Arabic source text

📘 দারউ তাআরুদিল আকলি ওয়ান নাকলি (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

📘 درء تعارض العقل والنقل (ابن تيمية - ت 728 هـ)

📘 দারউ তাআরুদিল আকলি ওয়ান নাকলি (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
العالم كله لا بد أن يفنى جميعه ثم يعاد، فلو كانت الجنة مخلوقة لفنيت فيما يفنى، ثم تعاد فلا تفنى، والجهم يقول: تفنى فناءً لا تعاد بعده، وأبو الهذيل يقول: تفنى حركات أهل الجنة والنار.
والقول الثاني: قول من يقول بامتناع ما لا يتناهى في الماضي دون المستقبل، لأن الماضي قد وجد، والمستقبل لم يوجد بعد.
وهو قول أكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم.
والثالث: قول من يقول بإمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل كما هو قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة.
لكن أئمة أهل الملل وغيرهم ممن يقر بأن الله خالق كل شيء، وأن كل ما سواه محدث مسبوق بعدم - يقولون: لا يجوز وجود حوادث لا تتناهى إلا من قديم واحد.
وأما من يقول بوجود قديمين متحركين، كمن يقول بقدم الأفلاك، فإن هؤلاء - كأرسطو وأتباعه - لا يجوزون أن يوجد بكل من القديمين - بل والقدماء - حوادث لا بداية لها ولا نهاية، مع أن إحداهما أكثر من الأخرى، فيجوزون فيما لا أول له ولا آخر أن يكون غيره أكثر منه، وأن يكون قابلاً للزيادة، بخلاف الذين قبلهم، فإنهم إنما يجوزون ذلك في قديم واحد، فإذا كان ما يفعله لا بداية له ولا نهاية، لم يلزم أن يكون قابلاً للزيادة.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 346)

وعلى هذا فللناس في أن ما لا يسبق جنس الحوادث هل هو حادث؟ أقوال:
أحدها: أنه يجب أن يكون حادثاً مطلقاً.
والثاني: لا يجب أن يكون حادثاً.
والثالث: أنه كان محتاجاً إلى غيره وجب أن يكون حادثاً، وإن كان غنياً عن غيره لم يجب أن يكون حادثاً.
وأيضاً فإن ما لم يسبق حوادث نفسه لم يجب أن يكون حادثاً، وإن لم يسبق حوادث غيره كان حادثاً.
وقد قرر هذا في موضع آخر.
ومن فهم ما ذكرناه، ونظر فيما صنفه الناس في هذا الباب من الاستدلال على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث - تبين له تقصير كثير منهم في استيفاء مقدمات الدليل.
ثم الذين استوفوا مقدماته يبقى الكلام معهم في صحة تلك المقدمة، وقد عرف منازعه أكثر أهل الملل، وأكثر الفلاسفة، أو كثير من الطائفتين فيها وإبطالهم لها.
ولما كان هؤلاء وأمثالهم يدعون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالمعقول، ويفسرون المعقول بمثل هذا الدليل الذي هو باطل، وغايته إذا قيل: إنه صحيح أنه لا يصل به إلى المطلوب إلى قليل من الناس بعد كلفة شديدة، ومخاطرة عظيمة، ويريدون أن يردوا بمثل هذا ما دل عليه الكتاب

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 347)

والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، بل ما علم بفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، ودلت عليه العقليات الصريحة، قابلهم من قال: إن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع.
وهؤلاء في الغالب لا يريدون بذلك المعرفة الحاصلة لعموم الخلق من الكفار وغيرهم، فإن هذه عندهم فطرية ضرورية، أو مكتسبة بنوع من نظر العقل.
وقد تقدم كلام الناس في أن أصل الإقرار بالصانع فطري ضروري، أو قد يكون ضرورياً، خلافاً لمن قال: إنه لا يحصل إلا بالنظر.
وكلام السلف والأئمة في ذلك كثير.
ولهذا كان كثير من أتباعه ممن يقول: إن أول الواجبات هو النظر، وأن المعرفة لا تحصل إلا به، قد يقول خلاف ذلك في موضع آخر.
وقد تقدم أن القاضي أبا يعلى وغيره كانوا يقولون بوجوب النظر في هذه الطريقة: طريقة الأعراض، ثم رجعوا عن ذلك.
ويقولون: إن المعرفة نظرية، وإنها حاصلة بالنظر في الأدلة المذكورة في القرآن.
وكثير من الناس كانوا يقولون أولاً بوجوب النظر المعين الذي توجبه الجهمية والمعتزلة، وهو النظر في حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، وأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأنه أول واجب على العباد، ثم رجعوا عن ذلك لما تبين له فساد القول بوجود ذلك.

