Arabic source text

📘 মা ওয়াকাআ লি বাদিল মুসলিমিনা মিনার রিয়াদাতুস সুফিয়্যাহ ওয়াল গুলুউয়ি ফিহা - দিমনুন আসারুল মুআল্লিমি (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 ما وقع لبعض المسلمين من الرياضة الصوفية والغلو فيها - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 মা ওয়াকাআ লি বাদিল মুসলিমিনা মিনার রিয়াদাতুস সুফিয়্যাহ ওয়াল গুলুউয়ি ফিহা - দিমনুন আসারুল মুআল্লিমি (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقد تقدَّم عن الشَّيخ أنَّ تلك الرِّياضة محصِّلة لهذه القوَّة التي إن استعملها صاحبُها في هواه فهو ساحرٌ، وإنَّما يبقى النَّظَر فيمن لم يشعر بأنَّ ما وقعَ منه داخلٌ في تعلُّم السِّحر. والله أعلم.
هذا وقد يُقال: إذا كان استعمال تلك القوَّة في إيذاء البشر ــ ولو كفارًا ــ محرَّمًا لأنَّهم من عالَم البشر، وهي خارجةٌ عمَّا هو عادة في عالم البشر = فكذلك ينبغي أن يكون الحال في استعمالها في النَّفع؛ أو المراد على خروجها عن عادة البشر!
فإذا صحَّ هذا فالحكم المتقدِّم على من استعملها في الإيذاء شامل لمن استعملها في غير الإيذاء، بل الأمر أوضح من هذا.
فأمر إيذاء الكفَّار والحربيين نفعٌ للدِّين والمسلمين، ومع ذلك فإنَّما يُتَخَيَّل الفرق بين النَّفع والإيذاء من جهة حُسْن النفع، وقُبْح الإيذاء، فإيذاء الكفَّار والحربيين ليس بقبيحٍ، بل هو حَسَن.
لكن قد يُقال: إنَّ عموم عبارة الشيخ مخصوص بما إذا لم يكن هناك أمرٌ خاصٌّ، فيقول: إنَّه يحرم على الوليِّ استعمالها ما لم يُؤْمَر، فإذا أُمِر كان له ذلك، كما تدلُّ عبارات أخرى له.
وعلى هذا فنقول: الأمر الذي تتلقَّاه ليس هو في الكتاب ولا السُنَّة، وإنَّما يريدون به الأمر بالإلهام ونحوه، وسيأتي الكلام عليها، وقد تقدَّم بعضه، وأنَّه لا يثبت بها حكمٌ ألبتَّة.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 269)

فإذا عُلِم المنع من استعمال تلك القوَّة، فاستعمالها بناءً على إلهام أو نحوه خروج على الشَّريعة، وذلك قد يكون أشد من استعمال الإيذاء على سبيل المخالفة الصَّريحة.
فإن قيل: فالمنع من استعمالها إنَّما أخذوه من تلك الطُرُق، كالإلهام ونحوه.
قلتُ: بل هو ثابتٌ شرعًا؛ لأنَّ تلك القوَّة عندنا سِحْرٌ أو في معناه. والله أعلم.
فصلٌ
يُفهَم من كلام الشيخ أنَّ التصرُّف الجائز عندهم لا يكون بحسب هوى المتصرِّف، ولا بأمرٍ متوجِّهٍ إليه خاصَّة، وإنَّما يكون بأوامر يتلقَّاها من الدِّيوان، وأنَّ أهل هذا الدِّيوان إنَّما يقرِّرون ما قضاه الله وقدَّره، وفي هذا قضاء على الاستغاثة بالأولياء الأحياء؛ لأنَّهم لا شأن لهم إلَّا تنفيذ ما أُمِروا به، فهم كالملائكة سواء، فكما أنَّه لا يُستغاث بالملائكة ــ كأن يُستغاث بمَلَك الموت ليقبض روح فلانٍ الظالم ــ فكذلك هؤلاء، على فرض صِحَّة دعواهم.
وأمَّا الموتى فقد سبق عن الشَّيخ أنَّهم لا شأن لهم بعالم الأحياء ألبتَّة.
ويُشكِل على هذا أمورٌ أخرى نُقِلَت في هذا الكتاب عن الشَّيخ، إلَّا أنَّ التناقض في أشباه هذه الدَّعاوى لا يُستنكَر.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 270)

