يمنع انخساف العين، وذهاب العضو المستطاب؛ ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن، والعتق لا يمنع فيه إلَّا ما يضر بالعمل ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك وزفر: لا يجزئ؛ لأنهما عضوان فيهما الدية، فأشبها اليدين.
ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل الضرر البين، فلم يمنع كنقص السمع، بخلاف اليدين، ويجزئ مقطوع الأنف لذلك، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإِشارة، والأخرس إذا فهمت إشارته وفهم الإِشارة، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ؛ لأن منفعة الجنس ذاهبة، فأشبه زائل العقل. وهذا المنصوص عليه عن أحمد؛ لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيرًا من الأحكام مثل القضاء والشهادة. وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله، وإن اجتمع الخرس والصمم. فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض الشافعية لاجتماع النقصين فيه، وذهاب منفعتي الجنس، ووجه الإِجزاء أن الإِشارة تقوم مقام الكلام في الإِفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام، فيجزئ؛ لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره.
وأما المريض فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة، وإن كان غير مرجو الزوال لم يجز.
وأما نضو الخلق - يعني النحيف المهزول خلقة - فإن كان يتمكن من العمل أجزأ وإلَّا فلا. ويجزئ الأحمق وهو الذي يصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ صوابًا. وكذلك يجزئ من يخنق في
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 607)
بعض الأحيان. والخصي والمجبوب، والرتقاء والكبير الذي قدر على العمل، لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه، وتكميل أحكامه، فيحصل الإِجزاء به، كالسالم من العيوب. انتهى من المغني مع حذف يسير لا يضر بالمعنى.
ثم قال صاحب المغني: ويجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده، إذا قلنا بصحة عتقهم، وعتق المدبر والخصي وولد الزنا؛ لكمال العتق فيهم. ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه منافعه، ولا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره؛ لأنه لا تعلم حياته، فلا تعلم صحة عتقه، وإن لم ينقطع خبره أجزأه عتقه؛ لأنه عتق صحيح.
ولا يجزئ عتق الحمل؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ولا يتيقن أيضًا وجوده وحياته، ولا عتق أم الولد؛ لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة والملك فيها غير كامل، ولهذا لم يجز بيعها.
وقال طاووس والبتي: يجزئ عتقها؛ لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى من كتابته شيئًا. انتهى كلام صاحب المغني، وقد ذكر فيه غالب ما في مذاهب الأئمة الأربعة في المسألة.
ومعلوم أن مذهب مالك رحمه الله: اشتراط الإِيمان في رقبة الظهار، واشتراط سلامتها من العيوب المضرة، فلا يجوز عنده عتق جنين في بطن أمه، وإن وضعته عتق من غير إجزاء عن الكفارة.
ولا يجزئ عنده مقطوع اليد الواحدة، أو الأصبعين، أو الأصابع، أو الإبهام، أو الأذنين، أو أشل، أو أجذم، أو أبرص،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 608)
أو أصم، أو مجنون وإن أفاق أحيانًا، ولا أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج، ولا يابس الشق، ولا غائب منقطع خبره، ولا المريض مرضًا يشرف به على الموت، ولا الهرم هرمًا شديدًا، ولا الأعرج عرجًا شديدًا، ولا رقيق مشترى بشرط العتق؛ لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه، ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإِجزاء، وعدمه.
ولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركًا له في عبد، ثم قوم عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده؛ لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه الآخر فأعتقه تكميلًا لرقبة الظهار لم يجزه على ظاهر المدونة؛ لتبعيض العتق إن كان معسرًا وقت عتق النصف الأول؛ ولأن عتق النصف الباقي يلزمه بالحكم إن كان موسرًا وقت عتق النصف الأول. ولو أعتق ثلاث رقاب من أربع زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء؛ لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة منهن.
ويجزئ عند المالكية عتق المعضوب والمريض مرضًا خفيفًا، والأعرج عرجًا خفيفًا، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة، أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا. انتهى.
