بحادث قبله والحوادث معدات وشروط للفيض عن الواجب بذاته ويقولون أن حركة الفلك هي سبب الحوادث والتغييرات فيقال لهم هب أن الأمر كذلك فالحوادث المتعاقبة سواء كانت حركة متصلة أو غير ذلك إذا كانت لم تصدر إلا عن علة تامة لزم أن تكون مقارنة للعلة التامة فإن العلة التامة يجب أن يقارنها معلولها والموجب بذاته يقارنه موجبه حينئذ فلا يتأخر عنها معلولها فالمتأخر لا يكون معلولها فلا يكون شيء من الحوادث معلولا لها
وإذا قالوا حدوث الأول أعدها لإحداث الثاني قيل لهم القول في حدوث الحادث الأول كالقول في حدوث الحادث الثاني فالحادث الأول الذي هو شرط الثاني لا يجوز أن يكون صادرا عن علة تامة أزلية بل لا تكون العلة التامة له إلا حادثة سواء كان الحادث كلها أو بعض أجزائها وشروطها وهذا مما يعترفون به مع أنه حق بين فحينئذ لا يكون لشيء من الحوادث علة تامة أزلية فإذا كان المبدأ الأول الذي هو صانع العالم علة تامة أزلية وليس لشيء من الحوادث عالة تامة أزلية لم يكن شيء من الحوادث صدر عنه فلا يكون لشيء من الحوادث فاعل ولا محدث وهذا غاية الجهل والتعطيل والسفسطة وهم يعترفون بفساده فإذا قالوا هذا الحادث المعين اليومي إنما تمت شروط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
اقتضائه وأحداثه التي بها صارت علته تامة في هذا الوقت المعين فإن العلة إذا تمت لم يتأخر عنها معلولها قيل لهم فيلزم أن يكون تمام العلة التامة لما يحدث في اليوم المعين إنما حدث ذلك اليوم ثم تمام العلة أيضا حادث في اليوم المعين فيلزم أن تكون علته أو تمام علته حادثا في اليوم المعين وهلم جرا فيلزم أن يكون كل حادث إنما صارت علته تامة عند حدوثه فيلزم من ذلك بطلان قولهم من وجوه أحدها أنه إذا لم يكن لشيء من الحوادث علة تامة أزلية بل إنما صارت له علة تامة عند حدوثه بلط قولهم فإنه إذا لم يكن لشيء من الحوادث علة تامة أزلية لم يكن شيء من الحوادث صادرا عن الموجب بالذات الذي هو علة تامة أزلية فعلم أن المحدث للحوادث ليس علة تامة لمعلولة في الأزل وهو المطلوب وهذا الموضع إذا تدبره من يفهمه ويفهم مذهبهم علم أنه يبين فساد قولهم بالضرورة وكلما غيرت العبارات الدالة عليه زاد بيانا وقوة فدعواهم أن المبدع الموجب بالذت علة تامة أزلية مع كون الحوادث المتعاقبة صدرت عنه جمع بين النقيضين إذ العلة التامة يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها وسواء قيل أن الفلك صدر عنه بلا واسطة كما تقوله طائفة منهم أو قيل صدر عنه بواسطة العقل الأول كما يقوله طائفة أخرى فهم يقولون أن المحرك للفلك هو النفس بما يتجدد لها من التصورات والإرادات الشوقية فيقال هذه الأمور الحادثة سواء كانت هي الحركات أو الإرادات أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
