الكلام على حديث الأعمى في التوسل وما ورد فيه من الروايات
[وحديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني من التوسل بدعائه، فإن الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت، فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في) فهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال: (وشفعه في) فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره.
وهذا الحديث حديث الأعمى قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كـ البيهقي وغيره.
رواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر الخطمي، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدّث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال له: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه، قال: فقام وقد أبصر).
ومن هذا الطريق رواه الترمذي من حديث عثمان بن عمر، ومنها رواه النسائي وابن ماجه أيضاً.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي، هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا: هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب.
وأيضاً فـ الترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء، بل رووه إلى قوله: (اللهم شفعه في) قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت صبرت فهو خير لك.
قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي، اللهم شفعه في).
قال البيهقي: رويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح، عن روح بن عبادة عن شعبة قال: (ففعل الرجل فبرأ).
قال: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
قلت: ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقي.
قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك.
قال: لا، بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه، فتقضي لي وتشفعني فيه وتشفعه في.
قال: ففعل الرجل فبرئ).
ورواه البيهقي أيضاً من حديث شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني -وهو الخطمي - عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عثمان بن حنيف قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير يشتكي إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله! ليس لي قائد وقد شق علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن حنيف: والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 9)
الأسئلة
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 10)
حكم طلب الدعاء من شخص ودعاء الله باستجابة دعاء ذلك الشخص
السؤال
هل يجوز تكرار نفس الصورة مع رجل صالح فيطلب منه الدعاء، ثم الطالب يسأل الله عز وجل أن يستجيب فيه دعاء هذا الرجل الصالح؟
الجواب
فيما يظهر لي أن هذه الصورة ليس فيها ما يشكل.
أما الدعاء بقوله: (اللهم إني أسألك بهذا الرجل الصالح)، فهو انتقال عن الصفة المشروعة إلى الصفة البدعية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز التوسل بذاته في حياته، بينما لا يجوز التوسل بذات غيره لا أحياء ولا أمواتاً فمن هنا قد توجد صورة تحتاج إلى تحرير، فيجوز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم وأشيائه بمعنى التبرك بها في حياته، وهذا مما اتفق عليه الصحابة، واتفقوا على العكس أيضاً، أنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لم يتوسلوا بذاته إنما توسلوا بآثاره حتى انقرضت، أي تبركوا بها حتى انقرضت؛ لأن التوسل يأتي على معان كثيرة، والمقصود هنا التبرك.
أما في الصورة التي يمكن أن يطلب فيها أحد من الناس من رجل صالح أن يدعو له، ثم هو يطلب من الله أن يستجيب دعاء هذا الرجل الصالح فيه، فهذا مما لا حرج فيه؛ لكن لا يعلّق الدعاء بذات الرجل، لأنه فرق بين ذات النبي صلى الله عليه وسلم وبين بقية الذوات، إذ ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
أما عبارة: (وشفعني فيه)، ففيها إشكال وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله.
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 11)
الحكم على أثر: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي)
السؤال
ما الحكم في قوله: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي)؟
الجواب
هذه لا شيء فيها، فمعناها هنا: بدعائك؛ لأن النص فسّر بعضه بعضاً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ويستجيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع نداء الأعمى ووجهه إلى ذلك، ثم لما قال: يا محمد، استجاب له النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه حقق رغبته بأن دعا له، فالصورة واضحة هنا رغم اختلاف الألفاظ واختلاف السياقات، فإنها كلها تدور على أن النبي صلى الله عليه وسلم وجّه الرجل بأن يتوضأ ويصلي ثم يدعو الله عز وجل، ثم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، ثم يدعو الله بأن يستجيب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
فالداعي الرجل الضرير، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حينما قال: أتوجه إليك يا رسول الله، فالمعنى: أن تدعو لي، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو أيضاً دعا الله أن يستجيب فيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فالمسألة واضحة إن شاء الله.
وأما قوله: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي)، فكلمة (وربي) فيها إشكال، والظاهر أنها لا بأس بها، والمعنى: أتوجه بك إلى ربنا جميعاً ربي وربك!
