فالأولي: كقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] .
وقول النبي صلي الله عليه وسلم لعمران بن حصين «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» .
ومعلوم أن الحج والصلاة يجبان علي المستطيع، سواء فعل أو لم يفعل، فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن تكون مع الفعل.
والثانية: كقوله تعالى {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20] وقوله {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101-102] علي قول من يفسر الاستطاعة بهذه.
وأما علي تفسير السلف والجمهور، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم، وصعوبته علي نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين علي فعله لو أرادوه، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك.
وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل الموجبة له، وأما الأولي فلولا وجودها لم يثبت التكليف، كقوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
{فاتقوا الله ما استطعتم} [سورة التغابن: 16] ، وقوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأعراف: 42] ، وأمثال ذلك، فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنز إلي الرسول فهم من هذا القسم.
تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون
وكذلك أيضاً تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون، أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون، فمن الناس من يقول: إن هذا غير مقدور عليه، كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون، وذلك لاتفاق الفريقين علي أن خلاف المعلوم لا يكون ممكناً ولا مقدوراً عليه.
وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس، وقالوا: هذا منقوص عليهم بقدرة الله تعالي، فإنه أخبر بقدرته علي أشياء، مع أنه لا يفعلها، كقوله {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} [القيامة: 4] ، وقوله {وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18] ، وقوله {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65] ، وقد قال {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} [هود: 18] ، ونحو ذلك مما يخبر أنه لو شاء لفعله، وإذا فعله فإنما يفعله إذا كان قادراً عليه، فقد دل القرآن علي أنه قادر عليه يفعله إذا شاءه، مع أنه لا يشاؤه.
وقالوا أيضاً: إن الله يعلمه علي ما هو عليه، فيعلمه ممكناً مقدوراً للعبد، غير واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له، أو لبغضه إياه، ونحو ذلك، لا لعجزه عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم، فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل، وإن كان مقدوراً القدرة المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي.
وأما النوع الثاني: فكاتفاقهم علي أن العاجز عن الفعل لا يطيقه، كما لا يطيق الأعمي والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران، فمثل هذا النوع قد اتفقوا علي أنه غير واقع في الشريعة، وإنما نازع في ذلك طائفة من الغلاة المائلين إلي الجبر من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلاً، حتى نازع بعضهم في الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين والنقيضين: هل يجوز الأمر به من جهة العقل، مع أن ذلك لم يرد في الشريعة؟ ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة ـ كمن يزعم أن أبا لهب كلف بان يؤمن بأنه لا يؤمن ـ فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف، فإنه لم يقل أحد: إن أبا لهب أسمع هذا الخطاب المتضمن أنه لا يؤمن، وإنه أمر مع ذلك بالإيمان كما أن قوم نوح لما أخبر نوح عليه السلام: أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، لم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب، بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
المستلزم لموته علي الكفر وأنه سمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معينة العذاب، قال تعالى {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 85] ، وقال تعالى {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] .
والمقصود هنا التنبيه علي أن النزاع في هذا الأصل يتنوع: تارة إلي الفعل المأمور به، وتارة إلي جواز الأمر.
ومن هنا شبهة من شبه من المتكلمين علي الناس حيث جعل القسمين قسماً واحداً، وادعي تكليف ما لا يطاق مطلقاً، لوقوع بعض الأقسام التي لا يجعلها عامة الناس من باب ما لا يطاق، والنزاع فيها لا يتعلق بمسائل الأمر والنهي، وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر، ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزماً لجواز القسم الذي اتفق المسلمون علي أنه غير مقدور عليه، وقال أحد النوعين بالآخر، وذلك من الأقيسة التي اتفق المسلمون بل وسائر أهل الملل، بل وسائر العقلاء علي بطلانها، فإن من قاس الصحيح المأمور بالأفعال كقوله: إن القدرة مع الفعل، أو أن الله علم أنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
لا يفعل علي العاجز الذي لو أراد الفعل لم بقدر عليه ـ فقد جمع بين ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلاً وديناً، وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية وإخوانهم الجبرية.
وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام، كإطلاق القول بأن العباد مجبورون علي أفعالهم، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها علي إنكار ذلك ولا بأنه شاء الكائنات، وقالوا رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد، بالفاسد، واباطل بالبطال ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما ببن ردهم لذلك.