ومعلوم أن أبا حنيفة لا يشترط الإِيمان في كفارة الظهار كما تقدم، ولم يجزئ عنده الأعمى، ولا مقطوع اليدين معًا، أو الرجلين معًا، ولا مقطوع إبهامي اليدين، ولا الأخرس، ولا المجنون، ولا أم
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 609)
الولد، ولا المدبر، ولا المكاتب إن أدى شيئًا من كتابته، فإن لم يؤد منها شيئًا أجزأ عنده، وكذلك يجزئ عنده قريبه الذي يعتق عليه بالملك إن نوى بشرائه إعتاقه عن الكفارة، وكذلك لو أعتق نصف عبده عن الكفارة، ثم حرر باقيه عنها أجزأه ذلك، ويجزئ عنده الأصم والأعور، ومقطوع إحدى الرجلين وإحدى اليدين من خلاف، ويجزئ عنده الخصي، والمجبوب، ومقطوع الأذنين. اهـ.
وقد قدمنا أكثر العيوب المانعة من الإِجزاء، وغير المانعة عند الشافعي في كلام صاحب المغني ناقلًا عنه، وكذلك ما يمنع وما لا يمنع عند أحمد فاكتفينا بذلك خشية كثرة الإِطالة.
الفرع الثالث: أعلم أنه قد دل الكتاب والسنَّة والإِجماع على أن الصوم لا يجزئ في الظهار إلَّا عند العجز عن تحرير الرقبة، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى الصوم، وقد صرح تعالى بأنه صيام شهرين متتابعين، ولا خلاف في ذلك.
الفرع الرابع: اختلف العلماء في تحقيق مناط العجز عن الرقبة الموجب للانتقال إلى الصوم، وقد أجمعوا على أنه إن قدر على عتق رقبة فاضلة عن حاجته أنه يجب عليه العتق، ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم، وإن كانت له رقبة يحتاج إليها؛ لكونه زمنًا أو هرمًا أو مريضًا، أو نحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى عجزه عن خدمة نفسه. قال بعضهم: وكونه ممن لا يخدم نفسه عادة، فقال بعضهم: لا يلزمه الإِعتاق، ويجوز له الانتقال إلى الصوم؛ نظرًا لحاجته إلى الرقبة الموجودة عنده.
قال في المغني: وبهذا قال الشافعي؛ أي وأحمد.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 610)
وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: متى وجد رقبة لزمه إعتاقها، ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، سواء كان محتاجًا إليها أولم يكن؛ لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام ألا يجد رقبة بقوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} وهذا واجد، وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه كوجدانها. ولنا أن ما استغرقته حاجة الإِنسان، فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى الصيام، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. انتهى محل الغرض منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: أن الرقبة إن كان يحتاج إليها حاجة قوية، ككونه زمنًا أو هرمًا لا يستغني عن خدمتها، أو كان عنده مال يمكن شراء الرقبة منه، لكنه محتاج إليه في معيشته الضرورية أنه يجوز له الانتقال إلى الصوم، وتعتبر الرقبة كالمعدومة، وأن المدار في ذلك على ما يمنعه استحقاق الزكاة من اليسار. فإن كانت الرقبة فاضلة عن ذلك لزم إعتاقها، وإلَّا فلا. والأدلة العامة المقتضية عدم الحرج في الدين تدل على ذلك كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: إن كان المظاهر حين وجوب الكفارة غنيًا إلَّا أن ماله غائب. فالأظهر عندي أنه إن كان مرجو الحضور قريبًا لم يجز الانتقال إلى الصوم؛ لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيدًا جاز الانتقال إلى الصوم؛ لأن المسيس حرام عليه قبل التكفير، ومنعه من التمتع بزوجته زمنًا طويلًا فيه إضرار بكلِّ من الزوجين، وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار" خلافًا لبعض أهل العلم في ذلك.
