بك من شرورهم، رب نجني مما فعله المفرّقون لدينك، وألحقني بخير القرون من حزب أمينك صلى الله عليه وآله وسلم (1)
سهام رمتني وأخرى سترميني ..
لا يستطيع أحد أن يدعو إلى إصلاح فكر أو ثورة على موروث باطل دون أن يُرمى بسهم أو يُجرح بكلمة.
هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكرم الخلق وأتقاهم لم يسلم من بهت الباهتين وظلم الظالمين، قيل عنه: كاهن .. ساحر .. مجنون .. شاعر، فمن أكون أنا وأنت حتى نستكبر أن يُقال في حقنا ما هو دون ما قيل في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وهو النبي المرسل؟!
مَنْ خلال معايشتي وحواراتي مع المتعصبة من شتى الطوائف نلت الكثير من الأذى فأعظم الأذى أن يُتهم المرء في دينه وصدق انتمائه إليه.
فلما كنت أحاور بعض الجفاة مظهراً حبي لأهل البيت، راداً على من يُقلل من شأنهم بالأحاديث الصحيحة الثابتة أو بما عُرف من حقهم في شرع الله، قيل عني: (رافضي)!
ولما كنت أحاور بعض الشيعة منتقداً طرحهم المغالي في أهل البيت، قيل عني: ناصبي كبير … فلست ناصبياً فحسب بل عريق في النصب ولا حول ولا قوة إلا بالله!--------------------------------------------
(1) العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ ص7
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
ولما تحاورت مع بعض المتصوفة حول غلوهم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستدلاً بأحاديث صحيحة ثابتة في بيان حقه صلوات الله وسلامه عليه تدعو إلى محبته وحفظ حقه بأبي هو وأمي، من غير غلو ولا جفاء، قيل عني: مبغض لرسول الله!
وهكذا صرت بين المتعصبة جامعاً لكل النقائض.
رافضي مبغض لصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومغالٍ في أهل البيت … وناصبي مبغض لأهل البيت ومغالٍ في الصحابة .. ومبغض لرسول الله ومن باب أولى مبغض لأهل بيته ولأصحابه.
وما حصل لي حصل للإمام المُقبلي رحمه الله أكثر منه بكثير، ومثلي لا يُقارن بمثله فضلاً وعلماً وتضحية، فأين جهد ذاك الإمام الجهبذ من جهد المقل؟
فقد تجرع رحمه الله مرارة التعصب المذهبي وناله الأذى فصبر ومضى في طريقه غير آبه للتخذيل ولا للتحذير.
حرص على إعلان تنصُّله من الإنتماء إلى أي من المذاهب الإسلامية والتأكيد على براءته من التعصُّب لها في معظم مؤلفاته شعراً ونثراً، ومن ذلك قوله:
برئت من التمذهب طول عمري … وآثرت الكتاب على الصحاب
ومالي والتمذهب وهو شيء … يروح لدى المماري والمحابي
كرَّس جهده ووقته لمحاربة الجمود والتعصُّب الفكري، فلقي من مقلِّدي ومتعصِّبي عصره أذى شديداً، وناصبوه العداء، واتَّهموه بأنه ناصبي، معادٍ لمذهب أهل البيت (المذهب الزيدي)، مما اضطره إلى بيع ممتلكاته والرحيل بأهله إلى مكة (1080هـ) فجاور بها وانقطع فيها للعلم والتأليف والدعوة إلى التجديد وإشاعة روح التسامح ونبذ الفرقة والتقليد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
والتعصُّب، فعلا ذكره هناك وعظُم صيته بين علماء مكة والقادمين إليها من مختلف بلدان العالم الإسلامي، وتباينت الآراء حوله بين مؤيِّد ومعارض، فنسبه المتعصبة إلى الزندقة لتمرُّده على التقليد وعدم تمسُّكه بمذهب معين، واعتماده على كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم فحسب، وخاصة بعد انتشار كتابه "العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ" لما فيه من النقد للمتعصِّبين للأسلاف، والحط من شأن التقليد والمقلِّدين، فقال قولته المشهورة: سبحان الله .. ناصبي في صنعاء وزنديق في مكة!
