Arabic source text

📘 আশ-শিরকু ফিল কাদীমি ওয়াল হাদীস (আবু বকর মুহাম্মদ যাকারিয়া)

📘 الشرك في القديم والحديث (أبو بكر محمد زكريا)

📘 আশ-শিরকু ফিল কাদীমি ওয়াল হাদীস (আবু বকর মুহাম্মদ যাকারিয়া)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
معنى الآية: النهي عن اتخاذ الأنداد مع الله بأي وجه من الوجوه، وقد نقل عن السلف في تفسير الآية مثل هذا القول، فمثلاً:
1 - قال ابن عباس: الأنداد: الأشباه، والند: الشبه، يقال: فلان ند فلان، ونديده: أي مثله وشبهه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: ما شاء الله وشئت: ((أجعلتني لله ندًا))، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند.
2 - قال ابن مسعود: الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، فهذا المعنى بمعنى الشرك بالله باتباعهم الناس في معصية الله جل وعلا، فقد بين القرآن ذلك فقال: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ).
قال الطبري: فإن اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا).
وقال الطبري: قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ((يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك)) فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أرباباً من دون الله). قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ )). قلت: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم)). ففي هذا القول أيضاً: إثبات كون الشرك هو اتخاذ الند، فإن من أثبت حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره ـ سبحانه ـ فقد أثبت له الند.
3 - قال عكرمة: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً) (أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، لولا كلبنا صاحٍ في الدار، ونحو ذلك، فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندًا وعدلاً في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي، فإنكم تعلمون: أن كل نعمة عليكم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

مني).
4 - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. فمعنى الأنداد على هذا المعنى هي الآلهة، والآلهة عند الكفار بمعنى الشفعاء لهم عند الله، وقد سماهم الله عز وجل شركاء، فقال ـ في الرد على اتخاذهم آلهة ـ: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ).
5 - قال مجاهد: الأنداد: العدلاء.
والعدلاء هنا أيضًا بمعنى الشركاء لله في عبادته، قال الله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يشركون، ويقال: من مساواة الشيء بالشيء: عدلت هذا بهذا، إذا ساويته به عدلاً.
قال الطبري: يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره.
6 - قال الطبري: الأنداد جمع ند، والند: العدل، والمثل.
والمقصود: أن اتخاذ الشبيه والكفؤ لله يسمى شركًا بالله، ولهذا أخبر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

سبحانه وتعالى أنه لم يكن له كفؤ ولا شبيه ولا نظير، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، قال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ). قال أبو العالية في معنى الآية: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، أي كيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه، وهو الواحد الأحد، لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه ولا عديل.
هكذا بيَّن الله في كتابه حقيقة الشرك بالله بيانًا واضحًا، وهو: اتخاذ الند مع الله، وكل ما ذكر في معاني الند من الكفؤ، والشبيه، والمثل، والعدل، والآلهة، كلها معاني متقاربة تدل على معنى الشرك بالله، والتي تدل صراحة أن الشرك في الحقيقة: اتخاذ الند بمعنى الشبيه لله عز وجل كما سيأتي.
كما أن هذا المعنى هو المستفاد من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي فيها بيان حقيقة الشرك، والدليل عليه:
1 - ما روى الشيخان عن ابن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)) … الحديث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

2 - ما رواه مسلم أيضاً عنه: قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: ((أن تدعو لله ندًا وهو خلقك)) … الحديث ـ وفي آخره ـ فأنزل الله عز وجل تصديقها: (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما).
3 - وروى الشيخان عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: ـ ثلاثاً ـ الإشراك بالله … )) الحديث.
ففي هذا الحديث ذكر أكبر الكبائر بأنه الشرك، فهو بمثابة التفسير للند المذكور في الحديثين السابقين.
وبهذا يحصل لنا حقيقة الشرك بلسان الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث فسر اتخاذ الند بالشرك، بأن الشرك أكبر المعاصي وأكبر الكبائر، وهو أن تجعل لله ندًا ومثلاً وشبيهًا وعديلاً في العبادة وكفؤًا في الطاعة، فمن جعل لله ندًا وشبيهًا فقد أشرك.
وأيضاً اتضح لنا من خلال ما ذكرنا: أن الشرك إنما هو اتخاذ الند والشبيه لله من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية، فمن صرف شيئًا من هذه الخصائص لغيره فهو مشرك، فأصل الشرك وحقيقته إنما هو في التشبيه والتشبه.
قال ابن القيم: (حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، … ). فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
فإن من خصائص الإلهية:
1 - التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، ومن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات.
2 - ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثيل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
3 - ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبه به في خالص حقه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