الفرع السادس: إن كان عنده مال يشتري به الرقبة، ولكنه
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 611)
لم يجد رقبة يشتريها فله الانتقال إلى الصيام، لدخوله في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} الآية، وهذا واضح، وأما إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن مثلها، ولم يجد رقبة بثمن مثلها، فلأهل العلم في ذلك خلاف، هل يلزمه شراؤها بأكثر من ثمن المثل أو لا يلزمه؟ وأظهر أقوالهم في ذلك عندي: هو أن الزيادة المذكورة على ثمن المثل إن كانت تجحف بماله، حتى يصير بها من مصارف الزكاة، فله الانتقال إلى الصوم. وإلَّا فلا، والعلم عند الله تعالى.
الفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعه؛ أي: موالاة صيام أيامه من غير فصل بينها. ولا خلاف بينهم في أن من قطع تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يفتقر لنية؛ لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه كالمتابعة بين ركعات الصلاة.
والثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة؛ لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطًا وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين.
والثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها؛ لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعًا عبادة واحدة؛ لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة، وهو شهران متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك، ومذهب أحمد عدم
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 612)
الاحتياج إلى نية التتابع مطلقًا، وللشافعية وجهان أحدهما: كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة.
الفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد.
قال في المغني: وروى ذلك عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاووس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإِفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك، ولا ينقطع حكم التتابع؛ لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك واللَّه جلَّ وعلا يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ويقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذ أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" وإن كان يمكنه التحرز عن الإِفطار الذي قطع به التتابع كالإِفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان؛ لأن شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشريق، فإن التتابع
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 613)
ينقطع بذلك؛ لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر؛ لقدرته على تأخير السفر من الصوم كعكسه، ولقدرته أيضًا على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان، ولا العيدان، ولا أيام التشريق كما لا يخفى. وإذا قطع التتابع بإفطار هو قادر على التحرز عنه بما ذكر، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر؛ لقوله تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وقد ترك التتابع مع قدرته عليه، هذا هو الأظهر عندنا. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
الأظهر: أنه إن وجب على النساء صوم يجب تتابعه لسبب اقتضى ذلك أن حكمهم في ذلك كما ذكرنا، فيعذرن في كل ما لا قدرة لهن على التحرز عنه كالحيض، والمرض دون غيره، كالإِفطار للسفر والنفاس؛ لأن النفاس يمكن التحرز عنه بالصوم قبله أو بعده، أما الحيض فلا يمكن التحرز عنه في صوم شهرين، أو شهر؛ لأن المرأة تحيض عادة في كل شهر. واللَّه تعالى أعلم.
الفرع التاسع: في حكم ما لو جامع المظاهر منها أو غيرها ليلًا في أثناء صيام شهري الكفارة، وفي هذا الفرع تفصيل لأهل العلم.
أعلم أنه إن جامع في نهار صوم الكفارة عمدًا انقطع تتابع صومه إجماعًا، ولزمه استئناف الشهرين من جديد، وسواء في ذلك كانت الموطوءة هي المظاهر منها، أو غيرها. وهذا لا نزاع فيه. وكذلك لو أكل أو شرب عمدًا في نهار الصوم المذكور.
وأما إن كان جماعه ليلًا في زمن صوم الكفارة، فإن كانت المرأة التي جامعها زوجة أخرى غير المظاهر منها، فإن ذلك لا يقطع
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 614)
التتابع؛ لأن وطء غير المظاهر منها ليلًا زمن الصوم مباح له شرعًا، ولا يخل بتتابع الصوم في أيام الشهرين كما ترى، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه.
وقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه.
وأما إن كان التي وطئها ليلًا زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك، ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما.
وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت بهما على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ نهارًا، ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار، فاستوى فيه الليل والنهار، كالاعتكاف.
وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق وإن وطء ليلًا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائمًا، والإتيان بالصوم قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بنى أو استأنف. انتهى محل
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 615)
الغرض من كلام صاحب المغني. وممن قال بهذا القول: أبو يوسف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي، لأن الصوم فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع؛ لأن الله تعالى قال: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعًا كما ترى، وكون صومهما متتابعين قبل المسيس واجب بقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل. ومما يوضحه ما ذكرنا آنفًا في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: من قبل أن يتماسا بطلانه. والعلم عند الله تعالى.