التصورات لا بد لها من أمر محدث لها والعلة التامة الأزلية المستلزمة لمعلولها في الأزل التي توجبه بذاتها يقارنها معلولها الذي هو موجبها ومقتضاها في الأزل فلا يكون شيء من هذه الحركات والإرادات والتصورات معلولا لها لأنها حادثة ولا تكون موجبة له ولا فاعلة ولا محدثة لامتناع صدور الحوادث عن علة تامة أزلية وهذا مما يتبين به بطلان قولهم في قدم العالم ويتبين أن كل ما سوى الله تعالى حادث بعد أن لم يكن فإن القديم المعلول لا يصدر إلا عن موجب بذاته أزلي الإيجاب وهو العلة التامة الأزلية التي تستلزم معلولها في الأزل فلو كان في العالم ما هو قديم لزم ثبوت العلة التامة الأزلية لكن ثبوت هذه ممتنع لأنه حينئذ يلزم ألا يكون للحوادث فاعل لا لوسط ولا بغير وسط لأن الحوادث لا تحدث عن علة تامة لها أزلية فكل ما سوى الله لا بد أن يقارن شيئا من الحوادث أو تحدث فيه الحوادث وكل ما قارن شيئا من الحوادث أو حدثت فيه الحوادث يمتنع أن يصدر عن علة تامة أزلية إذ يمتنع صدوره دون الحوادث عن الفاعل لأنه لا بد للحوادث من الفاعل فإثبات قدم شيء من العالم يستلزم إثبات علة قديمة له وإثبات العلة القديمة توجب كون الحوادث لا فاعل لها سواء قيل أن تلك العلة القديمة صدر عنها ما قارنته الحوادث أو صدر عنها ما حدثت فيه الحوادث فإنه على التقديرين يلزم كون الحوادث لا فاعل لها لامتناع صدور الحوادث عن العلة التامة الازلية وإذا كان قدم شيء من العالم يستلزم إثبات العلة التامة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
القديمة وإثبات ذلك يستلزم كون الحوادث لا فاعل لها وهذا اللازم باطل بالضرورة فالملزوم أيضا باطل والملزوم قدم شيء من العالم فإذا كان الملزوم باطلا فنقيضه حق وهو أنه ليس من العالم شيء قديم الوجه الثاني أن قولهم هذا يستلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى وهم يسلمون فساد ذلك وفساده معلوم بالادلة اليقينية كما قد بسطناه في غير هذا الموضع ونبهنا على أن المعلولات كلها ممكنة ليس فيها ما يقتضي وجودها وتقدير أمور غير متناهية ليس فيها ما يقتضي وجودها بمنزلة تقدير أمور متناهية معدومة أو ممتنعة فإذا قدر علل لا تتناهى وهي معلولات كان ذلك بمنزلة تقدير أمور معدومة لا تتناهى فلا يكون فيها ما هو موجود والمعدوم يمتنع أن يكون مبدعا أو فاعلا للموجود ولا حاجة إلى الإطناب في هذا فإنه متفق عليه بين العقلاء لكن بعض المتأخرين أورد على هذا شبهات قد بينا فسادها في غير هذا الموضع كما أورد ذلك الآمدي والأبهري وغيرهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
ومن الناس من ظن أن الكلام في تناهي المؤثرات بمنزلة الكلام في تناهي الآثار كما ظن ذلك طائفة من أهل الكلام والجدل ثم من هؤلاء من قال فإذا كان تناهى الآثار لا يقوم دليل على فساده فكذلك تتناهى العلل
وهذا مما سلكه أبو حامد في الرد علىالفلاسفة في تهافت الفلاسفة وجعل قولهم بتجويز حوادث لا أول لها يقتضي تجويز علل لا تتناهى
وكثير من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية لما سووا بين النوعين اعتمدوا في نفس التسلسل في المؤثرات والآثار على طرق معروفة قد أفسدها كثير منهم حتى أن الرجل من هؤلاء يذكر بعض هذه الطرق في كتاب ويفسدها في كتاب آخر كما يفعله أبو عبد الله بن الخطيب ونحوه فيقرر في كتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
