جميع أحوال معاشه، ولهذا بذل كل جهد ممكن في سبيل جمع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته1.
فالفكرة التي يريد جولد سهير أن يعطيها لنا هي أن السنة ليس لها قيمة ذاتية نفسية بل جاءت من قبل العادات والتقاليد الجامعية. ولكن الأمر ليس كما يظن المستشرق فسوف نبين خطأ فكره في باب العادات الجاهلية بعون الله تعالى. ثم جاء بعده جوزيف شاخت فجعل السنة وليدة البيئة والمجتمع الإسلامي وعمل الخلفاء، وأنها ليست أمرا ثبتا في القرنين الأول والثاني حتى جاء الإمام الشافعي ونادى بحجية السنة وشن الغارات على منكريها2.
ثم رأيت المرحوم الدكتور السباعي يُورد فصلا كاملا في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) بعنوان ((السنة مع من ينكر حجيتها حديثا)) فأحببت أن ألخص كلامه هنا في أسطر لما فيه من الفوائد لطالب السنة.
يقول المرحوم: "وقد نشرت مجلة المنار للمرحوم السيد رشيد رضا في العددين 7_12 من السنة التاسعة مقالين للدكتور توفيق صدقي تحت عنوان (الإسلام هو القرآن وحده) وشبهته:
أولا _ قوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} .
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} .
ثانيا _ قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فالله تعالى تكفل بحفظ القرآن دون السنة.
ثالثا _ لو كان الحديث حجة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته.
رابعا _ بعض الآثار المروية التي تدل على بعدم حجية السنة.
تلك هي خلاصة ما أورده الدكتور صدقي من الشبهات حول حجية السنة--------------------------------------------
1 دائرة المعارف الإسلامية ج7 ص330.
2 هذه هي الفكرة الرئيسية في تأليفه. (MUHAMMADAN JURISPRUDENU)
وخاصة في الباب السابع SUNNA PRACTIEEND LIVING TRADITION) P58.
(খণ্ড: 21) (পৃষ্ঠা: 97)
وقد قام المرحوم الدكتور السباعي بالرد على هذه الشبهات واحدة فواحدة، ولا أريد أن أطيل البحث فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه1 فإنه جاء بجواب مسكت مقحم فجزاه الله خيرا وتقبل سعيه.
فالآن نعود إلى موضوعنا وهو: (مقدار العادات الجاهلية في الإسلام) .
معنى الجاهلية وموقف الإسلام منها:
الجهل لغة: نقيض العلم، يقال جهل فلان جهلا وجهالة، والجهالة: أن تفعل فعلا بغير العلم ومنه المجاهل جمع مجهل.
قال مضرس بن ربعي:
أنا لنصفح عن مجاهل قومنا … ونقيم سالفة العدو الأصيد2
قال الراغب: الجهل على ثلاثة أقسام:
1 _ خلو النفس من العلم ومثاله قول خولة بنت حكيم امرأة عثمان رضي الله عنهما قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: "والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله" أي يُشغل بهم الآباء عن طلب العلم.
2 _ اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه مثاله: "إن من العلم جهلا. قيل هو أن يعلم ما لا يحتاج إليه من دينه".
3 _ فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أم فاسدا كقوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} 3 فجعل فعل الهزو جهلا4.
وقد يأتي الجهل بمعنى ضد الخبر كقوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ} أي الذي ليس عنده خبرة.--------------------------------------------
1 السنة ص165.
2لسان العرب ج11 ص129.
3 البقرة: 67.
4 البقرة: 273.
(খণ্ড: 21) (পৃষ্ঠা: 98)
هذه هي معاني كلمة الجاهلية فهل يستطيع جولد سهير ومن معه أن يطبق هذه المعاني على السنة النبوية. فالمنتصح الدقيق يجد الفرق بينهما بينا باعتبار التضاد والتناقض. وقد حذر الشارع من اتباع سنن الجاهلية في مواطن كثيرة.
قال تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة} 1!
