......
القراءات القرآنية في الآيات
كان من فضل اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ على عباده أن لم ينزل كتابه على وجه واحد من وجوه الترتيل التي يستنبط منها معانى الهدى، بل جاء التنزيل بوجوه عدَّة، كما هدت إلي ذلك السنة المطهَّرة:
" عن عبد الرحمن بن عبد القَارِيَّ قال سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة "الفرقان" على غير ما أقرؤها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة "الفرقان" على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أرسله، اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت؛ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه"
{الشيخان: البخاري ك: فضائل القرآن:باب أنزل القرآن على سبعة أحرف،و "مسلم" ك: المسافرين ـ باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، والنص لمسلم ح. ر:27./818}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وفي الباب نفسه روى مسلم بسنده عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا {ح. ر:274/821}
في الرواية الثانية بيان أن هذه القراءات تحمل فيضًا من رحمة التخفيف على هذه الأمة، وهو تخفيف غير مقصور على الأداء والتلاوة،وإن كان هذا أظهرها بل هو تخفيف في التكليف القائم من معانى الهدى المستنبطة من تلك القراءات فمن قرأ بحرف واستنبط منه معانى الهدى استنباطًا صحيحًا على وفق الأصول العلمية للاستنباط، فقد أصاب فكلها كافٍ شافٍ والحمد لله رب العالمين.
يقول " الزركشي" (1) عن معرفة توجيه القراءات وتبيين وجه ما ذهب إليه كل قارىء:"هو فن جليل وبه تعرف جلالة المعانى وجزالتها وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبا......
وفائدته … أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه او مرجحا (2) ـ
من هذا يتبين لك أن الوقوف على ماجاء في هذه الآيات من قراءات هو من باب العلم النافع، والدراسة العربية تحتفى بمثل هذا،فكثرة القراءات في الآية فيه من فيوض المعانى مايعين العباد على أن يقوموا في رياض الطاعة، وأن تفتح أمامهم سبل القرب من خالقهم وليس كمثل التيسير المحكم بأصول العلم على العباد كَيْمَا لاتنفر نفس عن رحاب الطاعة.
{} {} {}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
اختاف القراء العشرة في هذه الآيات التى بين يديك في كلمة واحدة هي قوله تعالى (وكلمة الله هي العليا) قرأ العشرة خلا " يعقوب" برفع (كلمة) على (الاستئناف)
وقرأ يعقوب وحده من العشرة بنصب (كل) (3)--------------------------------------------
(1) الزركشي: بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي {745- 794هـ} من تراثه: البحر المحيط في أصول الفقه [ط] ، وإعلام الساجد بأحكام المساجد [ط] ،والإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة [ط] والبرهان في علوم القرآن.
(2) البرهان في علوم القرآن: ج1:ص339ـ ت: محمد ابو الفضل ـ دار المعرفة بيروت ـ
(3) المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران: ص 194 ـ ت: سبيع حاكمي ـ ط دار القبلة ـ جدة، والنشر في القراءات العشر ـ لبن الجزري ـج2ص279ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وأهل العلم بكتاب الله على أنَّه لايجوز ردُّ قراءة متواترة،وإن بَدَا أنَّ غيرها أظهر في العربية وأشيع، فليس معيار القبول الرد، والترجيح بين القراءات إلَاّ درجة وثاقة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
يقول ابن الحزري (4) :
" كلُّ قراءةٍ وافقت العربيةَ ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصَحَّ سندها فهي القراءة الصحيحة التى لايجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة ام العشرة ام عن غيرهم من الأئمة المقبولين … " (5)
فانظر كيف أن " ابن الجزري " في الشرط الأول قال: (ولو بوجه) ومن البين أن مذاهب العرب في بيانها متسعة لايحاط بها كما قرره " الشافعي " في " الرسالة"وانظر ما قاله في الشرط الثانى (ولو احتمالا) فاتسعت الدائرة، لكنه في الشرط الثالث (صحة السند) لم يذكر شيئا من ذلك مما يؤكد وجوب صحة السند.وانظر قوله (فهي القرءة الصحيحة) بتعريف الطرفين الدال على التخصيص الحصري، فكان مآل الأمر أن الشرط الأعلى من هذه الثلاثة إنما هو الشرط الثالث (صحة السند عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم)
ولهذا " قال الشيخ أبو محمد إبراهيم بن عمر الجعبري (6) :--------------------------------------------
(4) الحافظ أبو الخير محمدبن محمد بن محمد بن على بن يوسف الجزري (751- 833) من آثاره: النشر في القراءات العشر، ومنجد المقرئين ونهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات، والحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، والجوهرة في النحو.
