حجة عدم التخصيص أن اللفظ عام ولا ضرورة لتخصيصه بمن تقدم فإن حكم الجميع ثابت بالعموم، والأصل عدم التخصيص فيبقى اللفظ عاماً على حاله.
تنبيه: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس من هذا الباب العام المرتب على شرط تقدم بل يختص اتفاقاً، كقوله تعالى: «إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً» (1) فالشرط المتقدم هو صلاح المخاطبين الحاضرين، وصلاحهم لا يكون سبباً للمغفرة لمن تقدم من الأمم قبلهم، أو يأتي بعدهم، فإن قواعد الشرع تأبى ذلك، وإن سعى كلّ أحد لا يتعداه لغفران غيره إلاّ أن يكون له فيه تسبب وهنا لا تسبب، فلا يتعدى، فيتعين أن يكون المراد فإنه كان للأوابين منكم غفوراً؛ فإن شرط الجزاء لا يترتب جزاؤه على غيره، وهذه قاعدة لغوية وشرعية، أما إذا لم يكن شرطاً أمكن جريان الخلاف.
وعطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافاً للحنفية كقوله عليه الصلاة والسلام «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» فإن الثاني خاص بالحربي، فيكون الأوّل كذلك عندهم.
القاعدة: أن الأدنى يقتل بالأعلى وبمساويه، وهل يقتل الأعلى بالأدنى؟ هو موضع الخلاف؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل مؤمن بكافر» عام في جميع الكفار فيتناول الذمي فلا يقتل به المسلم إذا قتله عمداً عندنا خلافاً للحنفية. قالوا أول الحديث لكم وآخره عليكم فإن ذا العهد يقتل بالذمي، لأن الذمي أعلى منه لأن عقد الذمة يدون للذرية، والمعاهدة لا تدوم، والأدنى يقتل بالأعلى، فيقتل المعاهد بالذمي، فيتعين أن الذي لا يقتل به المعاهد هو الكافر الحربي، والقاعدة أن العطف يقتضي التسوية، والمعطوف لا يقتل بالحربي، فيكون المعطوف عليه لا يقتل بالحربي عملاً بالتسوية، فيكون الكافر المذكور أول الحديث المراد به الحربي، وهو متفق عليه، إنّما النزاع في الذمي فدخل العام المعطوف عليه التخصيص بسبب عطف الخاص عليه.--------------------------------------------
(1) 25 الإسراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
والجواب عنه من أربعة أوجه: أحدها أنا نمنع أن الواو عاطفة بل هي للاستئناف فلا يلزم التشريك. وثانيها: سلمناه لكن العطف يقتضي التشريك في أصل الحكم دون توابعه. قالا لنحاة فإذا قال مررت بزيد قائماً وعمرو، لا يلزم أن يكون مررت بعمرو أيضاً قائماً بل في أصل المرور فقط، كذلك جميع التوابع من المتعلقات وغيرها يقتضي العطف هنا لأنه لا يقتل، أما تعيين من يقتل به الآخر فلا؛ لأن الذي يقتل به من توابع الحكم. وثالثها: لا نسلم أن معنى قوله عليه الصالة والسلام «ولا ذو عهد في عهده» معناه بحربي بل معناه التنبيه على السببيّة فإن (في) قد تقدم في باب الحروف تقرير أنها تكون للسببية فيصير معنى
الكلام ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة، فيفيدنا ذلك أن المعاهدة سبب يوجب العصمة، وليس المراد أنه يقتص منه ولا غير ذلك. ورابعها: أن معناه نفي الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدة كعقد الذمة يدون؛ فنبه عليه السلام أن أثر ذلك العهد إنّما هو في ذلك الزمان خاصة لا يتعداه لما بعده وتكون (في) على هذا للظرفية، وهو الغالب عليها.
وتعقيب العام باستثناء أو صفة أو حكم لا يتأتى إلاّ في البعض لا يخصصه عند القاضي عبد الجبار، وقيل يخصصه وقبل بالوقف، واختاره الإمام، فالاستثناء كقوله تعالى: «لا جناح عليكم إن طلقتم النساء» إلى قوله «إلاّ أن يعفون» (1) فإنه خاص بالرشيدات، والصفة كقوله تعالى: «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء» إلى قوله: «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» (2) أي الرغبة في الرجعة، والحكم كقوله تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن» (3) فإن خاص بالرجعيات، فتبقى العمومات على عمومها، وتختص هذه الأمور بمن يصلح له. ولنا في سائر صور النزاع أن الأصل بقاء العموم على عمومه فمهما أمكن ذلك لا يعدل عنه تغليباً للأصل.--------------------------------------------
(1) 236 - 237 البقرة.
(2) 1 الطلاق.
(3) 228 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
حجة التخصيص: أن الأصل الاتحاد في الضمائر وجميع ما يعود عليه الحكم المتأخر أي شيء كان، وليس يحصل الاتحاد إلاّ إذا اعتقدنا أن المراد بالسابق ما يصلح لذلك الحكم اللاحق، ومتى كان كذلك لزم التخصيص جزماً.
حجة الوقف تعارض الأدلة، وإنما جعلنا الرغبة في الرجعة صفة، وذلك لأنها أمر حقيقي وحالة من أحوال النفوس، والحكم الشرعي قائم بذات الله تعالى لا بنفس الخلق، فهي حينئذ صفة، وأما كون الزوج أولى بالرجعة، فذلك حكم شرعي يرجع إلى الإباحة، والتحريم على غيره أن يمنعه من ذلك، وهذه أحكام شرعية، بخلاف الرغبة، فلذلك اختلفت المثل.