وهذا هو الإمام الشاطبي بدوره يحكي عن محنته مع المتعصبة فيقول: (فقامت عليّ القيامة وتواترت عليّ الملامة، وفوّق إليّ العتاب سهامه، ونُسِبتُ إلى القول بأنّ الدعاء لا ينفع، ولا فائدة فيه، كما يُعزى إلى بعض الناس بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة – حالة الإمامة - .. وتارة نُسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة .. وتارة أضيف إليّ القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة .. وتارة أُحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفُتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه – وإن كان شاذاً-وتارة نُسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء – يقصد الصوفية – المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين – بزعمهم – لهداية الخلق …) (1).--------------------------------------------
(1) الاعتصام 1/ 27 - 28
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ويعزّي الشاطبي نفسه بما أصاب العلامة ابن بطة مع أهل زمانه ناقلاً ما حكاه ابن بطة عن نفسه بقوله: (عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقاً أو مخالفاً، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له. فإن كان صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك - كما يفعله أهل هذا الزمان - سماني موافقاً. وإن وقفتُ في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفاً. وإن ذكرتُ في واحد منها أنّ الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد، سماني خارجياً. وإن قرأتُ عليه حديثاً في التوحيد سماني مشبّهاً .. وإن كان في الرؤية سماني سالمياً .. وإن كان في الإيمان سماني مرجئياً .. وإن كان في الأعمال سماني قدرياً، وإن كان في المعرفة سماني كرامياً، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سمّاني ناصبياً، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضياً. وإن سكتُ عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهرياً .. وإن أجبت بغيرهما سماني باطنياً .. وإن أجبت بتأويل سماني أشعرياً .. وإن جحدتهما سماني معتزلياً .. إلى أن يقول: (ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطتُ الله تبارك وتعالى ..).
نحن مع الحق وإن قاله خصومنا
مشكلة الكثير من أرباب الفرق والجماعات أنهم يريدونك نسخة منهم، تنطق بما يؤمنون به هم وآباؤوهم الأولون، لا يريدون لضميرك ولعقلك أن يقول كلمته ولو على وجه التساؤل والبحث عن الحقيقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ومن آفاتهم النظر إلى المرء قبل النظر في قوله، يقولون: (مَنْ فلان حتى يعلّمنا؟) أو (أوليس هذا الذي أخطأ في مسألة كذا وكذا) فيعممون خطأه في مسألة على كل ما يقوله من صواب، فلا يستمعون إلى حجته ولا يريدون حقاً من ورائه.
وهذه النظرة الفوقية الاستعلائية تقصم ظهر صاحبها قبل الآخرين، فمن الخاسر سواه وهو يَصدُّ الناس عن الحق ويتجنبه هو في نفسه لا لشيء إلا لعصبية جاهلية ملأ بها دماغه.
والأَولى بالمرء أن يطلب الحق حيث كان، وأن لا يحجبه عن الحق كونه قد أتى من خصمه.
يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: (فانظر إلى مناظري زمانك، كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته وكيف يذم من أفحمه طول عمره) وإنما ينبغي في المحاور (أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرّق بين أن تظهر على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحق ..) (1)
ولله در الإمام مالك بن أنس إذ يقول: (ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف) (2).
نعم والله .. إنها أزمة الإنصاف.
والإمام مالك هاهنا يتحدث عن زمانه الذي انتشر فيه العلم وسادت الفضيلة فكيف بزماننا وقد قلّّ العلماء واتخذ الناس رؤوساً جهالاً فضلوا وأضلوا، وعمّ الفساد وبيعت الذمم.--------------------------------------------
(1) إحياء علوم الدين 1/ 64
(2) جامع بيان العلم 1/ 132
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ولتقي الدين ابن تيمية رحمه الله كلمات جميلة في وجوب تحري المرء الحق واتباعه يقول فيها: (فإنّ الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافياً عليه اتبعه، وليس هذا مذبذباً، بل هذا مهتد زاده الله هدى … والواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق فيتّبعه حيث وجده) (1).
ويقول: (وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبيّن له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة معه فيه، وترك القول الذي وضحت حجّته، أو الانتقال من قولٍ إلى قولٍ لمجرد عادة واتباع هوى فهو مذموم) (2).
فالعبرة بالحق لذاته لا بمن قاله، وعلى المسلم أن ينفض عنه غبار التعصب والتقديس لغير كلام الله وكلام رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فإنّّ الناس لم يفترقوا ويزيغوا عن الهدى إلا لأمرين:
هوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.
ولسلطان العلماء العز بن عبد السلام عبارة ذهبية يقول فيها: (ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلّدين، فإنّ أحدهم يتبع إمامه مع بُعد مذهبه عن الأدلة، مقلّداً له فيما قال كأنه نبي أُرسل إليه، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب) (3).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 2/ 252 - 253
(2) المصدر نفسه 20/ 213 - 214
(3) الفكر السامي للحجوي 230
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وهذا الإمام الشوكاني يوجه كلامه لمتعصبي المذاهب قائلاً: (فدعوا- أرشدكم الله وإياي- كتباً كتبها لكم الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبّدهم ومتعبّدكم) (1).
نعم لندع التعصب المقيت، ولنحتكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه.
لماذا لا نتحاور؟
وإن أردت أن تعجب أكثر فاعجب من أمر مسلمي اليوم … علّمهم القرآن الحوار مع أهل الكتاب الذين شتموا الله وشتموا رسوله، وهم اليوم يستكثرون على أنفسهم الحوار مع من انتقص من هم دون الله ودون رسوله!