فصلٌ
وقد عُلِم ممَّا ذكره الشيخ في اقتتال أهل الدِّيوان أنَّ عِلية القوم ــ وهم أهل الدِّيوان ــ قد يغلطون، فيزعمون ــ أوجماعة منهم ــ أنَّ مراد الله عز وجل كذا، ويقاتلون عليه أخوانهم، ويقتلونهم.
وإذا جاز هذا على هؤلاء في ديوانهم فما بالك بالواحد منه!
فهذا يدلُّك أنَّنا لو سلَّمنا دعاويهم لما تحتَّم علينا قبول قولهم إذا خالفه دليلٌ ظاهرٌ من الكتاب والسُّنَّة. وقد تقدَّم مزيد على هذا، ويأتي تمامه إن شاء الله تعالى.
فصلٌ
فأمَّا الاستدلال بمشاهدة التصرُّف بتلك القوَّة، أو نقلها على أنَّ صاحبها وليٌّ = فواضح البطلان؛ لاعتراف القوم أنَّ تلك القوَّة لا يختصُّ اكتسابها وتحصيلها بالصَّالح، بل تكون أيضًا للفاجر والكافر، وكذلك الاحتجاج في نحو ما لو قال أحدهم قولًا أو فعل فعلًا فاعترض عليه، فتصرَّف فيه!
فصلٌ
من أشنع الأغلاط أن يُعدَّ التصرُّف بهذه القوَّة في الكرامات!
أمَّا أولًا: فلِمَا علمتَ أنَّ حصول القوَّة والتمكُّن من التصرُّف بها قد يكون للفاجر والكافر.
وأمَّا ثانيًا: فإن فُرِض أنَّ صاحبها وليٌّ فتصرُّفه بها إنَّما هو تصرُّفٌ بقدرةٍ حصَلَت له باكتسابه، فهذه القوَّة عند التَّحقيق من جُملة القُوى العاديَّة، كالإصابة بالعين، وليست من الخارق في شيءٍ!

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 271)

نعم، هي كالواسطة بين القُوى العاديَّة المشهورة وبين الخوارق؛ فهي من قبيل السِّحر وأعمال الجنِّ الزائدة على الوسوسة ونحوها.
والذي ظهر لي أنَّ هذا النَّوع ليس صاحبه يخلَّى وشأنه، يستعمله كيف يشاء، كما في القُوى العاديَّة، كالضَّرب والشتم، بل هو مقيَّدٌ بإذن خاصٍّ من الله عز وجل. أو على الإذن الذي نصَّ عليه تعالى بقوله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]. وهو غير مستلزمٍ الإذن الشَّرعي، كما لا يخفى.
فالسَّاحر لا يستطيع أن يضرَّ بسِحره كلَّ أحدٍ، كما لا يستطيع الإنسان أن يضرب من شاء بحسب الإذن العام؛ بل لمن يقدر على الضَّرب عادةً إذنٌ خَلْقيٌّ عامٌّ، أن يضرب متى شاء؛ فإذا أراد الله عز وجل منْعَه منَعَه، كقول الله عز وجل لنار إبراهيم: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]. والسَّاحر على خلاف ذلك.
فالضَّارب مطلقٌ، يقيِّده الله عز وجل إذا شاء، والساحر مقيَّدٌ، يطلقه الله عز وجل، فتدبَّر وأنْعِم النَّظر. والله أعلم.
وقد حكوا أنَّ عالمًا رأى من شيخٍ ما يخالف الشَّريعة، فأنكر عليه فتصرَّف الشيخ، فنسي العالم علمه كلَّه، فتاب وتضرَّع إلى الشيخ، فأمره بذبح دِيكٍ عيَّنه له، وأن يأكل قلبه، ففعل، فعاد علمه كلُّه، فقال له الشيخ: كيف تُدِلُّ بعلمٍ وسِعَهُ قلبُ ديكٍ؟!
أقول: إن صحَّت القصَّة فكان فرض ذلك العالم أن يستمرَّ على إنكاره،

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 272)

ويتضرَّع إلى الله عز وجل فيُذْهِب ما به، ويزيده علمًا إلى علمه، على رغم الشَّيخ.
ولا يُستبعَد أن يَدَعَ الله عز وجل المبطِل يتصرَّفُ بإضرار المُحِقِّ. وكفاك ما رُوِي في قصَّة اليهودي الذي سَحَرَ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم(1).
ولله عز وجل حِكَمٌ لا تُحصَى، وإنَّما علينا الوقوف عند حدود الشَّرع. والله الموفق.
وأمَّا الكرامة فإنَّما هي بفعل الله عز وجل لا دخل فيها لقوَّة الولي، وكذلك المعجزة، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله عز وجل.
ومن الجهل الفاحش أن يُظنَّ أنَّ المعجزات تصدر من قوَّةٍ في النَّبي، بل هذا قول المُلْحِدين كالمُتفَلْسِفَة، الذين يزعمون أنَّ النُّبوَّة والسِّحر من وادٍ واحد؛ إلَّا أنَّ النَّبيَّ خيِّرٌ، إنَّما يصرف قواه في الخير، بخلاف السَّاحر. راجع: «شرح المواقف» وغيره(2).
وبما قرَّرناه هنا يتبيَّن صحَّة فتوى من أفتى من الفقهاء بوجوب الضَّمان على القاتل بالحال المعروف بين المتصوِّفة ــ وهو من هذه القوَّة التي نتكلَّم عليها ــ وبطلان قول مَن خالفه، محتجًّا بما رُوِي أنَّ بعض التَّابعين دعا على--------------------------------------------
(1) يعني ما أخرجه البخاري (3268)، ومسلم (2189)، من حديث عائشة رضي الله عنها، في قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم.
(2) «شرح المواقف» للجرجاني (3/ 329 وما بعدها، 347). ويُنظَر أيضًا: «النُّبوَّات» للفخر الرَّازي (ص 194 - 204)، و «المطالب العالية» له (8/ 127)، وكتب شيخ الإسلام: «النُّبوَّات» (1/ 137، 196) و «الصَّفديَّة» (1/ 5) و «شرح الأصبهانيَّة» (ص 575)، وغيرها.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 273)

