وهذا أشد ما يكون في التقريع من أجل التمادي في الأباطيل وقال عز وجل: {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} وهذا أشد ما يكون من الإذلال. وقال عز وجل {هذه جهنم التي يكذب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
بها المجرمون} وهذا أشد ما يكون من التقريع. وقال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا أشد ما يكون من التحذير. وقال عز وجل: {فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} وهذا أشد ما يكون من الترغيب. وقال عز وجل: {مااتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} وقال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} وهذا أبلغ ما يكون من الحجاج. وهو الأصل الذي عليه الاعتماد في صحة التوحيد ، لأنه لو كان إله آخر لبطل الخلق بالتمانع بوجودهما دون أفعالهما.
باب البيان عن الوجوه التي ذكرنا في أول الكتاب
وهي: ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة ، والتحدي للكافة. والصرفة ، والبلاغة ، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة ، ونقض العادة ، وقياسه بكل معجزة.
أما توفر الدواعي فيوجب الفعل مع الإمكان لا محالة ، في واحد كان أو جماعة. والدليل على ذلك أن إنسانا لو توفرت دواعيه إلى شرب ماء بحضرته من جهة عطشه واستحسانه لشربه. وكل داع يدعو إلى مثله ، وهو مع ذلك ممكن له فلا يجوز ألا تقع شربه من حتى يموت عطشا لتوفر الدواعي على ما بينا ، فإن لم يشربه مع توفر الدواعي له دل ذلك على عجزه عنه. فذلك توفر الدواعي إلى معارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
وأما التحدي للكافة فهو أظهر في أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعي إلا للعجز عنها.
وأما الصرفة فهي صرف الهمم عن المعارضة ، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة؛ وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة ، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول.
وأما الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة فإنه لما كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق دل على أنها من عند علام الغيوب ، فمن ذلك قوله عز وجل: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} فكان الأمر كما وعد من الظفر بإحدى الطائفتين: العير التي كان فيها أبو سفيان ، أو الجيش الذين خرجوا يحملونها من قريش ، فأظفرهم الله عز وجل بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد. ومنه قوله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون}. ومنه: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} ومنه: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ، ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم}. ومنه: {فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين ، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} ، ومنه: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ، ومنه: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون} ومنه: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم} ثم قال: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها}.
وأما نقض العادة فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل ، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث ، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة. ولولا أن الوزن يحسن الشعر لنقصت منزلته في الحسن نقصانا عظيما. ولو عمل عامل من الكتان باليد من غير آلة ولا حف ما يفوق الدبيقي في اللين والحسن حتى لا يشك من رآه أنه أرفع الثياب الدبيقية التي بلغت في الحسن النهاية لكان معجزا. وذلك من جاء بغير الوزن المعروف في الطباع ، الذي من شأنه أن يحسن الكلام بما يفوق الموزون فهو معجز.
وأما قياسه بكل معجزة فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة ، إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلا واحدا في الإعجاز ، إذا خرج عن العادة وقعد الخلق فيه عن المعارضة. فإن قال قائل: فلعل السور القصار ممكن للناس ، قيل له: لا يجوز ذلك؛ من قبل أن التحدي قد وقع بها فظهر العجز عنها في قوله تعالى: {قل فأتوا بسورة من مثله} فلم يخص بذلك الطوال دون القصار ، فإن قال قائل فإنه يمكن في القصار أن تغير الفواصل فيجعل بدل كل كلمة ما يقوم مقامها. فهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
يكون ذلك معارضة؟! فقيل له: لا ، من قبل أن المفحم يمكنه في قوافي الشعر مثل ذلك ، وإن كان لا يمكنه أن ينشئ بيتا واحدا ، ولا يفصل بطبعه بين مكسور وموزون ، فلو أن مفحما رام أن يجعل بدل القوافي قصيدة رؤبة
وقاتم الأعماق خاري المخترق
مشتبه الأعلام لماع الخفق
يكل وفد الريح من حيث انخرق
فجعل بدل المخترق الممتزق ، وبدل الخفق الشفق ، وبدل انخرق انطلق لأمكنه ذلك ولم يجب به قول الشعر ولا معارضة رؤبة في هذه القصيدة عند أحد له معرفة. فكذلك سبيل من غير الفواصل وزعم أنه قد عارض. وهذا واضح بين لا يخفى على متأمل والحمد لله.
فإن قال: فما ينكر أن يكونوا عدلوا عن معارضة الطوال للعجز وعدلوا عن معارضة القصار لخفاء المساواة في الحكم!. قيل له: لا يجوز ذلك ، لأن الحجة لهم به قائمة لو كان الأمر على تلك الصفة ، إذ كانت المعارضة فيما جرت به العادة على ذلك وقعت من عصبة قوم لأحد الفريقين ، وعصبة فريق للآخر على نحو نقائض جرير والفرزدق؟ وقبلهما عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة ، فلو كان مما يجوز أن يقع فيه الاختلاف بين الجيدي الطباع لخفاء الأمر فيه لم يتركوا المعارضة له والاحتجاج به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)