يأتي المتعصب السني فيقول: (لا حوار مع من شتم صحابة رسول الله، هؤلاء روافض لا ينبغي لنا حوارهم ولا حتى دعوتهم (2)!--------------------------------------------
(1) فتح القدير ص352 - 353
(2) للأسف بعض هؤلاء المتعصبة لا يكلف نفسه حتى دعوة من يشتم الصحابة ولا الأخذ بيده، فأي موازين للدعوة هذه؟! وعلينا أن نفرّق بين فعل بعض السلف من عدم محاورة أهل البدع بغرض تحجيم فكرهم وعدم إعطائهم الفرصة لنشر باطلهم على الملأ لكونهم قلة وأرباب هوى لا طلاب حق، وبين واجب الدعوة إلى الله لكل من ضل الطريق.
وعلى فرض ثبوت مخالفة أحد من السلف لما ذكرناه فإنه لا حجة في قول أحد من الناس مع وجود المنهج القرآني القويم في الحوار ومع وجود سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنهجه في الدعوة مع الكفار وأهل الكتاب على جرأتهم على الله ورسوله والمنافقين على ما يظهر منهم من التربص بالإسلام والمسلمين والأعراب على ما عُرِف فيهم من الجلافة وسوء الحوار فضلاً عن غيرهم، نعم من أراد المكابرة منهم لا يناقش ولا يُعطى المجال لكن التعميم في الحكم هو ما نستنكره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ويأتي المتعصب الشيعي فيقول: (هؤلاء نواصب (1) لا ينبغي الحوار معهم!).
وقد عايشت الفئتين، وأوذيت منهما أيما إيذاء.--------------------------------------------
(1) هذه تهمة ليس لها من الواقع نصيب، فالثابت من تقريرات علماء الشيعة في أشرطتهم وكتبهم وكذا روايات المذهب بغض الصحابة والتفنن في لعنهم والطعن في أنساب بعضهم وستأتي الإشارة إلى هذه الفكرة في موضعها في هذا الكتاب بإذن الله، أما أهل السنة علماء وعامة، فلا يبغضون أهل البيت بل يحبونهم ويقدّرونهم، ويشهد لذلك أيضاً تقريرات علمائهم جيلاً بعد جيل، غاية ما في الأمر أنهم يفضلون أبا بكر وعمر على علي لأدلة شرعية عندهم، والمفاضلة بين الخلفاء الأربعة لا تعني بحال من الأحوال بغض أحد منهم.
ويحضرني في هذا كلام جيد قرأته للشيخ جعفر الشاخوري- وهو من شيوخ الشيعة الإثنى عشرية المعاصرين- يقول فيه: (وإنني أذكر للقارئ حادثة لا زلت أتذكرها، فقد حدث بين شخصين تلاسن بعد أن اختلفا أيهما أفضل العباس بن علي (ع) أو علي الأكبر (ع) – ولا أكتم القارئ أنني كنت من أنصار العباس في ذلك الصراع- حيث استدل الأول على أفضلية العباس بأنه آخر من استبقاه الحسين (ع) في المعركة إذ لم يعطه الرخصة في القتال، وعندما استشهد قال الحسين: الآن انكسر ظهري، مما يدل على أنه العمود الفقري، كما أنّ العباس رفض أن يشرب من الماء عندما تذكر عطش الحسين فلا بد أن يكون هو الأفضل. والشخص الثاني استدل على أفضلية (الأكبر) بأنه أشبه الناس خَلْقاً وخُلقاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه أول من قدّمه الحسين في المعركة من بني هاشم، وثالثاً: لأنه أكثر من أصيب بالجراحات في كربلاء فلا بد أن يكون هو الأفضل. وسرعان ما تحول هذا الصراع إلى تلاسن وتراشق بالكلمات حتى ظننت في ذلك الوقت أنّ هناك عداءً مستحكماً بين العباس وعلي الأكبر، وكنت أتساءل لماذا تعاونا في المعركة في ذلك الوقت؟). (مرجعية المرحلة وغبار التغيير ص67)
أقول: والأمر ذاته يُقال في المفاضلة بين أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، فإنّ المتعصب المعاند هو وحده الذي يستطيع بكل سهولة إقناع نفسه بأنه هو وكيل أهل البيت في الأرض، وأنّ من سواه لا يحبهم ولا يعرف حقهم.
وكلامنا هنا مع العقلاء أما ضيّقو العقول الذين يرشقون الناس بالتهم لمجرد الاختلاف معهم فإنه لا يأبه بهم إلا من كان على شاكلتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
فعجباً لهذه العقول، جعلت الصحابة وأهل البيت أعظم من الله ورسوله حين تتقبل الحوار مع اليهودي والنصراني الكافر بالله ورسوله والشاتم لهما ولا تتقبل الحوار مع المخالف!
