الوجه الثاني
أن يقال: ما سوى الله هل يتوقف شيء منه على غيره، أم لا؟
فإن قلت بالثاني، لزم قدم جميع الممكنات الموجودة، حتى الحوادث، وهو مكابرة.
وإن توقف منه شيء على غيره بطل قولك: ما سوى نور الأنوار لا يتوقف على غيره.
وإيضاح ذلك:
الوجه الثالث
وهو أن يقال: إذا قدر الغير الذي هو شرط، هو من الله أيضاً، وتوقف أحد الفعلين على الآخر لم يكن في ذلك محذور.
فإن الله جعل بعض الأشياء شرطاً في وجود بعض، غاية ما في هذا أن يقال: هذا يقتضي التسلسل.
فيقال: وهذا عندك جائز، فلا يتعين قدم شيء من الأفلاك ولا غيرها.
الوجه الرابع
أن يقال: إن كان التسلسل باطلاً بطل مذهبك، وإن كان جائزاً بطلت حجتك.
الوجه الخامس
أن يقال أنت وقد أوجبت التسلسل في الحوادث بإيجاب حركة دائمة لا تنقطع، وقلت أيضاً: فلما كان نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة، فيدوم بدوامه ما منه لعدم توقفه على أمر منتظر.
وإذا كان قولك وقول إخوانك يتضمن هذا وهذا، فيقال لكم: الحركة الدائمة إما أن تكون منه بواسطة أو بغير واسطة، وإما أن لا تكون منه، فإن لم تكن منه لزم حدوث الحوادث بدون واجب الوجود، وهذا هو القول بحدوث الحوادث بلا محدث، وإن كانت الحركة منه بواسطة أو بغير واسطة، وهو قولهم.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 232)
فيقال: فحينئذ قد كان منه ما لا يدوم بدوامه، فإن كل جزء من أجزاء الحركة حادث، وعندكم أنه حدث عن تصور حادث وشوق حادث، فهذه أمور من واجب الوجود وليست دائمة بدوامه، فهذا ينقض قولكم: إن كل ما منه يدوم بدوامه.
ثم أيضاً من المعلوم أن كل واحد من الحوادث منه بواسطة أو غير واسطة، وهو كان بعد أن لم يكن، ويعدم بعد أن كان فهو منه، وليس مقارناً له، ولا دائماً بدوامه.
فعلم بذلك أنه لا يجب في كل ما كان منه أن يدوم بدوامه، فلا يجب في الفلك وغيره من الأعيان المشهودة أن تدوم بدوامه، وهو المطلوب.
وإذا قال: الذي يدوم بدوامه هو جنس الأفعال والمفعولات أو جنس الحوادث شيء بعينه.
قيل: فهذا يبطل حجتك على قدم شيء بعينه، ويناقض مذهبك في قدم شيء بعينه.
كلام ابن سينا في الإشارات
وقال ابن سينا: في إشاراته في ذكر هذه الحجة: تنبيه: وجود المعلول يتعلق بالعلة، من حيث هي على الحال التي بها تكون علة، من طبيعة أو إرادة أو غير ذلك أيضاً، من أمور يحتاج أن تكون من الخارج، ولها مدخل في تتميم كون العلة بالفعل، مثل الآلة:
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 233)
كحاجة النجار إلى القدوم، أو المادة: كحاجة النجار إلى الخشب، أو المعادن: كحاجة النشار إلى نشار آخر، أو وقت: كحاجة الآدمي إلى الصيف، أو الداعي: كحاجة الآكل إلى الجوع، أو زوال مانع: كحاجة الغسال إلى زوال الدجن.
وعدم المعلول يتعلق بعدم كون العلة على الحالة التي هي بها علة بالفعل، سواء كان ذاتها موجوداً على غير تلك الحالة أو لم يكن موجوداً أصلاً، فإذا لم يكن شيء معوق من خارج، وكان الفاعل بذاته موجوداً، ولكن ليس لذاته علة، توقف وجود المعلول على وجود الحالة المذكورة، التي إذا وجدت كانت طبيعة، أو إرادة جازمة، أو غير ذلك -وجب وجود المعلول.
