أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة الكذاب في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في زمن عمر رضي الله عنه. ويقال: إن سجاح تابت أيضًا.
ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فاتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل عليه السلام يأتيه.
ومنهم: الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا؛ فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر.
قوله: (وأنا خاتم النبيين) . الخاتم - بفتح التاء- بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى فاعل الطبع والختم. قال الحسن: خاتم الذي ختم به، أي: آخر
النبيين، كما قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} 1 وإنما ينْزل عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان حاكماً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مصليًا إلى قبلته، فهو كآحاد أمته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنْزير، وليضعن الجزية" 2.
قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم--------------------------------------------
1 سورة الأحزاب آية: 40.
2 البخاري: البيوع (2222) والمظالم والغصب (2476) وأحاديث الأنبياء (3448) ، ومسلم: الإيمان (155) ، والترمذي: الفتن (2233) ، وابن ماجه: الفتن (4078) ، وأحمد (2/272 ،2/290 ،2/336 ،2/394 ،2/482 ،2/493 ،2/538) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
مَنْ خذلهم ولا مَنْ خالفهم" 1.
قال يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وكذلك قال: إنهم أهل الحديث عبد الله ابن المبارك، وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم. وقال المديني في رواية: هم العرب، واستدل برواية من روى هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة، لأن العرب هم الذين يستقون بها.
قلت: ولا تعارض بين القولين، إذ يمتنع أن تكون الطائفة المنصورة لا تعرف الحديث، ولا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يكون منصورًا على الحق إلا من عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الحديث من العرب وغيرهم.
فإن قيل: فلم خصصه بالعرب؟ قيل: المراد التمثيل لا الحصر، أي: أن العرب إن استقاموا على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهم الطائفة المنصورة حال استقامتهم.
قال القرطبي: وفيه دليل على أن الإجماع حجة، لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة.
وقال المصنف: وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم مَنْ خذلهم ولا مَنْ خالفهم. والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
قوله: (حتى يأتي أمر الله) . الظاهر أن المراد بأمر الله ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس كما روى الحاكم. وأصله في "مسلم" عن عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية. فقال عقبة بن عامر لعبد الله: أعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة على ذلك. فقال عبد الله: ويبعث الله ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة" 2.--------------------------------------------
1 مسلم: الإمارة (1920) ، والترمذي: الفتن (2229) ، وابن ماجه: المقدمة (10) والفتن (3952) ، وأحمد (5/279) .
2 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2949) ، وأحمد (1/394) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" 1. وفي "صحيحه" أيضًا: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" 2 وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام. وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، رواه أحمد. ويؤيده حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على مَنْ ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال" 3 رواه أبو داود والحاكم. وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه من الأحاديث "حتى تأتيهم الساعة". ساعتهم وهي وقت موتهم بهبوب الريح، ذكره الحافظ وهو المعتمد.
وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال: إنّها تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، كما روى الطبري من حديث أبي أمامة: "قيل يا رسول الله وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس) " وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (هم بالشام) . وهذا قول أكثر الشارحين.
وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا إلى أن يقاتلوا الدجال، بل قد تكون في موضع آخر، لكن لا تخلو الأرض منها حتى يأتي أمر الله.
قلت: وهذا هو الحق فإنه ليس في الشام منذ أزمان أحد بهذه الصفات، بل ليس فيه إلا عباد القبور، وأهل الفسق وأنواع الفواحش والمنكرات، ويمتنع أن يكونوا هم الطائفة المنصورة، وأيضًا فهم منذ أزمان لا يقاتلون أحدًا من أهل الكفر، وإنما بأسهم وقتالهم بينهم. وعلى هذا فقوله في الحديث: (هم ببيت المقدس) . وقول معاذ: (هم بالشام) . المراد أنهم يكونون في بعض الأزمان دون بعض، وكذلك الواقع فدل على ما ذكرنا4.--------------------------------------------
1 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2949) ، وأحمد (1/394) .
2 مسلم: الإيمان (148) ، والترمذي: الفتن (2207) ، وأحمد (3/107 ،3/201 ،3/259) .
3 أبو داود: الجهاد (2484) ، وأحمد (4/434 ،4/437) .