والحقيقة أننا لن نستطيع فك رموز الخلاف السني الشيعي بهذه العقول المغلقة التي لا تريد الفهم ولا التفاهم.
فإنّ الإمام علي بن أبي طالب وهو أحد فقهاء الصحابة الكبار عند السنة والشيعة، لم يجد حرجاً في التحاور مع الخوارج الذين كفّروه، فأرسل إليهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس محاوراً، وعلي يعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وصف الخوارج بأنهم (كلاب أهل النار)، فأين هؤلاء المتعصبة من الفقه والفهم لهذه المعاني الجليلة؟
نريده حواراً من أجل الحقيقة
الديكة تتصارع وتتطارح أرضاً، لأنها تؤمن بلغة العضلات، أما الإنسان العاقل فاللغة التي يرتضيها لنفسه ولمجتمعه هي لغة الحوار.
والناظر في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر والذي ابتعد في ممارسته كثيراً عن التعاليم الإسلامية القويمة، ينتابه الأسى وتعلوه المرارة، على نمط الحوار المتبع بين جميع الفئات المختلفة على جميع المستويات.
كثيرة هي الحوارات التي تجسد لنا هذا المثال … جمهور يستمع وديكان يتصارعان … كل منهما يريد الفتك بالآخر، والانتصار للرأي لا للحقيقة.
إننا لم نتعود على الموضوعية والحوار والواقعية في حواراتنا وأدبياتنا ومداخلاتنا، بل اعتدنا على الرؤية الأُحادية التي لا تتقبل رأي الآخر ولا تتفهم ما يريد، وما على الآخرين إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
أن يقولوا (آمين) ثمانين مرة، لا سيما إذا كان البعض منا في موقع يسمح له بفرض رأيه الواحد على الآخرين (1).
ومثل هذه الحوارات جعجعة بلا طحن .. لا يُرتجى من ورائها هداية لأحد، أو نتيجة محمودة يستفيد منها الطرفان، لأنها تفريغ مخزون آفات نعيشها في أنفسنا.
فالمظلوم عندنا يشتكي من الظالم، لأنّ السَّوط بيد الظالم .. يذكّره بالله ويدعو عليه الليل والنهار، لكن سرعان ما ينقلب المظلوم ظالماً حينما يسقط السوط من يد ظالمه وينتقل إلى يده يتناسى الرب الذي كان يخوّف الناس به، فيجور على الخلق وينتزي على حقوقهم بلا رحمة.
هكذا تجلت لي صراعات المتعصبين من أهل الطوائف.
ولكي ننهض من جديد كأمة إسلامية، ولكي نستطيع أن نتدارك بجدية الصدع الذي أضعف الأمة فانقسمت لأجله إلى فرق وطوائف متناحرة لا بد لنا من الإخلاص والصراحة، والرغبة في أن تكون راية الإسلام هي العليا لا راياتنا الطائفية.
ما أحوجنا اليوم إلى الإنصاف وإلى التجرد الذي بثه الإسلام في النفوس المؤمنة، التجرد للحقيقة لا للأشخاص.
ألم نقرأ قول الله عز وجل {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2)؟--------------------------------------------
(1) لا أدّعي بكلامي هذا أنّ العقيدة الإسلامية صارت آراء تقبل وتُرد، وإنما القصد أنّ المقدس الذي تؤمن به ليس مقدساً عند الطرف المخالف، وعليك أن تتقبل الحوار معه على هذا الأساس، أما النظرة الفوقية التي لا تتقبل الحوار مع المخالف بل تريد من الطرف المقابل الإذعان فحسب، فهذه نظرة نرجسية ليست من الإسلام في شيء.
(2) سورة سبأ آية 24
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
فأي مسلم يرى الهدى في غير الله وغير رسوله؟! وهل يشك رب العباد أنّ الحق معه ومع رسوله؟! – معاذ الله -.
لكن الله يرشدنا إلى أدبيات الحوار .. إلى التجرد مع الخصم .. لا تفترض منذ البداية أنك أتيت لتملي عليه وأنّ عليه أن يقبل! .. إنما جُعل الحوار لبيان الحق ولكشف الشبهة.
والحوار يبتدئ بالحسنى ويكون بالحسنى كما قال الله تعالى {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} (1) ما دام الطرف المقابل يحتفظ بأمرين:
أولهما: التأدب مع مقدسات الطرف الآخر، فلا يشتمها ولا يستطيل في الكلام عنها بل يوضح موضع النقد الذي يراه بكل موضوعية وتأدب.
والثاني: طلب الحق وعدم العناد والمكابرة، فإذا وُجد العناد ووجدت المكابرة استخدم مع صاحبها أسلوب {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم}.