وإن لم توجد وجب
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 234)
عدمه، وأيهما فرض أبداً كان ما بإزائه أبداً، أو وقتاً ما، كان وقتاً ما.
وإذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء، وله معلول، لم يبعد أن يجب عنه سروراً، فإن لم يسم هذا مفعولاً، بسبب أن لم يتقدمه عدم، فلا مضايقة في الأسماء بعد ظهور المعنى.
تعليق ابن تيمية
فيقال له: هذا كلام مقدر على شيء مضمونه: أن العلة التامة التي لا يقف اقتضاؤها على أمر منفصل عنها، يلزم من وجودها وجود معلولها بجلاء، بخلاف ما يتوقف اقتضاؤها على أمور منفصلة، كالآلة والمادة والداعي وغير ذلك، وأنه إذا فرض شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول، لم يبعد عنه سرمداً.
لكن الشأن في تحقيق هذا المقدر، فإنه يقال لك: هذا غايته أن يكون إبطالاً لقول من يجعل الرب خالقاً للعالم، من غير حدوث سبب أصلاً.
وهذا قول طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى الملل، وليس هذا قول أئمة أهل الملل وجمهورهم القائلين بأن الله خالق كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام.
وإذا كان كذلك فهؤلاء يلزموك ويقولون: هذه العلة الموصوفة هل يجوز أن يصدر عنها -بوسط أو بغير وسط- أمور مختلفة حادثة أو لا يجوز؟
فإن لم تجوز ذلك بطل قولك، ولزم أن لا يكون للحوادث فاعل، وهو معدوم الفساد بالضرورة.
وإن جوزت ذلك، قيل لك: فإذا كان الفاعل واحداً بسيطاً
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 235)
موجوداً، لا يتوقف فعله على شيء خارج عنه، فلم وجدت عنه المختلفات؟ ولم تأخرت عنه الحوادث؟ فما كان جوابك عن هذا، كان جواباً لهم عن الحوادث، وأولى.
وأما من قال: إن الواجب بنفسه تقوم به الأفعال المتعلقة بقدرته ومشيئته.
فيقولون: حدوث ما حدث يتوقف على تلك الأفعال موقوفة على ما قبلها، فإن التسلسل جائز عندك.
ثم يقال: إما أن يكون التسلسل جائزاً، وإما أن لا يكون.
فإن كان جائزاً، أمكن أن تتسلسل الأفعال التي يقف عليها وجود تلك المفعولات.
وإن لم يكن جائزاً لزم حدوث جنس المحدثات، ويبطل القول بحوادث لا أول لها، وهو نقيض قولكم.
وأيضاً قوله: إذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال لا يخلو: إما أن يجوز أن تصدر عنه الأمور المختلفة الحادثة بوسط أو بغير وسط، وإما أن لا يجوز.
فإن لم يجز ذلك لزم أن لا تكون هذه الحوادث صادرة عن علة بسيطة، لا بوسط ولا بغير وسط.
وهذا يبطل قولهم.
وحينئذ فإما أن يقال: إن هذه الحوادث لا محدث لها، وهو معلوم الفساد بالضرورة.
وإما أن يقال: ليس المحدث مجرداً عن الصفات والأفعال، بل له صفات وأفعال، كما يقوله المسلمون، وهو الحق.
وإن جاز أن تصدر المختلفات والمحدثات عن بسيط، أمكن أن يحدث عنه ما لم يكن حادثاً عنه، وحينئذ فلا يلزم أن يكون معلولاً له لازماً له.
كلام الرازي في شرح الإشارات
قال الرازي في شرح هذا الكلام.
اعلم أن الغرض من هذا
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 236)
الفصل التنبيه على الحجة لا يزال القائلون بالقدم يتمسكون بها ويعولون عليها، وهي أن الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري تعالى في العالم، إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون، والثاني باطل، إذ لو كان شيء منها حادثاً لافتقر حدوثه إلى المؤثر.
والكلام في كونه مؤثراً في ذلك الآخر، كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال.
فإذاً كل الأمور المعتبرة في مؤثرية الله تعالى في العالم أزلية.