4 - ومن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، وهكذا:
5 - التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
6 - والتوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
7 - والحلف باسمه تعظيمًا وإجلالاً له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.
8 - والذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به.
9 - وحلق الرأس (تعبدًا … )، إلى غير ذلك.
كل هذا في جانب التشبيه.
وأما في جانب التشبه به: (تشبه المخلوق بالخالق) فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفاً ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه الله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابًا يوم القيامة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) وذلك لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ !
وفي الصحيحين عنه صىلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة))، فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر.
والمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته، مثلاً:
1 - العظمة والكبرياء، ولهذا جاء في الصحيح أنه عليه السلام قال: ((يقول الله عزوجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته)).
2 - وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه، وقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أخنع الأسماء عند الله رجل يُسمى بشاهنشاه ـ أي ملك الملوك ـ لا ملك إلا الله))، وفي لفظ: ((أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فإنه سبحانه ملك الملوك وحده، لا غيره.
(وبالجملة: فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما، يقربه ذلك إليه تعالى، فإنه يخطئ لكونه شبهه به، وأخذ ما لا بنيغي أن يكون إلا له، فالشرك منعه سبحانه وتعالى حقه، فهذا قبيح عقلاً وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله).
فعلمنا من هذا البيان الطويل أن حقيقة الشرك في الدين بنصوص القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة: اتخاذ الند والشبيه والمثل والعديل مع الله سبحانه، وذلك إما:
باتخاذ الند في الربوبية بالتعطيل أو بالأنداد والتمثيل، أو باتخاذ الند في العبادة.
فهذا مجمل البيان في أنواع الشرك في ضوء نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
مفهوم ضال في معرفة حقيقة الشرك:
لقد تغير هذا المفهوم عند بعض المتكلمين، والمتصوفة، فإنه لما كان التوحيد عندهم أمر اعتقادي بحت، فإن الشرك في الإرادة (إرادة غير الله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

بالعبادة أو بطلب النفع أو دفع الضرر) إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم.
فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب ليس شركًا عندهم بمجرد طلب غير اله ما لا يقدر عليه إلا الله ـ مثلاً ـ بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب منه وقدرته على الاختراع (الذي هو حقيقة الألوهية عندهم).
وهكذا: صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته ـ عندهم ـ إلا إذا تضمن استحقاق العبادة لمن صرفت له.
ولهذا يقولون في تعريف الشرك:
1 - (الذي يقدح في التوحيد هو اعتقاد التأثير لغير الله، أو اعتقاد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله، وأما مجرد النداء من غير اعتقاد شيء من ذلك فلا ضرر فيه).
2 - (الشرك والعبادة لا يتحققان إلا باعتقاد الربوبية لغيره تعالى، والاستقلال بالنفع والضر والإيجاد والخلق ونفوذ المشيئة لا محالة، والتأثيرات بالذات دون الحاجة إلى الغير، فليس من المسلمين الموحدين المستغيثين بالصالحين شرك، وهم برآء من الشرك).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