ولو أنّ حواراتنا قامت على هذا المنهج القويم الذي نادى به القرآن الكريم لكان الناس غير الناس والحال غير الحال، لكن نشكو إلى الله تعالى.--------------------------------------------
(1) سورة العنكبوت آية 46
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
من هنا كانت البداية
لقد نشأتُ في بيئة تمازج فيها السنة والشيعة وغلب عليها التسامح الطائفي.
فوالدي رحمه الله من أهل السنة وكذلك والدتي، لكن البيت الذي نشأتْ فيه والدتي منذ الصغر كانت له طبيعته الخاصة ذات الأثر الواضح في علاقة أسرتي السنية مع الشيعة.
فمربية والدتي كانت شيعية وكذا إخوان والدتي من الرضاعة، وقد كانت والدتي تُجلها كثيراً وتبرّها حتى بعد وفاتها من خلال علاقتها الوثيقة بعائلة تلك المربية، نشاركهم أفراحهم وأحزانهم ويشاركونا، ونمد إليهم يد المساعدة إن وجدنا إلى ذلك سبيلاً.
هذا بخلاف الصداقات التي جمعت والدتي بالكثير من الشيعيات، أقربهنّ إليها امرأة من عرب إيران (1)، طيبة المعشر، بسيطة الفكر والثقافة، قضت معظم حياتها في الكويت ولا زالت.
وكنتيجة طبيعية لهذا الارتباط الوثيق بالشيعة آنذاك، كانت أمي تصطحبني صغيراً في بعض الأحيان إلى الحسينية حيث يُقرأ العزاء وتوزع أطباق الطعام أيام المحرم.
لا زلت أتذكر يوم أن اصطحبتني مرة في فترة النهار إلى إحدى الحسينيات.
قدور في باحة المكان ونساء يغرفن الطعام …
حينها طلبتْ مني والدتي أن أجلس في غرفة مقابلة للباحة حتى تنتهي من الحديث مع الملاّيه (2)، لم أكن أعلم ولا زلت لا أعلم ماذا كانت تريد منها.--------------------------------------------
(1) من منطقة عبادان الإيرانية تحديداً.
(2) امرأة تقوم مقام الشيخ أو الملا في الحسينيات النسائية من نعي وإلقاء دروس وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
لكني أتذكر أني قد جلست على كرسي بجانبه صندوق كبير، وحلّقت ببصري هنا وهناك فكان مما لفت نظري آنذاك وانطبع في ذاكرتي أقراص من طين كانت موضوعة في الصندوق.
لم يُترك لي المجال طويلاً للتخمين أو العبث فيها كسائر الأطفال، إذ سمعت نداء والدتي: (هيا يا محمد، لنذهب).
حين خرجنا سألتها عن المكان الذي كنا فيه، ما هو؟ وما الذي يفعله النساء في الباحة؟
فأخبرتني أنّ البيت الذي كنا فيه يسمى "حسينية" وهو بيت متعدد الأغراض، يُقرأ فيه عزاء عاشوراء وتقدم فيه الولائم ويُستخدم لمناسبات أخرى.
سألتها عن الأقراص التي رأيتها في الصندوق، ما هي؟
فأخبرتني أنها "تربة حسينية" وهي تربة مأخوذة من قبر الإمام الحسين بالعراق، يضع عليها الشيعة جباههم في سجدتي الصلاة. فسألتها بكل تلقائية: ولماذا هم شيعة ونحن سنة؟!
فكانت إجابتها أكثر تلقائية وأكثر عجباً إذ قالت: لأنهم لا يحبون الصحابة، فهم يسبون عائشة ولا يحبون أبا بكر وعمر، ونحن نحب الصحابة ولا نرضى بسبهم، ولأنهم في عاشوراء يلطمون ويبكون ويلبسون السواد ونحن لا نعتقد مثل هذه الأمور بل نراها خطأ ولأنهم لا يصلون مثل صلاتنا بل يسدلون أيديهم في الصلاة ويسجدون على التربة الحسينية.
فسألتها: ولماذا يفعلون ذلك؟ وقد كنت كأي طفل قد تعلمت في المدرسة شيئاً من السيرة النبوية، وأنّ عائشة هي زوج رسول الله وأنّ أبا بكر هو صاحبه في الغار وفي الهجرة، وتعلمت شيئاً عن قصة إسلام عمر وفضله، فبالنسبة لطفل قد تعلم هذا كله لا يُمكن له أن يتصور مسلماً يشتم هذه الشخصيات، فتعجبت جداً من كلامها، لكن سني آنذاك كان كافياً لصرفي عن الاهتمام بمثل هذه الأمور رغم كونها قد انطبعت في ذهني منذ ذلك الزمن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
مضت السنون تلو السنون لأجد نفسي مرة أخرى وجهاً لوجه مع الخلاف السني الشيعي.