الفصل الخامس فيما يجوز التخصيص إليه
ويجوز عندنا للواحد، هذا إطلاق القاضي عبد الوهاب، وأما الإمام فحكى إجماع أهل السنة على ذلك في (من) و (ما) ونحوهما قال: وقال القفال: ويجب إبقاء أقل الجمع في الجموع المعرفة، وقيل يجوز إلى الواحد فيها. وقال أبو الحسين البصري لا بد من الكثرة في الكل إلاّ إذا استعمله الواحد المعظم نفسه.
أما (من) و (ما) فلفظهما مفرد، ولذلك يجوز أن يعود الضمير عليهما مفرداً كقوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» (1) ومن يعش عن ذكر الرحمن--------------------------------------------
(1) 7 الزلزلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
نقيض له شيطاناً» (1) ، «والسماء وما بناها» (2) ، «ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم» (3) فلذلك حسن أن يراد بهما الواحد ويجوز التخصيص إليه ويخالفهما الجمع المعرف كلفظ المشركين، فإن المحافظة على صيغة الجمع تمنع من إرادة الواحد والتخصيص إليه، وحجة الجواز إلى الواحد في الجموع أيضاً أن الجمع قد يطلق ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم» (4) قيل الجامع أبو سفيان وهو المراد بالناس، وكذلك في قوله تعالى: «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» (5) قيل المحسود رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المراد بالناس.
واحتج أبو الحسين أن البيت إذا كان ملآن من الرمان وقال أكلت ما في البيت من الرمان وأراد واحدة أن ذلك يقبح، فحينئذ لا بد من كثرة يحسن إطلاق العموم لأجلها، وإلا امتنع. وقد نص إمام الحرمين وغيره على استقباح تخصيص الحنفية قوله عليه الصلاة والسلام «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» بالمكاتبة أو بالأمة وأن هذا التخصيص في غاية البعد، ولا يجوز لغة، مع أن نوع المكاتبة أو الأمة أفراده غير متناهية، فكيف إذا لم يبق إلاّ فرد واحد فكان أشد بالقبح.
وأما المعظم نفسه فهو في معنى الجمع العظيم فقد وُزن أبو بكر بالأمة، فرجح، ووُزن عمر بالأمة فرجح رضي الله عنهما فكيف بالأنبياء عليه الصلاة والسلام، فكيف بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) 36 الزخرف.
(2) 5 الشمس.
(3) 3، 4 الكافرون.
(4) 173 آل عمران.
(5) 54 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
الفصل السادس في حكمه بعد التخصيص
لنا وللشافعية والحنفية في كونه بعد التخصيص حقيقة أو مجازاً قولان، واختار الإمام وأبو الحسين التفصيل بين تخصيصه بقرينة مستقلة عقلية أو سمعية، فيكون مجازاً، وبين تخصصه بالمتصل كالشرط والاستثناء والصفة، فيكون حقيقة.
الحق أنه مجاز لأنه وضع للعموم واستعمل في الخصوص، فقد استعمل في غير موضوعه، واللفظ المستعمل في غير موضوعه مجاز إجماعاً.
حجة كونه حقيقة أن لفظ المشركين إذا أريد به الحربيون فقط، والحربيون مشركون قطعاً، فيكون اللفظ مستعملاً في موضوعه فيكون حقيقة.
جوابه: أن الحربيين مشركون، غير أن صيغة العموم لم توضع لمفهوم مشركين، بل وضعت للكلية التي هي كلّ فرد فرد، وبحيث لا يبقى فرد، وهذه الكليّة لم يستعمل اللفظ فيها بل في غيرها فيكون مجازاً.
حجة التفريق أن القرينة المتصلة لا تستقل بنفسها، فإن الاستثناء والشرط والصفة لفظ لا يستقل. وقاعدة العرب أن اللفظ المستقل إذا تعقبه ما لا يستقل بنفسه صيره مع اللفظ المستقل كلفظة واحدة، ولا يثبتون للأول حكماً إلاّ به فيكون المجموع حقيقة فيما بقي بعد التخصيص، حتى قال القاضي وجماعة إن الثمانية لها عبارتان (1) ثمانية، وعشرة إلاّ اثنين، وتقول الحنفية الاستثناء تكلُّم بالباقي بعد الثُّنيا ومرادهم ما ذكرناه، وأما التخصيص المنفصل كنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النسوان والصبيان بعد الأمر بقتل المشركين، ونهيه عليه الصلاة والسلام--------------------------------------------
(1) في الأصل: لها امتياران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
عن بيع الغرر، بعد قوله تعالى: «وأحل الله البيع» (1) ، فهذه لأجل استقلاله يستحيل جعله مع الأصل كلاماً واحداً، فيتعين أن اللفظ الأوّل استعمل في غير موضوعه فيكون مجازاً.