‌‌كلام أبي يعلى في المعتمد عن وجوب النظر
ومن هؤلاء القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وأبو المعالي الجويني،

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 348)

والغزالي، والرازي، وغيرهم.
فإن هؤلاء وأمثالهم سلكوا أولاً الطريقة التي وجدوها للمتكلمين الذي سلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة.
فقالوا - وهذا لفظ القاضي أبي يعلى في المعتمد -: (إذا ثبت صحة النظر ووجوبه، فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله تعالى) .
قال: (وقد قيل: إن أول الواجبات إرادة النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله تعالى) .
قلت: هذا قول أبي المعالي في إرشاده وذكر القاضي أبو بكر وغيره.
واختار القاضي أبو يعلى هذا في موضع آخر، فقال: (أول ما أنعم الله على المؤمنين - بعد الحياة - من النعم الدينية: خلق القدرة على الإرادة للنظر والاستدلال المؤديين إلى إثبات المعاني وحدوثها، وأن الجواهر لم تخل منها ولم تسبقها في الوجود الموصل له إلى معرفة الله تعالى) .
قال: (وقد قيل: أول نعمة دينية خلق القدرة على الإيمان) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 349)

قال: (وجه الأول: أول طاعة واجبة لله على الخلق اكتساب الإرادة للنظر المؤدي إلى إثبات المعاني وحدوثها، وأن الجواهر لم تسبقها، وإذا كان ذلك أول الواجبات، وجب أن يكون أول النعم عليه من النعم الدينية) .
قال: (وأعظم نعمة الله على المؤمنين من النعم الدينية وأجلها: كتب الإيمان في قلوب المؤمنين) .
قال: (وقد قيل: أعظم النعم الدينية هي: خلق القدرة على الإيمان، والأول أشبه.
فإن أعظم الطاعات هو الإيمان، فإنه بوجوده والموافاة به يحصل الثواب الدائم في الآخرة، وإذا لم يوجد لا يحصل ذلك.
ثم قالوا: - وهذا لفظ القاضي أبي يعلى - خلافاً لمن قال: إن أول الواجبات المعرفة بالله، وخلافاً لمن قال: معرفة الله غير واجبة، وأن الواجب الإقرار به والتصديق له.
قال: (والدلالة على ما ذكرنا، أنه قد ثبت أن من لا يعرف الله لا يمكنه أن يتقرب إليه، كما أن من لا يعرف زيداً لا يمكنه أن يتقرب إليه.
لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً بالمتقرب إليه، وليس بمشاهد لنا، ولا معلوم لنا ضرورة، فوجب ألا نعلمه إلا بالنظر والاستدلال في الطريق الموصل إليه، فلما لم تتم المعرفة إلا به، وجب أن يكون واجباً، وإذا وجب علم أنه أول الواجبات) .
ثم قال: (فصل) : وإذا ثبت أن أول الواجبات، فإنما يجب النظر في الطريق الموصل إلى معرفة الله، وهو حدوث الأشياء من الجواهر

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 350)