4 يوم أن كتب الشّيخ سليمان ذلك، كانت المعارك قائمة بين الدّولة العثمانية وبين الدّولة النّاشئة في الدِّرْعية، وهو لم يزر الشّام ولم يجتمع بأهلها، وإنّما شاهد الحرب، فكلامه غير دقيقٍ، والسّلفية انتشرت وعمَّت بلاد الشّام.
وكذلك قوله: (في بعض الأزمان دون بعضٍ) تجاوز لمطلق الحديث.
ويردّه أيضاً ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ميّز أهل الشّام بالقيام بأمر الله دائماً إلى أخر الدّهر، وبأنّ الطّائفة المنصورة فيهم إلى آخر الدّهر. فهو إخبار عن أمرٍ دائمٍ مستمرٍّ فيهم مع الكثرة والقوّة، وهذا الوصف ليس لغير أهل الشّام من أرض الإسلام، فإنّ الحجاز التي هي أصل الإيمان نَقَصَ في آخر الزّمان منها: العلم، والإيمان، والنّصر، والجهاد [أي: في زمان ابن تيمية] ، وكذلك اليمن والعراق والمشرق، وأمّا الشّام فلم يزل فيها العلم والإيمان ومَن يقاتل عليه منصوراً مؤيّداً في كلّ وقت". اه. مجموع الفتاوى 4/449.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
قوله: تبارك وتعالى . قال ابن القيم: البركة نوعان: أحدهما بركة وهي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" تارة، وبأداة "في" تارة والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك فكان مباركا بجعله تعالى.
والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له عز وجل، فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك. كما قال المسيح عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} 1. فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك، وأما صفة تبارك، فمختصة به كما أطلقها على نفسه بقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 2. {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 3. أفلا تراها كيف اطّردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاءت تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك، دال على كمال بركته وعظمته وسعتها.
وهذا معنى قول من قال من السلف تبارك: تعاظم. وقال ابن عباس: جاء بكل بركة واعلم أن هذا الحديث بجملته مما عد من الأدلة على الشهادتين فإن كل جملة منه وقعت كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
1 سورة مريم آية: 31.
2 سورة غافر آية: 64.
3 سورة الملك آية: 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
[18- باب ما جاء في السحر]
ش: السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرا". وسمي السحور سحورًا، لأنه يقع خفيًا آخر الليل. وقال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} 1، أي أخفوا عنهم علمهم. ولما كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدونه، ولهذا جاء في الحديث: "ومن سحر فقد أشرك" 2. أدخله "المصنف" في كتاب "التوحيد" ليبين ذلك تحذيرًا منه كما ذكر غيره من أنواع الشرك.
قال أبو محمد المقدسي في "الكافي": السحر: عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل، ويفرق … المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه. قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} 3، وقال سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} إلى قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} 4. يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه.
وروت عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي. فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن أعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان" 5. رواه البخاري. انتهى.
وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة كما يفهم مما تقدم.--------------------------------------------
1 سورة الأعراف آية: 116.
2 النسائي: تحريم الدم (4079) .
3 سورة الفلق آية: 1.
4 سورة الفلق آية: 4.
5 البخاري: الدعوات (6391) ، ومسلم: السلام (2189) ، وابن ماجه: الطب (3545) ، وأحمد (6/57 ،6/63 ،6/96) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
قال: وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} 1.
ش: أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان بالله لمن اشتراه، أي: استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ومتابعة رسله، ما له في الآخرة من خلاق. قال ابن عباس: من نصيب. قال قتادة: وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقال الحسن: ليس له دين. فدلت الآية على تحريم السحر، وهو كذلك، بل هو محرم في جميع أديان الرسل عليهم السلام كما قال تعالى: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} 2. واستدل بها بعضهم على كفر الساحر لعموم قوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} يدل عليه قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} 3. وقد نص أصحاب أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمه.
وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم شيئًا من السحر قليلاً كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله" وهذا مرسل.
واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر، وقيل: لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك فيكفر، وهذا قول الشافعي وجماعته. قال الشافعي رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته، كفر.
وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل--------------------------------------------
1 سورة البقرة آية: 102.
2 سورة طه آية: 69.
3 سورة البقرة آية: 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} 1. وقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} 2. وفي حديث مرفوع رواه رزين: "الساحر كافر". وقال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} 3. وذلك أنهما علّماه الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر.
وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا.
قال: وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} 4.
ش: تقدم الكلام عليها في الباب الذي قبله، ووجه إيرادها هنا ظاهر، لأن السحر من الجبت، كما قال عمر بن الخطاب.