وجوابه: أن جعل غير المستقل مع الأصل كلاماً واحداً غير صحيح، فإن (إلاّ) للإخراج إجماعاً واشتقاقاً من الثَّنْي وهو فرع وجود شيء يرجع ويثنى عليه ومتى جعل الجميع كلاماً واحداً بطل هذا كله، بل الحق أن كلام أخرج منه كلام. نعم معنى الكلام الأوّل لا يستقر حتى بتعقبه السكوت، وعدم استقرار حكم الأوّل لا يصيره جزء كلام، ثم إن هذا إذا سلم يتأتى في المخصص اللفظي المتصل وهو لا يتأتى في المخصص العقلي؛ فإن العقلي مستقل.
وهو حجة عند الجميع إلاّ عيسى بن أبان وأبا ثور، وخصص الكرخي التمسك به إذا خصص بالمتصل، وقال الإمام فخر الدين إن خصص تخصيصاً إجمالياً نحو قوله هذا العام مخصوص فليس بحجة، وما أظنه يخالف في هذا التفصيل.
لنا أنه وضع للاستغراق ولم يستعمل فيه فيكون مجازاً ومقتضياً لثبوت الحكم لكل أفراده، وليس البعض شرطاً في البعض، وإلا لزم الدور، فيبقى حجة في الباقي بعد التخصيص.
كونه حجة هو الصحيح، وقد قيل ما من عام إلاّ وقد خص إلاّ قوله تعالى: «والله بكل شيء عليم» وروى ذلك عن ابن عباس، وحينئذ لا يبقى حجة في جميع عمومات الكتاب والسنة، وذلك تعطيل للاستدلال.
حجة عيسى بن أبان بأن حقيقة اللفظ هي الاستغراق وهو غير مراد، وإذا خرجت الحقيقة عن الإرادة لم يتعين مجاز يحمل اللفظ عليه، إذ ليس البعض أولى من البعض، فيتعين الإجمال، فسقط الاستدلال.--------------------------------------------
(1) 173 آل عمران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
جوابه: هذا إنّما يصح إذا كان المجاز أجنبياً عن الحقيقة كالأسد إذا لم تكن الحقيقة فيه مراده، وليس بعض الشجعان، أولى من بعض فيتعين الإجمال، أما المجاز في العام المخصوص فمتعين لأنه ليس أجنبياً بل محرر التجوز ما بقي بعد التخصيص فلا إجمال.
وأما مستند الكرخي في التفصيل، فهو بناء منه على أن المخصص المتصل يصير مع الأصل حقيقة فيما بقي، والحقيقة حجة والمخصص المنفصل لا يمكن جعله حقيقة مع الأصل، فيتعين المجاز والإجمال.
وجوابه ما تقدم.
وأما تفصيل الإمام فخر الدين فليس تفصيلاً في التحقيق بل راجع إلى القول بأنه حجة، فإن الله تعالى إذا قال: «اقتلوا المشركين» ثم قال حرمت عليكم طائفة معينة لا أعينها لكم، فلا شك أنا نتوقف عن القتل قطعاً حتى نعلم الواجب قتله من المحرم قتله، وهذا لا يتصور فيه الخلاف، بل هذا تفريع على أنه بعد التخصيص حجة إلاّ أن يكون التخصيص إجمالياً.
وقولي ليس البعض شرطاً في البعض هذه حجة الإمام في المحصول، وبسطها أن ثبوت الحكم في البعض الباقي بعد التخصيص إما أن يتوقف على ثبوته في البعض المخرج أو لا يتوقف، فإن لم يتوقف كان حجة فيما بقي، فإن عدم ما لا يتوقف عليه لا يضر، وإن كان ثبوت الحكم في هذا البعض متوقفاً على ثبوته في ذلك البعض فإما أن يكون ثبوته في ذلك البعض أيضاً متوقفاً على ثبوته في هذا البعض أو لا، فإن حصل التوقف من الطرفين لزم الدور، وإن حصل من أحد الطرفين دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال.
فيتعين أن الحق في هذا التقسيم أن ثبوت الحكم في هذا البعض الباقي غير متوقف على ثبوته في ذلك البعض، وحينئذ يكون حجة، وهو المطلوب. وهذه الحجة ضعيفة بسبب أننا نختار التوقف من الطرفين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
قوله: يلزم الدور.
قلنا: لا نسلم وذلك أن التوقف قسمان: توقف معي وتوقف سبقي، والدور في الثاني دون الأوّل، فإن الإنسان إذا قال لغيره لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج معي. وقال الآخر له: وأنا لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت معي، خرجا معاً وصدقا معاً فيما
التزماه، ولا دور ولا محال، أما إذا قال لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت قبلي، وقال الآخر وأنا لا أخرج حتى تخرج أنت قبلي، فإنهما إذا صدقا في ذلك يستحيل خروج واحد منهما للزوم الدور في توقف خروج كلّ واحد منهما على خروج الآخر توقفاً سبقياً، فعلمنا أن الدور إنّما يلزم من التوقف السبقي دون التوقف المعي، والتوقف في العموم بين بعضيه على وجه المعية دون السبقية، فلا دور.
فالحق حينئذ أن نقول اللفظ اقتضى ثبوت الحكم في جميع الأفراد على وجه واحد ونسبة واحدة، والأصل عدم الشرطية فلا يضر خروج البعض عن الإرادة ويكون اللفظ حجة الباقي، فهذه طريقة حسنة وسالمة عن المنوع.
والقياس على الصورة المخصوصة إذا علمت جائز عند القاضي إسماعيل منا، وجماعة من الفقهاء.
