إثبات الصانع عندهم لا يتوقف على هذه الطريق، بل قد صرح الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر هو وغيره، بأن هذا الطريق ليس هو طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء، بل هي محرمة في دينهم، ولكن الأشعري لا يبطل هذه الطريق، بل يقول: هي مذمومة في الشرع، وإن كانت صحيحة في العقل، وسلك هو طريق مختصرة من هذا، وهو إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ووافقهم على أن المعلوم حدوثه هو الأعراض: كالاجتماع والافتراق، وأن ما يخلق من الحيوان والنبات والمعادن إنما تحدث أعراضه لا جواهره.
وكذلك الخطابي وطائفة معه، ممن يذم هذه الطريقة الكلامية التي ذمها الأشعري، يوافقون على صحتها مع ذمهم لها.
وأما جمهور الأئمة والعقلاء، فهي عندهم باطلة، وهذا مما يعلم معناه كل من له نظر واستدلال، إذا تأمل حال سلف الأمة وأئمتها وجمهورها، فإنهم كلهم مؤمنون بالله ورسوله، ولم يكونوا يبنون الإيمان على إثبات حدوث الأجسام، بل كل من له أدنى علم بأحوال الرسول وأصحابه، يعلم انهم له يجعلوا العلم بتصديقه مبنيا على القول بحدوث الأجسام، بل ليس في الكتاب ولا السنة، ولا قول أحد من السلف والأئمة، ذكر القول بحدوث الأجسام ولا إمكانها، فضلاً عن أن يكون فيها أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بذلك، وقد بسط الكلام على هذا في مواضع.
والمقصود هنا أن القول بأن أول الواجبات هو سلوك النظر في
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 291)
هذه الطريقة- هو في الأصل قول الجهمية والمعتزلة، وإن وافقهم عليه طائفة غيرهم.
وهذه طريقة المعتزلة: كأبي علي، وأبي هاشم، وأبي الحسين البصيري، وأمثالهم.
وهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم بحدوث العالم، أو القصد إلى النظر، أو الشك السابق على القصد، على ثلاثة أقوال لهم معروفة.
وقد اعترف الجمهور الذين خالفوا هؤلاء بأن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه الطريق، بل ولا حدوث العالم.
وقد ذكر الرازي أن الطرق التي بها يثبت العلم بالصانع خمس طرق: الأول: الاستدلال بحدوث الذوات، كالاستدلال بحدوث الأجسام، المبني على حدوث الأعراض، كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له.
وهذا طريق أكثر المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي وأمثاله.
الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام، وهذه عمدة الفلاسفة، وهو مبني على أن الأجسام ممكنة لكونها مركبة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 292)
قلت: وهذا مبني على توحيد ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة، المتضمن نفي الصفات.
وجماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى، والفلاسفة القدماء والمتأخرين، يقدحون في موجب هذا الدليل.
وليس هو طريق أرسطو وقدماء الفلاسفة، ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين.
بل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فساداً في الشرع والعقل.
وأما المسلك الأول فهو أيضاً عند جمهور أهل الملل وجمهور الفلاسفة باطل مخالف للشرع والعقل.
والمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو قديمة أو ممكنة وحادثه، وهو مبني على تماثل الأجسام، وهو باطل عند أكثر العقلاء، وهو مبني على مقدمتين: إحداهما: أن اختصاص كل جسم بما له من الصفات لا يكون إلا لسبب منفصل.
والثانية: أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصا ليس بجسم.
قلت: وهاتان المقدمتان قد عرف نزاع العقلاء فيها، وما يرد عليهما من النقض والفساد، ومخالفة أكثر الناس لموجبهما.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 293)
قال: (المسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات، والأعراض عن وجود الصانع، كصيرورة النطفة إنسانا، فهذا حادث، والعبد غير قادر عليه، فلا بد له من فاعل آخر لافتقار المحدث إلى المحدث: إما لأن ذلك معلوم بالضرورة، كما يقول جمهور لعقلاء، وإما لإثبات ذلك بالإمكان، وما لإثباته بالقياس على ما يحدثه العباد) .
قال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسماً، والثاني لا يقتضي ذلك) .
قال: (والطريق الخامسة: وهي عائدة إلى الأربعة: الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علمه هو بالدلالة على ذاته أولى) .