الأربعين ونحوه طرقا في إبطال حوادث لا تتناهى ويبطلها في مثل كتاب المباحث المشرقية وأمثاله ولهذا بين أبو الحسن الآمدي فساد عامة هذه الطرق واعتمد طريقة أضعف من غيرها وكذلك أبو الثناء الأرموي أفسد في لباب الأربعين عامة ما قيل في هذا الباب وهذا كله مبسوط في موضعه والمقصود هنا أن التسلسل في المؤثرات باطل باتفاق العقلاء وأما الاعتراض المذكور فهو أنهم قالوا إذا كان كل من المؤثرات ممكنا فلم لا يجوز ألا تكون الجملة ممكنة على قول من يقول أن كل واحد من الحوادث محدث والنوع القديم متسلسل فإن حكم الجملة إما أن يكون مثل حكم الأفراد وأما ألا يكون فإن كان مثل حكمها لزم حدوث نوع الحوادث وهذا هو الذي يقوله كثير من أهل الكلام وعليه اعتمد أبو الحسين البصري وأمثاله وقالوا إذا كان كل واحد من الزنج أسود فالجميع سود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
لكن نقض ذلك المعارضون لهم بأن الواحد من العشرة ليس هو عشرة والواحد من أجزاء القبة والبيت ليس هو قبة ولا بيتا وبعض الإنسان ليس هو إنسان فقال هؤلاء الذين أشكل عليهم بطلان تسلسل المؤثرات كالآمدي والأبهري فحينئذ يجوز أن يكون كل واحد من العلل ممكنا والجملة ليست ممكنة فصارت هذه المباحث المتعلقة بأصول الدين والعلم مضطربة عند أئمة الفلاسفة والمتكلمين وفصل الخطاب في هذا الباب أن نقول انضمام الفرد إلى غيره إما أن يوجب ثبوت أمر يخالف حكم تلك الأفراد وإما ألا يوجب فإن لم يوجب ثبوت أمر يخالف حكم الأفراد كان حكم المجموع حكم الأفراد وإن أوجب ثبوت أمر يخالف حكم الأفراد لم يجب أن يكون حكم المجموع حكم الأفراد مثال الأول المعدوم مع المعدوم فإن انضمام أحدهما إلى الآخر لا يخرجه عن أن يكون معدوما وكذلك انضمام الواجب إلى الواجب والممكن إلى الممكن وكذلك انضمام الموجود إلى الموجود لا يخرجه عن أن يكون موجودا اللهم إلا إذا كانا يتضادان
ومثال الثاني أبعاض الإنسان وغيره من الحيوان وأبعاض الدار والبيت والمدينة ونحو ذلك فإن انضمام بعض ذلك إلى بعض يوجب للمجموع أن يصير حيوانا وبيتا ومدينة وكذلك آحاد العشرة والألف بالانضمام تصير عشرة وألفا وكذلك غير ذلك من المركبات فإنه بالاجتماع يحصل له من التركيب ما لا يحصل بالأفراد وكذلك أجزاء الطويل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
والدائم والممتد والكبير والعظيم ونحو ذلك فإنه لا يسمى طويلا ولا دائما ولا ممتدا ولا كبيرا ولا عظيما إلا إذا اجتمعت تلك الأجزاء فبالاجتماع يتغير حكم الأفراد إذا تبين ذلك فإذا قدر مؤثرات ممكنة ليس لها من أنفسها وجود ولكن كل منها يحتاج إلى مؤثر لم تكن بانضمام بعضها إلى بعض تخرج عن أن تكون ممكنة مفتقرة إلى غيرها بل كلما كثرت زاد الافتقار والحاجة كما أنه كلما ضم المعدوم إلى المعدوم كثر المعدوم فإذا قدر علل لا تتناهى كل منها معلول أو فاعلون لا يتناهون كل منهم مفعول فهذه كلها مؤثرات أبدعها غيرها وكل منها ممكن بنفسه محتاج إلى غيره قد أبدعه غيره ليس فيها ما هو موجود بنفسه فإذا قدر عدم تناهيها كان ذلك تكثيرا للحاجة والافتقار إلى الموجود بنفسه وتكثيرا للممكنات التي هي معدومة بنفسها لا توجد إلا بموجود غيرها فكثرتها وعدم تناهيها لا يخرج شيئا منها عن أن يكون ممكنا مفتقرا إلى غيره وأنه إذا لم يكن له مبدع كان معدوما بل المجموع مفتقر إلى كل من الأفراد وإذا كان كل من الأفراد ممكنا فالمجموع المتوقف على كل من الأفراد أولى أن يكون ممكنا فتبين بذلك امتناع وجود علل ومعلولات لا تتناهى وهو امتناع أرباب كل منهم مربوب أو فاعلين كل منهم مفعول ومؤثرين كل منهم أثر فيه غيره فهذا جميعه مما يعلم امتناعه بالضرورة بعد التصور التام كما اتفق عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