ففي الجامعة، تعرفتُ على أحد السادة الموسوية أثناء دراستي لإحدى مقررات اللغة الإنجليزية (1)، كان يكبرني نحو عشر سنوات، وقد حرصتُ منذ بداية تعرفي عليه أن لا أفتح معه موضوع الخلاف السني الشيعي لحساسية مثل هذه المواضيع بالنسبة للناس بصورة عامة، لكن زميلاً لنا كان مشاكساً للغاية، لم يعتد أن يترك أحداً من الناس في حاله فاجأنا بسؤال مضحك وجريء في الوقت ذاته يسأل فيه السيد: لماذا أنت شيعي؟!
سؤال عفوي غريب قذفنا به زميلنا فوجدنا أنفسنا بعده مباشرة قد دخلنا في نقاش مذهبي ما كنا نتصور أننا سنخوضه.
فقد استهل (السيد) كلامه بالإشارة إلى كونه قد درس في إيران لعدة سنوات ولهذا فهو ملمٌ بالخلاف السني الشيعي بشكل كبير ولديه الاستعداد لمناقشة أي مسألة.
كنت في الحقيقة أكثر من اهتم بكلامه فقد مسّ شيئاً في نفسي تجاهلته منذ سنوات، أما بقية زملائنا فكانوا إلى العبث والإثارة أكثر منهم إلى الجد والحزم.
ولذلك لما ذكر الموسوي من جملة كلامه (حديث الكساء) طالبته بالمصدر وحملت المسألة محل الجد، ورجعت إلى المصدر الذي عزا إليه وهو "رياض الصالحين" للإمام النووي لأتأكد من صحة الحديث، لأنّ الموضوع بالنسبة لي دين، لا مجال للتهريج أو العبث فيه.--------------------------------------------
(1) كان ذلك سنة 1992م في كلية العلوم بجامعة الكويت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ورغم أنّ نقاشنا المذهبي انقطع بعد هذه الدقائق المعدودة التي تكلمنا بها وكان للسيد نصيب الأسد فيها بحكم اطلاعه على الخلاف السني والشيعي أكثر منا إلا أنّ نفسي باتت متشوقة لمعرفة أبعاد هذا الموضوع أكثر من أي وقت مضى.
وكأنّ الله تعالى أراد لي أن أدخل هذا المعترك بقوة، فما زالت التساؤلات والمواقف تجرني جراً حتى جاء اليوم الذي أهدتني فيه إحدى الشيعيات كتاباً اسمه "ثم اهتديت" لمحمد التيجاني السماوي، أرسلته لي عن طريق صديقة والدتي الإيرانية، سائلة المولى عز وجل أن يهديني ويرشدني إلى الحق!
ولا أخفيك حديثاً إذا ما قلت بأنّ الكتاب كان قوياً بالنسبة لي لأول وهلة، إذ لم أكن قد قرأت أو تعلمت قبل قراءتي لهذا الكتاب شيئاً عن تاريخ الفتنة أو حادثة السقيفة أو بعض أحاديث فضائل الإمام علي التي يستدل بها الشيعة الإثنى عشرية على إمامته رضي الله عنه.
لكني أفقت من هذا الاستغراب على جُملة من الصدمات التي لا يمكن السكوت حيالها فالكتاب يطال كبار الصحابة ورموز الإسلام ويشهد عليهم بالردة والإحداث في الدين هكذا وبكل بساطة ودون حياء من الله ولا من الناس!
إنّ من حق التيجاني أن يعتقد أنّ عبد القادر الجيلاني هو سيد الأولياء وأنّ الكعبة تطوف بخيامه كما كان يعتقد ذلك أيام تصوفه (1) أو يرى العذر لليهود والنصارى في عنادهم للحق ويجّرم بالمقابل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما اعتقد ذلك بعد هدايته المزعومة (2)، فله ربٌ يحاسبه ويجازيه على ما اعتقد.--------------------------------------------
(1) ثم اهتديت ص34] حواره مع منعم [
(2) المصدر نفسه ص80
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
لكن المجاهرة بتكفير الصحابة والتشكيك في نزاهتهم وبهذه الصورة المخزية ونشر ذلك في كتب تروّج بين الناس مورثة بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة من شأنه أن يستوقفنا قليلاً عند هذه الشخصية التي تتناول هؤلاء الصحابة، لنتساءل: من هي وإلى ماذا تصبو؟
لقد حدّثنا التيجاني عن شهرته التي تعدّت الحارة إلى المدينة بأسرها أيام طفولته! (1) حتى أصبح لاحقاً أعلم من أهل زمانه بل أعلم من مفتي الجمهورية التونسية نفسه! (2)
لكنه لم يقنع بهذا كله فزعم أن لم يكن أحد يجاريه حتى شيوخ الأزهر الذين كانوا – على حد زعمه- يحضرون جلساته ودروسه ومحاضراته ويعجبون مما يحفظ من أحاديث وآيات وما يملكه من حجج دامغة لدرجة أنّ الغرور قد ركبه وباعترافه (3).