والأجسام، وإذا كانت محدثةً وجب أن يكون لها محدث، لأن المحدث لو لم يعلق بمحدث، لم تتعلق الكتابة بكاتب، والضرب بضارب، لأن ذلك كله يبعد، إذ استحالة محدث لا محدث له كاستحالة كتابة لا كاتب لها.
فلو جاز محدث لامحدث له، لجاز محدث لا إحداث له وذلك محال.
وأيضاً، فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها على بعض، ويتأخر بعضها عن بعض، فلولا أن مقدماً قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر،، لم يكن ما تقدم منها أولى من أن يكون متأخراً، وما تأخر منها أولى من أن يكون متقدماً، فدل ذلك على أن لها مقدماً محدثاً لها، قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر) .
وكان القاضي قد سمع رسالة الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله على مسعود السجزي، عن علي بن سري السجستاني، عن الخطابي، وذكر أن بعض الناس اعترض عليها.
فإن الخطابي ذكر عن الغنية عن الاستدلال بحدوث الجواهر والأجسام، لكونها لا تنفك عن الحوادث كما تقدم.
وقال: (فأموا مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 351)

وهذه طريقة السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع، وحدوث العالم، لأنه إذا ثبتت نبوته بقيام المعجز (وجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله تعالى وصفاته وكلامه) .....
(وقد نبههم في كتابه على الاستدلال به على ربوبيته فقال: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ....) وقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} ، وقوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات} ، وما أشبه ذلك مما يدل على إثبات الصانع) إلى آخر كلامه.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 352)

قال القاضي: (وقد اعترض على هذا بعضهم فقال: هذه رجوع منهم ومناف لما ذكره، لأنه حث على الاعتبار بأنفسنا وبالسماوات والأرض، وليس ذلك بمعجزات الأنبياء، وإنما هي الأجسام والأعراض) .
قال: (وإنما احتج المتكلمون بالأعراض لأن الجسم لا ينفك منها، وهي محدثة في أنفسها، لعلمنا بأن العرض يعدم في حال ويوجد في حال أخرى.
وهذا شاهد على حدوثها، وعلى حدوث ما لا ينفك منها) .
قال: (ومعنى قوله: انقلابها فيها، انقلاب الجواهر في الأعراض، ومعناه تغيره من سواد إلى بياض، ومن حركة إلى سكون) .
قلت: قد يراد بانقلابها فيها انقلاب الأعراض في الجواهر، فإنها تنقلب من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، ومن نوع إلى نوع: كالبياض والسواد، والحركة والسكون.
وهذا المعترض على الخطابي أخطأ، فإن الخطابي ذكر طريقين كما ذكرنا:

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 353)

أحدهما: المعجزات، بناء على أن الإقرار بالصانع فطري، أو على المعجزات يستدل بها على الخالق، وعلى صدق أنبيائه، كما ذكرنا في عصا موسى.
والطريق الثاني: أن القرآن نبه على الأدلة العقلية الصحيحة، كما اعترف أئمة النظار بأن القرآن دل على الطريق العقلية.
فقال: (وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعاً حكيماً، عالماً خبيراً، تام القدرة، بالغ الحكمة.
وقد نبههم الكتاب على ذلك، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ، إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة، الدالين على وجود الصانع الحكيم) .
ثم تكلم في خلق الإنسان بما تقدم ذكره.
قال: (وكقوله: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت}

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 354)

وبقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} ، وما أشبه ذلك من خلال الأدلة، وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما يطول تتبعه واستقراؤه) .
قال: (فبهذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه) .
فقد بين الخطابي بعض ما نبه عليه القرآن من الاستدلال بالآيات النفسية والأفقية، وهي أدلة عقلية.
والخطابي ذم طريقة الاستدلال بالأعراض، وأنها لازمة للأجسام.
وهذه الطريقة لم ينبه القرآن عليها، ولكن بعض الناس ذكروا: أن هذه طريقة إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، في قوله: {لا أحب الأفلين} ، قالوا: لأن الأفول هو الحركة التي لم يخل الجسم منها.
وهذا باطل لوجوه:

‌‌بطلان استدلال الفلاسفة
أحدها: أن الأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 355)

