الذي أحس به من ذلك معنى يتجمجم في الصدر لا أحسن تفسيره ولا أملك تعليله. وما زالت النفس بعد هذا وذاك نزاعة إلى درس تلك الخصائص والمزايا التي استأثر القرآن بها عن سائر الكلام، وكان فيها سر إعجازه اللغوي. فهل من سبيل إلى عوض شيء من ذلك علينا لتطمئن به قلوبنا، ونزداد إيمانًا إلى إيماننا؟
نقول: أما الآن فقد والله طلبت منا جسيمًا، وكلفتنا مرامًا بعيدًا لمثله انتدب العلماء والأدباء من قبلنا وفي عصرنا، فحفيت من دونه أقلامهم، ولم يزيدوا إلا أن ضربوا له الأمثال، واعترفوا بأن ما خفي عليهم منه أكثر مما فطنوا له، وأن الذي وصفوه مما أدركوه أقل مما ضاقت به عباراتهم، ولم تقف به إشاراتهم.
ونحن، وقد أفضت إلينا النوبة من بعدهم، هل تحسب أننا سنسلك سبيلًا غير سبيلهم فنزعم أننا في هذه العجالة سنبرز لك سر الإعجاز جملة؟ كلا، ولا استقراء ما كشفه الناس من جوانبه، كلا، ولا استقصاء ما نحسه نحن من تلك الجوانب. وإنما نريد أن نصور لك بعض تلك الخصائص التي تلاقينا من كتاب الله كلما سمعناه أو تلوناه وتدبرناه. لعلك واجد في القليل منها ما لا تجده في الكثير مما يعده الناس، كأن زادك الناس من ذلك أنواعًا رجونا أن نزيدك من النوع الواحد إقناعًا وانتفاعًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
نظرتان في القشرة السطحية للفظ القرآن:
أول ما يفجؤك:
أول ما يلاقيك ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
1 - الجمال التوقيعي في توزيع حركاته وسكناته، ومداته وغُنَّاته:
دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلًا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه. ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، واتصالاتها وسكتاتها، ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية، وقد جردت تجريدًا وأرسلت ساذجة في الهواء. فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جرد هذا التجريد، وجود هذا التجويد.
ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنعام الموسيقى ولا بأوزان الشعر، وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر. ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا، وشطرًا شطرًا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهبًا متقاربًا. فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد. بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل(1) على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب--------------------------------------------
(1) هل أنت بحاجة إلى معرفة مسميات هذه الألقاب؟ الحرف المتحرك يتلوه حرف ساكن يقال لهما: "سبب خفيف". والحرفان المتحركان يتلوهما ساكن "وتد مجموع" والحرفان المتحركان لا يتلوهما ساكن "سبب ثقيل" والحرفان المتحركان يتوسطهما ساكن "وتد مفروق" وثلاثة أحرف متحركة يعقبها ساكن "فاصل صغير" وأربعة أحرف متحركة يعقبها ساكن "فاصل كبير".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم. بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب. فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟
وترى الناس قد يتساءلون: لماذا كانت العرب إذا اختصمت في القرآن قارنت بينه وبين الشعر نفيًا وإثباتًا، ولم تعرض لسائر كلامها من الخطابة وغيرها؟
وأنت، فهل تبينت ها هنا الجواب، وهديت إلى السر الذي فطنت له العرب، ولم يفطن له المستعربون؟
إن أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس به آنًا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى، وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حد الإسراف في الاستهواء، ثم إلى حد الإملال في التكرير. فإنها ما كانت تعهده قط ولا كان يتهيأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء منه المرسل والمسجوع؛ بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغض من سلاسة تركيبه، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلا بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه.
