مراده. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تغلب روى عنه أيضا الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البر وغيرهما.
والحاصل أن حديث طاوس ثابت في صحيح مسلم بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح، نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته. ووجهه أن توفر الدواعي يلزم منه النقل تواترا والاشتهار؛ فإن لم يشتهر دل على أنه لم يقع، لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقررة في الأصول، أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر:
• وخبر الآحاد في السني *
حيث دواعي نقله تواترا … نرى لها لو قاله تقررا
وجزم بها غير واحد من الأصوليين.
وقال صاحب "جمع الجوامع" عاطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: "والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة" اهـ. منه بلفظه. ومراده أن مما يجزم بعدم صحته الخبر المنقول آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله.
وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ. محل الغرض منه بلفظه. وفي المسألة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمون في زمن أبي بكر وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمسلمون من بعده، متوفرة توفرا لا يمكن إنكاره لأن يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر، فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين:
أحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج. وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى" فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ونوى التأكيد فواحدة، وأن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث. واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لكل امرىء ما نوى".
والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادا، مع توفر الدواعي إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني.
وقال القرطبي في "المفهم" في الكلام على حديث طاوس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
المذكور: وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه. اهـ. منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه، وهو قوي جدا بحسب المقرر في الأصول كما ترى.
الجواب السادس: عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتة كما قدمنا في حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضا.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه: وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب، الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث؟ لاشتهار التسوية. فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة واحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم اهـ من فتح الباري بلفظه. وله وجه من النظر كما لا يخفى، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه لم نطل به الكلام؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل، فإنه لا يمكن من جهة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
العقل، وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحد منها اعتبرت إجماعا، وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعا.
الجواب السابع: هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاووس المذكور ليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك فأقره، والدليل إنما هو فيما علم به وأقره، لا فيما لم يعلم به.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه - صلى الله عليه وسلم - وأقره.
الجواب الثامن: أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصة؛ لأنه إن قال لها: أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال: ثلاثا لم يصادف لفظ الثلاث محلا؛ لوقوع البينونة قبلها. وحجة هذا القول أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. قال في مراقي السعود:
وحمل مطلق على ذاك وجب … إن فيهما اتحد حكم والسبب
وما ذكره الأبي رحمه الله من الإطلاق والتقييد إنما هو في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود بأنه لا دليل عليه، وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما.
وما ذكره الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا. نعم لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال إبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، كون الكلام واردا جوابا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال، فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق. وأشار إليه في مراقي السعود في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب … للسؤل أو جرى على الذي غلب
ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.
وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
عن غير واحد، عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته. ولذا قال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين، عن طاووس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل. انتهى منه بلفظه. وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاووس فيها.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد بعد أن ساق لفظ هذه الرواية ما نصه: وهذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد. انتهى محل الغرض منه بلفظه. فانظره مع ما تقدم. هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسألة مع ما فيها من النصوص الشرعية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد.
الثاني: أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد، فإن ذلك منسوخ، ولم يشتهر العلم بنسخه بين الصحابة إلا في زمان عمر، كما وقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
نظيره في نكاح المتعة.
أما الشافعي فقد نقل عنه البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: فإن كان معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلاف.
قال الشيخ: رواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.
قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي الله عنهم، قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر رضي الله عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلاف ما قال: انتهى. محل الغرض منه بلفظه. ومعناه واضح في أن الحق دائر بين الأمرين المذكورين؛ لأن قوله: فإن كان معنى قول ابن عباس الخ يدل على أن غير ذلك محتمل، وعلى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - على جعلها واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخا، ونحن نقول: إن الظاهر لنا دوران الحق بين الأمرين. كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: إما أن يكون معنى حديث طاووس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
واحد، كأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث دخولا لا يمكن نفيه، ولاسيما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي جزم العلامة ابن القيم رحمه الله بأن إسنادها أصح أسناد، فإن لفظها أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى؛ كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم. فإن هذه الرواية بلفظ "طلقها ثلاثا"، وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح. فقد قال في زاد المعاد ما نصه: وأما استدلالكم بحديث عائشة أن رجلا طلق ثلاثا فتزوجت، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق العسيلة فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا، إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. انتهى منه بلفظه.
وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم، ويؤيده أن البيهقي في السنن الكبرى قال ما نصه: وذهب أبو يحيى الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. كانت واحدة، فغلظ عليهم عمر رضي الله عنه فجعلها ثلاثا. قال الشيخ: ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل. اهـ. منه بلفظه.
ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم رحمه الله بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة، وهي واضحة جدا فيما ذكرنا، ويؤيده أيضا أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدل على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في محل النزاع، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة؛ لأنها تأكيد للصيغة الأولى، ففي السنن الكبرى للبيهقي ما نصه: قال الشيخ: ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثا تترى، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعا، وإذا كانت تترى فليس بشيء. قال سفيان الثوري: فترى يعني أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تبين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة عن ابن عباس ما دل على ذلك. انتهى منه بلفظه.
فهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاووس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة كما جزم به الإمام النسائي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
-رحمه الله وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج، وأبو يحيى الساجي، وذكره البيهقي عن الشعبي عن ابن عباس، وعن عكرمة عن ابن عباس، وتؤيده رواية أيوب التي صححها ابن القيم كما ذكره البيهقي وأوضحناه آنفا مع أنه لا يوجد دليل يعين كون الثلاث المذكورة في حديث طاووس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل، لأن روايات حديث طاووس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ واحد، لصدق كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرقة كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البر والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا يمكن إنكاره، ونقول: الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لما علم من كثرة قصد التأسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قصد التأكيد هو الأغلب كما قدمنا، وتغيُّر معنى اللفظ لتغير قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا الوجه واتجاهه وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى. وبالجملة فلفظ رواية أيوب -التي أخرجها أبو داود، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: إنها بأصح إسناد- مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيحين، الذي فيه التصريح من النبي - صلى الله عليه وسلم -: بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول. وبه تعرف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقة في أوقات متباينة، وجعلها في حديث طاووس بلفظ واحد تفريق لا وجه له، مع اتحاد لفظ المتن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقا في المعنى بين رواية أيوب وغيرهما من روايات حديث طاووس.
ونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة، وحديث طاووس أنها مجتمعة، أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة، فلا حجة لكم أصلا في حديث طاووس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد. أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقة، وفي حديث طاووس مجتمعة فلا وجه له، ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقا بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة، لا متفرقة.
وأما على كون معنى حديث طاووس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ، كما جزم به أبو داود رحمه الله، وجزم به ابن حجر في فتح الباري، وهو قول الشافعي كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء.
وقد رأيت النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة، أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث ولو متفرقة، لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة، متفرقة كانت، أو لا، وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع.
وادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلما روى عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر قال: فنهانا عنها عمر. وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى؛ لأن كل واحدة منهما، روى فيها مسلم في صحيحه عن صحابي جليل أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، ثم غير حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وخلق من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أنهم تركوا ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمدا غير لائق، ومعلوم أنه باطل بلا شك.
وقد حكى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة.
والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي، مع أن بعض العلماء ذكر الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقد قدمنا كلام أبي بكر بن العربي القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
عمر إنما أوقع عليها الثلاث مجتمعة عقوبة لهم، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمون في زمان أبي بكر رضي الله عنه فالظاهر عدم نهوضه؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجا أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة، ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية، ويقول {ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)} ويقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} والمروي عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير الشرعي المعروف، كالضرب، أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيرات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له، وإباحته لمن حرمه عليه؛ لأنه إن أكره على إبانتها وهي غير بائن في نفس الأمر لا تحل لغيره؛ لأن زوجها لم يبنها عن طيب نفس، وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في نفس الأمر، ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه فإن فيه: "فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئا، فكأنما أقطع له قطعة من نار" ويشير له قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} لأنه يفهم منه أنه لو لم يتركها اختيارا لقضائه وطره منها ما حلت لغيره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء -أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا -فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث؛ للإجماع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.
ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم اهـ منه بلفظه.
وحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات:
الأولى: من جهة دلالة النص القولي، أو الفعلي الصريح.
الثانية: من جهة صناعة علم الحديث، والأصول.
الثالثة: من جهة أقوال أهل العلم فيها، أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة، وأتباعهم وجل الصحابة، وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم.
وأما من جهة نص صريح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو فعله فلم يثبت من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ البتة، وأن النبي حلفه ما أراد إلا واحدة، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى. وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني، وشعيب بن زريق الشامي، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيبا المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطىء.
وأما حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في الصحيح من أنه قال: "وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك" ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، ويعتضد بالحديث المذكور قبله؛ لتحليفه ركانة، وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية: "فأنفذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" يعني الثلاث المجتمعة، وببقية الأحاديث المتقدمة.
وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلا، وأن بعضها يشد بعضا، فيصلح المجموع للاحتجاج، ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، كحديث ركانة المتقدم، وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المروى باللفظ الصريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة؛ لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة، وأخرى آية تصرح بعدم لزومها.
وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)} قالوا معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعيا، فلا يندم.
وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى الآية، وهو واضح جدا، فاتضح أنه ليس في كتاب الله، ولا في صريح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث.
أما من جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين.
وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاووس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح، وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج، وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاووس عن ابن عباس على محل النزاع.
فإن قيل: أنتم تارة تقولون: إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون: ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
فالجواب أن معنى كلامنا: أن الطلقات في حديث طاووس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ. هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة. والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
• قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} لم يبين في هذه الآية، ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة، كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه؛ ليختار حقلا صالحا لزراعته، وذلك في قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} كما تقدم إيضاحه.
• قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)} صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع إذا خافا إلا يقيما حدود الله فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع، أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ.
وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
إليها بالجماع، وذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)}. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة، وذلك في قوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)}. وأشار إلى ذلك بقوله: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}.
تنبيه: أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا؛ لأن الله تعالى قال: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ثم ذكر الخلع بقوله: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}، فلم يعتبره طلاقا ثالثا، ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الآية.
وبهذا قال عكرمة، وطاووس، وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم، وإحدى الروايتين عن أحمد.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي، لما تقدم مرفوعا إليه - صلى الله عليه وسلم - من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وهو مرسل حسن.
قال في فتح الباري: والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
صحيح. قال: "إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها، فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا".
وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا إنما كرره، ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الأية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الآية. لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج، فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وعثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة، أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية، قاله ابن كثير.
ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق: ما رواه مالك عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.
قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر. قاله ابن كثير، والعلم عند الله تعالى.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله، وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سيء الحفظ، وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى أعلم.
فروع
الأول: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق، وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله:
"صيغه كل أو الجميع … وقد تلا الذي التي الفروع"
وهذا هو مذهب الجمهور. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: وقد اختلف العلماء رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها.
فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)