والثاني: أنه لو استدل بالحركة لكان من حين بزغت استدل بذلك، لم يؤخر الدلالة إلى حين الغروب.
الثالث: أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم أدل، فإنه لم يجعل الحركة منافية لما قصده، بل المنافي هو الأفول.
الرابع: أن إبراهيم لم يكن معنياً بقوله: {هذا ربي} ، أنه رب العالمين، عل أي وجه قاله، ولا اعتقد ذلك قومه ولا غيرهم، وإنما كان الذي يقول ذلك يتخذه رباً لينال بذلك أغراضه، كما كما عباد الكواكب والشمس والقمر يفعلون ذلك.
وكان قومه من هؤلاء، لم يكونوا جاحدين للصانع، بل مشركين به.
ولهذا قال لهم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} .
وقال في آخر قوله: {إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} ، وقد بسط هذا في موضع آخر.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 356)

والمقصود هنا: أن القاضي كان أولاً يقول بطريقة من يقول: إن أول الواجبات هو النظر في حدوث الأجسام، ثم رجع القاضي عن ذلك، ووافق الخطابي وغيره ممن سلك مسلك السلف والأئمة، وقالوا: إن هذه الطريقة ليست واجبة بل هي عند محققيهم باطلة، وإن كان النظر واجباً في غيرها من الطرق الصحيحة.
وقد افتتح القاضي كتابه بقوله: (الحمد لله مبتدىء الأشياء ومخترعها من غير شيء، العالم بها قبل تكوينها، والقادر عليها قبل أنشائها، جاعل العلامات، وناصب الدلالات، ومبين الآيات، الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار، أرسل الرسل بالإنذار، وأنزل الكتب بالأنوار، وباعث النبيين، ومنقذ العمين.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، أنزل عليه كتابه الهدى نوراً لمن التمسه، وضياءً لمن اقتبسه، ودليلاً لمن طبله، دلهم فيه على معاني حكمته، ولطيف صنعته، وبيان جلاله، أثبت الحجة به على أوليائه وأعدائه، وهو كلامه الذي يعجز الخلق أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لا معقب لأمره، ولا راد لفضله، تعالى عما يقول الجاحدون علواً كبيراً) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 357)

ثم قال: (وهذه خطبة شيخنا أبي بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، ذكرها في أول كتابه الشافي قصدت أن أفتتح كتابي بها تبركاً به، ولأنه قد صرح فيها بالقول وبالنظر والاستدلال بقوله: الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار) .
قال: (وفي هذا بيان لوجوب النظر وصحته، وإزالة الإشكال عمن توهم غير هذا في المذهب) .
قلت: وإيجاب النظر مطلقاً غير إيجاب النظر في الطريق المعين، طريقة كون الأعراض حادثة وهي لازمة للأجسام، فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد من أئمة المسلمين، الذي يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبعونه، إذ كان معلوماً بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجب النظر في هذه الطريقة، بل ولا دل على صحتها، بل ما أخبر به يناقض موجبها، وهي وإن جعلها من جعلها من أهل الكلام المحدث أصلاً في معرفة الصانع وصفاته، وصدق رسله، فهي عند التحقيق تناقض معرفة الصانع ومعرفة صفاته وصدق رسله، كما قد بسط في مواضع والمقصود هنا أن القاضي أبا يعلى ونحوه ممن كان يقول أولاً: إن المعرفة

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 358)

لا تحصل إلا بالنظر في هذه الطريقة، وهو أول الواجبات، لما ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ، قالوا: - واللفظ للقاضي في الفطرة -: (ما الفطرة هنا؟ على روايتين عن أحمد:

‌‌كلام القاضي أبي يعلى عن معنى الفطرة
أحداهما: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم، فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعاً ومدبراً، وإن سماه بغير اسمه.
قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول) .
قال: (وليس الفطرة ها هنا الإسلام، لأمرين:
أحدهما: أن معنى الفطرة: ابتداء الخلقة.
ومنه قوله تعالى: {فاطر السماوات والأرض} ، أي مبتدئهما.
وإذا كانت الفطرة هي الأبتداء، وجب أن تكون تلك هي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطرة المعقول، وهو استخراجهم ذريةً، لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة هنا: الإسلام لوجب إذ ولد من بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، ما دام طفلاً، لأنه مسلم، واختلاف

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 359)