عامة العقلاء وذلك مما بيبن أن جميع الممكنات والحوادث لها مبدع موجود بنفسه خارج عنها كلها وهذا بخلاف دوام الحوادث وتسلسلها في الماضي أو المستقبل فإن الواحد منها إذا لم يكن دائما باقيا متصلا لم يلزم ألا يكون النوع دائما باقيا متصلا لأن انضمام الواحد إلى غيره يوجب الكثرة التي لا توجد في الواحد والدائم الباقي المديد الطويل الكثير لا يستلزم أن يكون كل واحد من أفراده دائما طويلا مديدا كثيرا
فهذا تنبيه على الفرق بين النوعين وإذا كان كذلك فنقول قولهم بقدم العالم يستلزم التسلسل في المؤثرات وذلك فاسد بالضرورة والاتفاق وهم يسلمون امتناع تسلسل المؤثرات لكن الذين يقولونه هنا يقولون التسلسل إنما هو حاصل في شروط العلية لا في ذات العلة
فيقال لهم إذا كان هذا الحادث موقوفا على شرط العلة الذي هو تمامها وعند حصول تمام العلة يجب مقارنة ذلك المعلول له لا يجوز تأخره عنه فكل حادث يجب أن يقارنه تمام علة الحادث والكلام في تمام علية الحادث كالكلام في الحادث فيلزم تسلسل تمامات العلل وأن يكون تمام علة كل معلول مقارنا لذلك المعلول فإذن كل حادث إنما تمت علته عند حدوثه وذلك التمام إنما تمت علة حدوثه عند حدوثه أيضا فيلزم تسلسل تمامات لا فاعل لها ولا فرق بين تسلسل علل هي معلولات لا فاعل لها وبين تسلسل تمامات علل هي معلولات لا فاعل لها وأيضا فإن هذه التمامات المتسلسلة لا يجوز أن تكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
صادرة عن العلة التامة الأزلية فإن ذلك يستلزم أن تكون مقارنة لتلك العلة ولا يجوز أن تكون العلة الأزلية علة تامة لواحد منها معين وذلك شرط في الثاني لأنه يتعين لها مبدأ معين وما من واحد إلا وقبله آخر فلا يتعين شيء منها دون الآخر ولا يكون شيء منها علة تامة لحوادث متعاقبة مع كون العلة ثابتة على حال واحدة لأن حدوث المتغير عن علة تامة لا تتغير ممتنع فإذا لم يكن لها محدث سوى العلة التامة الأزلية والعلة التامة الأزلية لا يجوز أن يصدر عنها حادث فيلزم ألا يكون للحوادث محدث وأبو عبد الله الرازي قد نبه على هذا لكن لم يوضحه إيضاحا تاما فاعترض عليه الأرموي حيث لم يفهم حقيقة هذا الإلزام فظن الفرق بين حدوث شروط العلة وحدوث ذات العلة وهذا الفرق إنما يصح إذا كان هناك سبب يقتضي حدوث شروط العلة غير العلة حتى يقال تأثيرها موقوف على حدوث شروط أخر تحدث بسبب غيرها فأما إذا كان لا مقتضى للحوادث إلا ذات العلة التي فرض أنها تامة لا يتخلف عنها معلولها لم يكن اقتضاؤها موقوفا على شرط غيرها فيجب أن يقارنها معلولها فلا يحدث عنها حادث
واعلم أن هذا هو عمدتهم في قدم العالم وقد تبين أنه مناقض لما قالوه وأنه مبطل لقولهم فإن أصل قولهم أن المؤثر في العالم يجب أن يكون تاما فلا يتخلف عنه أثره وهذا بعينه يمنع أن يكون محدثا لشيء من الحوادث بشرط أو بغير شرط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
والرازي أجاب بأن هذه الحجة تستلزم التسلسل في العلل وهو باطل فاعترض عليه الأرموي في لباب الأربعين