وأما إذا فصل مقصود القائل، وبين بالعبارة التي لا يشبه الحق فيها بالباطل ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل ـ كان هذا من الفرقان، وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون علي ترك الكتاب، وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
ويحرفون الكلم عن مواضعة، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، ولهذا كان يدخل المجبرة في مسمي القدرية المذمومين، لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعني الذي ذمت به القدرية.
ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: الرد علي القدرية، وقولهم: إن الله أجبر العباد علي المعاصي، ثم روي عن عمر بن عثمان عن بقية بن الوليد قال: سالت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده علي ما أحب.
وقال الأوزعي: ما أعرف للجبر أصلاً في القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخالفة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.
أما الزبيدي ـ محمد بن الوليد صاحب الزهري ـ فأنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، فنفي الجبر.
وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة: هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه، كما يقول الفقهاء في باب النكاح: هل تجبر المرأة علي النكاح أو لا تجبر؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره، فقال: الله أعظم من أن يجبر أو يعضل، لأن الله سبحانه قادر علي أن يجعل العبد مختاراً راضياً لما يفعله، ومبغضاً وكارهاً لما يتركه، كما هو الواقع، فلا يكون العبد مجبوراً علي ما يحبه ويرضاه ويريده، وهي أفعاله ولاختيارية، ولا يكون معضولاً عما يتركه، فيبغضه ويكرهه، أو لا يريده، وهي تروكه الاختيار.
وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ، وإن عني به هذا المعني، حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة، فيفضي إلي إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ، وإن قيل: إنه يراد به معني صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري جبر وقال: الله جبل العباد.
قال المروزي: أظنه أراد قول النبي صلي الله عليه وسلم لأشج عبد القيس، يعني قوله الذي في صحيح مسلم: «إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة.
فقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما.
فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» .
ولهذا احتج البخاري وغيره علي خلق أفعال العباد بقوله تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا} [المعراج: 19-21] فأخبر تعالي أنه خلق الإنسان علي هذه الصفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
واحتج غيره بقول الخليل عليه السلام {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: 40] ، وبقوله {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] .
وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، لأن الزبيدي نفي الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ قد يحتمل معني صحيحاً، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل.
كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتابه السنة فقال: حدثنا محمد ابن بكار، حدثنا أبو معشر، حدثنا يعلى عن محمد بن كعب قال: إنما سمي الجبار لأنه يجبر الخلق علي ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه، وإن كان ظاهراً في المحتمل المعني الفاسد خشيه أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعاً.
وهكذا يقال في نفي الطاقة عن المأمور، فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور: وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
قال الخلال: أنبأنا المروزي: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله يجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] .
وقال: أنبأنا المروزي قال: كتب إلي عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري، وقال: إنه يتنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد علي المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء، فقال: إن الله جبر العباد علي ما أراد أراد بذلك إثبات القدر.
فوضع أحمد بن علي كتاباً يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتاباً وأنكر عليهما جميعاً: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلي القدري حين قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد.
فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] .
قال المروزي في هذه المسألة: إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر علي الذي قال: لم يجبر وعلي من رد عليه: جبر، فقال، أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها.
وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر علي من رد بشيء من جنس الكلام، وإذا لم يكن له فيه أمام تقدم.
قال المروزي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هو ذا الكتاب ادفعه إلي أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم علي منبر عكبرا وأستغفر الله عز وجل، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن يقبلوا منه، فرجعوا له.
وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع، وتكلمنا علي الأصل الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعني الحق الذي يسمونه جبراً ينافي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الأمر والنهي، حتى جعله القدرية منافياً للأمر والنهي مطلقاً، وجعله طائفة من الجبرية منافياً لحسن الفعل وقبحه، وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به، المعلوم بالعقل.
ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعني كون الفعل ملائماً للفاعل ونافعاً له، وكونه منافياً للفاعل وضاراً له.
ومن المعلوم أن هذا المعني ـ الذي سموه جبراً ـ لا ينافي أن يكون الفعل نافعاً وضاراً، ومصلحة ومفسدة، وجالباً للذة وجالباً للألم.
فعلم أنه لا ينافي حسن الفعل وقبحه، كما لا ينافي ذلك، سواء كان ذلك الحسن معلوماً بالعقل، أو معلوماً بالشرع، أو كان الشرع مثبتاً له لا كاشفاً عنه.
وأما قول السائل:
الرد علي المسألة السادسة
ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك، وقد كان حريصاً علي هدي أمته؟ .
فنقول: هذا السؤال مبني علي الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن الكتاب والسنة، وطلب الهدي في مقالات المختلفين المتقابلين في النفي والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات، الذين قال الله فيهم {وإن الذين اختلفوا في الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
لفي شقاق بعيد} [البقرة: 19] ، وقال تعالى {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [آل عمران: 19] ، وقال تعالى {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] .