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 12)
الرد على شبهة أن بعض علل الأحكام لا تعرف
السؤال
الإسلام دين الفطرة والعقل فكيف لا تُعرف حكم بعض الأمور الشرعية، وكيف أرد على هذه الشبهة؟
الجواب
لم يرد أن جميع أمور الدين لا بد أن تُدرك بالفطرة والعقل، بل بعضها يدرك وبعضها لا يُدرك، ثم إنه لم يرد أننا متعبدون بالبحث عن الحكم، بل نحن متعبّدون بالتسليم المطلق لله عز وجل والتصديق بالرسول صلى الله عليه وسلم، فكوننا نقول إن أمور الدين تقتضيها الفطرة فهذا في الجملة، أما التفاصيل فلا؛ لأن العقل والفطرة لا يستقلان بذلك، لكن ندرك بهما الأمور الجملية، مثل ضرورة التوحيد والعبادة والبعث وإرسال الرسل، والحكم في كثير من أمور التشريع تدركها العقول والفطر السليمة على وجه إجمالي لا على سبيل التقصي والكمال، ولا على سبيل الحصر لجميع الحكم.
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 13)
حكم تقبيل المصحف
السؤال
ما حكم تقبيل المصحف؟
الجواب
تقبيل المصحف فيما أعلم لا حرج فيه، إذا لم يكن لمعنى بدعي، أما مجرد تقبيل الإكرام فلا حرج فيه إن شاء الله.
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 14)
مدى صحة الآثار الواردة عن ابن مسعود وعكرمة في تقبيل المصحف
السؤال
ما مدى صحة الآثار التي وردت عن ابن مسعود وعكرمة في تقبيل المصحف؟
الجواب
لا يحضرني مدى صحة هذه الروايات، لكن أُثر ذلك عن كثير من السلف، وإلى اليوم يعتبر هذا من الأمور المقرة عند أهل العلم المعتبرين، إلا أن هناك من يخالف، فالمسألة من الأمور الخلافية، لكن الظاهر لي والله أعلم أنه ليس هناك مانع من تقبيل المصحف إذا كان على سبيل التكريم، والله أعلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 25) (পৃষ্ঠা: 15)
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ناصر العقل)القسم: العقيدة
الكتاب: شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية
المؤلف: ناصر بن عبد الكريم العلي العقل
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 36 درسا]
تاريخ النشر بالشاملة: 16 رجب 1432
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [26]
العبادات لا تثبت إلا بنص الشارع، وما ثبت في حالات نادرة عن آحاد من الصحابة أو التابعين وفي مسائل محدودة وخالفهم عليها جمهور الصحابة، فإنه لا يعتد بتلك الآحاد النادرة، سيما إذا كانت النصوص الكثيرة بل والمتواترة قاضية على تلك الجزئيات، وهذا إذا سلمنا بصحة تلك الروايات، وإن كان في الأعم الأغلب أنها قد تكون ضعيفة أو باطلة الإسناد والمتن، والاجتهاد إذا عارض النصوص الواضحة البينة فإنه يلغى، ومثل هذا ما ثبت في التوسل من روايات ضعيفة، وإن ثبت عن آحاد الصحابة، ومن ذلك ما ورد عن عثمان بن حنيف فإنه من هذا الباب.