وفي صحيح البخاري عن نافع عن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الناس إلى الله ثلاث: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلّب دم امرئ بغير حق بهريق دمه". وفي سند الإمام أحمد عن أبي بن كعب عال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا" 2 وفي مسلم أيضا عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركهن: الفخر بالأنساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة" 3، ومن هذا الباب ما أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاّب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "ما بال دعوى الجاهلية … دعوها فإنها مُنتنة" 4. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنك امرأ فيك جاهلية" 5، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها بالآباء:--------------------------------------------
1 آل عمران: 154.
2 خ تفسير سورة المنافقون.
3 مسلم جنائز 29، حم5/342.
4 خ تفسير سورة المنافقون.
5 خ أدب 44، إيمان22، م إيمان38.
(খণ্ড: 21) (পৃষ্ঠা: 99)
مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونُنّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن" 1، وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج من الطاعة وارق الجماعة فمات ميتة جاهلية" 2 وغيرها من الأحاديث المروية في كتب السنة التي لا تُعد ولا تُحصى فتدل هذه الأحاديث على تقبيح أمور الجاهلية وذمها، وبالتالي تقتضي المنع من اتباعها. ولهذا قسم العلماء الزمان قسمين: قسم زمن الفترة قبل الإسلام يُسمى فترة الجاهلية، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والتكبر والتجبر. وقسم فترة الإسلام وهو زمن بزغت فيه شمس الإسلام وأشرقت الأرض بنور ربها وخرج الناس من الجاهلية الجهلاء إلى هدى الله وشرعه.
فهل يُعقل بعد هذه النصوص البينة أن يكون اتباع السنة النبوية من باب التقاليد الجاهلية؟ تعالى الله عمّا يقولون.
نعم هناك أمر ضروري لا بد أن عليه ولو بعبارة موجزة وهو أن الإسلام لم يأت بشرع جديد مطلق يخالف شرائع الأنبياء والمرسلين، بل جاء بالملة الحنيفة السمحة التي حرفها أهل الزيغ والضلال. بل أعلن الله تعالى على لسان خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ} 3 وقال تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} 4 وقال تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} 5 وغيرها من الآيات والآثار.
إذا فما هو موقف الإسلام من أمور الجاهلية وعاداتها؟ فنقول بعون الله تعالى: إن العرب كانوا في الجاهلية--------------------------------------------
1 أبو داود: أدب 111.
2 مسلم أمارة: 53.
3 الأحقاف: 9.
4 الأنعام: 90.
5 المائدة: 44.
(খণ্ড: 21) (পৃষ্ঠা: 100)
بدو أو شبه بدو لم يكن عندهم قانون مدون ولا قواعد معروفة يرجعون إليها إلا ما حصل عندهم من العرف والتقاليد والتجارب والمعتقدات المحرفة من اليهودية والنصرانية، فجاء الإسلام وأقر بعضا وأنكر على بعض وعدل بعضا إذا وافق اللوح المحفوظ.
مثال ما أقره الإسلام القسامة فقد أخرج مسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله أمر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين أناس من الأنصار1، وصوم يوم عاشوراء، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون صوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا لله فنحن نصومه تعظيما له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق بموسى منكم. فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه"2. وقد أمر الإسلام بقرى الضيف وابن السبيل وحمل الكل وصلة الأرحام والإعانة في نوائب الحق، وهذه الأوصاف كانت تعتبر مزية من مزايا الجاهلية، وغيرها من أمور العبادة والطهارة من الجنابة وخصال الفطرة مثل الختان. ويروى أن أبا ذر كان يصوم ويصلي قبل أن يقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، وكذلك قس بن ساعدة الإيادي. وكان أهل الجاهلية يحجون بيت الله الحرام ويعظمون شعائره وكان فيهم من يوحد الله مثل ورقة بن نوفل الأسدي من أسد بن عبد العزى وزيد بن عمر وابن نفيل العدوي من عدي بن كعب وعثمان بن الحويرث الأسدي من أسد بن عبد العزى. هؤلاء من قريش وعبيد الله بن الجحش الأسدي من أسد بن خزيمة من حُلفاء قريش. يروى أنهم اجتمعوا مرة يوم عيد لأحد أصنامهم فقالوا: نعلن--------------------------------------------
1 مسلم قسامة: 7، النسائي قسامة2، حم 5/ 432.