لا عجب إذًا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن في خيال العرب أنه شعر؛ لأنها وجدت في توقيعه هزة لا تجد شيئًا منها إلا في الشعر. ولا عجب أن ترجع إلى أنفسها، فتقول: ما هو بشعر؛ لأنه -كما قال الوليد(1) - ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده. ثم لا عجب أن تجعل مرد هذه الحيرة أخيرًا إلى أنه ضرب من السحر؛ لأنه جمع بين طرفي الإطلاق والتقييد في حد وسط، فكان له من النثر جلاله وروعته، ومن الشعر جماله ومتعته.--------------------------------------------
(1) تقدمت كلمة الوليد في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
2 - الجمال التنسيقي في رصف حروفه وتأليفها من مجموعات مؤتلفة مختلفة:
فإذا ما اقتربت بأذنك قليلًا قليلًا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة، فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها؛ هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يخمس ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفَس، وآخر يحتبس عنده النفس. وهلم جرا، فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة(1) لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة، ولا تناكر ولا تنافر. وهكذا ترى كلامًا ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيها الأمر تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض. فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلالتهما، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل، عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم.
ومن هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني. وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف مما تحويه من اللآلئ النفيسة، فإنه جلت قدرته قد أجرى سنته في نظام هذا العالم أن يغشي جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة وجمال، ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها بتنافس المتنافسين فيها وحرصهم عليها. انظر كيف جعل باعثة الغذاء ورابطة المحبة قوامًا لبقاء الإنسان فردًا وجماعة. فكذلك لما سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم قضت حكمته أن يختار لها صوانًا يحببها إلى الناس بعذوبته، ويغريهم عليها بطلاوته، ويكون بمنزلة "الحداء" يستحث النفوس على السير إليها. ويهون عليها وعثاء السفر في طلب كمالها. لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك--------------------------------------------
(1) من وقف على صفات الحروف ومخارجها ازداد بهذا المعنى علمًا. وإن شئت فارجع إلى ما كتبه الأديب الرافعي عن هذه الناحية في كتابه الموسوم "إعجاز القرآن" فقد أطال نفسه فيها وأجاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
القالب العذب الجميل. ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدًا في أفواه الناس وآذانهم ما دامت فيهم حاسة تذوق وحاسة تسمع، وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سره، وينفذون بها إلى بعيد غوره {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1).
هل عرفت أن نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزة وغرابة؟ وهل عرفت أن هذا الجمال كان قوة إلهية حفظ بها القرآن من الفقد والضياع؟
فاعرف الآن أن هذه الغرابة كانت قوة أخرى قامت بها حجة القرآن في التحدي والإعجاز، واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدلين، وأن ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كف أيديهم عنه، بل كان أجدر أن يغريهم به. ذلك أن الناس -كما يقول الباقلاني(2): إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلة. وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضًا فيما يستجيدونه من الأساليب، وربما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكتاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض. وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة، ومسالك معبدة، تؤخذ بالتعلم، وتراض الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهو شرع في استحسان طريقته، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته؟
ما ذاك إلا أن فيه منعة طبيعية كفت ولا تزال تكف أيديهم عنه، ولا ريب أن أول ما تلاقيك هذه المناعة فيما صورناه لك من غريب تأليفه في نيته، وما اتخذه في رصف--------------------------------------------
(1) سورة الحجر: الآية 9.
(2) في كتابه "إعجاز القرآن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
حروفه وكلماته، وجمله وآياته، من نظام له سمت وحده، وطابع خاص به، خرج فيه عن هيئة كل نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه. فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يجاذونه به، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه، وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين، لأفسد بذلك مزاجه في فهم كل قارئ ولجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع، وإذًا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغلٌ دخيلٌ، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(1).--------------------------------------------
(1) سورة فصلت: الآية 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
خصائص القرآن البيانية:
نظرات في لب البيان القرآني وخصائصه التي امتاز بها عن سائر الكلام:
فإذا أنت لم يلهك جمال العطاء عما تحته من الكنز الدفين، ولم تحجبك بهجة الأستار عما وراءها من السر المصون، بل فَليتَ القشرة عن لبها، وكشفت الصدفة عن درها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي، تجلى لك ما هو أبهى وأبهر، ولقيك منه ما هو أروع وأبدع.