قلت: طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن، واتفق عليه السلف والأئمة، وقد اعترفوا بأن هذه الطريق تفضي إلى العلم
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 294)
بإثبات الفاعل، ولا تقتضي كون الفاعل ليس بجسم، وكذلك طريقة العلم لا تقتضي ذلك، بخلاف الطرق الثلاثة المتقدمة.
وإذا تبين ذلك فيقول القائل: إذا علمنا بإثبات الصانع بهذه الطريق التي اعترفتم بأنه يمكن العلم بإثبات الصانع وصدق رسله بها، وليس فيها ما يقتضي أن الفاعل ليس بجسم، لم يكن في الأدلة الشرعية المثبتة لصفات الله تعالى وأفعاله ما يناقض هذه الطريق، لأن غاية ما يقوله النفاة أن إثبات الأفعال والصفات، أو بعض ذلك، يقتضي كون الموصوف الفاعل جسماً، وإثبات الصانع مبني على الدليل النافي لكونه جسماً، فلو قلنا بموجب النصوص تقديماً لها على الدليل العقلي النافي للجسم، لكنا قد قدمنا الشرع على أصله العقلي.
فإذا كان قد تبين أن إثبات الشرع المبني على إثبات الصانع وصدق الرسول لا يتوقف على نفي الجسم، علم بالضرورة أن الشرع المثبت للصفات والأفعال لا ينافي الدليل العقلي الذي به عرف إثبات ذلك، فبطل قول من يدعي أنه قد يتعارض الدليل الشرعي المثبت لذلك وأصله العقلي النافي لذلك، وهذا بين واضح ولله الحمد.
اعتراض: إن عارضت الدليل العقلي الذي يعرف صحة الشرع
فإن قالوا: هب أن هذا الدليل العقلي الذي به يعرف صحة الشرع لا يعارضه الدليل الشرعي المثبت للصفات والأفعال، لكن غيره من الأدلة العقلية ينافي ذلك- كان الجواب عنه من وجوه:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 295)
الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول
أن المقصود بيان أن الشرع يمكن معرفة صدقه بدليل عقلي لا يعارض موجب الشرع، وأما ما سوى ذلك من الأدلة فليس على الرجل أن يستدل بها، والشيء إذا علمت صحته بدليل عقلي لم يجب أن تعلم صحته بكل دليل، فقد تبين أنه يمكن الرجل أن يصدق بما أخبر به الشارع من أسماء الله وصفاته وأفعاله، كإثبات العلو لله، والصفات الخبرية، من غير أن يعارض ذلك ما يكون أصلاً للعلم بصحة السمع من الأدلة العقلية، فتكون المعارضة بتلك الطريق التي يقال إنها عقلية معارضة بطرق لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فلا يلزم من تقديم الشرع عليها القدح في الأصل الذي به عرفت صحة الشرع، وهذا هو المطلوب.
الوجه الثاني
أن يقال: تلك الطرق التي لم تدل على صحة الشرع مطلقاً، وإنما دلت على صدق الشارع فيما يخبر عنه من غير الصفات والأفعال التي تنفيها تلك الطرق، وحينئذ فلا تكون دالةً على صدق الرسول مطلقا.
ومعلوم أن دليل الإيمان لا بد أن يدل على أن الرسول صادق في كل ما يخبر به مطلقاً من غير تقييد بقيد، فمتى كان الدليل إنما دل على صدقه بشرط أن لا يعارضه موجب ذلك الدليل، صار مضمونه أن الرسول مصدق فيما لا يخالفني فيه، وليس مصدقاً فيما يخالفني فيه.
ومعلوم أن هذا ليس إقراراً بصحة الرسالة، فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئا من الحق ولا يخبر بما تخيله العقول وتنفيه،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 296)
ولكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول.
ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك العطار قال: ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول.
هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول، ولا يجوز أن يعارض بالأمثال المضروبة له، فلا يجوز أن يعارضه الناس بعقولهم، ولا يدركونه بعقولهم، فمن قال للرسول: أنا أصدقك إذا لم تخالف عقلي، أو أنت صادق فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي، فإن كان يجوز على الرسول أن يخالف دليلاً عقلياً صحيحاً لم يكن مؤمناً به وإن قدم على كلامه دليلاً عقلياً ليس
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 297)
بصحيح لم يكن مؤمناً به، فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مع هذا الشرط.