وأيضاً فمن الظاهر أن المؤثر متى حصل مستجمعاً جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية، وجب أن يترتب الأثر عليه، لأنه إن جاز تخلف الأثر عنه، كان صدور الأثر عن العلة المستجمعة لجميع تلك الأمور المعتبرة في المؤثرية، ولا صدور عنها على السواء.
ولو كان كذلك لما ترجح الصدور على أن لا صدور إلا بمرجح آخر.
فلم تكن جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية حاصلاً قبل حصول هذا الزائد، وكنا قد قد فرضنا أن الأمر كذلك، هذا خلف.
قال: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري قد أفعاله، هذا تحرير هذه الحجة.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 237)
قال: ولقائل أن يقول: هذا الكلام إنما يلزم في الموجب بالذات، أما الفاعل المختار فلا، لاحتمال أنه يقال: إنه كان في الأزل مريداً لإحداث العالم في وقت دون وقت، فإذا قالوا: فلم أراد إحداثه في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده؟ كان الكلام فيه طويلاً، وهو مذكور في سائر كتبنا على الاستقصاء.
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الجواب الذي أجاب به هو جواب كثير من أهل الكلام، من المعتزلة والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقد عرف الطعن في هذا الجواب، وأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح، وأن ما ذكر في القسم الأول هو حصول الموثرية التامة في الأزل مع تأخر الأثر، وأن مضمونه تخلف الشيء عن موجبه التام، كما قد بسط في موضعه.
الجواب عن هذه الحجة بوجوه. الوجه الأول
الجواب عن هذه الحجة بوجوه.
الوجه الأول
قوله: يلزم التسلسل وهو محال ليس كذلك، فإن التسلسل جائز عند من يقول بموجب هذه الحجة، فإن ذلك تسلسل في الآثار لا في المؤثرات، ولا يصح القول بموجبها إلا بذلك، فقولهم: التسلسل محال، باطل على أصلهم.
وهذا الموضع مما يشتبه على كثير من الناس، فإن التسلسل في الآثار: تارة يعني به التسلسل في أعيان الآثار، مثل كونه فاعلاً لهذا بعد هذا، ولهذا بعد هذا، وأنه لا يفعل هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا، وهلم جراً.
فهذا التسلسل جائز عند الفلاسفة، وعند أئمة أهل الملل، أهل السنة والحديث.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 238)
وعلى هذا التقدير، فقول القائل، فقول القائل: الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري في العالم: إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون.
أتريد به التي يتم بها مؤثريته في كل واحد واحد من آحاد العالم؟ أو في جملة العالم؟
إن إردت الأول، لم تكن بأسرها أزلية، وكان حدوث كل واحد منها مفتقراً إلى حادث قبله.
وهذا التسلسل جائز عندهم.
وإن أردت الثاني، قيل لك: ليس جملة العالم متوقفاً على أمور معينة، حتى يرد عليها هذا التقسيم، بل بعض العالم يتوقف على أمور، وبعض آخر يتوقف على أمور أخرى، وكل بعض يتوقف على أمور حادثة، وتلك الأمور تتوقف على أمور أخرى، ويلزم من ذلك التسلسل في نوع الحادث، وهو جائز عندكم.
وأما أن أريد بالتسلسل في الآثار، التسلسل في جنس التأثير، وهو أن يكون جنس التأثير متوقفاً على جنس التأثير، بحيث لا يحدث شيئاً حتى يحدث شيئاً، فهذا باطل لا ريب فيه، وهو تسلسل في تمام كون المؤثر مؤثراً، وهو من جنس التسلسل في المؤثر.
لكن بطلان هذا يستلزم أنه لم يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً لشيء، فيلزم دوام نوع الفاعلية لا دوام مفعول معين، وحينئذ فلا يدل على قدم شيء من العالم، وهذا بين لمن تدبره.
ويراد بالتسلسل معنى ثالث، وهو أن فاعليته للحادث المعين، لا تحصل حتى يحصل تمام المؤثر لهذا الحادث المعين، فيلزم تسلسل الحوادث في الواحد، وهذا ممتنع أيضاً باتفاق العقلاء.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 239)
فهذا تسلسل في تمام تأثر المعنى، وذاك في أصل التأثير وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء.