رجلٍ فهَلَك لحِينِه، فرُفِع إلى الأمير، فقال: دعوة رجل صالحٍ صادفت أجلًا ــ أو كما قال ــ، وخلَّى سبيل الدَّاعي(1).
وإيضاح ذلك: أنَّ القاتل بالحال قتل بقوَّةٍ فيه، فهو كالقاتل بالسِّحر، إن لم نقل: إنَّه هو، ومثله فِعلُ مَن ضرب بسيفه أو طعن بخنجره أو رمى ببندقيَّته.
وأمَّا الدَّاعي فلا شأن له، وإنَّما مثله مثل من شكا رجلًا إلى حاكمٍ، وطلب منه أن يقتله، فقتله الحاكم؛ فإن كان في هذا ضمان فعلى الحاكم وحده، وأمَّا في الواقع فالحاكم هو الله تبارك وتعالى؛ فإذا كان قضاؤه بموت ذاك إجابة لدعاء هذا فقد بان بذلك أنَّ دعاء هذا حقٌّ. والله الموفق.
فصلٌ
هذه القوَّة لم تكن حاصلة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام اكتسابًا قطعًا، وقد برَّأهم الله عز وجل منها؛ إذ لو حصَلَت لأحدهم قبل النُّبوَّة لكان ذلك سِحرًا وما في معناه، وإذًا لقَوِيَت شُبهة الكفَّار في قولهم: ساحر. وأمَّا بعدها فكذلك.
أمَّا اكتسابًا فواضحٌ. وأمَّا أن يعطيهم الله عز وجل قوَّةً تشبهها، فمَن تدبَّر الكتاب والسُّنَّة والسِّيرة علِمَ أنَّه لم يحصل لهم ذلك، على أن يكون ملازمًا--------------------------------------------
(1) القِصَّة لمطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، تابعي معروف، والأمير هو زياد بن أبيه.

وقد أسندها عنه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (2/ 206)، وابن أبي الدُّنيا في «مجابو الدَّعوة» (89) وغيرهما، في قصَّةٍ بنحوه، وفيه: «فقال زيادٌ: هي دعوة رجلٍ صالحٍ وافَقَتْ قدر الله».

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 274)

لهم، وإنَّما يمدُّهم الله بالمعجزات بقدرته عندما يشاء ذلك.
نعم، من المعجزات ما تقتضي الحكمة أن يكون للنَّبي أثر فيه، كضرب موسى عليه السلام البحر والحجر بالعصا(1)، وكَرَمْي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكفَّار بالحصى(2)، وغير ذلك. ولذلك حكمةٌ، قد ذكرتُ بعضها في موضع آخر، ولعلَّه يأتي في الكلام عن المعجزة إن شاء الله تعالى.
وهذا لا يخالف ما تقدَّم؛ فإنَّ الضَّرب الواقع من موسى عليه السلام هو ضربٌ عاديٌّ، بقوَّته العاديَّة، وأمَّا الأثر المعجز فهو حاصل بمَحْض قدرة الله عز وجل.
وأمَّا ما في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم للمصلِّين: «إنِّي أراكم من خلفي»(3) فالظَّاهر أنَّ هذه قوَّةٌ كان يجعلها له البارئ سبحانه عز وجل في الصَّلاة--------------------------------------------
(1) أمَّا ضرب موسى عليه السلام الحجر ففي قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60]، وأمَّا ضربه عليه السلام البحر ففي قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63].
(2) وقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم مرَّات، منها: ما رواه مسلم (1777) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، وفيه: « .. ثم قبض قبضةً من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهَت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا إلَّا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولّوا مُدْبِرين، فهَزَمَهم الله عز وجل». وفي الباب أيضًا حديث العبَّاس عند مسلمٍ أيضًا (1775).
وتُنظَر بقية المواضع ورواياتها في: «الدُّر المنثور» للسيوطي (7/ 72 - 74).
(3) أخرجه البخاري (718)، ومسلم (426)، من حديث أنسٍ رضي الله عنه، بنحوه.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 275)

لمصلحة التَّعليم، وحصولها له من جُملة المعجزات.
وإنْ صحَّت دعوى المتصوِّفة أنَّه قد يحصل لهم نحو ذلك بالقوَّة المذكورة فإنَّ الذي يحصل لهم عن اكتسابٍ عاديٍّ في الجملة، والذي حَصَل له صلى الله عليه وآله وسلم بغير ذلك؛ وإنَّما هو بمَحْض قدرة الله عز وجل. وقِسْ على ذلك.
فصلٌ
وما ذكره الشيخ في الرِّياضة فيه نظر!
أمَّا قوله: «إنَّ السَّلف كانوا لصفاء نفوسهم لا يحتاجون إلى رياضةٍ» فقد تقدَّم أنَّه لم يُنقَل عن السَّلف هذه الدَّعاوى التي يدَّعيها الخلف؛ فمقصود السَّلف إذًا غير مقصود الخلف.
وأمَّا قوله: «إنَّه بعد تكدُّر القلوب احْتِيج إلى الجوع والخلوة والذِّكر» فنقول: قد كان يمكن تطبيق هذه الأمور على السُّنَّة؛ فيُكتَفى من الجوع بأن يُؤمَر المريد بالعمل بالسُّنَّة، في صوم يومٍ وإفطار يومٍ، وبتقليل الأكل في الجُملة؛ بأن يكون دون الشَّبع، كما يأتي. ويُكتفَى من الخلوة بأمره باجتناب مجالسة من لا ينفعه. ومن الذِّكر بكثرة تلاوة القرآن والأذكار الثابتة في الكتاب والسُّنَّة.
فما بالكم خالفتم هذا، وسلكتم طُرُقًا أخرى، كما يُعلَم من النَّظر إلى رياضتكم؟ وقد تبيَّن من كلام الشيخ على رياضة الغزالي أنَّها طريقٌ عاديَّة يُتوصَّل بها إلى حضور ما يسمُّونه: الفتح! إلى آخر ما تقدَّم.
والمعروف أنَّ جِنس هذه الرِّياضة معروفٌ عند اليونان والهند وغيرهم؛