(5) النشرفي القراءات العشر: 1/9 - دار الكتب العلمية ـ بيروت (د. ت)
(6) برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الجعبري (ت:732) من آثاره: كنز المعانى شرح الشاطبية في القراءات، وروضة الطرائف في رسم المصاحف، وعقود الجمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
" أقول: الشرط واحد وهو صحة النقل، ويلزم الآخران، فهذا ضابط يُعَرِّف ماهو من الأحرف السبعة وغيرها، فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انحلت له هذه الشبهة) (7)
وهذا منه دقيق، فإنه متى صحَّت نسبة النقل عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلن يثبت عنه إلا ما هو الصحيح العالي بل العَلِيّ في لسان العربية، وما خالفه بالتضاد لاالتبيان لن يكون العالى فضلا عن العلى ومتى صح النقل فإن ما جاء من رسم المصاحف لن يخرج عما صح سنده، إيمانا بأن هذا الرسم لم يك بالتشهي، بل هو علم ذو ضوابط يعقلها أهل العلم بالرسم القرآني، وهي ضوابط تتسع لكل ما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
المرجع في هذا ـ إذن ـ صحة النقل وهذا من" الجعبري ثمرة فقه ماجد،فإن قوله (ويلزم الآخران) كلمة عالم فاقه، فافهم
وإذا ما تحققت عند صحة النقل، فاجعل ما جاء بهذا في درجة سواء، من غير ترجيح بتفضيل وإعلاء بعضٍ على بعض، وإن كان بعض القراءات أشد ظهورًا في المعنى من الأخرى، وهذا التفاوت في الظهور إنما هو نسبي، فما يكون ظاهرًا لك قد يكون غير ذلك عند غيرك، ولهذا لا أعُدُّ هذا ضربًا من الترجيح والتفضيل، بل مَرَدُّهُ عندي إلى فاعله وقائله لا إلى القراءة القرآنية نفسها.
يقول " بدر الدين الزركشي": " ينبغى التنبيه على شىء وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى وهذا غير مرضى لأن كلتيهما متواترة
وقد حكى أبو عمر الزاهد (8) فى كتاب اليواقيت عن ثعلب (9) أنه قال إذا اختلف الإعراب فى القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب فى القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى وهو حسن--------------------------------------------
(7) النشر: 1/ 13
(8) هو أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف بغلام ثعلب (ت: 345هـ
(9) أبو العباس أحمد بن يحيي بن يسار الشيباني (2..- 291) من آثاره: إعراب القرآن، والفصيح، وحد النحو، واختلاف النحويين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
وقال أبو جعفر النحاس (1.) وقد حكى اختلافهم فى ترجيح:"فك رقبة" {البلد: 13} بالمصدرية والفعلية،فقال:والديانة تحظر الطعن على القراءة التى قرأ بها الجماعة ولا يجوز أن تكون مأخوذة إلا عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال أنزل القرآن على سبعة أحرف فهما قراءتان حسنتان لا يجوز أن تقدم إحداهما على الأخرى
وقال فى سورة " المزمل ": السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبى صلى الله عليه وسلم فيأثم من قال ذلك وكان رؤساء الصحابة رضى الله عنهم ينكرون مثل هذا.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله (11) : قد أكثر المصنفون فى القراءات والتفاسير من الترجيح بين قراءة:" ملك " و" مالك " حتى إن بعضهم يبالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القِراءَ تَيْن واتصاف الرب تعالى بهما ثم قال حتى إنى أصلى بهذه فى ركعة وبهذه فى ركعة
وقال صاحب التحرير (12) وقد ذكر التوجيه فى قراءة: " وَعَدْنا " و " وَاعَدْنَا " {البقرة: 51} لا وجه للترجيح بين بعض القراءات السبع وبعض فى مشهور كتب الأئمة من المفسرين والقراء والنحويين وليس ذلك راجعا إلى الطريق حتى يأتى هذا القول بل مرجعه بكثرة الاستعمال فى اللغة والقرآن أو ظهور المعنى بالنسبة إلى ذلك المقام--------------------------------------------
(1.) أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن المرادي المعروف بالنحتس، وبالصفارأوابن الصفار (ت:338) من آثاره: العالم والمتعلم في معانى القرآن،والمقنع في النحو،وصناعة الكُتَّاب،ومعانى الشعر،واختصار تهذيب الآثار للطبري، وشرح ديوان الحماسة
(11) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابي شامة (ت:665هـ) من آثاره: شرح الشاطبية، والذيل على الروضتين
(12) أبوعبد الله الجمال محمد بن سليمان البلخي الحنفي المعروف بابن النقيب (611-698هـ) من آثاره تفسيره:" التحرير والتحبير لأقوال أثمة التفسير.." وهو الذي أشار إليه الزركشي، وقد نشر مقدمته محققة الصديق اد: زكريا سعيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وحاصله أن القارىء يختار رواية هذه القراءة على رواية غيرها أو نحو ذلك وقد تجرأ بعضهم على قراءة الجمهور فى: " فنادته الملائكة " {آل عمران: 39} فقال أكره " التأنيث " لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية فى زعمها أن الملائكة إناث وكذلك كره بعضهم قراءة من قرأ بغير تاء لأن الملائكة جمع وهذا كله ليس بجيد والقراءتان متواترتان فلا ينبغى أن ترد إحداهما البتة وفى قراءة عبد الله:" فناداه جبريل " [اي في الآية نفسها] ما يؤيد أن الملائكة مراد به الواحد " (13)
فالتحقيق كما ترى أن القراءات التى صح نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سواء، فلا يغرنك ما يتصايح به بعض الناس في هذا فهو من التخليط الذي لايؤبه بمثله
والنظر في القراءات القرآنية وتوجيهها واستنباط معانى الهدى منها هو من أصول الدراسة العربية المحكمة لكتاب ربنا عز وعلا، وليس من النصح له في دراساتنا الاقتصار على ما جاء في رواية حفص عن عاصم، فهذا وجه من وجوه الآداء لايليق بنا أن نعرض عن غيره من الوجوه التى صح نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وسوف يأتيك بيان توجيه قراءة " يعقوب" لقوله تعالى (وكلمةُ الله هي العليا) بنصب (كلمة) في مبحث الوجوه الإعرابية، وفي مبحث السمات البلاغية وفقه المعنى إن شاء الله رب العالمين.