الوجه الثالث
أن تلك الطرق إذا أمكن العلم بصدق الرسول بدونها، لم يكن العلم بالشرع محتاجاً إليها، وحينئذ فإذا عارضت الشرع كان المعارض له دليلاً أجنبياً، كما لو عارضه من كذبه واحتج على أنه كاذب.
ولا ريب أن هذا من باب المعارضة للرسول فيما جاء به.
كمعارضة المكذبين للرسل، وحينئذ فيكون جوابه بما يجاب به أمثاله من الكفار الملحدين الطاعنين فيما جاء به الرسول أو في بعضه، لا يكون جوابه ما يجاب به المؤمنون بالرسول الذي يقرون أنه لا يقول على الله إلا الحق.
الوجه الرابع
أنا لا نسلم صحة شيء من تلك الطرق، حتى تكون دليلا يصلح أن يعارض به شيء من الأدلة: لا العلمية ولا الظنية ولا العقلية ولا غيرها، فضلا عن أن يعارض بها كلام المعصوم الذي لا يقول إلا حقاً، وبيان فساد تلك الوجوه العقلية النافية للصفات والأفعال، أو بعض ذلك، مذكور بتفصيله في غير هذا الموضع.
الوجه الخامس
أن يقال: لا ريب أن النصوص دلت على إثبات الصفات والأفعال لله تعالى، ولم تتعرض للجسم بنفي ولا إثبات، والنفاة إنما ينفون ما ينفونه بناءً على أن الإثبات يستلزم كون الموصوف جسماً، والعقل ينفي أن يكون جسما، وأدلتهم على نفي الجسم إما دليل الإمكان، وإما دليل الحدوث، فليس لهم ما يخرج عن هذا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 298)
وحينئذ فيقال: إما أن يقال: وهذا إثبات ما أثبته الدليل الشرعي من الصفات والأفعال، موجب لكون الموصوف بذلك ممكناً وحادثاً، وأن استلزم ذلك للحدوث أو الإمكان معلوم بالأدلة العقلية كما يقول النفاة - وإما أن لا يقال ذلك.
فإن لم يقل ذاك، أو قيل: ليس في الأدلة العقلية ما يدل على ذلك، لم يكن معارضاً.
وإن قيل: بل ذلك يدل في العقل على أن الموصوف ممكن أو حادث، فحينئذ إما أن نفسد ذلك الدليل المعارض على وجه التفصيل، وإما أن يقال: قد علم بالعقل صدق الرسول، وعلم أنه أثبت هذه الصفات والأفعال، فالنافي لها لا يجوز أن يكون دليلاً صحيحا، لأن تعارض الأدلة الصحيحة ممتنع، وحينئذ فكل من كان أعلم بدلالة الشرع على الإثبات وبضعف أدلة النفاة كان أعلم بهذا الكلام، فيكون العلم بفساد هذه المعارضات، تارة بطريق إجمالي، وتارة بطريق تفصيلي، كما يعلم فساد الحجج السوفسطائية، فإن من علم الشيء علماً يقينياً علم قطعاً فساد ما يناقضه، وإن لم يعلم تفصيل فساد تلك الحجج، فمن علم صدق الرسول وأنه أخبر بأمر، علم قطعاً أنه لا يقوم دليل قطعي على نفيه.
الوجه السادس
أن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به الكتاب والسنة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 299)
وهؤلاء يقولون: علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من دينه، أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ونحو ذلك.
وإذا كان ذلك معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام، لم يكن أن يقال: إن الرسول لم يخبر به، بل لا يمكن إلا أحد أمرين: إما تكذيب الرسول، وإما رد هذه المعارضات المبتدعة.
قالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله، فالشبه القادحة في ذلك كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية، وهذه من جنس شبه السوفسطائية، فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل.
ولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله، فإن أهل الإلحاد قد يذكرون له شبهات ويقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة، وقد لا يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك، لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في كلامهم، كمن يتكلم بلفظ (الجسم) ، (والجوهر) ، (والحيز) ، (الهيولى) ، (المادة) ، (والصورة) ، (الكلي) ، (والجزئي) ، (الماهية) ، ونحو ذلك عند من ليس له خبره بهذه الأوضاع والاصطلاحات، ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر الله به ورسوله، فإن المؤمن يعلم فساد ذلك مجملاً، وإن لم يعرف وجه فسادها، لا سيما إذا لم يكن خبيراً بطرق
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 300)
المناظرة وترتيب الأدلة، وكيف يفسد المتعارض بالممانعة في موضعها، ولمعارضة في موضعها، ونحو ذلك ما يبين به فساد الأقوال الباطلة المعارضة للحق.
وقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة النفاة، إذا قالوا: قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا، أو نفي الأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة، أو على نفي معاد البدن، والنصوص المعارضة لذلك إما أن تأول وأما أن تفوض، فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم قالوا لهم: نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام، فلا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقاً لزم: إما جحد كون الرسول أخبر به، وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق- علم بالضرورة أن المعاد حق.
وهنا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة، فإن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة، وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد، فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي المعاد كقولكم في نفي الصفات، فلا يستل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له، والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 301)
فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول.
قلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول.
وقد تقدم من كلام الملاحدة، كابن سينا ونحوه، ما يبين ذلك، وكل من تدبر كلام السلف والأئمة في هذا الباب، علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة.
ولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية.
وقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال يوسف بن أسباط، وابن المبارك: أصول البدع أربعة: الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية.
قيل: والجهمية فقالا: ليست الجهمية من أمة محمد.
ونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
كلام الدارمي في كتاب الرد على الجهمية
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية:
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 302)
(ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة، وأظهر كفراً، وأقبح تأويلاً لكتاب الله ورد صفاته، من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم بالنار) .
قال: (والزنادقة والجهمية أمرهما واحد، ويرجعان إلى معنى واحد، ومراد واحد، وليس قوم أشبه بقوم منهم بعضهم ببعض) .
قال: (ولو كان جهم وأصحابه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وكبار التابعين لقتلوهم، كما قتل علي الزنادقة التي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة.
ألا ترى أن الجعد بن درهم أظهر بعض رأيه في زمن خالد بن عبد الله القسري، فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا فذبحه خالد بواسط
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 303)
يوم عيد الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه.
وكذلك لو ظهر هؤلاء في زمن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان سبيلهم عند القوم إلا القتل كسبيل أهل الردة، وكما قتل علي من ظهر منهم في عصره وأحرقه، وظهر بعضهم بالمدينة في عهد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فأشار على وإلى المدينة يومئذ بقتله) .
قال: (ويكفي العاقل من الحجج في إكفارهم ما تأولنا فيه من كتاب الله، وروينا فيه عن علي وابن عباس، وما فسرنا من واضح كفرهم، وفاحش مذهبهم، وسنروي عن بعض من ظهر ذلك بين أظهرهم من العلماء.
ثنا محمد بن المعتمر السجستاني، كان من أوثق أهل
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 304)
سجستان وأصدقهم، عن زهير بن نعيم البابي، أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار.
وسمعت محمد بن المعتمر يقول: سمعت زهير بن نعيم يقول: سئل حماد بن زيد - وأنا معه في سوق البصرة - عن بشر المريسي فقال: ذلك كافر.
قال عثمان بن سعيد: وبلغني عن يزيد بن هارون أنه قال: الجهمية كفار، وقال: حرضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي.
ثنا يحيى الحماني: ثنا الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك يقول: من زعم أن قوله: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} [طه: 14] مخلوق فهو كافر.
سمعت محبوب بن موسى الأنطاكي، يذكر أنه سمع وكيعا يكفر الجهمية.
قال: وحدث عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان أنه أكفر من زعم أن القرآن مخلوق، وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يكفر الجهمية.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 305)
وحدثنا الزهراني أبو الربيع قال: كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من حاله الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال رجل ممن خالطه ويعرف مذهبه: قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي؟ قال: إذاً أصدقك.
إنا إن ظهرنا رأينا الذي نعتقده رميناه بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقواماً ينتحلون حب علي ويظهرونه، ثم يقعون بمن شاءوا ويعتقدون ما شاءوا فيقولون ما شاءوا، فنسبوا بذاك إلى الترفض والتشيع، فلم نر لمذهبنا أمراً ألطف من انتحال حب هذا الرجل، ثم نقول ما شئنا، ونعتقد ما شئنا، ونقع بمن شئنا، فلأن يقال: إنا رافضه وشيعة أحب إلينا من أن يقال: زنادقة وكفار، وما علي عندنا بأحسن حالاً من غيره ممن نقع بهم.
قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: وصدق هذا الرجل فيما
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 306)
عبر عن نفسه ولم يراوغ، وقد استبان لي ذلك في بعض كبرائهم ونظرائهم أنهم يستترون بالتشيع: يجعلونه تسبيبا لكلامهم وخطائهم، وسلما وذريعة لاصطياد الضعفاء وأهل الغفلة، ثم يبذرون بين ظهراني خطئهم بذر كفرهم وزندقتهم، ليكون أنجع في قلوب الجهال وأبلغ فيهم، ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم، إن أهل العلم منهم على يقين) .
تعليق ابن تيمية
قلت: قد قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من أئمة السنة: هما صنفان فاحذروهما: الجهمية والرافضة.
وهذا الذي حكاه عثمان بن سعيد عن هذا الرجل هو لسان حال أئمة الجهمية المتشيعة، كالقرامطة الباطنية، من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، وهم رؤوس الملاحدة وأئمتهم، وقد دخل كثير من إلحادهم على كثير من الشيعة والمتكلمين، من المعتزلة، والنجارية، والضرارية، والأشعرية، والكرامية، ومن أهل التصوف والفقه والحديث والتفسير والعامة.
لكن عامة هؤلاء لا يعتقدون الزندقة، بل يقرون بنبوة الرسول صلى الله
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 307)
عليه وسلم، لكن دخل فيهم نوع من الإلحاد، وشعبة من شعب النفاق والزندقة أضعف إيمانهم، وحصل في قلوبهم نوع شك وشبهة في كثير مما جاء به الرسول، مع تصديقهم للرسول.
وتجدهم في هذا الباب في حيرة واضطراب، وشك وارتياب، لم يحققوا ما ذكره الله تعالى في قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] ، ولكن ليس كل من دخل عليه شعبة من شعب النفاق والزندقة، فقبلها جهلاً أو ظلماً، يكون كافر منافق في الباطن، بل قد يكون معه من الإيمان بالله ورسوله ما يجزيه الله عليه، ولا يظلم ربك أحداً.
تابع كلام الدارمي
قال: أبو سعيد عثمان بن سعيد: (والزندقة أكبر في نفوس أهل العلم من الارتداد، ومن كفر اليهود والنصارى ولذلك قال ابن المبارك: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب ألي من أن أحكي كلام الجهمية.
حدثناه الحسن بن الصباح البغدادي، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك قال أبو سعيد: وصدق ابن المبارك إن في كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى) .
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 308)
(وقال أبو سعيد: وذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى كلام الجهمية، لأستخرج منه نقضاً عليهم، وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عيسى البسطامي، وأحمد بن حريش القاضي، ومحمد بن رافع، وأبو قدامه السرخسي- فيما أحسب - وغيرهم من المشايخ، فزبرني بغضب وقال، اسكت، وأنكر علي المشايخ الذين في مجلسه، استعظاماً أن أحكي كلام الجهمية، وتشنيعاً عليهم، فكيف بمن يحكى كلامهم ديانة! ثم قال يحيى: القرآن كلام الله، فمن شك فيه أو زعم انه مخلوق فهو كافر) .
تعليق ابن تيمية
قلت: وكلام السلف والأئمة في تكفير الجهمية، وبيان أن قولهم يتضمن التعطيل والإلحاد كثير ليس هذا موضع بسطه.
وقد سئل عبد الله ابن المبارك ويوسف بن أسباط فأجابا بما تقدم.
وقد تبين أن الجهمية عندهم من نوع الملاحدة الذين يعلم بالاضطرار أن قولهم مخالف لما جاءت به الرسل، بل إنكار صفات الله أعظم إلحاداً في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان، فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبرت بمعاد الأبدان.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 309)
ولهذا كانت التوراة مملوءة من إثبات صفات الله، وأما ذكر المعاد فليس هو فيها كذلك، حتى قد قيل: إنه ليس فيها ذكر المعاد.
والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظم قدراً من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك.
كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لأبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، فضرب بيده في صدره، وقال ليهنك العلم أبا المنذر» .
وأفضل سورة سورة أم القرآن، كما ثبت ذلك في «حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح، قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها،
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 310)