قال "المصنف": قال عمر بن الخطاب: "الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان".
ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره، وفيه معرفة الجبت والطاغوت والفرق بينهما.
قال: وقال جابر: "الطواغيت كهان كان ينْزل عليهم الشيطان في كل حي واحد".
ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولا عن وهب بن مُنَبّه. قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها. قال: إن في جهينة واحدًا، وفي أسلم واحدًا، وفي هلال واحدًا، وفي كل حي واحدًا، وهم كهان تَنَزَّل عليهم الشياطين".
قوله: (قال جابر) . هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو عبد الله الأنصاري ثم السلمي بفتحتين. صحابي جليل ابن صحابي--------------------------------------------
1 سورة البقرة آية: 102.
2 سورة البقرة آية: 102.
3 سورة البقرة آية: 102.
4 سورة النساء آية: 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
جليل مكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم. مات بالمدينة بعد السبعين، وقد كف بصره وله أربع وتسعون سنة.
قوله: (الطواغيت كهان … ) إلى آخره. المراد بهذا أن الكهان من الطواغيت لا أنهم الطواغيت لا غير.
وقوله: (كان ينْزل عليهم الشيطان) ، أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس فقط، بل تتنَزّل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم ببعض الغيب، مما يسترقونه من السمع فيصدقون مرة ويكذبون مائة.
قوله: (في كل حي واحد) . الحي: واحد الأحياء، وهم القبائل، أي: في كل قبيلة من قبائل العرب كاهن يتحاكمون إليه، ويسألونه عن الغيب. وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بالشهب.
ومطابقة هذا للترجمة ظاهر من جهة أن الساحر طاغوت من الطواغيت؛ إذ كان هذا الاسم يطلق على الكاهن فالساحر أولى، لأنه أشر وأخبث.
[أمره صلى الله عليه وسلم باجتناب السبع الموبقات]
قال: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" 1.
ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم.
قوله: (اجتنبوا السبع) . أي: أبعدوا، وهو أبلغ من: لا تفعلوا، لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة. ذكره الطَّيْبِي.
قوله: (السبع الموبقات) . بموحدة وقاف، أي: المهلكات: وسميت الكبائر موبقات، لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.
قلت: هكذا ثبت في هذه الرواية عن السبع الموبقات، وكذلك في كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه--------------------------------------------
1 البخاري: الوصايا (2767) ، ومسلم: الإيمان (89) ، والنسائي: الوصايا (3671) ، وأبو داود: الوصايا (2874) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
النسائي وابن حبان في "صحيحه" والطبراني من طريق سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الفرائض والديات والسنن، وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن. الحديث بطوله.
وفيه: وكان في الكتاب: "وإن أكبر الكبائر الشرك"، فذكر مثل حديث أبي هريرة سواء. وأخرجه البزار وابن المنذر من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: "الكبائر: الشرك بالله وقتل النفس". الحديث. وذكر بدل السحر الانتقال إلى الأعرابية بعد الهجرة، وكذلك في حديث عند الطبراني، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن [مَن سمع] الحسن قال: "الكبائر الإشراك بالله … " فذكر مثل الأول سواء، إلا أنه قال: (اليمين الفاجرة) ، بدل السحر. وفي حديث ابن عمر عند البخاري في "الأدب المفرد" والطبري في "التفسير" وعبد الرزاق مرفوعًا وموقوفًا قال: "الكبائر تسع" فذكر السبع المذكورة وزاد: "والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين".
وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: (هن عشر) فذكر السبع التي في الأصل وزاد: "عقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر". ولابن أبي حاتم عن علي قال: الكبائر. فذكر السبع إلا مال اليتيم. وزاد: "العقوق والتعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة، ونكث الصفقة".
وللطبراني عن أبي أمامة أنهم "تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول والربا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً؟! " وقد جاء في أحاديث غير ما ذكرنا جملة من الكبائر منها اليمين الغموس، وشهادة الزور والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله وسوء الظن بالله، والزنا، والسرقة وغير ذلك.
قال الحافظ: "ويحتاج عندها إلى الجواب عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
الحكمة في الاقتصار على سبع، ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو جواب ضعيف، أو بأنه أعلم أولاً بالمذكورات، ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك".