فتبين أن حججهم الهائلة، التي أرعبت قلوب النظار، ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم البتة.
فقولهم بقدم شيء من العالم: الأفلاك أو غيرها، قول بلا حجة أصلاً، بل هو قول باطل، كما بين في موضع آخر.
نعم هذه الحجج إنما أرعبت قلوب أهل الكلام المبتدع المحدث في الإسلام، الذي هو كلام الجهمية والقدرية، ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكرامية، ومن تبعهم أو قلدهم من المتفقه وغيرهم، فما ذكره الفلاسفة إنما يبطل قول هؤلاء، الذي زعموا أن الرب لم يزل معطلاً عن أن يفعل بمشيئته أو يتكلم بمشيئته ثم يفعل أو يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء.
وهذا القول مما اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلانه.
فإذاً ليس معهم حجة عقلية تناقض نصوص الكتب والسنة، بل ولا مذهب السلف والأئمة، وهو المطلوب.
وبما ذكرناه من الفرق بين التسلسل في أصل التأثير وتمامه، وبين التسلسل في الآثار، يظهر صحة الدليل، الذي احتج به غير واحد من أئمة السنة، على أن كلام الله غير مخلوق، مثل سفيان بن عيينة.
وبيان ذلك: أنه إذا دل على أن الله لم يخلق شيئاً إلا بكن، فلو كانت كن مخلوقة، لزم أن يخلق بكن أخرى، وتلك الثانية بثالثة،
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 240)
وذلك هو من التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء، فإنه تسلسل في أصل التأثير، فإنه لا يخلق شيئاً إلا بكن، فإذا لم يخلق كن لم يخلق شيئاً، ولو خلق كن لكان قد خلق بعض المخلوقات بغير كن، فيلزم الدور الممتنع، وهو المستلزم للجمع بين النقيضين، وهو أن تكون موجودة معدومة.
وأيضاً فإذا قدر أنه خلق الأولى بالثانية، والثانية بالثالثة، وهلم جراً، فلا بد من وجود جميعها في آن واحد، فإن كل واحد منها شرط في الثانية، وهي من الأمور الوجودية المشروطة في التأثير، فلا بد أن تكون موجودة عند وجود الأثر، كالاستطاعة والقدرة، وحياة الفاعل، وعلمه، وسائر شروط الفعل، فإنها كلها لا بد من وجودها عند وجود الفعل.
ولهذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر، على أن الاستطاعة لا بد أن تكون مع الفعل وتنازعوا في جواز وجودها قبله، ودوام وجودها إلى حين الفعل في حق المخلوق، على قولين.
وأما في حق الخالق، فاتفقوا على بقائها ودوامها إلى حين الفعل.
والصحيح الذي عليه السلف وأئمة الفقهاء، أنها تكون موجودة قبل الفعل، وتبقى إلى حين الفعل.
ولهذا يجوز عندهم وجود الاستطاعة بدون الفعل، كما في حق العصاة، ولولا هذا لم يكن أحد ممن كفر وعصى الله، إلا غير مستطيع لطاعة الله، وهو خلاف الكتاب والسنة.
قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] .
وقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] .
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 241)
وقال: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 91] .
ومعلوم أنه ليس المنفي هنا استطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فإنه قد يكون حينئذ معنى الكلام، فمن لم يفعل فعليه صيام شهرين متتابعين.
وكذلك يكون الأمر بالتقوى لمن اتقى لا لمن لم يتق، وإيجاب الحج على من حج دون من لم يحج، وهذا باطل.
فعلم أن المراد استطاعة توجد بدون الفعل، وما كانت موجودة بدون الفعل أمكن وجودها قبله بطريق الأولى.
وقد بين في غير هذا الموضع أن تسلسل العلل والمعلولات ممتنع بصريح الفعل واتفاق العقلاء، وكذلك تسلسل الفعل والفاعلين، والخلق والخالقين، فيمتنع أن يكون للخالق خالق، وللخالق خالق إلى غير نهاية.
ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من وسوسة الشيطان، فقال في الحديث الصحيح: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» .. وفي رواية أخرى: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليتعوذ بالله ولينته» .
وكذلك إذا قيل: لا يخلق شيئاً إن لم يخلق كذا، ولا يخلق كذا إن لم
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 242)
يخلق كذا، كان هذا ممتنعاً، لأنه منع وجود الخالق بالكلية، حتى يوجد تمام كونه مؤثراً، وتمام كونه مؤثراً موقوف على تمام آخر، فيلزم ألا يوجد تمام كونه خالقاً، فيلزم ألا يخلق شيئاً قط.
فإذا علم أنه لا يخلق شيئاً إلا بكن فلو كان كن مخلوقاً بكن أخرى وهلم جراً، كان كل واحدة من ذلك بها يصير خالقاً، ولم يوجد شيء من ذلك، فيمتنع أن يصير خالقاً.
وهذا بخلاف ما إذا قيل: يخلق هذا بكن، وهذا قبله أو بعده بكن وهلم جراً، فإن هذا يقتضي أنه لا يوجد الثاني إلا بعد وجود الأول.
والتوقف ها هنا على الشرط، هو فعله لهذا المعين، لا أصل الفعل، فلهذا كان في هذا نزاع مشهور، بخلاف الأول.
ومعلوم أن الأدلة العقلية لا تدل على قدم شيء من العالم، وإنما غايتها أن تدل على دوام الفاعلية، وامتناع كونه فاعلاً بعد أن لم يكن.
فإذا قالوا: التسلسل باطل، فإن عنوا به تسلسل الآثار، ووجود شيء بعد شيء فهذا خلاف قولهم، ولم يقيموا دليلاً على بطلانه.
وإن أرادوا به التسلسل الخاص، وهو التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلاً، فهذا مسلم أنه ممتنع، لكن امتناع لا يدل على فعله لشيء معين، بل على أصل الفعل، وهذا لا ينفعهم بل يضرهم.
الوجه الثاني
أن يقال: أما التسلسل في أصل الفاعلية فلا ينفعهم.
وإنما فيه إبطال قول الجهمية والقدرية.
وأما التسلسل في الأفعال المعينة، فإن كان جائزاً لم يصح احتجاجهم به، بل تبطل الحجة، وإن كان ممتنعاً
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 243)
لزم أن يكون للحوادث أول، فيبطل قول القائلين بقدم العالم.
وإذا بطل هذا القول، بطلت حجته بالضرورة، فيلزم بطلان هذه الحجة على التقديرين، وذلك يقتضي أنها فاسدة في نفس الآمر.
الوجه الثالث
أن يقال: كل حادث من الحوادث المشهودة إما أن تكون مؤثريته حاصلة في الأزل، وإما ألا تكون.
فإن كان الأول، لزم حصول الحوادث عن الموثر القديم، من غير تجدد شيء، وبطلت الحجة.
وإن كان الثاني فحصول كمال المؤثرية فيه بعد أن لم تكن أمر حادث، فيقف كمال مؤثريته في هذا الكمال.
وحينئذ فحال الفاعل إما أن يكون عند كمال التأثير في الحادث الثاني، كحاله عند كمال التأثير في الأول، وإما ألا يكون، فإن قدر الأول، لزم أن يحدث هذا الحادث الثاني، والذي بعده، والذي بعده، من غير حدوث سبب أوجب هذا الحدوث، لأن الذات الفاعلة حالها عند الأول كحالها عند الثاني والثالث، وحينئذ فإذا كانت عند الأول لا تفعل الثاني، فعند الثاني لا تفعل الثالث، لأنه لم يتجدد ما يوجب حدوثه.
وأيضاً فالذات نفسها ليست موجباً تاماً في الأزل لشيء من الحوادث، وهي لم تزل على ما كانت عليه، فيلزم ألا تكون موجبة لشيء من الحوادث في الأبد، وإلا لزم الإحداث بلا سبب حادث.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 244)
وهؤلاء فروا من حدوث الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب، وادعوا دوام حدوثها بلا سبب، فكان الذي فروا إليه شراً من الذي فروا منه، كالمستجير من الرمضاء بالنار.