لا نريد أن نحدثك ها هنا عن معاني القرآن وما حوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر، فإن لهذا الحديث موضعًا يجيء -إن شاء الله تعالى- في بحث "الإعجاز العلمي" وحديثنا كما ترى لا يزال في شأن "الإعجاز اللغوي" وإنما اللغة ألفاظ.
بيد أن هذه الألفاظ ينظر فيها تارة من حيث هي أبنية صوتية مادتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات من غير نظر إلى دلالتها. وهذه الناحية قد مضى لنا القول فيها آنفًا، وتارة من حيث هي أداءة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلم إلى نفس المخاطب بها، وهذه هي الناحية التي سنعالجها الآن، ولا شك أنها هي أعظم الناحيتين أثرًا في الإعجاز اللغوي الذي نحن بصدده؛ إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان؛ أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام.
أما النظر في المعاني القرآنية من جهة ما فيها من العلوم العجيبة فتلك خطوة أخرى ونظرة خارجة عن البحث اللغوي جملة؛ إذ الفضيلة البيانية إنما تعتمد دقة التصوير وإجادة التعبير عن المعنى كما هو، سواء عندها أن يكون ذلك المعنى من جنس ما تناوله عقول الناس أو لا يكون، بل سواء عندها أن يكون ذلك المعنى من جنس ما تتناوله عقول الناس أو لا يكون، بل سواء عندها أن يكون ذلك المعنى حقيقة أو خيالًا؛ وأن يكون هدى أو ضلالًا(1)؛ عكس الفضيلة العلمية، فإنها عائدة إلى المعنى في نفسه على أي صورة أخرجته، وبأي لغة عبرت عنه.
نعم، قد تتفاوت اللغات في الوفاء بحثق المعنى، فيكون التعبير الجيد مما يزيد في قيمته--------------------------------------------
(1) ولذلك كانت حكايات القرآن لأقوال المبطلين لا تقصر في بلاغتها عن سائر كلامه؛ لأنها تصف ما في أنفسهم على أتم وجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
العلمية، لكن النظر ها هنا في قيمة البيان لا في قيمة المبين فلا تعجل علينا بتلك النظرة العلمية حتى نفرغ من هذه النظرة اللغوية.
والآن فلنبدأ وصفنا لبعض خصائص القرآن البيانية، ولنرتبها على أربع مراتب:
1 - القرآن في قطعة قطعة(1) منه.
2 - القرآن في سورة سورة منه.
3 - القرآن فيما بين بعض السور وبعض.
4 - القرآن في جملته.--------------------------------------------
(1) نريد منها ما يؤدي معنًى تامًّا، كالذي يؤدى عادة في بضع آيات. وقد يؤدى في آية طويلة، أو سورة قصيرة. وهو الحد الأدنى الذي تنزل إليه التحدي أخيرًا إذ قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} ولم يقل بسورة من طواله أو أوساطه، بل أطلق إطلاقًا، فتناول ذلك سور المفصل الذي كان قد نزل أكثره بمكة -قبل أن ينزل هذا التحدي الأخير- حتى سورة العصر والكوثر.
وبعض الناس -كذا نقله الألوسي في مقدمة كتابه روح المعاني عن قائل مجهول- يذهب إلى أن التحدي لم يقع بمطلق سورة، بل بسورة "تبلغ مبلغًا يتبين فيه رتب ذوي البلاغة" كأنه رأى أن هذه الرتب لا تتبين في مقدار ثلاث آيات مثلًا. وهذا وإن لم يكن قادحًا في إعجاز القرآن، ولا مبطلًا لحجته "إذ يكفي ثبوت إعجازه، ولو في قدر سورة البقرة، أو سورة يونس، أو سورة هود، أو سورة الإسراء، أو سورة الطور. وهي السور التي ورد فيها ذكر التحدي" إلا أننا نحسب أن صاحب هذا القول حين ذهب إليه إنما ظن ظنًّا لم يستيقنه، واستبعد استبعادًا أن تكون هذه السور القصار معجزة في بيانها؛ لأنه لم يدرك غرابة في نظمها، فلم يفقه سر هذا الإعجاز فيها. ولكن هلا جعل ذلك حجة على قلة بضاعته في هذه الصناعة، ولم يجعل جهله بقيمتها حجة على عدم إعجازه.