الفرع العاشر: أعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ناسيًا. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع، أو لا يعذر به، ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع التتابع بوطئه ناسيًا، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عند أحمد. ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان. وقال بعضهم: يعذر بالنسيان، ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسيًا، وهو قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسيًا فأشبه ما لو أكل ناسيًا. اهـ.
وهذا القول له وجه قوي من النظر؛ لأن الله تعالى يقول:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 616)
{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} الآية. وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح مسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال الله تعالى: نعم. قد فعلت".
الفرع الحادي عشر: إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهارًا لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع؛ لأن أصل الإِفطار لسبب غيره. وإن كانت الموطوءة نهارًا هي المظاهر منها جرى على حكم وطئها ليلًا. وقد تكلمنا عليه قريبًا. قال ذلك صاحب المغني. ووجهه ظاهر. وقال أيضًا: وإن لمس المظاهر منها، أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع؛ لإِخلاله بموالاة الصيام، وإلَّا فلا يقطع واللَّه تعالى أعلم. اهـ ووجهه ظاهر أيضًا.
الفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكينًا، وقد نص الله تعالى ذلك بقوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا}.
ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم، وشدة الشبق، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع الصبر عنه. ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 617)
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الآيات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يعتق رقبة يعني زوجها أوسًا قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين؟ قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا" الحديث. ومحل الشاهد منه أنها لما قالت له: إنه شيخ كبير أقتنع صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عذر في الانتقال عن الصوم إلى الإِطعام، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنه. والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج.
وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقًا في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار. الحديث. وفيه قال: "فصم شهرين متتابعين، قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل أصابني ما أصابني إلَّا في الصوم. قال: فتصدق" ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: ثم شهرين أخبره أن جماعة في زمن الظهار إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع؛ لأنه ظاهر من امرأته خوفًا من أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في زمن الظهار، فاقتنع صلى الله عليه وسلم بعذره، وأباح له الانتقال إلى الإِطعام. وهذا ظاهر.
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفًا: وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما.
الفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 618)
لا يجزئ في الإِطعام أقل من إطعام ستين مسكينًا، وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب أحمد خلافًا لأبي حنيفة القائل بأنه هو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولًا بالمد، والمعنى فإطعام ستين مدًا، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يومًا.
وإنما قلنا: إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر؛ لأن قوله تعالى: مسكينًا تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح. ولا يخفى أن نفع ستين مسكينًا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يومًا، لفضل الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإِطعام، فيكون ذلك أقرب إلى الإِجابة من دعاء واحد. وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبًا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى. وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه الإِطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإِطعام، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى: مسكينًا، وبذلك يتحقق أن الإِطعام في الآية واقع على نفس العدد الذي هو ستون، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى. وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 619)
أصولهم كما يسمونه التأويل البعيد، والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله:
فجعل مسكين بمعنى المد … عليه لائح سمات البعد
الفرع الرابع عشر: في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من الطعام: أعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين من البر الذي هو القمح مدًا وثلثي مد، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر والشعير لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر. قال خليل المالكي في مختصره في إطعام كفارة الظهار: لكل مد وثلثان برًا، وإن اقتاتوا تمرًا أو مخرجًا في الفطر فعدله. انتهى محل الغرض منه.
وقال شارحه المواق: ابن يونس: ينبغي أن يكون الشبع مدين، إلَّا ثلثًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي عيار مد هشام، فمن أخرج به أجزأه، قاله مالك. قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمرًا أو شعيرًا أطعم منه المظاهر عدل مد هشام من البر. انتهى محل الغرض منه. ومذهب أبي حنيفة: أنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا كاملًا من تمر أو شعير. ومذهب الشافعي: أنه يعطي كل مسكين مدًا مطلًا. ومعلوم: أن المد النبوي ربع الصاع. قال في المغني: وقال أبو هريرة: ويطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال عطاء، والأوزاعي، والشافعي. اهـ. ومذهب أحمد: أنه يعطى كل مسكين مدًا من بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير. اهـ.
وإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ابن قدامة في المغني في أدلتهم، وأقوالهم، قال: وجملة الأمر أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 620)
ونصف صاع من تمر أو شعير، وممن قال: مد بر زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإِمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء، وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدًا من حنطة بالمد الأصغر مد النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو هريرة: يطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال الأوزاعي، وعطاء، والشافعي؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء، عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه - يعني المظاهر - خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا.
وروى الأثرم بإسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا فقال: "خذه وتصدق به" وإذا ثبت في المجامع في رمضان بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه؛ ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج، كالفطرة وفدية الأذى. وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع، وممن قال: مدان من قمح: مجاهد، وعكرمة والشعبي، والنخعي؛ لأنها كفارة تشتمل على صيام، وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع، كفدية الأذى. وقال الثوري وأصحاب الرأي: من القمح مدان، ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر رضي الله عنه: "فأطعم وسقا من تمر" رواه الإِمام أحمد في المسند، وأبو داود وغيرهما.
وروى الخلال بإسناده عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر" وفي رواية أبي داود: والعرق ستون صاعًا. وروى ابن ماجة بإسناده
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 621)
عن ابن عباس قال: "كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر، وأمر الناس من لم يجد فنصف صاع من بر".
وروى الأثرم بإسناده عن عمر رضي الله عنه قال: أطعم عني صاعًا من تمر، أو شعير أو نصف صاع من بر. ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر.
ولنا ما روى الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال. جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر: "أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر" وهذا نص. ويدل على أنه مدّ بر أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا.
ويدل على أنه نصف صاع من التمر والشعير ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخولة امرأة أوس بن الصامت: "اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين مسكينًا".
وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنى سأعينه بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك".
وروى أبو داود بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: العرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعًا، فعرقان يكونان ثلاثين صاعًا،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 622)
لكل مسكين نصف صاع؛ ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير، كفدية الأذى.
فأما رواية أبي داود: أن العرق ستون صاعًا فقد ضعفها، وقال: غيرها أصح منها. وفي الحديث ما يدل على الضعف؛ لأن ذلك في سياق قوله: إني سأعينه بعرق، فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر، فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا، فلو كان العرق ستين صاعًا لكانت الكفارة مائة وعشرين صاعًا، ولا قائل به. وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعًا، فقال: تصدق به. فيحتمل أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سوه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله.
وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعًا، وليس ذلك مذهبًا لأحد، فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه. وحديث أوس أخي عبادة بن الصامت مرسل يرويه عنه عطاء، ولم يدركه، على أنه حجة لنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عرقًا، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعًا ثلاثين صاعًا، وسائر الأخبار يجمع بينها وبين أخبارنا، بحملها على الجواز، وحمل أخبارنا على الإِجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس راوي بعضها، ومذهبه أن المد من البر يجزئ. وكذلك أبو هريرة. وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الإِجماع الذي نقله سليمان بن يسار واللَّه أعلم. انتهى بطوله من المغني لابن قدامة. وقد جمع فيه أقوال أهل العلم وأدلتهم، وما نقل عن مالك في هذا المبحث أصح منه عنه ما ذكرناه قبله في هذا المبحث.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار في رواية والعرق ستون صاعًا: هذه الرِّواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة. قال الذهبي:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 623)
لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضًا محمد بن إسحاق، وقد عنعن، والمشهور عرفًا أن العرق يسع خمسة عشر صاعًا، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه. اهـ منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت أقوال أهل العلم في قدر ما يعطى المسكين من إطعام كفارة الظهار واختلافها وأدلتهم واختلافها.
وأحوط أقوالهم في ذلك قول أبي حنيفة، ومن وافقه؛ لأنه أحوطها في الخروج من عهدة الكفارة. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس عشر: في كيفية الإِطعام وجنس الطعام ومستحقه.
أما مستحقه فقد نص الله تعالى على أنه المسكين في قوله: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} والمقرر عند أهل العلم أن المسكين إن ذكر وحده شمل الفقير، كعكسه.