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 276)

يتوصَّلون بها إلى قوَّة الإدراك، وقوَّة الإرادة التي ينبني عليها قوَّة التَّأثير. وأمَّا وقوع بعض المسلمين في هذه الرِّياضة فمِن طريقين:
الأولى: الغُلُو.
الثانية(1): النَّقل عن الأُمَم الأخرى.
وتفصيل ذلك: أنَّ الإسلام جاء بشرع الصِّيام والقيام، واجتناب الحرام والشُّبهات، وترك صُحبة أهل الشَّر والفساد، وحدَّد الصِّيام بعد الفَرْض بثلاثة أيَّامٍ من كُلِّ شهرٍ، إلى أن جعل منتهاه صيام يومٍ وإفطار يومٍ، ونهى عن صيام الدَّهر، وعن الوصال، وحضَّ على أكلة السَّحَر لمن يريد الصَّيام، ونهى عن قيام اللَّيل كلِّه، وعن العُزلة، وعن الترهُّب(2).--------------------------------------------
(1) في الأصل: «الثاني».
(2) أمَّا شرعيَّة الصِّيام والقيام فأظهر وأكثر من أن تذكر دلائله.
وأمَّا اجتناب الحرام والشُّبهات فورد في أحاديث، منها حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعًا: «إنَّ الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات .. ». أخرجه البخاري (52) ومسلم (1599) وهذا لفظه.
وأمَّا النَّهي عن صحبة أهل الشَّرِّ ففي أحاديث، منها: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «إنَّما مثل الجليس الصَّالح والجليس السُّوء كحامل المسك ونافخ الكير .. ». أخرجه البخاري (2101) ومسلم (2628).
وأمَّا تحديد الصِّيام بثلاثة من كلِّ شهر، وجعل منتهاه صيام يوم وإفطار يومٍ، والنَّهي عن صيام الدَّهر، والنَّهي عن قيام اللَّيل كلِّه ففي حديث عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنهما، وسيأتي ذكره في كلام المؤلِّف (ص 289).
وأمَّا النَّهي عن الوِصال ففي أحاديث، منها: حديث ابن عمر رضي الله عنه: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل، فواصل الناس، فشقَّ عليهم، فنهاهم .. ». أخرجه البخاري (1922) ومسلم (1102).
وأمَّا الحثُّ على التسحُّر ففي أحاديث، منها: حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «تسحَّروا فإنَّ في السَّحور بركة». أخرجه البخاري (1923)، ومسلم (1095).
وأمَّا النَّهي عن التَّرهُّب ففي أحاديث، منها: حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن مظعون: «إنَّ الرَّهبانية لم تكتب علينا .. » الحديث. أخرجه أحمد (6/ 226)، وابن حبان (9)، ويُنظَر: «الصَّحيحة» للألباني (1782)، و «الإرواء» (2015).
وأصله في البخاري (5073)، ومسلم (1402)، من حديث سعدٍ رضي الله عنه قال: «ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التَبَتُّل، ولو أذن له لاخْتَصَينا».

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 277)

وبَلَغَه [صلى الله عليه وآله وسلم] عن ثلاثة من أصحابه العزم على الزِّيادة على ذلك فخطبهم، وقال في خطبته: «لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النِّساء؛ فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس منِّي»(1).
وكان من سُنَّته أن يأكل الطَّعام الطَّيِّب إن تيسَّر له، فإن لم يتيسَّر اجتزأ بما حصل، فإن لم يجد شيئًا صبر على الجوع. وكان من دعائه: «وأعوذ بك من الجوع؛ فإنَّه بئس الضَّجيع»(2).
وكذلك سُنَّته في اللِّباس. وعلى نحو ذلك جَرَت سُنَّة أصحابه بعده.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (5063) ومسلم (1401)، من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) أخرجه أبو داود (1547)، والنَّسائي (8/ 263) وغيرهما، من طرق عن ابن إدريس عن ابن عجلان عن المقبريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه به مرفوعًا.
وقد صحَّحه ابن حبَّان (1029)، والنَّووي في «الأذكار» (ص 313)، و «رياض الصالحين» (ص 269)، وحسَّنه الألباني في «صحيح أبي داود، النُّسخة الأم» (1383) بشواهده.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 278)