فالنجم تستصغر الأبصار رؤيته … والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
وهلا فكر أن العرب الذين قامت الحجة بعجزهم قد استوت قدرتهم أمام طواله وقصاره فلم يعارضوا هذه ولا تلك، فهذا وحده حاسم لشبهته إن كان يكفيه البرهان، فإذا أراد العيان قيل له: اعمد إلى واحدة من تلك السور فحصل معانيها في نفسك، ثم جئ لها بكلام من عندك، فسوف ترى أنك بين أمرين: إما ألا تؤديها على وجهها في مثل هذا القدر وبمثل هذا النظم، وإما أن تعيد عين ألفاظها. لا ثالث. وحينذاك تبين أن سر الإعجاز في القصير من سور القرآن مثله في الطويل، كما أن سر الإعجاز في خلق النملة مثله في خلق الفيل. عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله. قال ابن عطية رحمه الله: "ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع، لقصورنا عن رتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة. وقد قامت الحجة على العالم بالعرب، لانتهائهم إلى غاية الفصحاة البشرية" اهـ. عن الاتقان؛ نقول: ومن سار على الدرب وصل، فإن لم يدرك كل ما تمنى دله ما علم على ما جهل. والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
1 - "القرآن في قطعة قطعة منه":
أسلوب القرآن هو ملتقى نهايات الفضيلة البيانية على تباعد ما بين أطرافها:
لسنا ندري والله ماذا نقول لك في أسلوب معجز في وصفه، كما هو معجز في نفسه؟ غير أننا نقول كلمة هي جملة القول فيه، وهي أنه "تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها على تباعد ما بين أطرفها".
هذه كلمة تحتاج تفسيرًا طويلًا يمتلئ به الصدر ولا ينطلق به اللسان، وكل ما سنحاوله أن نفسر لك جانبًا منها بقدر الطاقة، غير أننا قبل أن نحدثك في هذا الجانب عن القرآن سنحدثك عن كلام الناس حديثًا يفهمه كل من عالج صنعة البيان بنفسه، لتعرف من وجوه النقص ها هنا وجوه الكمال هناك، ومن أبواب العجز ها هنا أسباب الإعجاز هناك:
"أ-ب":
"القصد في اللفظ" و"الوفاء بحق المعنى":
نهايتان كل من حاول أن يجمع بينهما وقف منهما موقف الزوج بين ضرتين لا يستطيع أن يعدل بينهما دون ميل ما إلى إحداهما:
فالذي يعمد إلى ادخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلًا أو كثيرًا، ذلك أنه إما أن يؤدي لك مراده جملة لا تفصيلًا، فيكون سبيله سبيل من يقول في باب المحاجة: "صدقوا، أو كذبوا" وفي باب الوصف "حسن، أو قبيح" وفي باب الإخبار: "كان أو لم يكن" وفي باب الطلب: "افعل، أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
لا تفعل" لا زائد على ذلك. وإما أن يذهب فيه إلى شيء من التفصيل، ولكنه إذ يأخذه الحذر من الإكثار والإسراف يبذل جهده في ضم أطرافه وحذف ما استطاع من أدوات التمهيد والتشويق، ووسائل التقريب والتثبيت، وما إلى ذلك مما تمس إليه حاجة النفس في البيان، حتى يخرجه ثوبًا متقلصًا يقصر عن غايته، أو هيكلًا من العظم لا يكسوه لحم ولا عصب، ورب حرف واحد ينقص من الكلام يذهب بمائه ورونقه، ويكشف شمس فصاحته، ورب اختصار يطوي الكلام طيًّا يزهق روحه ويعمي طريقه؛ ويرد إيجازه عِيًّا وإلغازًا.
والذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره؛ وإبراز كل دقائقه "بقدر ما يحيط به علمه وما يؤديه إليه إلهامه" لا يجد له بدًّا من أن يمد في نفسه مدًّا؛ لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره، ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة. فإذا أعطى نفسه حظها من ذلك لا يلبث أن يباعد ما بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته، فتحس بقوة نشاطك وباعته إقبالك آخذتين في التضاؤل والاضمحلال.
عامة من نعرفهم من الفصحاء -قدامى ومحدثين- يؤتون من هذا الجانب غالبًا، أعني جانب الإملال والإسراف، لا جانب الإخلال والإجحاف. وأكثرهم تجمع بهم شهوة البيان إلى أبعد من هذا الحد، فمنهم من يذهب إلى التكليف والتفصح باستعمال الغريب من المفردات والتراكيب، فيكلفك أن تبدي وتعيد وتقبل وتدبر حتى تهتدي إلى وجه مراده، وهكذا لا يزداد كلامه بالبسط إلا ضيقًا عن الفهم. ومنهم من يُلقي حول المعنى ركامًا من الحشو والفضول ينوء بحمله، أو يلبسه ثوبًا فضفاضًا من المترادف والمتقارب يتعثر في أذياله. يحسب أنه يوفي لك المعنى ويحدده، وفي الحق إنما ينشره ويبدده. ولعل أمثل هؤلاء طريقة من لو حذفت شطر كلامه لأغناك عنه ثاني شطريه.
ذلك على أن البلغاء مهما أوجفوا من ركابهم، ومهما أجلبوا بخيلهم ورجلهم لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
يبلغ الواحد منهم بعمله غاية أمله، وإنما يصل كما قلنا إلى كمال نسبي "بقدر ما يحيط به علمه، وما يؤديه إليه إلهامه في الحال" أما الوفاء بالمعنى حق وفائه بحيث لا يخطئه عنصر منه ولا حلية من حلاه ولا يتضاف إليه عرض غريب عنه يعد رقعة في ثوبه، ولا ينقلب فيه وضع من أوضاعه يغض من حسن تقويمه، وبحيث لا سبيل فيه إلى نقض أو اقتراح جديد؛ فذلك أمر لا يستطيع أن ينتحله رجل اكتوى بنار البيان، فضلًا عن أن ينحله لإنسان غيره.
وآية ذلك أنك تراه حين تعقب كلام نفسه في الفَيْنَة بعد الفينة يجد فيه زائدًا يمحوه، وناقصًا يثبته؛ ويجد فيه ما يهذب ويبدل، وما يقدم أو يؤخر، حتى يسلك سبيله إلى النفس سويًّا. ولعله لو رجع إليه سبعين(1) مرة لكان له في كل مرة نظرة. وكلما كان أنفذ بصرًا وأدق حسًّا، كان أقل من ذلك قناعة وأبعد همًّا؛ إذ يرى وراء جهده غاية هي المثل الأعلى الذي يطمح إليه ولا يطاوعه، والكمال البياني الذي يتعلق به خياله ولا يناله {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}(2).
هذا حظ الكلام البليغ عند قائله، فما ظنك بناقديه ومنافسيه؟
هذا؛ وهو يعمد إلى غاية واحدة، فكيف لو عمد معها إلى الغاية الأخرى، وحاول أن يضع هذه الثروة المعنوية في لفظ قاصد؟ وأنى يكون له ذلك وهو سجين هذه الفطرة الإنسانية التي لا تقرب به من أحد طرفي الطريق إلا بمقدار ما تبعد به عن الطرف الآخر؟
ولئن ظفرت بأحد وُفِّق لتقريب تيك الغايتين إلى حد ما في جملة أو جملتين، فتربص به كيف يكون أمره بعد ذلك. وانظر كيف يدركه الكلام والإعياء وفترة الطبع--------------------------------------------
(1) كما يروى عن زهير في تهذيب قصائده التي كان يسميها "الحوليات".
(2) سورة الرعد: الآية 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
الإنساني فينحل من عقدة كلامه ما كان وثيقًا، ويذبل من زهرته ما كان غضًّا طريًّا، ثم لا يعود إلى قوته إلا في الشيء بعد الشيء، كما تصادف في التراب قطعة من التبر ها هنا وقطعة هنالك. فنقول: هذا نفيس جيد، وهذا أنفس وأجود، وهذا هو واسطة العقد وبيت القصيد.