قال الرازي في الأربعين احتج القائلون بالقدم بوجوه أولها لا شك أن الممكنات تنتهي في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود فنقول كل ما لا بد منه في كونه تعالى مؤثرا في إيجاده إما أن يقال أنه كان حاصلا في الأزل أو ما كان حاصلا في الأزل فإن كان كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل فإما أن يجب مع حصوله حصول الأثر أو لا يجب فإن وجب لزم من دوامه دوام الأثر وإن لم يجب كان وجوده مع عدم تلك الآثار جائزا فلنفرض ذاته مع مجموع الأمور المعتبرة في المؤثرية تارة مع وجود تلك الآثار وتارة مع عدمها فاختصاص ذلك الوقت بالوجود دون الوقت الآخر إما أن يختص بأمر ما لأجله كان هو أولى بوجود ذلك الأثر وإما ألا يكون كذلك فإن كان الأول كان ذلك المخصص معتبرا في المؤثرية وهو ما كان حاصلا قبل ذلك فإن كان ما لا بد منه في المؤثرية ما كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
حاصلا في الأزل وكنا قد فرضنا حاصلا قبل ذلك هذا خلف وإن كان الثاني كان ذلك ترجيحا لأحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر من غير مرجح أصلا وهو محال هذا إذا قلنا كل ما لا بد منه في المؤثرية كان حاصلا في الأزل أما إذا قلنا بأن كل ذلك ما كان حاصلا في الأزل فحدوثه فيما لا يزال بعد أن لم يكن إما أن يفتقر إلى مؤثر أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الممكن لا عن مرجح وإن افتقر نقلنا الكلام إلى كيفية إحداث تلك الأمور ويلزم التسلسل وهو محال
قال الرازي هذا هو العمدة الكبرى للقوم ثم ذكر أجوبة طوائف من أهل الكلام عن ذلك بأن قوما قالوا المرجح هو الإرادة وقيل المرجح هو العلم وقيل المرجح اختصاص وقت الأحداث بحكمه خفية وقيل إحداث العالم في الأزل محال لأن الإحداث جعله موجودا بعد أن كان معدوما وذلك يقتضي سبق العدم والأزل عبارة عن نفي المسبوقية بالغير فكان الجمع بينهما بمحال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وقيل أن العالم قبل ذلك ما كان ممكنا بل ممتنعا ثم انقلب ممكنا ذلك في الوقت وقيل أن القادر المختار يمكنه أن يرجح أحد المقدورين على الآخر من غير مرجح ثم بين فساد هذه الأجوبة جملة فإن حاصلها أن كل ما لا بد منه في إيجاد العالم ما كان حاصلا في الأزل وبين فسادها على وجه التفصيل بما لا حاجة إلى ذكره هنا ثم قال والجواب أن نقول إن صح ما ذكرتم يلزم أن لا يحصل في العالم شيء من التغيرات لأنه يلزم من دوام واجب الوجود أزلا وأبدا دوام المعلول الأول ومن دوام المعلول الأول دوام المعلول الثاني وهلم جرا إلى آخر المراتب فيلزم ألا يحصل في العالم شيء من التغيرات وأنه خلاف الحس
قال فإن قال قائل لم لا يجوز أن يقال واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث الأثر عنه يتوقف على استعداد القوابل وحصول هذه الاستعدادات المختلفة في القوابل يتوقف على الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وكل واحد منها مسبوق بآخر لا إلى أول فلهذا السبب حدث التغير في هذا العالم قال والجواب أنا نقول العرض المعين إذا حدث في هذا العالم فإما أن يفتقر في حدوثه إلى سبب أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الممكن لا عن سبب وهو باطل بالاتفاق وإذا افتقر إلى سبب فذلك السبب إن كان حادثا كان الكلام في كيفية حدوثه كما في الأول فيفضي إلى وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة وهو محال وإن كان السبب قديما فقد أسندتم إلى المؤثر القديم أثرا محدثا وإذا عقلتم ذلك فلم لا يجوز في كل العالم مثل ذلك