إلَّا أنَّ بعضهم تأوَّل خبرًا في الصِّيام، فسَرَد الصَّوم، وكان بعض أصاغرهم يواصل(1).
ثم نشأ أفرادٌ من التَّابعين رغبوا في كثرة العبادة وحبِّ العُزلة، وظهر من بعضهم التَّخاشع في الهيئة والمشي والجلوس، والصَّعق عند الذِّكر، وظهر أثر السُّجود على الجبهة = فأنكر عليهم ذلك من أدركهم من الصَّحابة وكبار التَّابعين.
فأنكرت عائشة وغيرها على الذين يتخاشعون في الهيئة والمشي(2).
وقال لهم قائلٌ: «لا تموِّتوا علينا ديننا»(3).--------------------------------------------
(1) هو عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما، وروي أيضًا عن غيره، كما في «المصنَّف» لابن أبي شيبة (9692) وغيره، قال الحافظ في «فتح الباري» (4/ 204): «بإسنادٍ صحيحٍ».
(2) اشتهر نسبة ذلك إليها في كتب ذمِّ البِدَع، وغريب الحديث، واللُّغة والأدب، ففيها: أنَّ رجلًا مرَّ بعائشة رضي الله عنها متماوتًا، فقالت: مالَهُ؟ قالوا: متخشِّعٌ! قالت: «هو أخشع من عمر! وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع». ولم أره مسندًا.
ويُنظَر: «الفائق» للزمخشري (1/ 280)، و «النِّهاية» لابن الأثير (3/ 370)، و «محاضرات الأدباء» للراغب (2/ 428)، و «الباعث» لأبي شامة (ص 82)، وغيرها.
وهو مسندٌ بنحوه عن الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها، كما أخرجه عنها ابن سعد في «الطَّبقات» (3/ 290)، ومن طريقه الطَّبري في «تاريخ الرسل والملوك» (4/ 212)، وغيرهما.
(3) اشتهر في كتب ذمِّ البِدَع، وغريب الحديث واللُّغة والأدب نسبة ذلك إلى عمر رضي الله عنه. ففيها: أنَّ عمر رضي الله عنه رأى رجلًا متماوتًا في إظهار النُّسك، فعلاه بالدِّرَّة، وقال: «لا تُمِت علينا ديننا». وفي بعضها: «ارفع رأسك؛ فإنَّ الإسلام ليس بمريضٍ». ولم أره مسندًا.
ويُنظَر: «النِّهاية» لابن الأثير (3/ 370)، و «محاضرات الأدباء» للرَّاغب (2/ 428)، و «الباعث» لأبي شامة (ص 82).
ورأيته مسندًا عن عمر بنحو معناه، ولكن دون ذكر التَّماوت، فأخرج الدينوري في «المجالسة» (1691)، ومن طريقه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (1/ 355)، بسنده عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه قال: «نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شابٍ قد نكس رأسه، فقال له: يا هذا ارفع رأسك؛ فإنَّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنَّما أظهر نفاقًا على نفاقٍ». وأخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الإخلاص والنيَّة» (43)، وفي «الرِّقَّة والبكاء» (154)، ومن طريقه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (1/ 355) بسنده عن كهمس بن الحسن: «أنَّ رجلًا تنفَّس عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأنَّه يتحازن، فلَكَزَه عمر ــ أو قال: ــ لكمه».

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 279)

وأنكرت أختها أسماء وغيرها على الذين يصعقون عند الذِّكر(1). وقال بعض المنكرين: «إنَّه من الشَّيطان»(2).--------------------------------------------
(1) أسنده ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص 310) وغيره ــ كما في «الدُّر المنثور» (12/ 649) ــ عن حصين بن عبد الرحمن قال: قلتُ لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: … إنَّ ههنا رجالًا إذا قُرِئ على أحدهم القرآن غشي عليه! فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
وفي الباب عن أنسٍ وابن عمر وابن الزُّبير رضي الله عنهم وغيرهم، يُنظَر: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص 310)، و «الدُّر المنثور» للسيوطي (12/ 649 - 650).
(2) أخرج عبد الرزاق في «تفسيره» (3/ 172) وغيره [كما في «الدُّر المنثور» 12/ 649] عن معمر قال: «تلا قتادة: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23] قال: «هذا نعت أولياء الله، نَعَتَهم الله بأن تقشعرَّ جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئنَّ قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنَّما هذا في أهل البِدَع، وهذا من الشيطان».

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 280)

وأنكر ابن عمر وغيره على من رُئِي بجبهته أثر السُّجود(1).
وعن ابن مسعودٍ: أنَّ بعض المتعبِّدين جعلوا لهم مسجدًا في عُزلتهم = فقال: «قوموا بنا نهدم مسجد الضِّرار»، فخرج وهَدَمه(2).
وكان الحسن البصري يُنكر على الذين يُخَشِّنون على أنفسهم في المَطْعَم والمَلْبَس(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (3154)، والبيهقي في «الكبرى» (2/ 286)، وغيرهما، من طُرُقٍ عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّه رأى أثرًا فقال: «يا عبد الله إنَّ صورة الرجل وجهه، فلا تُشِن صورتك». وفي الباب عندهما وغيرهما عن أبي الدَّرداء، ومجاهد، وغيرهما.
(2) لم أره مسندًا. وقد ذكره ابن سعد في «الطَّبقات» (6/ 206) قال: «وفي غير هذا الحديث: أنَّ عمرو بن عتبة ومعضد بن يزيد العجلي بَنَيَا مسجدًا بظهر الكوفة، فأتاهم ابن مسعود رضي الله عنه فقال: جئتُ لأكسر مسجد الخبال .. ».
وقد ذكره الطُّرطوشي في «الحوادث» (ص 145) ثم أبو شامة في «الباعث» (ص 65) بنحوه.
وأصل الخبر في إنكار ابن مسعود رضي الله عنه على القوم الذين اجتمعوا للذِّكر بهيئةٍ مخترعةٍ في المسجد، لكن دون ذكر هدمه، أخرجه الدَّارمي في «مسنده» (204) وغيره.
(3) أسنده أحمد في «الزُّهد» (ص 267) وابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص 240) أنَّ الحسن رأى فرقدًا وعليه جُبَّة صوف، فقال له: إنَّ التقوى ليس في هذا الكساء، إنَّما التَّقوى ما وَقَر في القلب وصدَّقَه العمل. وعنه أثران آخران كما في «تلبيس إبليس» (ص 241).