إذا خرجت صورة من العموم بخصص كما خرج بيع البر متفاضلاً من قوله تعالى: «وأحل الله البيع» (1) فهل يجوز قياس الأرز عليها بجامع القوت أو الطعم؟ خلاف.
حجة المنع أن الصورة المخصوصة على خلاف قاعدة العموم، فلو قسنا عليها أفضى ذلك إلى تكثير مخالفة الأصل وكثرة التخصيص، وهو غير جائز.
حجة الجواز أن قواعد الشرائع مراعاة الحكم والمصالح، فإذا استثنى الشارع--------------------------------------------
(1) 275 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
صورة لحكمة ثم وجد صورة أخرى تشاركها في تلك الحكمة وجب ثبوت ذلك الحكم، فيها تكثيراً للحكم والمصالح، وهذا مراعاة التخصيص؛ فإن إبقاء العموم على عمومه اعتبار لغوي، ومراعاة المصالح اعتبار شرعي، والشرعي مقدم على اللغة.
الفصل السابع في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء
إن التخصيص لا يكون إلاّ فيما يتناوله اللفظ بخلاف النسخ، ولا يكون إلاّ قبل العمل بخلاف النسخ، فإنه يجوز قبل العمل وبعده، ويجوز نسخ شريعة بأخرى ولا يجوز تخصيصها بها.
والاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحدة الدالة على شيء واحد ولا يثبت بالقرينة الحالية ولا يجوز تأخيره، بخلاف التخصيص. وقال الإمام والتخصيص كالجنس للثلاثة لاشتراكها في الإخراج، فالتخصيص والاستثناء إخراج الأشخاص، والنسخ إخراج الأزمان.
كون التخصيص لا يكون إلاّ فيما يتناوله اللفظ، اصطلاح وعبارة، لا معنى من المعاني، فإن القرائن أو غيرها إذا دلت على ثبوت حكم لعدة صور، فإذا خرجت منها صورة من الصور كان ذلك كإخراج صور من صورة تناولها صيغ العموم، غير أنه لا يسمى تخصيصاً اصطلاحاً، ويدخل النسخ فيما يتناوله اللفظ أو ثبت بالقرائن أو الفعل أو الإقرار، ولا يكون التخصيص إلاّ قبل العمل، لأن التخصيص بيان المراد، فإذا عمل به صار الجميع مراداً، فلا يبقى الإخراج بعد ذلك إلاّ نسخاً وإبطالاً لما هو مراد، والتخصيص هو إخراج غير المراد عن المراد، وبعد العمل بالجميع يتعذر ذلك، ويجوز النسخ أيضاً قبل العمل إذا علم أن مدلول اللفظ مراد.
وأما نسخ شريعة بشريعة فذلك لم يقع بين الشرائع في القواعد الكليّة، ولا في العقائد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
الدينية، بل في بعض الفروع، مع جوازه في الجميع عقلاً، غير أنه لم يقع، وإذا قيل إن شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع؛ فمعناه في بعض الفروع خاصة، فالشريعة الناسخة هي المتأخرة.
وأما تخصيص شريعة بشريعة فيمتنع. أما السابقة باللاحقة فلأن التخصيص بيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو خصصت المتأخرة المتقدمة لتأخر البيان عن وقت الحاجة، وأما تخصيص المتأخرة بالمتقدمة فلأن عادة الله أن لا يُنزل على قوم ولا يخاطبهم إلاّ بما يتعلق بهم خاصة، فلو نزل في المتقدمة ما يكون بياناً وتخصيصاً للمتأخرة لخوطبوا بما لا يتعلق بهم، وهذا كله عادة ربانية لا وجوب عقلي.
وأما الاستثناء فهو مع اللفظ المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على معنى واحد وهو ما بقي. قال القاضي أبو بكر: فالخمسة لها عبارتان: خمسة، وعشرة إلاّ خمسة. واعلم أن تعليلهم ذلك بأن الاستثناء غير مستقل بنفسه يلزم أن يكون التخصيص بالصفة والشرط والغاية كذلك، ولم يذكروه إلاّ في الاستثناء، وهنا فرق آخر يخص الاستثناء وهو أنه يخرج من العدد فتقول له عشرة إلاّ اثنين، وغير الاستثناء لا يمكن ذلك فيه، ولذلك لا يثبت بالقرينة الحالية، فإنه لو قال له عشرة إلاّ اثنين ودلت القرينة على أنه أراد خمسة، لزم أن يكون لفظ العشرة المجاز لا يجوز في لفظ العدد، والتخصيص يجوز بالقرينة، لأن التخصيص مجاز، والمجاز يدخل في العمومات إجماعاً، ولا يجوز أن يتأخر الاستثناء، فلا يقول له عشرة وبعد يوم يقول إلاّ اثنين، لأنه فضْلة في الكلام لا يستقل بنفسه وما لا يستقل بنفسه لا ينفرد بالنطق، وكذلك الشرط والغاية والصفة.