قال الأرموي معترضا على هذا الجواب ولقائل أن يقول إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض شروطه فإن عنيت به السبب الفاعل لم يلزم من حدوث العرض المعين حدوثه بل إما حدوثه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
أو حدوث بعض الشرائط وحدوث الشرائط والمعدات الغير المتناهية على التعاقب جائز عندهم
قال بل الجواب الباهر عنه أنه لا يلزم ذلك من حدوث العالم الجسماني لجواز أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنها تصورات متعاقبة كل واحد منها بعد ما يليه حتى تنتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم
قلت هذا الجواب الذي أجاب به الأرموي أخذه من المطالب العالية للرازي فإنه ذكر هذا الجواب فيه وهذا الجواب باطل متناقض في نفسه فإنه يتضمن وجود حوادث لا أول لها والمتكلمون الذين أثبتوا حدوث الأجسام إنما أثبتوه بناء على امتناع حوادث لا أول لها فإن كان هذا الأصل صحيحا بطل الجواب المذكور ولزم حدوث النفوس التي تقوم بها تصورات متعاقبة لأنها حوادث لا أول لها وإن كان حوادث لا أول لها جائزا كما ذكره في الجواب الباهر بطل دليل المتكلمين على حدوث الأجسام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وحينئذ فلا فرق بين أن يقال القديم هو النفس أو جسم وأيضا فهذا الجواب باطل من وجه آخر وهو أن النفوس عند من يثبتها من المتفلسفة لا تفارق الأجسام بل النفس عندهم لا بد أن تكون متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف وقد تنازعوا في النفس الفلكية هل هي جوهر أو عرض وأكثرهم يقولون هي عرض ولكن ابن سينا وطائفة رجحوا أنها جوهر فإذا كان وجود النفس التي تقوم بها التصورات المتعاقبة مشروطا بوجود الجسم بطل هذا الجواب وأما العقول فتلك مفارقة لا تدبر الأجسام ولا يقوم بها عندهم شيء من الحوادث لا متعاقبا ولا غير متعاقب وأيضا فهذا الجواب يتضمن شيئين جواز حوادث لا أول لها بناء على أن التسلسل الممتنع إنما هو في المؤثرات لا في الآثار والشروط وهذه مسألة نظرية لا تناقض أصول الإسلام ويتضمن أيضا إثبات العقول والنفوس وأنها قديمة أزلية وأن المخلوق المحدث إنما هو الأجسام دون العقول والنفوس وهذا ليس من دين أحد من أهل الملل وهو مبني على إثبات العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة وأنها ليست أجساما وكلامهم في ذلك في غاية الفساد في العقل كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وإنما غلط في هذا لأن الشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم من المتأخرين ظنوا أن المتكلمين ليس لهم دليل ينفي وجود هذه الأمور وأنهم لم يذكروا على نفيها دليلا وليس الأمر كما ذكره هؤلاء بل قد صرح النظار كإمام الحرمين وأبي الوفاء بن عقيل ومن قبلهم كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري وأبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