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 281)

ولكنَّه مع ذلك بقي الأمر على ما هو عليه، ولم يزل يزداد يومًا يومًا.
وكان المضيِّقون على أنفسهم في المَطْعَم والمَلْبَس يعتذرون بأنَّ الحلال الصِّرْف عزيزٌ. وامتنع بعضهم من النِّكاح؛ بعِلَّة أنَّه لو تزوَّج وصارت له عائلةٌ يحتاج إلى نفقتهم؛ فيخشى الوقوع في الحرام لعِزَّة الحلال.
وفي أواسط القرن الثاني ظهر لبعض الذين يجوِّعون أنفسهم أنَّ الجوع يُورث الصَّفاء وقوَّة الفهم، فقالوا: إنَّ الجوع ينوِّر القلب. ففي ترجمة [بشر بن الحارث الحافي] من «صِفة الصفوة» [قال: «إنَّ الجوع يصفِّي الفؤاد، ويُورِثُ العِلم الدَّقيق](1).
فصار الجوع مقصودًا اختيارًا، بعد أن كان يقع اضطرارًا، ثم حَدَثت لبعضهم الخواطر، التي من شأن من يقبلها أن يتديَّن بها، فكان خيارهم لا يقبلون تلك الخواطر ما لم يكن مدلولها معروفًا في الكتاب والسُّنَّة.
فعن أبي سليمان الدَّاراني أنَّه قال: [«ربَّما وقع في قلبي نُكتةٌ من نُكَت القوم أيامًا، فلا أقبل إلَّا بشاهدين عَدْلين، الكتاب والسنة»](2).--------------------------------------------
(1) في الأصل: «ففي ترجمة وهيب بن الورد من صفة الصفوة»، ثمَّ بيَّض المؤلِّف رحمه الله للقول قدر سطرين، وليس في ترجمة وهيب في «صفة الصَّفوة» ما له علاقة بسياق ما ذكره، ولعلَّ مراد المؤلِّف ما أثبتُّهُ بين القوسين المعكوفين من ترجمة بشر الحافي رحمه الله (2/ 332).
(2) بيَّض له المؤلِّف قدر سطر، وكأنَّه يقصد ما نقلتُه.
وقد أسنده عنه أبو عبد الرَّحمن السُّلمي في «طبقات الصُّوفية» (ص 76)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (34/ 127)، والذَّهبي في «السِّير» (18/ 231).

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 282)

ثم اتَّسع نطاق الخواطر والتديُّن فأصبح أكثر القوم يَبْنُون دينهم عليها، وساعد على ذلك أنَّ أكثرهم كانوا من الأعاجم.
واسْتَفْحَل الأمر في القرن الثالث، واتَّصل بالطَّريق الثاني، وهو النَّقل عن الأُمم كاليونان والهند، فحكاها المتفلسفون، وتقبَّلها المتصوِّفون، وعظَّمها بعض المتعطِّشين إلى العِلم، الزَّاهدين في الكتاب والسُّنَّة.
وذلك أنَّ المتكلِّمين قد كانوا من قبل ذلك وضعوا من الكتاب والسُّنَّة، وزعموا أنَّه ليس فيهما ما يُغني في معرفة قواعد العقائد، بل من اقتصر عليهما كان بغاية الجهل بالله تعالى وصفاته، وأنَّ حقيقة الأمر إنَّما تُدرَك بالنَّظر العقلي، فاغترَّ كثيرٌ من النَّاس بذلك، فخاض مع الخائضين= فكان من أذكيائهم من لم يحصِّل في طريق المتكلِّمين على ما يشفي الغليل.
واتَّفق أن كان ذلك بعد نقل الفلسفة؛ فخاض هؤلاء فيها، فمنهم من لم يحصِّل فيها على طائلٍ. واتَّفق أن كان ذلك وقت انتشار قول الباطنيَّة؛ فخاض هؤلاء معهم، فلم يجدوا عندهم شيئًا. واتَّفق أن كان ذاك وقت اشتهار خواطر المتصوِّفة.
على أنَّ الباطنيَّة يخلطون خرافاتهم بالكلام والفلسفة والتصوُّف، كما تراه في «رسائل إخوان الصفا» من كتبهم(1).--------------------------------------------
(1) يُنظر في تفصيل الكلام عن هذه الرسائل: «إخوان الصفا ــ فلسفتهم وغايتهم» تأليف: د. فؤاد معصوم. والمراجع التي أحال عليها الدكتور محمد رشاد سالم في تحقيق «درء تعارض العقل والنقل» (1/ 11) حاشية (1).
وقد تتابع كلام الأئمة في ذم هذه الرسائل، وأنها جمعت بين علوم الفلسفة وعلوم الشريعة، وأنَّى يجتمعان!
ويُنظر أيضًا: «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (1/ 256)، و «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص 170)، و «درء التعارض» له (6/ 242)، وغيرها.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 283)