وأما التخصيص بالمخصص المنفصل فلا يمكن جعله مع العام المخصوص لفظاً واحداً؛ لاستقلال كلّ واحد منهما بنفسه. والصواب أن تقول الإخراج جنس للثلاثة: التخصيص والنسخ والاستثناء، فإن الشيء لا يكون جنساً لنفسه، فإذا قلنا التخصيص جنسي للثلاثة لزم أن يكون التخصيص جنساً لنفسه وهو محال. وقولنا التخصيص والاستثناء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
إخراج للأشخاص، النسخ إخراج للأزمان ليس على إطلاقه، بل قد يكون التخصيص في الأزمان والاستثناء، فتقول ما رأيته طول الدهر أو جميع الأيام ومرادك عمرك خاصة، وتستثني أيامنا فتقول إلاّ يوم الجمعة مثلاً، وهذا بحسب ما يقع فيه العموم، فإن وقع في الأزمان وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، أو في الأشخاص وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، وقد يقع النسخ ولا إخراج زمان كنسخ الفعلة الواحدة التي لا يتعدد زمانها فلا يقبل الإخراج لأن الإخراج من الشيء فرع تعدده بين المخرج والمخرج عنه كأمر إبراهيم بذبح إسحق (1) عليه الصلاة والسلام ولم يخرج منه بعض الأزمنة وبقي بعضها، بل بطل المأمور به بعض الأزمنة، وخرج المستقبل بعدها بالنسخ.--------------------------------------------
(1) ويقال إنه إسماعيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
الباب السابع في أقل الجمع
قال القاضي أبو بكر رحمه الله مذهب مالك أقل الجمع اثنان ووافقه القاضي أبو بكر على ذلك والأستاذ أبو إسحق وعبد الملك بن الماجشون من أصحابه، وعند الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله ثلاثة وحكاه عبد الوهاب عن مالك، وعندي أن محل النزاع مشكل لأنه إن كان الخلاف في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم والعين لم يكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك، وإن كان في غيرها من صيغ الجموع فهي على قسمين، جمع قلة وهو جمع السلامة مذكراً أو مؤنثاً ومن جمع التكسير القلة ما في قول الشاعر:
بأفْعُلٍ وأفعالٍ وأفعِلة وفِعْلة … يعرف الأدنى من العدد
وجمع كثرة (1)
وهو ماعدا ذلك فجموع القلة المعشرة فما دون ذلك، وجموع الكثرة للأحد عشر فأكثر؛ هذا هو نقل العلماء، ثم قد يستعار كلّ واحد منهما للآخر مجازاً، والخلاف في هذه المسألة إنّما هو في الحقيقة اللغوية، فإن كان الخلاف في جموع الكثرة فأقلها أحد عشر فلا معنى للقول بالاثنين والثلاثة وإن كان في جموع القلة فهو يستقيم، لكنهم لما أثبتوا الأحكام والاستدلال في جموع الكثرة علمنا أنهم غير مقتصرين عليها وأن محل الخلاف ما هو أعم منها لا هي.
مثال جمع السلامة ما جمع بالواو والنون أو الياء والنون نحو مسلمون ومسلمين، أو بالألف والتاء وهو المؤنث، نحو مسلمات وعرفات، ومثال أفعل أفلس،--------------------------------------------
(1) جمع بعضهم جموع الكثرة شرعاً فقال:
في السفن الشهب البغاة صور … مرضى القلوب والبحار عبر
غلمانهم للأشقياء فَعلة … قطاع قضبان لأجل الفيلة
والعقلاء شُرَّد ومنتهى … جموعهم في السبع والعشر انتهى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
ومثال أفعال أجمال وأحمال، ومثال أفعلة أرغفة وفعلة نحو صبية وغِلمة، فهذه هي جموع القلة إذا كانت منكرة يكون للعشرة فدونها إلى الاثنين أو الثلاثة على الخلاف، وإن كانت معرفة صارت لما لا يتناهى وهو العموم، ولا يبقى لمسماها أقل ولا أكثر، بل رتبة واحدة وهي العموم بخلاف المنكر، فإن مسماه، وهو كونه جمعاً متردد بين مراتب مختلفة، وكل تلك
المراتب يصدق عليها أنها جمع فألف رجل جمع، ورجال وثلاثة جمع.
قال صاحب المفصل قد يستعار لفظ الجمع الموضوع للقلة للكثرة، والموضوع للكثرة للقلة، وقوله قد يستعار كلّ واحد منهما للآخر يدل على أنه ليس موضوعاً له فإن المستعار مجاز إجماعاً، وكذلك قال ابن الأنباري قد يستعار كلّ واحد منهما للآخر بسبب اشتراكهما في معنى الجمع، فإبداؤه للعلاقة المصححة للمجاز دليل المجاز، وكذلك قال غيرهما.
واستشكل جماعة من المفسرين والنحاة قوله تعالى: «ثلاثة قروء» (1) فقالوا ثلاثة دون العشرة، فكان المنطبق عليها أقراء الذي هو أفعال لأنه من صيغ جموع القلة أما قروء [الذي على وزن (2) ] فعول فهو من جموع الكثرة فلم يعبر به عن الثلاثة، مع إمكان التعبير بما ينطبق على الثلاثة، وهذا كله يقتضي أن جمع الكثرة لم يتناول ما دون العشرة إلاّ مجازاً ولا يتناوله حقيقة، ويشكل جعل أقل مسماه ثلاثة بل أحد عشر، وهذا موضع صعب وأجاب عنه بعض الفضلاء.
قال: الجواب عنه أن الكلام في هذه المسألة إنّما هو في الحقيقة العرفية دون اللغوية والعرف سوى بين القسمين القلة والكثرة، فلذلك أطلقت الفتيا في القسمين.