ــ
(13) البرهان في علوم القرآن (م. س) 1/339
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
المفردة القرآنية
جاء البيان القرآني الكريم بكلماته الإفرادية من مَعْدِن ما كان في لسان العرب في زمن نزول الوحي: صورة ومدلولا ودلالة، لم يسقط عليهم مفردات لم تكن آذانهم قد سمعتها، ولم تكن ألسنتهم قد نطقتها، وإلا لقالوا ماهذا بلساننا، فأنَّى لنا أن نفهم عنه؟ وقد قال الله عز وجل عنه إنه بلسان عربي مبين: {وَإِنَّه لَتَنْزِيلُ رَبَّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوح الأمينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِن المُنْذِرينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء)
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم)
وما جاء به القرآن الكريم من مدلولات إسلامية لبعض مفرداته، كالصلاة والزكاة إنَّما نَسَلَها من المدلولات التى كانت ساكنة ألسنتهم في أشعارهم وخطبهم وخطابهم
وهذا يقتضي كلَّ قائم إلى النظر في بيان القرآن الكريم عن معانى الهدى فيه إلى الصراط المستقيم أن يقوم أولا إلى النظر في مفردات الآيات التى هو قائم إلى رياض معانيها، فينظر في صورها ومدلولتها في لسان العربية وطريق دلالتها على تلك المدلولات ليتخذ من ذلك زادًا كريما في سفره المديد في البيان القرآني العليِّ المعجز
وهذا ما أسعى إلى أن أغريك بشيء منه علَّك تذوق فتعرف، ومن ذاق فعرف لزم وعكف،وأبى إلا أن يرابط،وأن يتخلق بذلك النداء الربانى في ذروة المعنى القرآني في سورة الاصطفاء: سورة " آل عمران "
{يَأَ يُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَبِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
ومن قبل النظر في معجم مفردات البيان القرآني في هذه الآيات نفتقر إلى الوقوف عند أمورمهمة تجدر الإشارة إليها:
فصاحة المفردة القرآنية:
ــ
علماء بيان العربية لهم عناية بالغة بتفرس مفردات البيان العالي وما تتسم به من سمات الفصاحة المنيرة في مجال أدائها وتنغيمها، وفي مجال هيئتها وصورتها التكوينية، وفي مجال دلالتها على معناها وهدايتها إليه، وجعلوا لكل مجال معيارًا يعرف به ما يتحقق في تلك المفردات من سمات فصاحتها:
{} كان من ذلك ما عرف عندهم بخلو الكلمة من تنافر حروفها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وجعلوا مرجع ذلك إلى العلائق النغمية بين أصوات الكلمات، فكل كلمة مكونة من أصوات حروفها وحركاتها، ولكل حرف وحركة مخرج يخرج منه وصفة يكون عليها حين مَخْرَجِه، وهذه المخارج قد تتقارب جدًا وقد تتباعد، وكلما تقاربت المخارج كلما كان ذلك ادعى إلى ان تُمْنَى أصوات الكلمة بالتنافر وكذلك صفات هذه الأصوات قد تتقارب وقد تتباعد، فيؤدي تقاربها إلى تنافرها.
من هنا ذهب البلاغيون إلى فريضة أن تكون مفردات الكلمات قد تحقق في علاقات أصواتها ببعضها مالا يكون معه ذلك التنافر، فعقدوا المباحث في صدور أسفارهم للنظر في مثل هذا، وكان منهم باسط لسانه بالبيان، ومنهم موجزٌموفٍ، ومن أشهرمن بسط"ابن سنان" في كتابه" سر الفصاحة" و"ابن الأثير" في كتابه" المثل السائر ".