ثم تتفاجئ به بعد ذلك بصفحات قليلة يصرّح بعجزه التام عن محاورة صبي من صبية النجف قائلاً: (وعجبت لهذا الصبي الذكي الذي يحفظ ما يقول مثل ما يحفظ أحدنا سورة من القرآن، وقد أدهشني أكثر عندما كان يسرد علي بعض المصادر التاريخية التي يحفظ عدد أجزائها وأبوابها، وقد استرسل معي في الحديث وكأنه أستاذ يعلم تلميذه، وشعرت بالضعف أمامه، وتمنيت لو أني خرجت مع صديقي ولم أبق مع الصبيان) (4) في إشارة منه إلى أنّ صبية النجف أكثر علماً من علماء الأزهر ومن مفتي الجمهورية التونسية!--------------------------------------------
(1) ثم اهتديت ص10
(2) المصدر نفسه ص219
(3) المصدر نفسه ص24
(4) المصدر نفسه ص54
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
لكن التيجاني الذي أظهر نفسه بصورة ذاك المحاور الذي لا يُشق له غبار مع فطاحل علماء أهل السنة يفاجئك بمفاجآت أخرى لا تقل عن سابقتها.
فقد اعترف ذلك العالم الجهبذ بعد ذلك بصفحات بأنه لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة التي لا يخلو منها بيت أصغر طالب علم إلا بعد زيارته المكوكية التي أفحم بها شيوخ الأزهر وتأثر فيها بصبيان النجف ثم بالكبار ثم عودته إلى وطنه ليتلقى بعد ذلك بعض الكتب الشيعية التي تناقش الخلاف السني الشيعي حيث يقول بالنص: (وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها … فرحت كثيراً ونظمت الكتب في بيت خاص سميته بالمكتبة (1)، واسترحت أياماً، وتسلمت جدول أوقات العمل بمناسبة بداية السنة الدراسية الجديدة فكان عملي ثلاثة أيام متوالية من التدريس وأربعة أيام متوالية من الراحة في الأسبوع. وبدأت أقرأ الكتب فقرأت كتاب عقائد الإمامية، وأصل الشيعة وأصولها وارتاح ضميري لتلك العقائد وتلك الأفكار التي يرتئيها الشيعة، ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي) إلى أن قال: (وازدادت دهشتي وحيرتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقلت في نفسي: (إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي). وسافرت إلى العاصمة ومنها اشتريت صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وصحيح الترمذي وموطأ الإمام مالك وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة) (2).--------------------------------------------
(1) وكأنه أول من ابتكر المكتبات في البيوت ثم وضع لها هذا الإسم الذي لم يُسبق إليه! فتأمل هذا الجهل المركّب وتفكّر في دعواه إفحام علماء مصر وتونس تجد الإجابة واضحة جلية.
(2) المصدر نفسه ص86 - 88
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
فإذا كان التيجاني لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة إلا في هذا الوقت المتأخر فبأي علم كان يُفحم شيوخ الأزهر، وأي أحاديث تلك التي كان يحفظها ويحاجج بها دون أن يقتنِ كتاباً من كُتبها، اللهم إلا أن تكون الأحاديث التي كنا نحفظها في المدارس؟!
إنّ رجلاً يصرّح بنفسه بتحسّره على الأموال التي تُغدق على ضريح الإمام علي في النجف وتمنيه لو أنّ له نصيباً منها (1) لا يرتجى من ورائه حرصاً على الحقيقة، فللمال بريق ساطع يُذهب بأبصار الطامعين.
إنه لمن العجيب أن يأتي شخص مثل التيجاني بهذا المستوى العلمي والعقلي معاً ليثير الشبهات على الصحابة ويؤصل للأمة طريقاً مظلماً يعني بكل اختصار قلب كل الانتصارات والفتوحات والمشاهد الإيمانية والنصوص الإلهية إلى صورة قاتمة لا تمت بصلة للوحي ولا للواقع ولا العقل.
إيهٍ أيها التيجاني، لقد حمّلتني حِمْلاً عظيماً كنت أتحاشاه، وأورثتني همّاً كنت أخشاه، وكيف تقرُّ لي عينٌ وأنا أرى السهام تتقاذف من أوصل إليّ الإسلام؟! وكيف لنفسي أن تهنأ وعِرضُ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يُنال ويُقذف؟!
لقد أدركت أنّ من الواجب عليّ أن أقف وقفة مشرّفة أمام الله تعالى وأمام نفسي وأمام الأمة الإسلامية، فأنذر نفسي للحقيقة المجرّدة التي لا تعرف الزيف، باذلاً كل ما في الوسع والطاقة لانتشال الحقيقة منك ومن أمثالك من المتاجرين بها أو المأجورين.--------------------------------------------
(1) قال في ص50 وهو يتحدث عن زيارته للنجف (خرجت وراءه] أي وراء صاحبه العراقي منعم [مدهوشاً وكأنني تمنيت أن يعطوني منها نصيباً)!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
في السيدة زينب
كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحاً عندما حطت الطائرة التي تقلني على أرض سوريا لأول مرة في حياتي.