وهو جواب لا يصح لأن بحث العلماء في أصول الفقه المهم منه الحقيقة اللغوية دون غيرها وهي المراد بقولنا الأمر للوجوب، والأمر للتكرار، والصيغة العموم، والأمر للفور، والنهي للتحريم، وغير ذلك من المباحث إنّما يريدون الحقيقة اللغوية وهي المهمة في أصول الفقه، حتى إذا تقررت حمل عليها الكتاب والسنة.
وثانيها: إذا سلم له أن بحثهم في الحقيقة العرفية فلم لا ذكروا اللغوية، وكيف يليق أن يعتقد فيهم أنهم تركوا المهم أبداً ولم يذكروا إلاّ غير المهم؟!--------------------------------------------
(1) 228 البقرة.
(2) ساقطة من النسخ، وأثبتناها لينتظم المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وثالثها: أن الكلام لو كان في الحقيقة العرفية لكان استدلالهم بالعرفيات، وكانوا يقولون: لأن أهل العرف يقولون، وهم لا يقولون ذلك، بل يقولون في استدلالهم: فرقت العرب بين ضمير المفرد وضمير التثنية وضمير الجمع فقالوا اضرب ضرباً ضربوا، وقالوا رجلان ورجل، ففرقوا بين التثنية والجمع، ويستدلون بآيات الكتاب العزيز، وذلك كله يقتضي أنهم لا يريدون العرف، فإن من ادعى العرف غير اللغة لا يمكنه التمسك بالقرآن؛ فإنه لم ينزل بالعرف بل باللغة، وهذا واضح وحينئذ يتعين أنهم يريدون الحقيقة اللغوية وهي مشكلة كما تقدم.
بل الذي تقتضيه القواعد أن يقولوا أقل مسمى الجمع المنكر من جموع القلة اثنان أو ثلاثة وأقل جموع الكثرة المنكرة أحد عشر، هذا متجه لا خفاء فيه. أما التعميم فمشكل جداً.
ومقتضى القواعد أن القائل إذا قال لله عليّ صوم شهور، أن يلزمه أحد عشر شهراً لأنه جمع كثرة، أو صوم أيام أن يلزمه ثلاثة لأنه جمع قلة، أو قال عليّ له دراهم أو دنانير أن يلزمه أحد عشر لأنه جمع كثرة، وتتقرر الفتاوى وأقضية الحكام على هذه الصورة حتى يثبت لهذه القواعد ناسخ عرفي أو شرعي. فهذه وجه الإشكال.
وأنا الآن أجري على عادتهم في الحجاج فأقول حجة القول بالثلاثة ما تقدم من تفرقة العرب بين التثنية والجمع ضميراً وظاهراً والأصل في الاستعمال الحقيقة ولأنه المتبادر للفهم عرفاً فوجب أن يكون لغة كذلك، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، فمن قال معي دراهم لا يفهم السامع إلاّ ثلاثة فأكثر، حجة الاثنين قوله تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» (1) فأطلق ضمير الجمع الذي هو الواو على الطائفتين وهو تثنية، وقوله تعالى: «وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين» (2) فقوله لحكمهم ضمير جمع عائد على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، فدل على أن الاثنين يصدق عليهما الجمع. وقوله تعالى: «وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب» إلى قوله: «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة» (3) فقوله إن هذا أخي يقتضي أنهما كانا اثنين مع ذلك فقال تعالى:--------------------------------------------
(1) 9 الحجرات.
(2) 78 الأنبياء.
(3) 21 - 23 (ص) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
«إذ تسوروا المحراب» وهو ضمير جمع، وكذلك قوله تعالى: «قالوا لا تخف» (1) يدل على أن الاثنين يصدق عليهما لفظ الجمع.
والجواب عن الأوّل أن الطائفة جماعة والجماعتان جمع بالضرورة، فلذلك عاد عليه ضمير الواو.
وقوله تعالى: «لحكمهم» عائد على الحكمين والمحكوم له والمحكوم عليه فهم أربعة والمصدر كما يضاف للفاعل يضاف للمفعول فأضيف للجمع (2) .
وعن الثالث أن الخصم في اللغة يصدق على الفرد والمثنى والجمع تقولا لعرب رجل خصم ورجلان خصم ورجال خصم، كما تقول رجل ضيف ورجلان ضيف ورجال ضيف فلما كان الخصم يطلق واحده على الجمع أطلق تثنيته على الجمع كما تقدم في التثنية
وربما استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «والاثنيان فما فوقهما جماعة» فسمى الاثنين جماعة وبأن معنى الجمع حاصل في الاثنين فوجب صدق الجمع عليهما.
والجواب عن الأوّل أن معناه فضيلة الجماعة تحصل للاثنين فالمراد الحكم الشرعي لا اللغوي فإنه عليه الصلاة والسلام إنّما بعث لبيان الشرعيات.
وعن الثاني أن معنى الضم والاجتماع صادق على التثنية والاثنين إجماعاً إنّما الكلام في ألفاظ الجموع هل تصدق على الاثنين حقيقة أم لا فأين أحدهما من الآخر؟!
فائدة: على ما تقدم نم لفظ جمع القلة والكثرة يكون ضابط جمع القلة هو اللفظ الموضوع للاثنين فأكثر، أو الثلاثة فأكثر على الخلاف بقيد كونه لا يتعدى العشرة فهو موضوع للقدر المشترك بين هذه الرتب الحاصلة من الثلاثة إلى العشرة وجمع الكثرة هو اللفظ الموضوع للأحد عشر فأكثر من غير حصر، فهو للقدر المشترك بين هذه الرتب التي لا نهاية لها بقيد كونها لا تنقص عن الأحد عشر فسماها غير محصور، بخلاف مسمى جموع القلة.