{} وكان من ذلك أيضًا ما عرف عندهم بخلو هيئة الكلمة وصورتها التركيبيةمن الخروج على ما هو القياس في صياغة المفردات في لسان العربية، فلكل كلمة من الأسماء والأفعال في لسان العربية قياس لايحسن مخالفته والخروج عنه لأن ذلك الخروج في بناء المفردة هو في حقيقته مدخل إلى المخالفة والخروج على ما هو قائم في لسان العربية من أصول بناء جمل الكلام من تلك المفردات وبناء معاقد الكلام من تلك الجمل، وإذا ما شاع بين الناس خروج المتكلمين ومخالفتهم أصول بناء الكلام في مفرداته وجمله ومعاقده لم يكن للسامعين والمتلقين سبيل يمكن من خلاله الوصول إلى مرادات المتكلمين من كلامهم، فيفقد البيان رسالته التى كان لها
من هنا حرص البلاغيون على أنْ تكونَ الكلمةُ قد صيغتْ هيئتها على وفق أصول صياغة المفردات في العربية، وإلَاّ كانت هذه الكلمة معيبة بمعابة مخالفة القياس
وهو ضرب من ضروب الفِسْقِ البيانى " فإن ترضوا عنهم فإنَّ اللهَ لايَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِين " {التوبة}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
{} وكان من ذلك أيضًا ما عرف عندهم بخلو الكلمة من غرابة معناها، فالنفس تنفر مما هو غريب، ولعل من معانى الإنسانية الأنس بالأشياء، فالغربة فيها ابتعاد بالسامع عن شيء هو من جوهر إنسانيته
الكلمات حين تكون غريبة لاتأنَسُ النفسُ إليها فتكلِّفها فوق طاقتها، وهذا ما لاتحبه النفس المستقبلة البيان، فكان من البلاغيين عنايةٌ بأن تكون كلمات البيان العالى مأنوسة غير مستغربة أو مستجهلة حتى تقبل النفس على تلقيها بالحبور.
وأنت إذا ما نظرت في مفردات البيان القرآني في جميع آياته ألفيت أنها مفردات قد عصمت من أن يكون في شيء منها أدنى شائبة من تلك المعابات، فهى مفردات في ذروة فصاحة بيان العربية لايقال ذلك تَدَيُّنًا، فحسب بل نقوله تَدَيُّنًا أيَّدَهُ الفحصُ العلميُّ ممن آمن بهذا الكتاب المجيد، وممن لم يؤمن به ممن عرف العربية وذاقها.
ولعلك تقول إننا نسلم لك أن مفردات القرآن الكريم قد خلت من تنافر حروفها ومخالفتها القياس، لكن كيف السبيل إلى التسليم بأن بعض مفرداته ليست بالغريبة، والمكتبة القرآنية زاخرة بالأسفار المعقودة لبيان غريب القرآن الكريم؟
الأمر في هذا جِدُّ يسير لايقتضى سوى النظر في مناط الوصف بغربة الكلمة: أمرجعُه إلى الكلمة نفسِها أمْ إلى سامعها؟
إن يكن إلى سامعها، أفكل سامع لها يصلح أن يكون معيلر حكم بغرابة كلمة أم ذلك الذي له بمفردات البيان الذي يسمع علم وسيع فسيح لاتتناظر شطآنه، ولا يبصر شرقيُّه غربيَّه؟
لسان العربية كما قال الإمام الشافعي من أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا، ولايحيط به أحدٌ إلا أن يكون نبيا كما يقول في كتابه " الرسالة " فأي شخص ذلك الذي يمكن أن يقيم نفسه أو أن يقيمه أحد معيارًا لغرابة الكلمة القرآنية وأنسها؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
واتخاذ أفراد مناطا ومعيارًا توزن بعرفانهم صفات المفردات غرابة وأنسا يجعل كل كلمة تقريبا آنسة غريبة من أنها آنسة عند واحد غريبة عند آخر، ولهذا أنت واجدٌ ما يُسمى بالغريب يزداد عدده في أسفار القوم كلما مرَّ الزمان، فما كان أنيسًا في زمن مضى بات غريبا في زمن قد أتى، وهكذا دواليك، وأنت الآن واجد في زماننا هذا جمهور المنتسبين إلى العلم والثقافة لايكادون يعرفون من معانى مفردات القرآن الكريم ألا نزيرًا
القرآن الكريم ما نزل بلسان قبيلة واحدة بل اصطفي من كل قبيلة أفصح ما فيها، وأنسها بسياقها ومغزى البيان الذي تقام على لاحِبِه، ولو أن قبيلة كانت هي الأولى بأن يأتى القرآن الكريم ببيانها وحدها لكانت أحق القبائل بذلك " قريش " من أنها قبيلة سيد الخلائق: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومن أنها أفصح القبائل، ولسانها أكثر الألسنة انتشارًا في القبائل لمكانها من البيت الحرام مقصد كل القبائل العربية ولكنك لاتجد لسان قريش هو المختصَّ بنزول القرآن الكريم به، بل فيه من ألسنة القبائل الأخرى كثير، اقتضاه أنْسُ السياق ومناسبة المقصد ـ أنت إذا ما علمت ذلك علمت أنه لايكون لأحد أن يكون العليم بكل كلمة قرآنية وقد جاءتك الأخبار الوثيقة أن الصديق والفاروق وابن عباس رضي الله عنهم وهُم مَنْ هُمْ في عِرْفان بيان العربية لم تك لهم إحاطة بالغة بكل مفردات القرآن الكريم، فثمَّ كلمات ماعرفها "الصديق"،وأخرى سأل عنها"عمر"من حوله من القبائل الأُخْرَى، وكلمات جهلها" ابن عباس" وعلمها من بيان أعرابية سمعها تتكلم....إلخ، فدلك ذلك على أن القرآن الكريم ليس فيه كلمة غريبة على العرب قاطبة، فما جهله واحد علمه كثير غيره. …