سل العلماء بنقد الشعر والكلام: "هل رأيتم قصيدة أو رسالة كلها أو جلها معنى ناصعًا، ولفظًا جامعًا، ونظمًا رائعًا"، لقد أجمعت كلمتهم على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة، من قصائد معدودة، وكان لهم من وراء ذلك المتوسط والرديء، والغث والمستكره، وكذلك قالوا في الكتاب والخطباء، والأمر فيهم أبين.
فإن سرك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع، فانظر حيث شئت من القرآن، تجد بيانًا قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير، يؤدي لك من كل معنى صورة نقية وافية: "نقية" لا يشوبها شيء مما هو غريب عنها، "وافية" لا يشذ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية، كل ذك في أوجز لفظ وأنقاه. ففي كل جملة منه جهاز من أجهزة المعنى، وفي كل كلمة منه عضو من أعضائه، وفي كل حرف منه جزء بقدره، وفي أوضاع كلماته من جمله، وأوضاع جمله من آياته سر الحياة الذي ينتظم المعنى بأدائه.
وبالجملة ترى -كما يقول الباقلاني: "محاسن متوالية(1)، وبدائع تترا".--------------------------------------------
(1) أصل الكلمة "تتوالى" هذا في كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، ولكننا نقلناها بالمعنى، ولم ننقلها قصدًا لإصلاح خطأ مشهور بين المبتدئين، إذ يظنون كلمة "تترا" فعلًا مضارعًا، وإنما هي اسم منصوب أصله وترا، أي متتابعا، ولا يخفى أن جعل القرينة الأولى فعلًا مضارعًا من شأنه أن يقرر هذا الوهم في نفس الطالب؛ فآثرنا تعديلها على هذا الوجه مع التنبيه على ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدًّا، ثم أحصِ عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجًا(1) عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأية كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟ فكتاب الله تعالى -كما يقول ابن عطية: "لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب لفظة أحسن منها لم توجد"(2) بل هو كما وصفه الله {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}(3).
"ج-د":
"خطاب العامة" و"خطاب الخاصة":
وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياه بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوًى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك -إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال، فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم. فهو--------------------------------------------
(1) وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان -لما أشربه من روح الوحي- أوجز وأفصح كلام تكلم به الناس، لا يبلغ في وجازته واكتنازه وامتلائه بتلك الثروة المعنوية معشار ما تجده من ذلك في القرآن الكريم.
(2) عن الإتقان.
(3) أول سورة هود "11"، وأنت فأنعم النظر في هذه الآية الكريمة تجدها قد جمعت كل ما بسطناه في هذا الفصل بكلمتي "الإحكام" و"التفصيل" وأي إحكام وتفصيل؟ إحكام من "حكيم" متقن لا خلل في صناعته، وتفصيل من "خبير" عالم بدقائق الأمور وتفاصيلها على ما هي عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}(1).
"هـ-و":
"إقناع العقل" و"إمتاع العاطفة":
وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها. فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معًا.
فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟
لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوًّا في جانب، وقصورًا في جانب. "فأما" الحكماء فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاءً لعقلك. ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك. فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبو عن الطباع. "وأما" الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيًّا أو رشدًا؛ وأن يكون حقيقة أو تخيلًا. فتراهم جادين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويُطربون وإن كانوا لا يَطربون {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي--------------------------------------------
(1) سورة القمر: الآية 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}(1).
وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير. وكل امرئ حين يحس ويشعر فإنما هو شاعر صغير، فسل علماء النفس: "هل رأيتم أحدًا تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟ ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فهل ترونها تعمل في النفس دفعة ونسبة واحدة؟ " يجيبوك بلسان واحدة: "كلا، بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال، وكلما تسلطت واحدة منهن اضمحلت الأخرى وكاد ينمحي أثرها. فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره، وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصدًا واحدًا، وإلا لكانت مقبلة مدبرة معًا. وصدق الله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}(2).