3 - (الذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد الألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله، ولا تأثير أحد سوى الله).
وعلى هذا: فكل من انتسب إلى الإسلام لا يتصور ـ عندهم ـ وقوع الشرك منه، فالشرك ينحصر عندهم في الأمور التالية:
1 - أن يشرك في الربوبية والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة ونحوها، أو:
ب- اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لا محالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجته إلى الله تعالى، أو:
ج - إذا صاحب الشرك اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله.
ولهذا قال بعضهم: (المستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى أو راجع إليه، وذلك مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات، فإن الله خالق كل شيء).
وقال آخر: (وأنت إذا نظرت إلى كل فرد من المسلمين ـ عامتهم وخاصتهم ـ لا تجد في نفس أحد منهم غير مجرد التقرب إلى الله لقضاء حاجتهم الدنيوية والأخروية بالاستغاثات، مع علمهم بأن الله هو الفعال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة وحده لا شريك له).
الرد: تعريفهم لحقيقة الشرك بما ذكر، باطل عقلاً ونقلاً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

وقد سبق بيان حقيقة الشرك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية مما فيه كفاية، ولنا عود ـ إن شاء الله ـ إلى هذا الموضوع في الباب الرابع عند بيان شبهات القبورية وردها.
بقي أن أقول: إن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هنا: أنه لم يقع في تاريخ البشرية الشرك باعتقاد استقلال أحد غير الله بالخلق والإيجاد، إلا ما يذكر عن الفلاسفة الذين يرون: أن الموجودات قد وجدت بطريق السببية الضرورية الحتمية من ذات الموجودات لا من خلق الله وتدبيره، الذي ليس له عندهم أي علاقة بالعالم لا علمًا ولا إرادة ولا قدرة.
أما الشرك الذي وقع فيه الجماهير من الناس قديمًا وحديثًا فهو شرك الطلب من غير الله تعالى ما لا يطلب إلا من الله، لا على سبيل أن من يطلب منه العطاء والرزق مالك له على سبيل الاستقلال والخلق، بل على سبيل أن من يطلب منه ذلك قريب من الله جاهًا ومنزلة، وأنه لذلك يعطي من يشاء ما يشاء بمجرد إرادته هو.
وهكذا لم يقع عن أحد من المشركين قديمًا ـ الذين أرسل إليهم الرسل ـ اعتقاد أن غير اله يستحق العبادة لذاته، وذلك: أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية؛ لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله.
ولهذا ذكر الله عن المشركين أنهم يعتقدون أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو في العبادة، والآيات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

الدالة على هذا المعنى كثيرة، من أبرزها قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، وقوله تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)).
فكما أن اعتقاد كون الله متفردًا بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله لا يكفي لتحقيق التوحيد بل لابد من إرادة الله وحده بالقصد والعمل، فكذلك ليس الشرك محصورًا في الاعتقاد، بل هو شامل للشرك في الإرادة المستلزمة للعمل، بل إن الشرك في الإرادة هو حقيقة الشرك الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجل إخراج الناس منه إلى توحيده وعبادته وحده، فالعبادة ليست مجرد اعتقاد.
وغالب ما يكون من الذبح وتقريب القرابين والنذور لغير الله، فالغاية منه استجلاب الخير واستدفاع الضر عمن عبد بذلك.
وهذا الشرك مع أنه استعاثة بغير الله تعالى ففيه عبادة غير الله بالتقرب والنسك الذي لا ينبغي صرفه إلا لله وحده، فهو ضلال وشرك في الطلب والعبادة معًا، ولهذا ترى أن الله عز وجل نفى أن ينفع المعبودون عابديهم، بل نفى الضر أيضًا، وأن ذلك كله لله وحده، لا يملكه سواه، فلا يطلب غيره ولا يعبد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