فائدة: معنى قول العلماء أقل الجمع اثنان أو ثلاثة، معناه أن مسمى الجمع مشترك فيه (3) بين رتب كثيرة وأقل مرتبة يصدق فيها المسمى هي الاثنان فيصير معنى الكلام أقل مراتب مسمى الجمع اثنان أو ثلاثة.--------------------------------------------
(1) 22 (ص)
(2) وهذا هو الجواب عن الثاني فتأمل.
(3) في نسخة سقطت لفظة (فيه) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
الباب الثامن في الاستثناء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في حده
وهو عبارة عن إخراج بعض ما دل اللفظ عليه ذاتاً كان أو عدداً أو ما لم يدل عليه، وهو إما محل المدلول أو أمر عام بلفظ إلاّ أو ما يقوم مقامها، فالذات نحو رأيت زيداً إلاّ يده، والعدد أما متناه نحو له عندي عشرة إلاّ اثنين، أو غير متناه نحو اقتلوا المشركين إلاّ أهل الذمة، ومحل المدلول نحو أعتق رقبة إلاّ الكفار، وصل إلاّ عند زوال الشمس.
إن قلنا إن الأمر ليس للتكرار، فإن الرقبة أمر مشترك عام يقبل أن يعين في محال كثيرة من الأشخاص، فإن كلّ شخص هو محل لأعمه، وكذلك العمل حقيقة كليّة تقبل الوقوع في أي زمان كان، والأزمان محل الأفعال والأشخاص محل الحقائق. والأمر العام نحو قوله تعالى: «لتأتنني به إلاّ أن يحاط بكم» (1) أي لتأتنني به في كلّ حالة من الحالات إلاّ في حالة الإحاطة بكم، فالحالة أمر عام لم يدل عليها اللفظ وكذلك محال المدلول ليس مدلولة اللفظ فإن فرعت على أن الاستثناء المنقطع مجاز فقط كمل الحد، فأنا إنّما نحد الحقيقة، وإن قلت هو حقيقة ردت بعد قولك أو أمر عام أو ما يعرض في نفس المتمم فتكون أو للتنويع، كأنك قلت أي شيء وقع على وجه من هذه الوجوه فهو استثناء.--------------------------------------------
(1) 66 يوسف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
قولي أو ما يقوم مقامها لا يصح بسبب أن الذي يقوم مقامها إنّما يعرف من يعرف الاستثناء، فقد عرفنا الاستثناء بما لا يعرف إلاّ بعد معرفته وهو دور، ثم نقول الصفة والشرط والغاية تقوم مقام (إلاّ) في الإخراج وليست استثناء اتفاقاً، وهذا الحد ذكره الإمام أعني هذا القيد على هذه الصورة من الإشكال، بل ينبغي أن يقال في حده هو ما لا يدخل في الكلام إلاّ الإخراج بعضه أو بعض أحواله أو متعلقاته، مع ذكر لفظ المخرج، ولا يستقل بنفسه.
فقولنا الإخراج بعضه احترازاً من النسخ، فإنه قد يبطل الكل، وقولنا أو بعض متعلقاته يريد ما يجوز استثناؤه مِمّا لم يدل اللفظ عليه، وهي ثمانية، سيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانها.
وقولي مع ذكر لفظ المخرج احترازاً من الصفة والغاية والشرط، فإن الخارج بسببها لم يذكر لفظه نحو: اقتلوا المشركين إن حاربوا، خرج أهل الذمة ولم يذكر لفظهم، وحتى يتركوا الحرابة خرج أهل الذمة ولم يذكروا، أو المحاربين، خرج بالصفة أهل الذمة ولم يذكروا، بخلاف قولنا إلاّ أهل الذمة، المستثنى المخرج مذكور بلفظه.
وقولي لا يستقل بنفسه احترازاً من قولنا اقتلوا المشركين لا تقتلوا أهل الذمة، فإنه ليس استثناءً لكونه جملة مستقلة بنفسها، وكذلك قولنا قام زيد لا عمرو، وأخرجنا عمراً مِمّا دخل فيه زيد، ولكن ليس بعض زيد ولا من متعلقاته وحينئذ ينطبق الحد على الاستثناء.
فائدة: أدواته أحد عشر (إلاّ) وهي أم الباب، وغير وليس ولا يكون وحاشا وخلا وعدا وسوى وسُوى وسواء واعدا وما خلا ولاسيما على خلاف فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
الفصل الثاني في أقسامه
وهو ينقسم إلى الإثبات والنفي والمتصل والمنقطع وضبطهما مشكل فينبغي أن تتأمله، فإن كثيراً من الفضلاء يعتقد أن المنقطع هو الاستثناء من غير الجنس، وليس كذلك، فإن قوله تعالى: «لا يذوقون فيها الموت إلاّ الموتة الأولى» (1) منقطع على الأصح مع أن المحكوم عليه بعد إلاّ هو بعض المحكوم عليه أولاً ومن جنسه، وكذلك قوله تعالى: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة» (2) منقطع مع أن المحكوم عليه بعد إلاّ هو عين الأموال التي حكم عليها قبل إلاّ، بل ينبغي أن تعلم أن المتصل عبارة عن أن تحكم على جنس ما حكمت عليه أولاً بنقيض ما حكمت به أولاً فمتى انخرم قيد من هذين القيدين كان منقطعاً فيكون المنقطع هو أن تحكم على غير جنس ما حكمت عليه أولاً بغير نقيض ما حكمت به أولاً، وعلى هذا يكون الاستثناء في الآيتين منقطعاً للحكم فيهما بغير النقيض، فإن نقيض لا يذوقون فيها الموت، يذوقون فيها الموت، ولم يحكم به، بل بالذوق في الدنيا، ونقيض ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل كلوها بالباطل، ولم يحكم به، وعلى هذا الضابط يخرج جميع أقوال العلماء في الكتاب والسنة ولسان العرب.