وأما إن قيل: إن الفاعل نفسه تقوم به إرادات وأفعال توجب تخصيص كل وقت بما أحدثه فيه، كان هذا مبطلاً لحجتهم، إذ يمكن والحال هذه أن يحدث شيئاً بعد شيء مع دوام فاعليته، بل هذا مبطل لمذهبهم.
فإن من تصور هذا الفاعل علم يقيناً امتناع مقارنة شيء من أفعاله ومفعولاته له، وعلم أن كل واحد من أفعاله ومفعولاته لا يكون إلا حادثاً، لا مساوقاً له أزلاً وأبداً.
وإن كان هذا معلوماً في كل ما يقدر أنه فاعل، فهو فيما يقدر أنه فاعل بمشيئته وقدرته وأفعاله تقوم به، أظهر وأظهر.
ثم يقال: إما أن يكون تسلسل كمال المؤثرات ممكناً، وإما أن يكون ممتنعاً، فإن كان ممتنعاً لزم حدوث كل ما سوى الله، وأنه لم يكن فاعلاً ثم صار فاعلاً، وهو مبطل لقولهم.
وإن كان ممكناً لم يلزم إلا دوام كونه مؤثراً في شيء بعد شيء، وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو مبطل لحجتهم ومذهبهم كما تقدم.
والقول في الثاني كالقول في الأول، فيلزم التسلسل في الآثار.
وإذا كان ذلك لازماً كان جائزاً بطريق الأولى، وإذا كان جائزاً بطل القول بأنه محال، فبطلت الحجة.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 245)
الوجه الرابع
أن يقال: حدوث الحوادث من المؤثر القديم من غير تجدد شيء إما أن يكون جائزاً، وإما أن يكون ممتنعاً.
فإن كان جائزاً بطلت المقدمة الثانية من الحجة.
وإن كان ممتنعاً لزم حدوث ما به يتم التأثير في هذه الحوادث، إذ لو لم يحدث ما به يتم التأثير، لكانت قد حدثت عن المؤثر القديم من غير تجدد شيء، والتقدير أنه ممتنع.
ثم القول في حدوث ذلك التمام، كالقول في حدوث أثره، ويلزم التسلسل في الآثار، وذلك يبطل القول بامتناع التسلسل مطلقاً.
فإن كان هذا هو المراد في المقدمة، كما يريده طائفة ممن يصوغ هذه الحجة فهو ممتنع.
وإن كان المراد به ما ينبغي أن يراد، وهو التسلسل في تمام أصل التأثير، فهذا إذا امتنع إنما يستلزم دوام كونه فاعلاً، لا فاعلاً لشيء معين، وذلك لا ينفعهم بل يضرهم، فيلزم فساد إحدى المقدمتين على تقدير أحد النقيضين، وفساد الأخرى على تقدير النقيض الآخر.
ولا بد من ثبوت أحد النقيضين، فيلزم فساد إحدى المقدمتين قطعاً.
فتفسد الحجة.
الوجه الخامس
أن نقول: قوله: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري تعالى قدم أفعاله أتعني به جميع أفعاله، أو فعلاً ما من أفعاله، أم قدم نوع أفعاله؟.
أما الأول فباطل قطعاً، لأنه خلاف المشاهدة.
وأما الثاني فلا دليل في الحجة عليه، فإنها لا تدل على قدم شيء معين، لا فعل ولا مفعول.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 246)
وأما الثالث فلا يفيد قدم السموات لجواز أن يكون هناك فعل قائم بالذات بعده فعل، أو مفعول بعد مفعول، أو كلاهما.
وهذه الحجة قد ذكرها الآمدي، والأبهري، وغيرهما، وأجابوا عنها بالمعارضة بالحوادث اليومية.
كلام الآمدي في "دقائق الحقائق"
كلام الآمدي في دقائق الحقائق
فقال الآمدي في دقائق الحقائق في الاحتجاج لهم: لو كان ما وجد عن الواجب بذاته محدثاً موجوداً بعد العدم، فهو لذاته: إما أن يكون واجباً، أو ممتنعاً، أو ممكناً.
القول بالوجوب ممتنع، وإلا لما كان معدوماً.