2 البخاري صوم: 69.
(খণ্ড: 21) (পৃষ্ঠা: 101)
والله ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم. هذا حجر لا يبصر ولا يضر ولا ينفع. يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء1. ولقد سار عمرو بن لحي الخزاعي إلى بلاد الشام ورأى ما يفعله أهلها من تعظيم التماثيل والتقرب بها فمالت نفسه إلى الاقتداء بهم فأخذ بعض هذه التماثيل وأقامها على الكعبة التي كان هو سادنها ودعى العرب إلى تعظيمها فأجابوه، وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر قصبته (الأمعاء) في النار وقال: "إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي" 2
ومن هنا تتضح لنا بعض الأمور التي أقرها الإسلام بدون تحريف وتبديل، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالملة السمحة الحنيفية البيضاء".--------------------------------------------
1 البداية والنهاية، ج2 ص238.
2 ابن هشام ج1 ص79.
(খণ্ড: 21) (পৃষ্ঠা: 102)
دراسات في السنة النبوية (محمد ضياء الرحمن الأعظمي)القسم: علوم الحديث
الكتاب: دراسات في السنة النبوية
المؤلف: محمد ضياء الرحمن الأعظمي
الناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد من المجلة]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
دراسات في السُّنَّة النبوِيَّة
بقلم الشيخ/ محمد ضياء الرحمن الأعظمي
ولد مالك بالمدينة في قرب نهاية القرن الأول1 وتلقى العلم على جماعة من التابعين وأهل الفتوى وصرف همه إليه في جد ونشاط وصبر على شدة الحر والجوع، وقد وهبه الله ذاكرة قوية يميز بها الضعفاء من الثقاة على حين كَثُر الكذابون والدجالون الذين يضعون الأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أثر عنه أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذونه. لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن2 ".
وفي رواية ابن وهب وحبيب وابن عبد الحكم عند مطرف عنه قال: " أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئا من العلم "3. هكذا كان مالك يتحرى في أخذ الحديث فما كان يتصدى لأخذه إلا إذا تيقن من صحته، واجتمع عليه أهل المدينة ثقة بدينه وتحرزه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال زيد بن ثابت: " إذا--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك ج1 ص123.
2 المصدر نفسه.
3 المصدر السابق.
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 106)
رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنّة "1.
وقد جاءت الآثار الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في اختصاص المدينة بفضل العلم، فمنها ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" 2 ومعنى هذا الحديث أن الإسلام يقوم بأهل المدينة كما قال القاضي عياض:"والله ما يأرز إلا إلى أهله الذين يقومون به ويشرعون شرائعه ويعرفون تأويله ويقومون بأحكامه، وفي ذلك من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لا للأرض والدور ولكن لأهلها"3. وقال ابن أبي أويس سمعت مالكاً يقول في معنى هذا الحديث: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها"4 فمن هنا أخذ مالك قوله بعمل أهل المدينة. والباب واسع ما أردت الإحاطة ولكن ليس معنى ذلك أن السنة الثابتة إذا جاءت من ثقاة ضابطين وخالفها عمل المدينة فكان مالك يقدم العمل حاشا وكلا أن يكون هذا مراد مالك، بل معناه أن مخالفة عمل أهل المدينة للسنة الثابتة المتواترة أمر مستحيل لما كان لهم من فضل وتقدم ومشاهدة التنزيل وكيف تجتمع الأمة على ضلاله بعد خبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قلنا إن المراد بالأمة هنا الأمة الإسلامية عامة يجاب عنه بأن أهل المدينة أولى بهذا لقرب عهد الصحابة ووجودهم بالمدينة بكثرة هائلة كبيرة لم يرَ مثلها في أي بلد من البلاد، فقد عاش السائب بن يزيد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم 84 عاماً ومرثد بن عبد الله 79 عاماً وسهل بن سعد 81 عاماً وعبد الله بن جعفر 80، وسلمة بن الأكوع 64، ورافع بن خديج64، وسعيد بن خالد الجهني 63، وأسماء بنت أبي بكر 63، وعبد الله بن عمر 63، وعوف بن مالك الأشجعي 63، والبراء بن عازب 62، وجابر بن عبد الله--------------------------------------------
1 المصدر السابق.