فكيف تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطلبتين على سواء، وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء؟ وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من بين تلك الأحوال.
هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعًا لها حين قال أو كتب: "فإذا" رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية قلت: هذا ثمرة الفكرة. "وإذا" رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذتها أو ألمها، قلت: هذا ثمرة العاطفة. "وإذا" رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر فتفرغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه.
وأما أن أسلوبًا واحدًا يتجه اتجاهًا واحدًا ويجمع في يديك هذين الطرفين معًا، كما--------------------------------------------
(1) سورة الشعراء: الآية 224 وما بعدها.
(2) سورة الأحزاب: الآية 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقًا وأزهارًا وأثمارًا معًا، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.
فمن لك إذًا بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟
ذلك الله رب العالمين، فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معًا يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت؛ ألا تراه في فسحة قصه وأخباره(1) لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
أوَ لا تراه في معمعة براهينه(2) وأحكامه(3) لا ينشى حظ القلب من تشويق--------------------------------------------
(1) اقرأ مثلًا سورة القصص وسورة يوسف عليه السلام.
(2) اقرأ مثلًا قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنبياء: 22] وانظر كيف اجتمع الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة. بل الدليل نفسه جامع بين عمق المقدمات اليقينية ووضوح المقدمات المسلمة ودقة التصوير لما يعقب التنازع من "الفساد" الرهيب. فهو برهاني خطابي عاطفي معًا. هل تجد مثل هذا في كتاب من كتب الحكمة النظرية؟
(3) اقرأ مثلًا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة البقرة: 178] وانظر الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله: {أَخِيهِ} وقوله: {بِالْمَعْرُوفِ} وقوله: {بِإِحْسَانٍ}، والامتنان في قوله: {تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} والتهديد في ختام الآية. ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار، ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحدًا حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضداد المتنافرة ولخرج بثوب بيانه رقعًا ممزعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(1) {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}(2).
"ز-ح":
"البيان" و"الإجمال":
وهذه عجيبة أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه. ذلك أن الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع لتأويل. وإذا أجملوها ذهبوا إلا الإبهام أو الإلباس. أو إلى اللغو الذي لا يفيد. ولا يكاد يجتمع لهم هذان الطرفان في كلام واحد.
وتقرأ القطعة من القرآن فنجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة والإحكام والخلو من كل غريب عن الغرض ما يتسابق به مغزاها إلى نفسها دون كد خاطر ولا استعادة حديث. كأنك لا تسمع كلامًا ولغات بل ترى صورًا وحقائق ماثلة. وهكذا يخيل إليك أنك قد أحطت به خُبرًا ووقفت على معناه محدودًا؛ هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة، وكذلك .. حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة(3) وجوهًا عدة. كلها صحيح أو محتمل--------------------------------------------
(1) سورة الزمرة: الآية 23.
(2) سورة الطارق: الآية 13، 14.
(3) هذا مثل صغير: اقرأ قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة البقرة: الآية 312]. وانظر هل ترى كلامًا أبين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة. فإنك لو قلت في معناها: إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه، ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت. ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد، أصبت. ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر، ولا يحتسب، أصبت. ولو قلت: إنه يرزق بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت، ولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت. فعلى الأول يكون الكلام تقريرًا لقاعدة الأرزاق في الدنيا وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقًا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
للصحة، كأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى منها أكثر مما رأيت. وهكذا نجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يسر له؛ بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تحده عقول الأفراد ولا الأجيال.
ألم تر كيف وسع الفرق الإسلامية على اختلاف منازعها في الأصول والفروع؟ وكيف وسع الآراء العلمية على اختلاف وسائلها في القديم والحديث؟ وهو على لينه للعقول والأفهام صلب متين. ولا يتناقض ولا يتبدل. يحتج به كل فريق لرأيه، ويدعيه لنفسه، وهو في سموه فوق الجميع يطل على معاركهم حوله، وكأن لسان حاله يقول لهؤلاء وهؤلاء: {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا}(1).