وثَمَّ إبانة من الإمام الخطابي (1) يكشف لنا بها عن معنى " الغريب " يقول رضي الله عنه ـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
" الغريب من الكلام إنما هو الغامضُ البعيدُ من الفهمِ، كالغريبِ من الناسِ، إنما هو البعيدُ عن الوطن المنقطع عن الأهل، ومنه قولك للرجلِ إذا نحَّيْتهُ وأقصَيته: اغربْ عنِّي: أي ابعدْ، ومن هذا قولهم: نوىً غُرْبَةً: أي بعيدةً، وشَأْوٌ مُغَرِّبٌ، وعنقاءُ مُغْرِبٌ: أي جائيةٌ من بُعْدٍ.وكلُّ هذا مأخُوذٌ بعْضُهُ من بعْضٍ، وإنما يختلفُ في المصادرِ، فيقال: غرب الرجلُ يغْرُبُ غَرْبًا إذا تنحَّى وذهبَ، وغرُبَ غُرْبةً إذا انقطع عن أهله، وغرُبت الكلمةُ غَرَابةً، وغرُبتِ الشمس غرُبًا
ثُمَّ إنَّ الغريب من الكلام يقال به على وجهين:
= أحدهما: أن يراد به بعيد المعنى غامضه لايتناوله الفهمُ إلا عن بعدٍ ومعاناة فِكْرٍ
= والوجه الآخرُ: أن يُرادَ به كلامُ من بعُدَتْ به الدَّار ونأى به المحلُّ من شواذِّ قبائلِ العربِ، فإذا وقعت إلينا الكلمةُ من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم.
وعلى هذا ما جاء عن بعضهم، وقال له قائلٌ: أسألك عن حرف من الغريبِ فقال: هو كلام القوم، إنَّما الغريب أنت، وأمثالك من الدُّخلاء فيه " اهـ (2)
وليس يخفى عليك من بيان " الخطابي" أن مفردات القرآن الكريم لن تكون البتة من الوجه الأول من وجهي الغريب، وإنما هي من الوجه الآخر، فنحن الغرباء عن بيانها، الذين ارتحلت بنا العجمة عن ديار أجدادنا الفرسان ارْتِحالَ جَنَانٍ ولسانٍ وأخلاقٍ لا ارتحال أجساٍد وديارٍ وأزمان.--------------------------------------------
(1) هو الإمام: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستىالشافعي (319-388هـ) من آثاره: رسالة في إعجاز القران [ط] شرح صحيح البخاري [ط] معالم السنن شرح سنن أبي داود [ط] شأن الدعاء:شرح أسماء الله الحسنى [ط] غريب الحديث [ط] إصلاح غلط المحدثين [ط] العزلة [ط]
(2) غريب الحديث:1/7.ـ ت: عبد الكريم العزباويـ ط: ج أم القرى ـ 14.2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
مفردات القرآن الكريم بين الترادف والتباين
بلغك في الفقرة التى مضت بيان الإمام " إبى سليمان الخطابي" في شان الغريب من الكلام، فإن شئت أن تقف على بيانه في شأن القول بالترادف في البيان العالى، والبيان العلىّ المعجز، فإنك تراه قائما في رسالته المعقودة لبيان " إعجاز القرآن الكريم " يقول " الإمام ":
" اعلمْ انَّ عَمُودَ هذه البلاغة … هو وضع كل نوع من الألفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلامِ موضِعَه الأخَصَّ الأشكلَ به الَّذي إذا أُبْدِلَ مكانَه غيْره جاءَ منْهُ:إمَّا تبدُّلُ المعنى الذي يكونُ منه فسادُ الكلامِ
وإمَّا ذهابُ الرونقِ الذي يكونُ معهُ سقوطُ البلاغةِ
ذلك انَّ في الكلامِ الفاظًا متقاربةً في المعانى يحسَِبُ أكثَرُ الناسِ أنَّها متساويةٌ في إفادةِ بيانِ الخطابِ.....والأمرُ فيها وفي ترتيبها عند العلماءِ أهلِ اللغةِ بخلافِ ذلكِ؛لأنَّ لكلِّ لفظةٍ منها خاصيَّةٌ تتميَّزُ بها عن صاحبتها في بعضِ معانيها، وإن كانا يشْتركان في بعضها" (1)
فالخطابي ذو بصيرة بيانية واعية تدرك جوهر البيان وطبيعته وقد أعانته على أن يقف على كثير من روافد بلاغة بيان العربية
وأنت تسمع من إمام آخر من أئمة العلم ببيان القرآن الكريم: الإمام " عبد القاهر الجرجاني" (2) مقالاً من مَعْدِنِ مقال " الخطابي "
في معرضِ بيانه خصال بلاغة الخطاب ومقوماته الرئيسة ومن بعد أنْ أبان أنها: حسن دلالة الكلام على المعانى، وتمام دلالته عليها، وتبرج الدلالة في صورة بهية معجبة يقول الإمام عبد القاهر:--------------------------------------------
(1) رسالة في بيان إعجاز القرآن للخطابي: ص 29ـ ضمن صلاث رسائل في إعجاز القرآن ـ دار المعارف
(2) هو الإمام: أبو بكرعبد القاهربن عبد الرحمن الجرجانى الشافعي ـت:471هـ من آثاره: دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، والرسالة الشافية، والمقتصد في النحو، والعوامل المائة في النحو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
" ولا جهةَ لاسْتعمالِ هذه الخصالِ غيرُ أن تأتِيَ المعنى من الجهةِ التى هيَ أصحُّ لتأديتِهِ
وتختارَ له اللفظَ الَّذي هو أخصُّ به،وأكشف عنه،وأتمُّ له،وأحرى بأن يكسبه نُبْلا ويظهرَ فيه مزيَّةً " (3)
فانظر قوله:" هو أخصُّ به" إنه القاطع بأن لكل معنى لفظًا يخصه لايكون غيره له ولايكون هو لغيره من المعانى، وقضى بجملة واحدة فتية في قضية ما يعرف بالترادف، فكان المُبِينَ المُوجِزَ
ويقول"ابن عطيَّة الأندلسي (4) "في مقدمةتفسيره:
" كتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثُمَّ أُدير لسان العربِ في أن يوجد أحسن منها لم يوجد.