غيره.
وبهذا يتبين: أن شرك العبادة ليس شركًا اعتقاديًا يستلزم أن يكون المعبود عند من عبده مستحقًا للعبادة من دون الله، وإنما شرك في إرادة غير الله بالعبادة، ولو كان من تحقق منه ذلك معتقداً أن الله هو الذي يستحق العبادة، وإنما يصرفها لغيره على جهة التوسط إلى الله لكان بذلك مشركًا به، سواءً كان ذلك التوسط بالشفاعة عنده في قبول العبادة، أو في قبول الشفاعة مطلقًا، أو رجاء نفع المعبود مع اعتقاد أنه ليس له التدبير والتصريف، وأن ذلك كله لله، لكن لجاه المعبود في ذلك ـ بحسب ظن المشرك ـ صرف له العبادة التي هي حق الله الخالص.
فعلى هذا: (كما يكون الشرك بالاعتقاد، كذلك يكون بالإرادة والعمل، ولا فرق). فلا يحتاج إلى اشتراط مصاحبة اعتقاد الألوهية أو استحقاق العبودية لمن يعبده لكونه شركًا.
الآثار المترتبة على الخطأ في معرفة حقيقة الشرك عند المتأخرين:
لقد نتج عن سوء فهمهم لحقيقة الشرك مفاسد عظيمة، منها:
1 - كل ما لا يؤدي إلى الشرك في الربوبية، والخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، وكل ما لا يؤدي إلى اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة، وكل ما لا يصاحبه اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله لا يكون شركًا ـ عندهم ـ ولو كان سجودًا أو استغاثة أو نذرًا أو ذبحًا، أو غيرها.
2 - محاولة تغيير بعض الحقائق الشرعية لما رأوا أنها تسمى شركًا في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

النصوص، فمنها: قولهم في تبرير اشتراط تاثير الله بالاستقلال، لما رأوا النصوص الشرعية تخالفهم في ذلك ـ بل وصفت النصوص اعتقاد التأثير لغير الله بدون الاستقلال بالنفع والضر أيضًا بالشرك ـ قالوا: إن المشركين لم يكونوا صادقين في قولهم: إن الله هو الخالق وهو مدبر الأمر! ! ، ولم يكونوا جادين في أنهم يعبدون غير الله من أجل التقرب والشفاعة، لا على جهة استحقاق العبادة من دون الله.
ومنها قولهم: إذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم، فإذا قال العامي من المسلمين: نفعني النبي أو الصحابي أو الولي، فإنما يريد الإسناد المجازي، والقرينة عليه أنه مسلم.
ومنها: أنهم لما قالوا في التوحيد بأنه مجرد اعتقاد تفرد الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن الإله هو القادر على الاختراع، وبالتالي: إن مجرد الطلب، والتقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون شركًا لذاته ـ عندهم ـ ما لم يتضمن شرك الاعتقاد، عارضتهم النصوص التي فيها إطلاق الشرك على الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، وإطلاق الشرك أيضًا على عبادة غير الله، قالوا في الجواب عن هذا الإشكال: إن لنا فيه تخريجين:
الأول: أن ذلك مقيد بالشرك في الاعتقاد، لا بمجرد الإرادة والعمل.
الثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي التي لا يخرج

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

فاعلها عن الملة.
ومنهم قولهم: إن الاستغاثة بغير الله هو التوسل به، وجعلهما مترادفين، والاستدلال بجواز أحدهما في بعض الصور على جواز الآخر من غير تفريق.
ومنها: قولهم: إن الدعاء الوارد في الآيات (التي فيها ذكر الشرك بالدعاء) إنما هو عبادة لا طلب ومسألة، وفرق بين العبادة والمسألة.
ومنها: جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وقد تمت الإجابة عليه فيما سبق.
ومنها: عدم التفريق بين توحيد الربوبية والألوهية، نتيجة عدم التفريق بين الرب والإله.
ومنها: اتهامهم أهل السنة بإنزال الآية التي نزلت في الكفار على المسلمين.
وستأتي الردود على هذه الأقوال مفصلة في الباب الرابع ـ إن شاء الله ـ عند ذكر شبهات القبوريين وردها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