وأما كيفيته: فظاهر النصوص أنه يملك كل مسكين قدر ما يجب له من الطعام، وهو مذهب مالك، والشافعي، والرواية المشهورة من أحمد، وعلى هذا القول لو غدى المساكين، وعشاهم بالقدر الواجب في الكفارة لم يجزئه حتى يملكهم إياه.
وأظهر القولين عندي: أنه إن غدى كل مسكين وعشاه، ولم يكن ذلك الغداء والعشاء أقل من القدر الواجب له أنه يجزئه؛ لأنه داخل في معنى قوله: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} وهذا مروي عن أبي حنيفة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد. وقصة إطعام أنس لما كبر، وعجز عن الصوم عن فدية الصيام مشهورة.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 624)
وأما جنس الطعام الذي يدفعه للمساكين، فقد تقدم في الأحاديث ذكر البر والتمر والشعير، ولا ينبغي أن يختلف في هذه الثلاثة.
ومعلوم أن أهل العلم اختلفوا في طعام كفارة الظهار فقال بعضهم: المجزئ في ذلك هو ما يجزئ في صدقة الفطر، سواء كان هو قوت المكفر أو لا؟ ولا يجزئه غير ذلك ولو كان قوتًا له.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أن جميع الحبوب التي هي قوت بلد المظاهر يجزئه الإِخراج منها؛ لأنها هي طعام بلده، فيصدق على من أطعم منها المساكين أنه أطعم ستين مسكينًا، فيدخل ذلك في قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ويؤيد ذلك أن القرآن أشار إلى اعتبار أوسط قوت أهله في كفارة اليمين في قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} وهذا مذهب الشافعي، واختيار أبي الخطاب في الحنابلة.
الفرع السادس عشر: أعلم أن أكثر أهل العلم على أن الإِطعام لا يجب فيه التتابع؛ لأن الله تعالى أطلقه عن قيد التتابع؛ ولأن أكثر أهل الأصول على أن المطلق لا يحمل على المقيد إن اتحد سببهما واختلف حكمهما، كما في هذه المسألة. ولا سيما على القول الأصح في حمل المطلق على المقيد أنه من قبيل القياس، لامتناع قياس فرع على أصل مع اختلافهما في الحكم، كما هو معروف في محله.
الفرع السابع عشر: أعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا جامع المظاهر زوجته التي ظاهر منها في أثناء الإِطعام، هل يلزمه إعادة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 625)
ما مضى من الإِطعام، لبطلانه بالجماع قبل إتمام الإِطعام، أو لا يلزمه ذلك؟ فقال بعض أهل العلم: لا يلزمه ذلك، لأن جماعه في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع، فلم يوجب الاستئناف. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مذهب مالك: فهو أنه يستأنف الإِطعام؛ لأنه جامع في أثناء كفارة الظهار، فوجب الاستئناف كالصيام. والأول أظهر، لأن الواقع من الإِطعام قبل جماعه يحتاج بطلانه وإلغاؤه إلى دليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودًا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثامن عشر: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي، وقالت: إن تزوجت فلانًا، فهو علي كظهر أبي، فهل يكون ذلك ظهارًا منها أو لا؟ فقال أكثر أهل العلم: لا يكون ظهارًا. وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم، وقال بعض أهل العلم: تكون مظاهرة، وبه قال الزهري، والأوزاعي وروى عن الحسن والنخعي إلَّا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك بعد ما تزوج، فليس بشيء. اهـ. والتحقيق أن المرأة لا تكون مظاهرة، لأن الله جلَّ وعلا لم يجعل لها شيئًا من الأسباب المؤدية لتحريم زوجها عليها، كما لا يخفى.
تنبيه
أعلم أن الجمهور القائلين: إن المرأة لا تكون مظاهرة اختلفوا فيما يلزمها إذا قالت ذلك، إلى ثلاثة مذاهب.
الأول: أن عليها كفارة ظهار، وإن كانت غير مظاهرة.
والثاني: أن عليها كفارة يمين.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 626)