علي وأبي هاشم الجبائي وأبي الحسين البصري ومحمد بن كرام وابن الهيصم وهشام بن الحكم وغيرهم أن إثبات ذلك معلوم الفساد بضرورة العقل وإن إثبات ما لا يشار إليه ولا يقوم بما يشار إليه معلوم الفساد بضرور العقل إما مطلقا عند طائفة وإما في الممكنات عند طائفة وهذا مبسوط في موضعه ولو أن الأرموي قال هذا في واجب الوجود نفسه لكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ذلك أقرب إلى دين المرسلين فإن ذلك يمكن معه القول بأن كل ما سوى الله سبحانه وتعالى مخلوق محدث غايته أنه يلزم قيام الأفعال المتعاقبة بالواجب نفسه وهذا قول أئمة أهل الحديث وجمهورهم وطوائف من أهل الكلام وقول أساطين الفلاسفة القدماء فهو قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة ففي الجملة هذا فيه نزاع بين أهل الملل فيمكن مع القول به موافقة الأنبياء بخلاف ما ذكره
وأيضا فقد بين الرازي والآمدي ضعف ادلة نفاة ذلك وذكر الرازي أن ذلك لازم لعامة الطوائف ثم قرر هو ذلك بطريقة هي أيضا في غاية الضعف كما قد بسط هذا كله في غير هذا الموضع وإذا كان كذلك فالواجب الذي هو أصح في الشرع والعقل أولى من الجواب الذي هو أفسد في الشرع والعقل فهذا الكلام على جواب الأرموي وأما جواب الرازي وإلزامه لهم فصحيح كما ذكره ولكن لم يقرره ويبينه تبيينا يشفي الغليل فلهذا لم يفهم الأرموي حقيقة هذا الجواب وذلك أنه إذا كان المؤثر التام أزليا لزم من دوامه دوام أثاره فيلزم أن لا يحدث شيء وهو خلاف الحس وهذا الجواب وحده كاف إذا تصوره الإنسان فإنه إذا قيل بأن المؤثر التام أزلي وأنه يستلزم آثاره امتنع حدوث شيء من الآثار فيلزم أن لا يحدث شيء لأن حدوث الحوادث بلا محدث ممتنع وحدوثها عن المؤثر التام ممتنع وأما السؤال الذي أورده فيجاب عنه بما ذكره وبغير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ما ذكره وذلك أن قول القائل أن المؤثر دائم الفيض ولكن حدوث الأثر عنه متوقف على حدوث الاستعداد والشرائط إنما يمكن قوله في الأثر الذي يتوقف على اثنين كالإحراق من النار المتوقف على استعداد المحل فلا تحرق الياقوت والسمندل ونحو ذلك وكالشمس التي يتوقف فيض شعاعها على محل قابل وذلك المحل ليس صادرا عنها وكما قالوه فيما يفيض عن العقل الفعال المتوقف على حدوث امتزاجات حاصلة بحركة الأفلاك وحركة الأفلاك التي فوق فلك القمر لا تتوقف على فيض العقل الفعال فهذا الذي ذكروه من توقف الفيض على استعداد القوابل إنما يمكن أن يقال إذا كان ذلك الاستعداد ليس هو من فيض ذلك الموجب وهذا لا يصح في الواجب الوجود الذي هو المبدع لكل ما سواه فإنه هو الفاعل للإستعدادات والشرائط كما هو الفاعل لما يفيض عليها فلا شريك له في الفعل والإبداع أصلا فإذا قال القائل إن واجب الوجود عام الفيض إلا أن حدوث الأثر عنده يتوقف على استعداد القوابل قيل لهم فاستعداد القوابل هو أيضا مما فاض عنه فيتمنع أن يقال هو عام الفيض لكل ممكن إذ لو كان كذلك لكانت الممكنات كلها أزلية وإذا قيل فلم تأخر عنه فيض الحادث فقيل لتأخر الاستعداد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)