دقة التعبير القرآني:
ها نحن أولاء قد عرضنا لك جانبًا منتلك العجائب البيانية التي لا تنال مثلها أيدي الناس. وها قد أعطيناك في حاشية كل منها نموذجًا صغيرًا، يفتح لك الباب إلى احتذائه في سائر القرآن. فهل ترى في هذا وفاءً بما وعدناك، وبما عودناك، من التقفية على آثار التفصيل بشيء من التطبيق والتمثيل؟ أم لا تزال بحاجة إلى المزيد من هذه الأمثلة؟!--------------------------------------------
=المغرورين من المترفين. وعلى الثاني يكون تنبيهًا على سعة خزائنه وبسطة يده جل شأنه. وعلى الثالث يكون تلويحًا للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسرًا وفقرهم غنى من حيث لا يظنون. وعلى الرابع والخامس يكون وعدًا للصالحين إما بدخولهم الجنة بغير حساب. وإما بمضاعفة أجورهم أضعافًا كثيرة لا يحصرها العد. ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العاجب.
(1) سورة الإسراء: الآية 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
سنزيدك. وسنوجه نظرك بنوع خاص إلى دقة التعبير القرآني ومتانة نظمه. وعجيب تصرفه، حتى يؤدي لك المعنى الوافر الثري، في اللفظ القاصد النقي، إذ كانت هذه الخاصة الأولى -من الخواص التي ذكرناها- أحوج إلى التوقيف والإرشاد.
ولا تحسبن أننا سنضرب لك الأمثال بتلك الآيات الكريمة التي وقع اختيار الناس عليها وتواصفوا الإعجاب بها. كقوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ … } الآية(1)، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}(2) وأشباههما. بل نريد أن نجيئك بمثال من عُروض القرآن في معنى لا يأبه له الناس ولا يقع اختيارهم على مثله عادة. ليكون دليلًا على ما وراءه.
تطبيق على آية كريمة:
يقول الله تعالى في ذكر حِجَاج اليهود: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}(3).
هذه قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل. والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلي:
1 - مقالة ينصح بها الناصح لليهود، إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.
2 - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين.
3 - الرد على هذا الجواب بركنيه، من عدة وجوه.
وأقسمُ لو أن محاميًا بليغًا وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن في هذه القضية، ثم--------------------------------------------
(1) سورة هود: الآية 44. اقرأ إن شئت ما كتبه السكاكي عن هذه الآية في كتابه "مفتاح العلوم" بعد تعريف البلاغة والفصاحة في آخر علم البيان.
(2) سورة البقرة: الآية 179. اقرأ ما كتبه عنها المفسرون وما كتبه صاحب "الإتقان" في بحث الإيجاز والإطناب.
(3) سورة البقرة: الآية 91 والآيتان بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
هُدي إلى استنباط هذه المعاني التي تختلج في نفس الداعي والمدعو لما وسعه في أدائها أضعاف هذه الكلمات. ولعله بعد ذلك لا يفي بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق.
قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة؛ ألستم قد آمنتم بالتوراة التي جاء بها موسى لأنها أنزلها الله؛ فالقرآن الذي جاء به محمد أنزله الله، فآمنوا به كما آمنتم بها.
فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته، فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد.
ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل: آمنوا بما أنزل الله "على محمد" مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. أتدري لم ذلك؟ … لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائدًا وفي نظر الحكمة الإرشادية مفسدًا. أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام، فأدير الأمر على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل. وأما الثاني فلأن إلقاء هذا الاسم على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإصلاح.
ذلك إلى ما في هذا الحذف من الإشارة إلى طابع الإسلام، وهو أنه ليس دين تفريق وخصومة، بل هو جامع ما فرّقه الناس من الأديان، داع إلى الإيمان بالكتب كلها على سواء: بما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم. لا نفرق بين شيء من كتبه، كما لا نفرق بين أحد من رسله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)