يكون الاستثناء المتصل مركباً من قيدين، الاستثناء من الجنس والحكم بالنقيض، والمنقطع نقيض ذاك المركب، فأي قيد انعدم حصل نقيض ذلك المركب فحصل المنقطع، ويكون الانقطاع قسمين: تارة يحصل بسبب الحكم على--------------------------------------------
(1) 56 الدخان.
(2) 29 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
غير الجنس، نحو رأيت إخوتك
إلاّ ثوباً، وتارة بسبب الحكم بغير النقيض نحو رأيت إخوتك إلاّ زيداً لم يسافر.
وقولي «لا يذوقون فيها الموت» منقطع على الأصح، أريد أن أصل الذوق هو إدراك الطعوم خاصة، وهو في مجرى العادة باللسان، ثم أستعمل مجازاً في إدراك ما قام بالذائق، حو ذاق الفقر وذاق الغنى وذاق الولاية، فهذا مجاز، فإذا لاحظناه وهو لا يدركون الموتة قائمة بهم في الجنة، بل كان ذلك في الدنيا فتعين الانقطاع.
ولنا أن نتجوز بلفظ الذوق إلى أصل الإدراك الذي هو الشعور والعلم، ويصير معنى الكلام لا يعلمون فيها الموت إلاّ الموتة الأولى فإنهم لا يعلمونها في الجنة، فيصير الاستثناء متصلاً، والعلم حاصل لهم في الجنة بأنهم ماتوا في الدنيا، وهذا مجاز، والأول أيضاً مجاز، لأن الموت ليس من ذوات الطعوم، لكن الأوّل أقرب إلى الحقيقة؛ لأن القيام حاصل في الطعوم، وفي الموت حالة حصوله، ففي وصف القيام خصوص أوجب قرب الأوّل للحقيقة وبعد الثاني، والعلاقة في الآيتين التعبير بالأخص عن الأعم، فإن إدراك الطعوم هو إدراك مع خصوص كون المدرك طعماً وقيامه بالذائق، فإن أحد الخصوصين في المجاز الأوّل بالخصوصان منفيان في المجاز معاً في المجاز الثاني فلذلك كان أبعد.
فائدة: قال الله تعالى في الآية الأخرى: «قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين» (1) ، وذلك يقتضي أنهم ماتوا مرتين، وهذه الآية تقتضي أنهم ماتوا مرة واحدة، فكيف الجمع بينهما.
الجواب أن هذه الآية يمكن حملها على الأرواح، وهي لا تموت إلاّ مرة واحدة عند الصعقة الأولى، لقوله تعالى: «فصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله» (2) قيل المستثنى أرواح الشهداء، وقيل أرواح الأنبياء، وقيل--------------------------------------------
(1) 11 غافر.
(2) 68 الزمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
طائفة من الملائكة، والموتتان للجسد. قال المفسرون: الإنسان قبل أن يصير منِيًّا كان متصلاً بجسد أبيه، فهو حينئذ أجزاء حية، وإذا انفصل منيا مات، ثم ينفخ فيه الروح وهو جنين، ثم يموت عند أجله، فهاتان موتتان للجسد والموتة الواحدة للروح، فحصل الجمع بين الآيتين.
الفصل الثالث في أحكامه
اختار الإمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي عبد الوهاب، وفيه خلاف، وذكر القاضي أن قول القائل له عندي مائة دينار إلاّ ثوباً من هذا الباب، فإنه جائز على المجاز، وإنه يرجع إلى المعنى بطريق القيمة قال خلافاً لمن قال إنه مقدر بلكن، ولمن قال أنه كالمتصل.
منشأ الخلاف في هذه المسألة أن العرب هل وضعت (إلاّ) لتركبها مع جنس ما قبلها، أو تركيبها مع الجنس وغيره؛ فيكون الخلاف في أنه مجاز يرجع إلى هذا؛ فإن قلنا بالقول الأوّل تعين أن يكون المنقطع مجازاً في التركيب، ويتوقف كون المتصل حقيقة لغوية، على أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهذه مسألة خلاف.
واختار الإمام أن المجاز المركب عقلي، ومعناه ليس حقيقة لغوية، فلم تضع المركبات، وأما له عندي مائة دينار إلاّ ثوباً، فمعناه إلاّ قيمة ثوب، فهو استثناء من لازم المنطوق، لأن من لازم المائة دينار قيمة ثوب.
واختلفت عبارات الأصوليين في هذا الموضع، فمنهم من يقول عبر بالثوب عن قيمة من غير حذف، فيكون لفظ الثوب على هذا مجازاً، ومنهم من يقول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)