وبالجملة فإن الطَّريقين ــ الغُلُو والنَّقل عن الأُمم الأخرى ــ اتَّصلا في القرن الثالث، ومن حينئذٍ اشتهرت المكاشفات والغرائب التي يسمُّونها كرامات، ولم تزل تنمو وتزيد.
فأمَّا ما يُحكى من المكاشفات والكرامات عن التَّابعين وأتباعهم ومن قَرُبَ منهم فغالِبُه من اختراع القُصَّاص الذين لم يكونوا يُحْجِمون عن وضع الأحاديث، وروايتها عن النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما تقدَّم، فما بالك بما دون ذلك!
فصلٌ
من أركان الرِّياضة عندهم: الجُوع، ويجتمعون على إلصاقه بالدِّين، بما جاء عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك، وأنَّه لا حُجَّة فيه.
وأقوى ما عندهم: حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: «ما مَلَأَ ابنُ آدم وعاءً شرًّا من بطنه، حسْبُ ابن آدم لُقَيمات يُقِمْن صُلْبَه، فإن غَلَبَت الآدمي نفسُه فثُلُثٌ للطَّعام، وثُلُثٌ للشَّراب، وثُلُثٌ للنَّفس». رواه ابن ماجه(1)، من طريق محمد بن حربٍ حدَّثتني أمِّي عن أمِّها أنَّها سمعت المقدام. والمرأتان مجهولتان.
لكن أخرجه الترمذي(2)، من طريق إسماعيل بن عيَّاش حدَّثني أبو سلمة الحمصي وحبيب بن صالح عن يحيى بن جابر الطَّائي عن مقدامٍ، وفيه: « … بحَسْب ابن آدم أُكُلات … فإن كان لا محالة فثُلُثٌ … ».--------------------------------------------
(1) «سنن ابن ماجه» (3349).
(2) «سُنن الترمذي» (2380).

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 284)

قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
قال عبد الرحمن: في إدراك يحيى بن جابر للمقدام كلام.
قال البخاري في «التاريخ» (4/ 2/265)(1): «يحيى بن جابر الطَّائي القاضي عن المقدام … ».
ومن عادة البخاري في «تاريخه» أنَّه حيث يثبت السَّماع يقول: «سمع»، وإلَّا قال: «وعن».
وقال ابن أبي حاتم: «يحيى بن جابر .. روى عن المقدام .. مرسلٌ … سمعتُ أبي يقول ذلك»(2).
فهذا ابن أبي حاتم جزم بأنَّ رواية يحيى عن المقدام مرسلةٌ، وكذلك جزم به المزِّي في «تهذيبه»(3)، وابن حجر في «تهذيب التَّهذيب»(4).
لكن أخرج الإمام أحمد في «المسند» (4/ 132): «ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني قال ثنا يحيى بن جابر الطائي قال: سمعتُ المقدام … ».
وكذلك أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/ 331) من طريق أبي المغيرة، وقال: «صحيح الإسناد». وأقرَّه الذَّهبي. وفيه: «حسْب ابن آدم ثلاث أكلات».--------------------------------------------
(1) «التَّاريخ الكبير» (8/ 265).
(2) «الجرح والتَّعديل» (9/ 133). وبمثله في «المراسيل» له (ص 244).
(3) «تهذيب الكمال» (31/ 249).
(4) «تهذيب التَّهذيب» (11/ 168).

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 285)

وأبو المغيرة عبد القدُّوس بن الحجَّاج موثَّق، روى عنه البخاري في «صحيحه». وأبو سلمة سليمان بن سلمة موثَّقٌ أيضًا.
ويحيى بن جابر موثَّقٌ، وكانت وفاته سنة 126. ووفاة المقدام سنة سبع وثمانين، وقيل: ثلاث وثمانين، وقيل: ست وثمانين. فبين وفاتيهما نحو أربعين سنة. فالسَّماع ممكنٌ؛ بأن يكون يحيى وُلِد سنة سبعين على الأقل، فأدرك من عمر المقدام بضع عشرة سنةً. وعلى هذا يكون عمر يحيى حين مات دون السِّتين، وأي بُعْدٍ في ذلك وهما في بلدةٍ واحدةٍ؟!
وترجمة يحيى في «الثِّقات» في التَّابعين، وقال: «روى عن المقدام»(1). وذلك بمعنى الحكم بسماعه من المقدام.
لكن قد يقوِّي قولَ أبي حاتم: بأنَّ يحيى كثير الإرسال عن الصَّحابة، الذين لم يدركهم، وبأنَّ عامَّة شيوخه ــ الذين لا كلام في سماعه منهم ــ هم من صغار التَّابعين، كصالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير. والله أعلم.
فقه الحديث: أمَّا أوَّله فهو في ذمِّ ملء البطن، ولا نزاع في ذمِّه؛ لأنَّه يورث البِطْنَة والتُّخمة، وينشأ عن ذلك الكسل والفتور، ويكون سببًا لكثير من الأمراض، فهو إضرارٌ بالجسم والرُّوح، وتضييع للمال.
وقوله: «أُكُلات» بضمَّتين، جمع أُكْلَة، كلُقْمَة، وزنًا ومعنى.
وزيادة: «ثلاث» في رواية «المستدرك» منكرةٌ؛ فإنَّ الثلاث اللُّقَم لا تقيم الصُّلْب عادة، ولم يكن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يكتفون عند وجود الطَّعام--------------------------------------------
(1) «الثِّقات» لابن حبَّان (5/ 520).