وقد تقدم التنبيه علي منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله، وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات، سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعني، كلفظ أصول الدين حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما ذكرنا، وأنه إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل.
وبذلك يتبين أن الشارع عليه الصلاة والسلام نص علي كل ما يعصم من المهالك نصاً قاطعاً للعذر، وقال تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] ، وقال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقال تعالى {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] ، وقال تعالى {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: 54] ، وقال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] ، وقال تعالى {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 66-68] ، وقال تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 15-16] .
و «قال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً» .
وفي صحيح مسلم: «أن بعض المشركين قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل» .
و «قال صلى الله عليه وسلم تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» وقال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
«ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم عنه» وقال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيراً لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه شراً لهم» .
وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدي والبيان والشفاء.
وذلك يكون بشيئين: أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.
والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين، فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] ، وقال تعالي {وما اختلفتم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، وقال {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا * ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 59-61] .
ولهذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة علي حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعاً من إطلاقها: نفياً إثباتاً، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعني أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون علي مفارقته، فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات، التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها علي ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، أو الإعراض عنها وترك التدبر لها.
وهذان الصفتان يشبهان ما ذكره الله في قوله {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون * فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 75-79] .
فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة علي ما أصله هو من البدع الباطلة، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن، ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتاباً بيده مخالفاً لكتاب الله لينال به دينا، وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معني الكتاب والسنة، وهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
قول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده علي الأعيان أو الكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله، وهذه الأمور كثيرة جداً في أهل الأهواء جملة، كالرافضة والجهمية ونحوهم من أهل الأهواء والكلام، وفي أهل الأهواء تفصيلاً، مثل كثير من المنتسبين إلي الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء.
وهذه الأمور المذكورة في الجواب مبسوطة في موضع آخر.
نهاية الإجابة علي السؤال والله أعلم.
عودة إلي مناقشة قانون التأويل
والمقصود هنا الكلام علي قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية....الخ كم تقدم.
جواب إجمالي
والكلام علي هذه الجملة بني علي بيان ما في مقدمتها من التلبيس، فإنها مبنية علي مقدمات.
أولها: ثبوت تعارضها.
والثانية: انحصار التقسيم فيما ذكره م الأقسام الأربعة.
والثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة.
والمقدمات الثلاثة باطلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وبيان ذلك بتقديم أصل، وهو أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان، سواء كانا سمعيين أو عقليين، أو أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فالواجب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين، أو يكونا ظنيين، وإما أن يكونا أحدهما قطعياً ولآخر ظنياً.
فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما عقلياً والآخر سمعياً، وهذا متفق عليه بين العقلاء، لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله: ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة.
وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان، وأحدهما يناقض مدلول الآخر، للزم الجمع بين النقيضين، وهو محال، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي، أو أن يكون مدلولاهما متناقضين، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين.
وإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعياً دون الآخر فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي، فإن الظن لا يرفع اليقين.
وأما إن كانا جميعاً ظنيين: فإنه يصار إلي طلي ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم، سواء كان سميعاً أو عقلياً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
ولا جواب عن هذا، إلا أن يقال: الدليل السمعي لا يكون قطعاً وحينئذ فقال: هذا ـ مع كونه باطلاً ـ فإنه لا ينفع، فإنه علي هذا التقدير يجب تقديم القطعي لكونه قطعياً، لا لكونه أصلاً للسمع، وهؤلاء جعلوا عمدتهم في التقديم كون العقل هو الأصل للسمع، وهذا باطل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وإذا قدر أن يتعارض قطعي وظني، لم ينازع عاقل في تقديم القطعي، لكن كون السمعي لا يكون قطعياً دونه خرط القتاد.
وأيضاً، فإن الناس متفقون علي أن كثيراً مما جاء به الرسول معلوم بالاضطرار من دينه، كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم، وتوحيد الصانع وإثبات المعاد وغير ذلك.
وحينئذ فلو قال قائل: إذا قام الدليل العقلي القطعي علي مناقضة هذا فلا بد من تقديم أحدهما: فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله، وإن قدم العقلي لزم تكذيب الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به، وهذا هو الكفر الصريح، فلا بد لهم من جواب عن هذا والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا.
فتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي.
ومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس، يقدرون تقديراً يلزم منه لوازم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)