والقول بالامتناع ممتنع.
وإلا لما وجد.
فلم يبق إلا أن يكون ممكناً لذاته.
وعند ذلك فحدوثه إن كان لا لمحدث ومرجح فقد ترجح أحد طرفي الممكن لا لمرجح، وهو محال.
وإن كان لمحدث ومرجح فالمرجح إما قديم، أو حادث.
فإن كان حادثاً فالكلام فيه كالكلام في الأول، والتسلسل والدور محال.
فلم يبق إلا أن يكون المرجح قديماً أو منتهياً إلى مرجح قديم، والمرجح القديم إما أن يكون قد تحقق معه في القدم كل ما لا بد منه في الإيجاد، أو بقي شيء منتظر.
فإن بقي شيء منتظر، فالكلام في حدوثه كالكلام في الأول، ويلزم في التسلسل أو الدور وهو ممتنع.
وإن كان القسم الأول فيلزم من قدم العلة قدم المعلول.
وكذلك الحكم فيما وجب عن الواجب بالواجب لذاته.
وقال الآمدي في الجواب: إنه يلزم منها وجود شيء من الحوادث.
إذ
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 247)
الكلام في كل حادث يفرض بالنسبة إلى علته، كالكلام في معلول واجب الوجود، وهو خلاف المعقول والمحسوس، وما هو الجواب فيما اعترف به من الحوادث فهو الجواب فيما نحن فيه، ولا بد من التفاتهم في ذلك إلى الإرادة النفسانية، وبيان انتفائها عن واجب الوجود.
وقد عرف ما فيه.
تعليق ابن تيمية
قلت: قد يظنون أنهم يجيبون عن هذه المعارضة بأن الحوادث اليومية مشروطة بحدث بعد حادث، وهذا يقتضي التسلسل في الآثار، والتسلسل في الآثار عندهم ليس بمحال.
وحقيقة قولهم: إن المرجح القديم هو دائم الترجيح، والحوادث المنفصلة عنه تحدث شيئاً بعد شيء.
ثم قد يعينون ذلك بحركة الفلك، فيقولون: هي الحادثة شيئاً بعد شيء.
ومن حذق منهم كابن سينا علم أن هذا جواب باطل، وأن حدوث حادث بعد حادث عن القديم من غير تجدد شيء ممتنع.
فادعى ما هو أفسد من ذلك فقال: إن الحركة لا توجد شيئاً بعد شيء، وإنما هي شيء موجود دائماً، وأن ما يوجد شيئاً بعد شيء لا وجود له في الخارج، بل في الذهن.
وهذه مكابرة بينة، قد بسط الكلام عليها في شرح الأصبهانية.
وقد اعترف حذاقهم بأن حدوث الحوادث شيئاً بعد شيء عن ذات لا يقوم بها حادث مما تنكره العقول.
وأما من اعترف منهم بقيام الأمور الاختيارية بذاته، فيقال لهم: هذا أدل على حدوث المفعولات.
ويقال للطائفتين: إذا جوزتم ذلك، لم يكن لكم دليل على قدم شيء من العالم.
فظهر بطلان حجتكم.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 248)
لكن هذا الجواب الذي عارض به هؤلاء لأولئك، لا يمكن أن يقال في أول الحوادث، لأنه ليس قبل أول الحوادث حادث يشترط في الحوادث المستقبلة.
فهذا فرق هؤلاء الفلاسفة بين ما يثبتونه من الحوادث اليومية التي تشاهد، وما ينفونه من أن للحوادث أولاً ابتدأت منه، وبهذا يتبين بطلان قول الطائفتين: هؤلاء وهؤلاء، وأن كل طائفة أقامت برهاناً على بطلان قول الأخرى، لا على صحة قولها، إذ لا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر، إلا إذا انحصر الحق فيهما، وليس الأمر كذلك.
كلام الآمدي في أبكار الأفكار
وذكرها الآمدي أيضاً في كتابه أبكار الأفكار قال: وجوابها: أنها باطلة من جهة أن الحس والعيان والبرهان شاهد بوجود حوادث كائنة بعد ما لم تكن.