2 ترتيب المدارك ج1 ص61.
3 حم ج1 ص184، خ مدينة 6.
4 المصدر السابق ج1 ص61.
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 107)
الأنصاري 68 وغيرهم من الصحابة. ثم وجود الفقهاء السبعة: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ثم من أهل الفتوى: أبان بن عثمان وسالم ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعلي بن الحسين وأبو بكر بن حزم ومحمد بن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري وغيرهم من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين فقد عاش هؤلاء في القرن الأول في المدينة المنورة، فهذا الفضل العظيم لم تجمعه أرض تحت السماء إلى يومنا هذا وإلى هذا أشار الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد فقال: "إن الله تعالى يقول في كتابه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ..} فإنما الناس تبع لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه"1.
هذه بعض وجهة نظر مالك ولست الآن في صدد ذكر أدلته وإقامة الحجة لأصولهن فإن هذا بحث مستقل ولكن أردت أن أنبه شاخت وأمثاله بأن مالكاً لم يكن منكراً لحجية السنة كيف وقد روي عن الإمام يقول:"إنما أنا بشر أُخطئ وأصيبُ فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"2 ونكتفي بهذا القدر من الدفاع عن مالك.
ونبدأ بالرد على شاخت في الطعن على الحنفية فنقول: قد أثر عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "إياكم وآراء الرجال. ودخل عليه رجل والحديث يُقرأ عنده فقال الرجل دعونا من هذه الأحاديث. فزجره الإمام أشد الزجر وقال له لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن، ثم قال للرجل ما تقول في لحم القرد وأين دليله في القرآن فأفحم الرجل. وكان من عادة الإمام أن يقول:"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي"3 وقد روى أبو جعفر الشيزاماري بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول:--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك ج1 ص64.
2 الميزان للشعراني ج1 ص63.
3 المصدر السابق ج1 ص147.
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 108)
"كذب والله وافترى علينا من يقول عنا إننا نقدم القياس على النص وهل يحتاج بعد النص إلى القياس وكان يقول نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة وذلك أننا ننظر أولاً في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة ثم أقضية الصحابة فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ.. سكوتاً عنه على منطوق به بجامع اتحاد العلة بينهما" وقال أبو مطيع:"كنت يوما عند أبي حنيفة في جامع الكوفة فدخل عليه الثوري ومقاتل بن حيان وحماد بن سلمة وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء فكلموا الإمام وقالوا قد بلغنا أنك تكثر من القياس في الدين وإنا نخاف عليك منه فإن أول من قاس إبليس. فناظرهم الإمام من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال وعرض عليهم مذهبه وقال إني أقدم العمل بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية الصحابة مقدماً ما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه، وحينئذ أقيس فقاموا كلهم وقبلوا يده وركبته وقالوا له أنت سيد العلماء فاعف عنا فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم. فقال غفر الله لنا ولكم"1.ومثل هذا الكلام نقل عنه في رسالته التي أرسلها إلى الخليفة أبي جعفر المنصور حين لامه بتقديم القياس على الحديث.
وهذه الخصوصية ليست لأبي حنيفة فجميع الأئمة قاسوا الأمور عند عدم وجود النص كما قال الإمام الشافعي:"إذا لم نجد في المسألة دليلاً قسناها على غيرها". فمن اعترض على أبي حنيفة فكأنما اعترض على جميع الأمة. نعم هناك أمر لا بد من الانتباه إليه هو أن الأقيسة قد كثرت عن أبي حنيفة بالنسبة لغيره من الأئمة. والسبب في ذلك هو عدم رحلته إلى الأمصار والمدن والقرى لجمع الأحاديث كما فعل الصحابة والمحدثون والفقهاء. والسبب الثاني هو ما ذكره السرخسي قال:"قلّت الرواية عن أبي حنيفة حتى قال بعض الطاعنين إنه لا يعرف الحديث، وليس الأمر كما ظنوا بل كان أعلم عصره في الحديث وكلن لمراعاة شرط كمال الضبط قلّت روايته"2.--------------------------------------------
1الميزان للشعراني ج1 ص71.