وقد أخرج الطبري وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟ فقال: هن أكثر من سبع. وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية: إلى السبعمئة. وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد، لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد انتهى. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله.
قوله: قال: (الشرك بالله) . هو أن يجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله، وبدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به كما في "الصحيحين" عن ابن مسعود سألت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أيّ ذنبٍ أعظ عن الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" 1.
قوله: (والسحر) . تقدم معناه، وهذا وجه إيراد المصنف لهذا الحديث في الباب.
قوله: (وقتل النفس التي حرم الله) . أي: حرم قتلها إلا بالحق، أي: بفعل موجب للقتل، كقتل المشرك المحارب، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} 2 وسواء في ذلك القتل عمدًا أو شبه عمد، كما صرح به طائفة من الشافعية بخلاف قتل الخطإ، فإنه لا كبيرة ولا صغيرة، لأنه غير معصية.
قلت: ويلتحق بذلك قتل المعاهد كما صح الحديث: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة."الحديث.--------------------------------------------
1 البخاري: تفسير القرآن (4477) ، ومسلم: الإيمان (86) ، والترمذي: تفسير القرآن (3182 ،3183) ، والنسائي: تحريم الدم (4013 ،4014) ، وأبو داود: الطلاق (2310) ، وأحمد (1/380 ،1/431 ،1/434 ،1/462 ،1/464) .
2 سورة النساء آية: 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
قوله: (وأكل الربا) . أي: تناوله بأي وجه كان كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ … } 1 إلى قوله: {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 2. قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك.
قوله: (وأكل مال اليتيم) . يعني التعدي فيه، وعبر بالأكل، لأنه أهم وجوه الانتفاع كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} 3.
قوله: (والتولي يوم الزحف) ، أي: الإدبار من وجوه الكفار وقت ازدحام الطائفتين في القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} 4.
قوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) . هو بفتح الصاد المحفوظات من الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه. والمراد الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك بالإجماع كما ذكره الحافظ، إلا إن كانت دون تسع سنين، والمراد رميهن بزنا أو لواط. والغافلات، أي: عن الفواحش وما رمين به، لا خبر عندهن من ذلك، فهو كناية عن البريئات، لأن الغافل بريء عما بهت به من الزنا، والمؤمنات، أي: بالله تعالى احترازًا عن قذف الكافرات، فإنه من الصغائر.
[ما ورد في حد الساحر]
قال: وعن جندب مرفوعًا "حد الساحر ضربة بالسيف" 5. رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.
ش: هذا الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف من طريق--------------------------------------------
1 سورة البقرة آية: 275.
2 سورة البقرة آية: 275.
3 سورة النساء آية: 10.
4 سورة الأنفال آية: 15-16.
5 الترمذي: الحدود (1460) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
إسماعيل بن مسلم المكي وقال بعد أن رواه: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري، قال وكيع: هو ثقة، ويروى عن الحسن أيضًا، والصحيح عن جندب موقوف انتهى. ورواه أيضًا الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال: صحيح غريب. وقال الترمذي في "العلل": سألت عنه محمدًا يعني البخاري فقال: هذا لا شيء، وإسماعيل ضعيف جدًّا وقال الذهبي في "الكبائر": إنه من قول جندب، وأشار مغلطاي إلى أنه - وإن كان ضعيفًا يتقوى بكثرة طرقه. وقال: خرجه جمع: منهم البغوي الكبير والصغير، والطبراني، والبزار ومن لا يحصى كثرة.
قوله: (عن جندب) . ظاهر صنيع الطبراني في "الكبير" أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في "ترجمة" جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم.... وذكره، وخالد العبد ضعيف.
قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين، عن الحسن عن جندب الخير أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: … ، فذكره.
وجندب الخير هو جندب بن كعب - وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما قاله ابن حبان - أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي. وروى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يضرب ضربة فيكون أمة وحده".
قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) . روي بالهاء والتاء وكلاهما صحيح، وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر. وبه قال ابن المنذر وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث، ولأثر عمر الذي ذكره المصنف وعمل به الناس في خلافته من غير نكير فكان إجماعًا.
[أمر عمر رضي الله عنه بقتل الساحر]
قال: وفي " صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب! أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر".