أنواع الشرك
تنوعت عبارات أهل العلم في بيان أنواع الشرك، ولكنها لا تخرج عن المدلول الشرعي للشرك الذي سبق معنا، فمن عباراتهم في بيان أنواع الشرك ما يلي:
أ- أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر.
ب- ويقول بعضهم: إنه على ثلاثة أقسام: أكبر، وأصغر، وخفي.
ج- والبعض يقسمه حسب أجزاء التوحيد الثلاثة.
د- وبعضهم يقسمه إلى نوعين: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، ويدخل الشرك في الأسماء والصفات ضمن النوع الأول.
هذه الأقوال ليست متباينة، بل بعضها يوافق بعضًا، فمن قسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر، نظر إلى حقيقة الشرك وأحكامه من حيث خروجه من الإسلام وعدم خروجه. والذي قسم الشرك إلى ثلاثة أنواع: الأكبر والأصغر والخفي، فإنه لم يخالف القول السابق؛ لأنه إنما أراد إظهار أهمية الشرك الخفي، وإلا فالشرك الخفي داخل تحت النوعين السابقين، فإن الشرك الخفي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

بعضه من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وبعضه من الشرك الأصغر الذي هو أكبر من المعاصي (الكبائر) ولكنها لا تخرج من الملة، وإنما أراد من أبرزها كنوع ثالث بيان خفائها على كثير من الناس وكثرة وقوعها، كما سيأتي بيانه فيما بعد.
أما الذي قسمه حسب أنواع التوحيد الثلاثة والذي قسمه إلى نوعي الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فليس بينهما إلا إجمال وتفصيل.
فهذه الأقوال صحيحة وشاملة. وهناك أقوال أخرى للعلماء في بيان أنواع الشرك، وهي غير شاملة، منها:
هـ - أن أقسام الشرك أربعة:
الأول: شرك الاحتياز: وهو أن يكون غير الله مالكًا لشيء يستقل به، ولو كان في الحقارة مثقال ذرة.
الثاني: شرك الشياع: أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه، كيفما كان هذا النصيب في المكان والمكانة.
الثالث: شرك الإعانة: وهو أن يكون له ظهير ومعين من غير أن يملك معه، كما يعين أحدنا مالك متاع على حمله مثلاً.
الرابع: شرك الشفاعة: وهو أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه، ليخلص أحدًا بشفاعته.
ويبدو ممن قال بهذا القول: أنه قسم الشرك حسب متعلقه وحسب باعث الناس على الشرك، وهذه الأنواع كلها داخلة تحت الشرك الأكبر، وهذه من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

أفراده، وكان قد أخذه من قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)
و- وقال بعضهم: إنه على ستة أنواع:
1 - شرك الاستقلال: وهو إثبات شريكين مستقلين، كشرك المجوس.
2 - شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهه كشرك النصارى.
3 - شرك التقريب: وهو عبادة غير الله إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.
4 - شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعًا للغير، كشرك متأخري الجاهلية.
5 - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة، والطبائعيين، ومن تبعهم في ذلك.
6 - شرك الأغراض: وهو العمل لغير الله.
يلاحظ أن أقسام الشرك التي ذكرها هي مجرد صور للأعمال الشركية التي تقع في بعض المجتمعات الإسلامية لعموم الجهل، وهناك صور أخرى للشرك لم يتعرض لها، ولا يمكن حصر جميع الصور بهذه الطريقة.
ز- وهناك تقسيم للإمام ابن القيم رحمه الله ذكره في كتابه: ((الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي))، يمكن أن يوصف بأنه أكثر دقة في استقصاء أنواع الشرك؛ حيث قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ـ سبحانه ـ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله). ثم بدأ الإمام في بيان التفريعات فيهما.
التقسيم المختار:
ولعل التقسيم الذي يجمع بين هذه التقسيمات هو أن يقال:
الشرك على نوعين: أكبر، وأصغر.
أما الأكبر:
فهو أن يتخذ شريكًا أو ندًا مع الله ـ تعالى ـ في ذاته أو في أسمائه وصفاته، أو أن يعدل بالله ـ تعالى ـ مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده.
أو يقال: هو أن يجعل الإنسان لله ندًا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
وهو من حيث تعلقه بالتوحيد ينقسم قسمين:
القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله (الشرك في الربوبية والأسماء والصفات).
تعريف الشرك في الربوبية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)