ونحن تبيَّنُ لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق وجودةِ القريحةِ ومَيْزِ الكلام."اهـ (5)
فهذا كما ترى جدُّ بيِّنٍ في أنه ما من كلمة في البيان العلِيِّ المعجز يمكن أن تقوم مقامها كلمة أخرى وإن شاكهتها والتقت معها في أصل معناها، فلكل كلمة من تنغيمها ومضمونها وشكلها من السمات الخاصة التى لن تكون مجتمعة في غيرها البتة
وإذا ماقُدِّرَ في البيان العالى من الأدب لناقد حصيف نافذ البصيرة أن يقيم كلمة في قصيدة ما لشاعر فحل مقام كلمة اختارها الشاعر، فكانت كلمة الناقد أنس بالسياق وأكرم عطاء، فإن ذلك مما قد يعترى الشاعر وإن كان الفحلَ، لكنَّ ذلك لست بالواجِدِهِ البتة في بيان الوحي قرآنا وسنة.--------------------------------------------
(3) دلائل الإعجاز لعبد القاهر: ص 43ـ ت: محمود شاكرـ ط المدنى
(4) هو القاضي أبو محمدعبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي ـ (481-546هـ) من آثاره المحررالوجيز في تفسير الكتاب العزيز
(5) المحررالوجيز لابن عطية: ج1ص49 ـ ت: المجلس العلمى بفاس ـ ط1395
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
والكلمةُ القرْآنيةُ ذات أبعاد عدة كلُّ بُعْدٍ منها رافِدٌ من روافِد الدلالة على معانى الهدى إلى الصراط المستقيم الذي جاء القرآن الكريم لتحقيقه:لها بعد صوتي تنغيمي، وبعد هيئة وصيغة. وبعد أصل لغوي تكونت منه، وبعد موقع وقعت فيه بدوائره المتعددة:
دائرة الموقع في الجملة، ودائرة الموقع في الآية، ودائرة الموقع في المعقد (الفصل) ، ودائرة الموقع في السورة، ودائرة الموقع في القرآن كله
هذه خمس داوئر متداخلة كل دائرة في داخل التى من بعدها وأعمها جميعا دائرة الموقع والسياق الكلى للقرآن الكريم
هذه الأبعاد كلها ينحدر منها العطاء الدلالى للكلمة القرآنية، وعلى قدر وعي المتلقي هذه الأبعاد والجمع بينها في تلقيه يكون اقتداره على أنْ يقترب من المعنى القرآني الكريم المجيد
فالنظر في الكلمة القرآنية لن يكون في حقيقته نظرًا في مفردة بل هو نظر في كلمة نورانية ربانية قامت في بناء جملةٍ قامت في بناء آية قامت في بناء معقد قام في بناء سورة قامت في بناء القرآن الكريم كلِّه، وكلُّ بناءٍ من هذه الأبنية المتصاعدة يأخذ من سابقه ويعود عليه بفيض من عطائه وهذا يجعل الناظر في المفردة القرآنية حالا مرتحلا، لايحل في دائرة من دوائر السياق إلا ليرتحل منها إلى أخرى يجمع منها فيضًا من العطاء
الأمر كما ترى جدُّ جليلٍ، لايتهاون بحقه إلا غافل عن منزلته العَلِيَّة وهذا لا يكون من النصيحة لكتاب الله عزَّ وعلا التى هى ركن من أركان النصيحة العامة التى جعلها النبي ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هي الدين، إذ قال:
" الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم " {مسلم: كتاب الإيمان: ح. ر 95/55}
السمات البلاغية وفقه المعنى القرآني
كان إعجاز البيان القرآني الكريم عند جمهور أهل العلم بالقرآن الكريم
أنت فيه نازل في رياض البيان العلىَّ وفراديس الهدى الربانية، تغترف منه غذاء قلب سليم وشفاء نفسٍ عليلة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
ومن البين أن فقه السمات البلاغية للقرآن الكريم معين على حسن تثقيف القلب ترغيبًا وترهيبًا، ليقبل على التكليف إقبال عاشق، فيتلذذ بحسن إتقان القيام بما كلف به من صنوف العبادات.