ش: هذا الأثر رواه البخاري كما ذكره المصنف، لكنه لم يذكر قتل السحرة. ولفظه: عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وعلى هذا فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه أراد أصله لا لفظه ورواه الترمذي والنسائي مختصرًا، ورواه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والبيهقي مطولاً. ورواه القطيعي في الجزء الثاني من "فوائده" بزيادة، فقال: حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي، ثنا هوذة بن خليفة، ثنا عوف عن عمار مولى بني هاشم عن بجالة بن عبدة قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب أن اعرضوا على من كان قبلكم من المجوس أن يدعوا نكاح أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ويأكلوا جميعًا كيما نلحقهم بأهل الكتاب، ثم اقتلوا كل كاهن وساحر. قلت: وإسناده حسن.
قوله: (عن بجالة) . هو بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التيمي العنبري بصري ثقة.
قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
وساحرة … ) إلى آخره. صريح في قتل الساحر والساحرة، وهو من حجج الجمهور القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعن أحمد يستتاب فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيل، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.
قلت: الأول أصح لظاهر عمل الصحابة.
فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا يصح، لأنه أكثر فسادًا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب، لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقًا قبلت توبته.
قال: وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها.
ش: هذا الأثر رواه مالك في "الموطأ" عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه "أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت". ورواه عبد الرزاق.
وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث وماتت سنة خمس وأربعين.
قال: وكذا صح عن جندب.
ش: المراد به هنا قطعًا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، وهو جندب بن كعب بن عبد الله. قال أبو حاتم: جندب بن كعب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
قاتل الساحر، ويقال: جندب بن زهير، فجعلهما واحدًا وفرق بينهما ابن الكلبي وغيره. قال ابن عبد البر: ذكره الزبير أن جندب بن زهير قاتل الساحر والصحيح أنه غيره. وأشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر، كما رواه البخاري في "تاريخه" عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله.
ورواه البيهقي في "الدلائل" مطولاً وفيه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى. ورآه رجل صالح من المهاجرين، فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقًا، فليحي نفسه فأمر به الوليد فسجن. وذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة.
قوله: (قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
ش: أحمد هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. وقوله: عن ثلاثة أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني: عمر، وحفصة، وجندبًا والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
باب بيان شيئ من أنواع السحر
…
[19- باب بيان شيء من أنواع السحر]
لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئًا من أنواعه لكثرة وقوعها وخفائها على الناس حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه الأمور، فهو من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء وآل الأمر إلى أن عبد أصحابها ورجي منهم النفع والضر، والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتًا، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليًّا لله تعالى، لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب، مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع. وفعل الشياطين بأناس ممن ينتسبون إلى دين وصلاح ورياسة مخالفة للشريعة، كأناس من الصوفية وكرهبان النصارى ونحوهم، فيطيرون بهم في الهواء، ويمشون بهم على الماء، ويأتون بالطعام والشراب والدراهم، وقد يكون ذلك بعزائم ورقى شيطانية وبحيل وأدوية، كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن النارنج.
وقد يكون برؤيا صادقة فيها وما يستدل به على وقوع ما لم يقع، وهذه مشتركة بين ولي الله وعدوه.
وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه فتوافق القدر، وتقع كما أخبر، وقد يكون بعلم الرمل والضرب بالحصى، وقد يكون ذلك استدراجًا والأحوال الشيطانية كثيرة.
وقد فرق الله بين أوليائه وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده، لا إله إلا هو، فإنه لا يضل من اعتصم به ولا يشقى.
قال الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} 1. فذكر تعالى أن أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم المؤمنون المتقون، ولم يشترط أن يجري على أيديهم شيء من خوارق العادة. فدل أن الشخص قد يكون وليًّا لله وإن لم يجر على يديه شيء من الخوارق إذا كان مؤمنًا متقيًا.
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2. فأولياء الله المحبوبون عند الله هم المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن فضلاً عن أن يكون وليًّا لله تعالى، وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا ما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا من يحب أن يعطى، ومنعوا من--------------------------------------------
1 سورة يونس آية: 62-63.
2 سورة آل عمران آية: 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
يحب أن يمنع. وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد.