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 286)

بثلاث، بل ولا تِسْعٍ.
وقد يتوهَّم أن يكون وقع في هذه الرواية: «أكلات» بفتحتين، ولا يصحُّ؛ لمخالفته السِّياق، ولأنَّ المعروف في ذلك العهد الاكتفاء بأكلتين في اليوم، الغداء والعشاء.
و «أكلات» جمعٌ بالألف والتاء، وأهل العربيَّة يعدُّونه من الجموع التي حقُّها أن تُطْلَق على ما دون الأحد عشر، ولا تحمل على أحد عشر فما فوقه إلَّا بقرينةٍ(1).
لكن ضعَّف ابن خروفٍ، وصوَّبه الرَّضِي ومن تَبِعَه، أنَّ هذا الجمع مخالفٌ لتلك الجموع، وأنَّه يطلق على ثلاثة فما فوقها، إلى ما لا نهاية(2).
إلَّا أنَّ السِّياق هنا يدلُّ على القِلَّة، وهي هنا مبيَّنةٌ بقوله: «يُقِمْن صُلْبَه»، فالمدار إذًا على إقامة الصُّلْب، وهي كناية عن ذهاب الجوع، وحفظ القوَّة.
فالقَدْر الذي يُذهِب الجوع ويحفظ القوَّة هو القَدْر الذي ينبغي الاكتفاء به. ثمَّ زاده بيانًا بقوله: «فإن كان لا محالة .. ».
وإيضاحه: أنَّ الإنسان الصَّحيح قد يأكل ويشرب ويحسُّ بالثقل والضِّيق، وقد يأكل ويشرب ثم لا يجد ثقلًا ولا ضيقًا، فثُلُث الطَّعام هو القَدْر إذا زاد عليه وقع في الحال الأُولى.
وذلك لا ينضبط تحديدًا، ولكن يمكن للإنسان معرفته بأحد أمرين:
الأوَّل: أن لا يستوفي شهوته من الطَّعام، كما قيل: أن تقعد على الطَّعام--------------------------------------------
(1) «شرح المفصَّل للزمخشري» لابن يعيش (3/ 225).
(2) «شرح الرَّضِي على الكافية» (3/ 397 - 398).

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 287)

وأنت تشتهيه، وتقوم عنه وأنت تشتهيه، يعني: بعد أخذ المقدار الذي تحْزُرُ أنَّه يكفيك.
الثَّاني: أن يقدِّر أكله، كأن يكون طعامه خبزًا مستويًا كل يوم، فيعلم أنَّه إذا أكل ثلاثة أرغفة أحسَّ بالضِّيق والثقل، وإذا أكل رغيفين ونصفًا لم يحسَّ بذلك.
والأمر الثاني لا يتيسَّر كلَّ وقتٍ، فالاعتبار بالأوَّل.
وعلى كلِّ حالٍ فينبغي للإنسان أن لا يستوفي القَدْر الذي يعلم أنَّه إذا زاد عليه كَظَّه، بل يدعُ فسحةً؛ لأنَّه قد يجِدُ طعامًا شهيًّا، فيختلُّ حسابه، بأن يأكل فوق حاجته، ويظنُّ أنَّه لم يفعل، وقد يجِدُ بعد الأكل فاكهةً أو نحوها فيشتهيها ولا يصبر.
فالحاصل: أنَّ مَن استوفى ثُلث الطَّعام، وجعل ذلك عادته كان معرَّضًا لأنْ يقع في الزِّيادة؛ فالحكمة تقتضي أن يعتاد النَّقص على ذلك.
واعْلم أنَّ الشِّبَع لا يتوقَّف استيفاءً على الثُلُث، بل يحصل بدُونِه، وعلى ذلك يُحمَل ما يجيء في الأحاديث والآثار في أكل النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى شبعوا(1).--------------------------------------------
(1) يشير إلى ما أخرجه البخاري (6452) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّة شربه وأهل الصُّفَّة رضي الله عنهم من قدح لبنٍ حتى ارتووا منه كلُّهم، وفيه: قال أبو هريرة: «فما زال يقول: اشْرب، حتَّى قلتُ: لا، والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا». وما أخرجه البخاري (2618)، ومسلم (2056) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما في قِصَّة أكله هو وثلاثين ومائةٍ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم من صاعٍ وشاةٍ، وفيه: قال عبد الرحمن: «وجعل قصعتين فأكلنا منهما أجمعون وشبعنا».

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 288)