زرت المسجد الأموي وتجولت في ضواحي دمشق متأملاً مساجدها القديمة وكنائسها العتيقة، لكن قدماي قادتني بعد هذه الجولة إلى منطقة "السيدة زينب" لينفتح لي بذلك أفق جديد في عالم الخلاف السني الشيعي.
ففي مسجد "السيدة زينب" رأيت عجباً … ألوف من الزائرين، بعضهم جالسٌ على الأرض في باحة المسجد، وبعضهم عند المرقد يضع نذره أو يركع ركعتي الزيارة، وبعضهم في ناحية أخرى من المسجد في صالة كبيرة أظنها حسينية يستمع لمحاضرة أحد علماء الشيعة.
لقد شاهدت وكلي عجب، بعض زائري المرقد وهم يدخنون السجائر في باحة المسجد دون أدنى شعور بالإثم وبحُرمة المكان الذي تُدخن فيه السجائر! ومما زاد عجبي أنني لم أر إنكاراً من بقية الزائرين أو المصلّين لمثل هذا الفعل، وكأنّ المسألة مألوفة عندهم لا تُستنكر! (1)--------------------------------------------
(1) ذكر لي أحد الأصدقاء أنه قرأ في أحد كتب التيجاني السماوي ما يشير إلى الفكرة نفسها التي ذكرتها له فاقتنيت الكتاب المشار إليه وتفاجأت بأنّ التيجاني يتكلم عن الذي شاهدته كظاهرة اعتيادية في المساجد والمراقد!
يقول التيجاني في كتابه "كل الحلول عند آل الرسول" ص169 تحت عنوان (التدخين في أماكن الصلاة): (كثيراً ما ينتقد أهل السنة والجماعة على الشيعة تدخينهم في المساجد، ويقولون بأنّ ذلك منكر من أعمال الشياطين. والحق يُقال أنها ظاهرة تكاد تكون عامة عند الشيعة فإذا دخلت مساجدهم لأول مرة فسوف تصدمك تلك الظاهرة. وأتذكر أني صُدمت بذلك أول مرة واستغربت ذلك منهم واستنكرته عندما زرت النجف الأشرف، وسألت بعض علمائهم عن ذلك فأجابوني بأجوبةلم أقتنع بها حتى الآن)!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
لقد كانت الساعات تمر عليّ دون أن أشعر بها، قضيت ساعات طوالاً في "السيدة زينب" بين مطالعة الكتب وتأمل زوار الضريح، وقد كنت أمر في طريقي إلى مسجد "السيدة زينب" بحوزة الشيرازي - وهي حوزة كبيرة تطل على الشارع المؤدي إلى المسجد – فأشاهد بعضاً من سادة وعلماء الشيعة وقوفاً عند الحوزة أو خارجين منها، فتتحرك في نفسي الرغبة في الالتحاق بهذه الحوزة، لولا إصرار والدتي عليّ ألا أفعل.
لكني لن أنسى أبداً شاباً عراقياً تعرفت عليه في "السيدة زينب" وصحبته برهة من الزمن كان له أثره الجيد في نفسي وفي التعرف على واقع الشيعة أكثر.
بدا لي شاباً من عامة الشيعة، لكنه ابن عالم شيعي هاجر من العراق إلى إيران منذ أكثر من خمس عشرة سنة، فنشأ وترعرع في إيران ثم قدم إلى سوريا مع أبيه ليعمل في احدى مكتبات "السيدة زينب" (1).
أبديت له إعجابي بصراحته ووضوحه، فهو شخص لم تستخفه الطائفية المقيتة التي ابتلي بها أكثر الناس اليوم، فلم يكذبني القول في حديثه بل كان صريحاً معي للغاية بخلاف غيره ممن التقيت بهم من الشيعة.
قلت له: اعلم قبل كل شيء أنه من السهل عليّ أن أكون متحاملاً على الشيعة فأكتفي بكتب خصومهم وأحكم عليكم بالضلال وأُغلق باب النقاش منذ البداية كما يفعل ذلك كثير من الناس، لكني ناشد حق، يبحث عن ضالته بين ركام من التهم والأباطيل.
فرحّب بي وقال لي: أنا مستعد لكل ما تريده.--------------------------------------------
(1) في زيارتي الأخيرة لسوريا سنة 2006م لم أجد ذاك الشاب ولا تلك المكتبة التي كانت معروفة آنذاك باسم "مكتبة السيدة رقية" ويبدو أنها بيعت واستبدلت باسم آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)