الدين يمنع الإرث، ولوجب ألا يصح استرقاقه، ولا يصح إسلامه بإسلام أبيه، لأنه مسلم) .
قال: (وهذا تأويل ابن قتيبة، ذكره في إصلاح الغلط على أبي عبيد، وذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة.
قال: (وليس كل من ثبت له المعرفة حكم بإسلامه، كالبالغين من الكفار فإن المعرفة حاصلة لهم وليسوا بمسلمين) .
قال: (وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل في رواية الميموني، فقال: الفطرة الأولى التي فطر الله عليها، فقال له الميموني: الفطرة: الدين؟ قال: نعم) .
قال القاضي: (وأراد أحمد بالدين: المعرفة التي ذكرناها) .
قال: (والرواية الثانية: الفطرة هنا: ابتداء خلقه في بطن أمه) .
قال: لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم، وهو الإقرار بممعرفة الله تعالى، حمل للفطرة على الإسلام، لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان، والمؤمن مسلم) .
قال: (ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، لأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقاً لله، وقد ثبت من أصولنا أن أفعال العباد خلق لله عن طاعة ومعصية) .

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 360)

قال: (وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن كل مولود يولد على الفطرة، فقال: على الشقاوة والسعادة.
وكذلك نقل محمد بن يحيى الكحال، أنه سأله عن كل مولود يولد على الفطرة، قال: هي التي فطر الناس عليها: شقي أو سعيد.
وكذلك نقل حنبل عنه، قال: الفطرة التي فطر الله العباد من الشقاء والسعادة) .
قال: (وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا: ابتداء خلقه في بطن أمه) .

‌‌تعليق ابن تيمية
قلت: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وهي الدين.
وقد قال في غير هذا موضع: إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما، حكم بإسلامه.
واستدل بهذا الحديث: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.
فدل على أنه فسر الحديث: بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرحاً به في الحديث: ولو لم يكن كذلك لما صح استدلاله بالحديث.
وقوله في موضع آخر: يولد على مافطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك، فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها، وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها، كفعل الأبوين.
فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله تعالى.
والمولود ولد على الفطرة سليماً، وولد على أن هذه الفطرة السليمة

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 361)

يغيرها الأبوان، كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه.
كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ، فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليماً، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضاً بقضاء الله وقدره.
وإنما قال الأئمة: ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة، لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله، بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس.
ولهذا قالوا لـ مالك بن أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره.
وهو قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين.
فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تهوده وتنصره، بل هو تهود وتنصر باختياره، لكن كانا سبباً في ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهم بهذا الاعتبار، فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى، لأن الله، وإن خلقه مولوداً على الفطرة سليماً، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك.
كما في الحديث الصحيح: (إن الغلام الذي قتله الخضر يوم طبع

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 362)

كافراً، ولو بلغ لأرهق أبويه طغياناً وكفراً) .
فقوله: طبع، أي طبع في الكتاب، أي قدر وقضي، لا أنه كان كفره موجوداً قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طبع كتابه يوم طبع.
ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط.
فإن ذلك لا يقال فيه: طبع يوم طبع، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار «عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره، قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله: أليسوا أولاد المشركين؟ قال: أو ليس خياركم أولادكم

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 363)

المشركين؟ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» .
فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك.
ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافراً وإما مسلماً على ما سبق له القدر - لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده صلى الله عليه وسلم من نهية لهم عن قتل أولاد المشركين.
وقد ظن بعضهم أن معنى قوله: «أو ليس خياركم أولاد المشركون؟» معناه: لعله أنه قد يكون سبق في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعاً إلى هذا المعنى من التجويز.
وليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: إن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، هؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفاراً، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كانوا مؤمناً، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 364)

وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسر بعضها بعضاً، ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} ، قالوا: يا رسول الله: أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وفي الصحيح: قال الزهري: يصلي على كل مولود متوفى وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخاً، ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه سقط، و «إن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} » .
وفي الصحيح من رواية الأعمش: «ما من مولود يولد إلا وهو على

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 365)