وسمات بلاغة البيان القرآني الكريم ظاهرة في مجالات التركيب، والتصوير والتحبير،وهي مجالات،وإن تَفَاصَلَتْ في مسلك التصنيف العلمي إلا أنها المتمازجة في الواقع البياني الكريم، ففي كل تصوير تركيب، وفي كل تركيب تصوير، وفي كل تصوير تحبير، ولايكون تحبير إلا من تركيب، هي متمازجة في واقعها البيانية ممايقتضي تمازجها في تذوقها وتدبرها
ومن بعد ذلك إِنْ عَنَّ لمثلك أن يصنف الظواهر التركيبية، والتصويرية والتحبيرية، فله ذلك ضبطا لمسالك النظر وتقريبا للأفهام
بلاغة النداء في قوله تعالى:
(يأيها الذين آمنوا)
جملة إنشائية طلبية: نداء يفيد تنبيه المنادى إلى أمر عظيم يجدر به أن يكون على وعى به وأخذ بما فيه من معانىالهدى، وقد كثر النداء في القرآن الكريم، وهو نداء من خالق إلى خلقه، وهذا وحده فيه فيض من التكريم، والتنبيه إلى أنهم في علمه قائمون، وفي رحمته غارقون، وتحت قهره نازلون، ومن أقام هذه المعانى في قلبه لايكاد يغفُل عن ذكر ربه تعالى.
والسنة البيانة للقرآن الكريم في نداء " أمة الإجابة" أنه ينادى عليهم بقوله" يأيها الذين آمنوا" تذكيرًا لهم بالعهد الذي عاهدوا الله عز وجل عليه، وهو الإيمان بما أمرهم بالإيمان به
وكأنه يحثهم بهذا الوصف على أن يقبلوا على ما يأمرهم به فيأخذوه وعلى ما ينهاهم عنه فيجتنبوه.
وقد قال " ابن مسعود" إذا ما سمعت الله عز وجل يقول: يأيها الذين آمنوا" فأرِعْه سمعك فإنَّ من بعده خيرًا يأمر به أوْ شرًا ينهى عنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وفي اختيار "يا" للنداء، وهي عند بعض أهل العلم لنداء البعيد للدلالة على أن المنادى فيه شيء من البعد بالمعصية والذنوب عن المنادِى جل جلاله، فعليه أن يصغى لما ينادى عليه به ليزداد بهذه الطاعة قربا
وجاء تعريف المنادَى باسم الموصول دلالة على أنه المعروف بالصلة التى هي الإيمان وكأنَّ هذا الإيمان هو أجل ما يعرف به ذلك المنادَى، فهو شرفه الذي عليه أن يستمسك به، وأن يفخر بنعته به وأن يسعى إلى زيادته وتثبيته بالإكثار من الطاعات، والفرار من السيئات، فعليه العناية بفقه ما هو آت من بعد ذلك النداء من أمر بمعروف ونهي عن منكر.
ولم يأت في القرآن الكريم نداء " المؤمنين" إلا في آية واحدة في سورة " النور " حيث يقول الله تعالى: " وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون "
فأنت تلاحظ هنا أمورًا مهمة:
تلاحظ أنه أخَّر النداء عن الأمر، فقال أولا:" توبوا" ثم قال " أيه المؤمنون" لأن النداء في أصله لتنبيه الغافل أو البعيد، وهؤلاء ليسوا بالغافلين ولا بالمحل البعيد، ذلك أنهم مؤمنون، أيْ صارَالإيمان نعتا لهم، فهم معرفون بالصفة لابالصلة أي أن الإيمان في قلوبهم صار ملازما لهم ملازمة النعت منعوته، فهو فيهم كالطول في الطويل والقصر في القصير لايكاد يتخلى عنه، وقد جاء البيان بكلمة " المؤمنون" في سياقات التشريف والتكريم والثناء
" إِنَّما المؤمِنُون الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...." {ألأنفال}
" والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنات بَعْضهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ " {التوبة}
" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون َ" {المؤمنون}
" وكانَ حَقًا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ" {الروم}
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً" {الحجرات}
" وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" {المنافقون}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
أما " الذين آمنوا " فإن الإيمان ما يزال فعلا من أفعالهم، فيحتمل أن يزول وأن يحول، فكانوا بحاجة إلى الإكثار من أمرهم ومن نهيهم
وتلاحظ أن النداء في " أيُّه المؤْمِنُونَ" جاء بقوله " أيه" من غير حرف ندا " يا" وفي حذف حرف النداء دلالة على قرب المنادَى من المنادِي جل جلاله.
وقد يقوم في صدرك أنه لو كان ذلك كذلك لكان أحق من نودي بحذف حرف النداء معه هو الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهو أقرب الخلق عز وجل لمن ناداه سبحانه وتعالى.