وبالجملة فأولياء الله هم أحبابه المقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك المحارم، الموحدون له، الذين لا يشركون بالله شيئًا وإن لم تجر على أيديهم خوارق، فإن كانت الخوارق دليلاً على ولاية الله، فلتكن دليلاً على ولاية الساحر والكاهن والمنجم والمتفرس، ورهبان اليهود والنصارى، وعباد الأصنام، فإنهم يجري لهم من الخوارق ألوف، ولكن هي من قِبَل الشياطين، فإنهم يتنَزلون عليهم لمجانستهم لهم في الأفعال والأقوال كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} 1. وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} 2. وقد طارت الشياطين ببعض من ينتسب إلى الولاية، فقال: لا إله إلا الله فسقط. وتجد عمدة كثير من الناس في اعتقادهم الولاية في شخص أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أحيانًا، أو يمشي على الماء، أو يملأ إبريقًا من الهواء، أو يخبر في بعض الأوقات بشيء من الغيب، أو يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو يخبر بعض الناس بما سرق له، أو بحال غائب أو مريض، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته أو نحو ذلك، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها مسلم فضلاً عن أن يكون وليًّا لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر--------------------------------------------
1 سورة الشّعراء آية: 221-222.
2 سورة الزخرف آية: 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه.
ومثل هذه الأمور قد يكون صاحبها وليًّا لله، وقد يكون عدوًّا له، فإنها قد تكون لكثير من الكفار والمشركين واليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، وتكون لهؤلاء من قِبَل الشياطين أو تكون استدراجًا، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور فهو ولي لله، بل يعرف أولياء الله بصفاتهم وأحوالهم وأفعالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، وأكثر هذه الأمور قد توجد في أشخاص يكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي المكتوبة ولا يتنظف ولا يتطهر الطهارة الشرعية، بل يكون ملابسًا للنجاسات، معاشرًا للكلاب، يأوي إلى المزابل، رائحته خبيثة، ركابًا للفواحش، يمشي في الأسواق كاشفًا لعورته، غامزًا للشرع، مستهزئًا به وبحملته، يأكل العقارب والخبائث التي تحبها الشياطين، كافرًا بالله، ساجدًا لغير الله من القبور وغيرها، يكره سماع القرآن وينفر منه، ويؤثر سماع الأغاني والأشعار ومزامير الشيطان على كلام الرحمن. فلو جرى على يدي شخص من الخوارق ماذا عساه أن يجري فلا يكون وليًّا لله، محبوبًا عنده حتى يكون متبعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا.
فإن قلت: فعلى هذا ما الفرق بين الكرامة وبين الاستدراج والأحوال الشيطانية؟ قيل: إن علمت ما ذكرنا عرفت الفرق، لأنه إذا كان الشخص مخالفًا للشرع، فما يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة، بل هي إما استدراج وإما من عمل الشياطين، ويكون سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن المعاصي لا تكون سببا لكرامة الله، ولا يستعان بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء بل تحصل بما تحبه الشياطين كالاستغاثة بغير الله، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية، وكلما كان الإنسان أبعد عن الكتاب والسنة كانت الخوارق الشيطانية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
له أقوى وأكثر من غيره، فإن الجن الذين يقترنون بالإنس من جنسهم. فإن كان كافرًا ووافقهم على ما يختارونه من الكفر والفسوق والضلال والإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه، وللسجود لهم وكتابة أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة فعلوا معه كثيرًا مما يشتهيه بسبب ما برطلهم به من الكفر وقد يأتونه بما يهواه من امرأة وصبي، بخلاف الكرامة، فإنها لا تحصل إلا بعبادة الله والتقرب إليه ودعائه وحده لا شريك له، والتمسك بكتابه، واجتناب المحرمات، فما يجري من هذا الضرب فهو كرامة. وقد اتفق على هذا الفرق جميع العلماء.
وبالجملة فإن عرفت الأسباب التي بها تنال ولاية الله عرفت أهلها وعرفت أنهم أهل الكرامة، وإن كنت ممن يسمع بالأولياء وهو لا يعرف الولاية ولا أسبابها ولا أهلها بل يميل مع كل ناعق وساحر {وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس، من الآية101] . ولشيخ الإسلام كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان1". فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين.
[العيافة والطرق والطيرة من الجبت]
قال رحمه الله: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف ثنا حبان بن العلاء، ثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" 2.
قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه " المسند منه.
ش: قوله: "قال أحمد". هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد ابن جعفر هو المشهور بغندر الهذلي البصري ثقة مشهور،--------------------------------------------
1 وهو من مطبوعات المكتب الإسلامي.
2 أبو داود: الطب (3907) ، وأحمد (5/60) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)