2 كشف الأسرار ج2 ص718 نقلا عن حياة أبي حنيفة لأبي زمعرة.
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 109)
فهذا التشديد جاء لسبب انتشار الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة في بلاد العجم ومقر الشيعة والخوارج وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح، ولم يتم في عصره وضع الموازين لنقد الأحاديث، ولم تدون الصحاح من غيرها، ولهذا لم يقبل العلماء خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية، لأن العقيدة لا تؤخذ إلاّ بالأدلة القطعية كما هو معروف في أصول الشريعة.
وقد طعن بعض الناس في أبي حنيفة بعدم أخذه بخبر الآحاد ولكن الصحيح هو أخذه به وهذا مبسوط في آثار محمد بن الحسن الشيباني وفي كتاب أصول فخر الإسلام وفي الميزان للشعراني وغيرها من كتب الفقه.
فلماذا لا نقول بعد هذه الشبهات الواردة والأعذار الصريحة بأن الإمام أبا حنيفة لم يقصد بكثرة قياسه توهين حجية السنة بل فعل هذا معذوراً، فلو دونت الأحاديث الصحيحة وعثر عليها الإمام لأخذ بها وترك كل قياس قاسه إذا كانت السنة تخالفه. هكذا ينبغي للباحث أن يضع الأمور في موضعها ولا يفرط ولا يقصر ولا يتعصب ولا يتحزب، فكل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون.
وهذا الذي ننتظر من إخواننا المسلمين الذين ينتسبون إلى مذهب من المذاهب إذا بان لهم الحق ليكونوا معه. نسأل الله التوفيق والسداد.
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 110)
مصادر ومراجع
…
المراجع والمصادر على حروف الهجاء
1- الإحكام في أصول الأحكام: ابن حزم
الطبعة الأولى سنة 1345
2- أصول الحديث النبوي: للدكتور الحسيني
المكتبة الأزهرية
3- أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو ريه
الطبعة الأولى سنة 1377
4- الباعث الحثيث: ابن كثير تحقيق أحمد شاكر
الطبعة الثانية سنة 1370
5- البداية والنهاية: ابن كثير
الطبعة الأولى سنة 1348
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 110)
6- ترتيب المدارك: القاضي عياض
الطبعة الأولى سنة 1387
7- تحفة الأحوذي: المباركفوري
الطبعة الثانية سنة 1383
8- تفسير ابن كثير: ابن كثير
دار إحياء الكتب
9- جامع بيان العلم: ابن عبد البر
الطبعة الأولى
10- جامع الترمذي
11- حياة أبي حنيفة: أبو زهرة
الطبعة الثانية سنة 1366
12- دائرة المعارف الإسلامية
لجنة الترجمة سنة 1353
13- الرسالة: الإمام الشافعي
تحقيق أحمد شاكر سنة 1358
14- رفع الملام عن الأئمة الأعلام
شيخ الإسلام ابن تيمية
15- سنن أبي داود: مطبعة السعادة
الطبعة الثانية سنة 1369
16- سنن الدارمي
الطبعة الأولى سنة 1349
17- سنن النسائي: مكتبة التجارة
الطبعة الأولى سنة 1348
18- سيرة ابن هشام
مطبعة الحلبي سنة 1355
19- السنّة: الدكتور السباعي
الطبعة الأولى سنة 1380
20- صحيح البخاري: مكتبة النهضة الحديثة
الطبعة الأولى سنة 1376
21- صحيح مسلم: دار الطباعة العامرة
الطبعة الأولى سنة 1329
22- فتح الباري: ابن حجر
الطبعة الأولى سنة 1300
23- كتاب الأم: للإمام الشافعي
الطبعة الأميرية سنة 1321
24- لسان العرب
الطبعة الأولى سنة 1374
25- المستدرك: أبو عبد الله
الطبعة الأولى
26- المغني: محمد بن قدامة
مطبعة العاصمة
27- الميزان: عبد الوهاب الشعراني
الطبعة الأولى سنة 1279
28 - النهاية: ابن الأثير
الطبعة الأولى سنة 1383
(খণ্ড: 23) (পৃষ্ঠা: 111)