قد يقوم ذلك في صدرك، غير أنه قد غام عنك أمرٌ مهم، هو أن في البيان عنه بوصف النبوة أو الرسالة في ندائه، قرينة دالَّة على أن ذكر حرف النداء معه" يا" ليس للتنبيه المترتب عليه القرب والبعد، بل النداء معه للتكريم والتحبب، فهو نداء حبيب لحبيب، ومن ثَمَّ لايكون ذكر حرف النداء معه للتنبيه، ومن ثم لم يناد إلا بـ " يا" الذي هو أم حروف النداء.
وفي قوله (آمنوا) حذف للمتعلِّق بفعل الإيمان، وفيه دلالة على أنهم آمنوا بكل ما أمر الله عز وجل الإيمان به لم يتركوا منه شيئا، لأن من آمن بما أمر الله تعالى بالإيمان به وترك شيئا واحدًا لم يؤمن به فهو كافر لايدخل في زمرة الذين آمنوا
ومن ثَمَّ يتبين لك أن من لم يؤمن بنبي واحد من الأنبياء وآمن بسائرهم، فليس بمؤمن، فتتهاوى مزاعم قوم قد نسبوا أنفسهم إلى العلم بأن من النصارى من هو موحد لايقول بالتثليث، ويؤمن بكل الأنبياء خلا السيد المعصوم خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أنه في زعمهم نبي العرب وحدهم، وأن من كان كذلك من النصارى فهو موحد من أهل الجنة، زعم ذلك بعض الناس، وما يزال زعمه ينشر في المسلمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
هذا قول باطل لاأساس له من الصحة، بل من آمن بأنَّ من لم يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو من أهل الرحمة، فهو نفسه خارج عن الملة، مثل الذي يزعمه ضلالة أنه داخل فيها، وخواتيم سورة البقرة مقررة ذلك تقريرًا لايدع لذي لسان أن يحركه بغير ما جاء فيها كائنًا من كان،وإن غضب بهذا أقوام وتَمَعَّرَتْ وجوه، ولكن الحق أحق أن يجهر به ويؤذن ويتبع ويرتفع.
وجاء البيان عن فعل صلة الموصول " آمنوا" بالإيمان دون الإسلام فلم يقل:يأيها الذين أسلموا؛ ذلك أن كلمة"أسلموا" لها دلالتان:
الأولى الدلالة التى هي قسيم الإيمان والتى بيَّنها حديث "جبريل " المشهور وهذه الدلالة هي مفتاح الدخول في الإسلام بمعناه الشامل ولايكفي أن يقف المرء عندها لايتعداها، ولا يصلح اًصحابها الواقفون عندها لما جاءت له تلك الأوامر، فلابد من أن يصحب الشهادتين اعتقاد وعمل.
والأخرى الدلالة الشاملة التى يكون الإيمان جزءًا منها وليس قسيما لها، وهي دلالة إسلام الوجه لله تعالى في كافة شئون الحياة، وهذا هو المعنى العام الذي جاءت به كل الرسالات الإلهية
فأدنى درجات السلوك هي درجة الإيمان، يعلوها درجات منها التقوى، وأعلاها درجة الإحسان التى فسرها حديث " جبريل " المشهور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
إنَّ فقه النداء في القرآن الكريم يُعْنى بتبصُّر ما يعبر به عن المنادَى في سياقه والقصد المنصوب له الكلام، وهذا تراه ظاهر التصريف البليغ المعجز في نداء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حينا يناديه: يأيها النبيُّ، وحينًا يناديه: يأيها الرسول، ولكلٍّ سياقُه ومقامُه ومقتضاه، ولم يأت البتة: يا محمد، كما جاء في نداء سائر الأنبياء على الرغم أنَّ في اسمه: " محمد" من الثناء ما فيه، فهو دالٌّ على ذاته ونعته: أيْ المُبالَغِ في حمْدِه لعظيم خلقه ومنزلته عند ربِّه عز وجل وهذا من عظيم إجلال الله عز وجل عبده ونبيه ورسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
بلاغة الاستفهام في قوله تعالى:
(مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)
في قوله (مالكم) استفهام توبيخى يجلد ظهر كل متثاقل عن الجهاد وقدهُيِّئ له فكيف بمن دُعِى إليه وحُثَّ وأُغْرِيَ بِه، ولم يُحرم منه أو يُحَرَّم عليه، كما هو حالنا في زماننا هذا، وقد حُرَّمَ علينا أن نجاهد أعداء الإسلام، فمن يفعل، فقد باء بجريرة لاقرار له معها في أرض تطلع عليها الشمس.
ومعنى الاستفهام:" أي شيء لكم في التثاقل عن الجهاد وقت أن يقال لكم انفروا في سبيل الله تعالى؟
وغيرخفي أن في هذا نفيا عظيما لأن يكون لهم أدنى ما يحملهم على التثاقل عند دعوتهم إلى الجهاد، وهذا مسلك من مسالك النفي المؤكد الذي لا قِبَلَ للمعاند إلى نقضه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)