وما ذكروه من الشبهة يلزم منه امتناع وجود الحوادث، والقول بامتناع وجود الحوادث ممتنع، وكل دليل لزم عنه الممتنع فهو باطل في نفسه.
وبيان الملازمة هو أن ما ذكروه من الترديد والتقسيم في حدوث العالم بعينه لازم في حدوث كل حادث، وكل ما هو جواب لهم في حدوث الحوادث بعينه يكون جواباً في القول بحدوث العالم بجملته.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 249)
وهذا الذي ذكره يجيبون عنه بما تقدم، وهو أن هذه الحجة إنما كانت حجة على من يقول ببطلان التسلسل في الآثار من أهل الكلام، وأما نحن فنجوز التسلسل في الآثار، فتكون الحوادث موقوفة على حوادث قبلها لا إلى أول.
وهذا الجواب منتف في جملة العالم، لأنه ليس قبله حادث نقف عليه عند الطائفتين.
وحقيقة جوابهم أن التسلسل الذي نفوه في هذه الحجة، ليس هو التسلسل في الحوادث التي تحدث شيئاً بعد شيء، فإنها لا تدل على بطلان هذا، وهم لا يقولون ببطلانه، وإنما دلت على بطلان التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلاً.
ومن قال بكونه فاعلاً، لا يقول بتوقف فاعليته على غيره: لا حادث ولا غير حادث، فلا يلزمهم هذا.
الجواب عن حجتهم من وجوه. الوجه الأول
الجواب عن حجتهم من وجوه.
الوجه الأول
ونحن قد ذكرنا الأجوبة القاطعة لهذه الحجة في غير موضع من وجوه:
أن يقال: إن كان التسلسل في الآثار ممتنعاً، لزم القول بأن للحوادث أولاً، وبطل المذهب فبطلت حجته، وإن كان ممكناً بطلت الحجة، لإمكان دوام كونه فاعلاً ليس بعد شيء، مع أن كل ما سواه مخلوق حادث.
هذا إذا أريد بالتسلسل الممتنع تسلسل أصل الفاعلية، وأما إذا أريد تسلسل الآثار، فإنه يظهر بطلانها.
الوجه الثاني
أن يقال: غاية الحجة أنه لا بد لكل حادث أن يكون قبله حادث.
وحينئذ فقد أخبرت الرسل أن الله خلق السموات والأرض وما
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 250)
بينهما في ستة أيام، وكان عرشه على الماء.
وجمهور المسلمين وغيرهم على أن المخلوق ليس هو الخلق، بل الخلق قائم بذات الله فتكون السموات والأرض وما بينهما محدثة بحوادث قبلها، والحوادث محدثة بما يقوم بذات الله من مقدوراته ومراداته سبحانه وتعالى.
الوجه الثالث
أن يقال: إما أن تقولوا بأن كل ما صدر عن الواجب بذاته لازم لذاته، أو لازم للازم بذاته، أو منه ما ليس بلازم بذاته.
فإن قلتم بالأول كان مكابرة للحس.
ولم يقل بذلك أحد من الناس، وهو الذي أنكره المعارضون لهم، وجعلوه لازم حجتهم.
وإن قالوا: إن منه ما ليس بلازم لواجب الوجود، ولا لازم للازمه، بل هو متأخر عنه.
فيقال: فالسموات والأرض وما بينهما، الذي أخبرت به الرسل عن الله، أنه خلق ذلك في ستة أيام: لم لا يجوز أن تكون من الحوادث المتأخرة كغير ذلك من الحوادث؟
الوجه الرابع
أن يقال: إذا كان العالم صادراً عن علة مستلزمة له، لا يتأخر عنها موجبها، لزم ألا يكون لشيء من الحوادث فاعل، لأن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، فلا يكون شيء من الحوادث معلولاً لها، ولا لشيء من معلولاتها.
فلزم أن تكون الحوادث لا فاعل لها، أو يكون فاعلها ليس هو، بل يكون فاعل كل محدث محدثاً، وهلم جراً، ويلزم تسلسل الفاعلين.
وهذا مع اتفاق العقلاء على فساده، ففساده معلوم بالضرورة من وجوه كثيرة، كما بين في غير هذا الموضع.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 251)