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 1)
ما ورد من الاحتجاج بحديث الأعمى بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم
وصلنا في الفتاوى إلى صفحة (268) المقطع الأخير، وكلام الشيخ هنا سيتركّز على حديث يستدل به كثير من أصحاب التوسلات البدعية، وتزيد ألفاظه ومعانيه عن الحديث الأصل الذي ورد فيه أن الأعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يدعو له ليكشف الله ضره، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يتوضأ ويصلي ويدعو الله عز وجل في أن يستجيب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ومن ضمن هذه الروايات أيضاً أنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بأن يشفع له، وطلب من الله أن يقبل هذه الشفاعة هذه الصورة وردت في حديث صحيح، وورد في بعض روايات الحديث بأسانيد أخرى وبألفاظ أخرى زيادات تعتبر مصدر فتنة وذريعة لأصحاب التوسل البدعي، وهذا ما سيتحدث عنه الشيخ في الصفحات التالية.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ورواه البيهقي من هذه الطريق، وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته إن كانت صحيحة، رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطي، عن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، ثم اذكر حاجتك، ثم رح حتى أروح، قال: فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى بعد عثمان بن عفان، فجاء البواب فأخذ بيده، فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته، فقضاها له].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 2)
بيان ما ورد أن عثمان بن حنيف يعلم رجلاً التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام بعد موته
في هذه القصة أمور زائدة عن أصل الحديث الأول، من هذه الأمور أن هذه القصة حدثت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها أن هذا الصحابي وجّه هذا الرجل إلى أن يعمل عملاً صورته قريبة من صورة ما حدث للأعمى، لكن بغياب النبي صلى الله عليه وسلم وليس بحضوره، وأنه لا يريد بها التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة إنما أراد التوسل به، ثم أيضاً أن يؤثر هذا التوسل في عثمان رضي الله عنه، وهذا أمر فيه إشكال، إذ كيف يطلب منه أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقضي عثمان حاجته؟ هذه مسألة تدل على أن القصة فيها نوع لبس كما سيذكر الشيخ فيما بعد.
ثم إن الذي وجهه إلى ذلك ما أراد أن يتدخل مباشرة في القصة، وإلا لكان من الممكن أن نقول إنه أراد أن يشفع له عند عثمان بعدما يعمل هذا العمل، كأنه يريد الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم على وجه من الوجوه، لكن كان في نية عثمان بن حنيف ألا يذهب به إلى عثمان، إنما تصور القصة أنه يعتقد أنه إذا فعل ذلك فإن هذا العمل بذاته سيؤثر في عثمان رضي الله عنه فيقضي له حاجته.
إذاً القصة فيها غرائب وغوامض ومقاطع منفكة عن الأصل الذي وردت فيه، مما يدل على أن هذه الحكاية ليست صحيحة بهذه الصورة، وأن فيها جملة أغلاط وتوهمات، وربما يكون هذا راجعاً إلى أن القصة لا أصل لها، أو أن سندها غير صحيح.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وجاءه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أو تصبر؟ فقال له: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في، وشفعني في نفسي، قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط).
قال البيهقي: ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، وساقه من رواية يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن شبيب بن سعيد قال: ورواه أيضاً هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف، ولم يذكر إسناد هذه الطريق.
قلت: وقد رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من هذه الطريق، من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف.
ورواه أيضاً من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة، ولم يروه أحد من هؤلاء لا الترمذي، ولا النسائي، ولا ابن ماجة من تلك الطرق الغريبة التي فيها الزيادة، طريق شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم.
لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين، فرواه من حديث عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر المدني سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، اللهم فشفعه في وشفعني فيه).
قال الحاكم: على شرطهما.
ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: (أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، وقال: يا رسول الله! ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط).
قال الحاكم: على شرط
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 3)
الكلام على شبيب أحد رواة حديث عثمان بن حنيف
قال رحمه الله تعالى: [وشبيب هذا صدوق، روى له البخاري، لكنه قد روي له عن روح بن الفرج أحاديث مناكير، رواها ابن وهب، وقد ظن أنه غلط عليه، ولكن قد يقال: مثل هذا إذا انفرد عن الثقات الذين هم أحفظ منه، مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي بزيادة، كان ذلك عليه في الحديث، لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال: (فشفعه في وشفعني في نفسي)، وأولئك قالوا: (فشفعه في وشفعني فيه).
ومعنى قوله: (وشفعني فيه) أي: في دعائه، وسؤاله لي، فيطابق قوله: (وشفعه في).
قال أبو أحمد بن عدي في كتابه المسمى بالكامل في أسماء الرجال، ولم يصنف في فنه مثله: شبيب بن سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي حدث عنه ابن وهب بالمناكير، وحدث عن يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة، وذكر عن علي بن المديني أنه قال: هو بصري ثقة كان من أصحاب يونس، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وجاء بكتاب صحيح.
قال: وقد كتبها عن ابنه أحمد بن شبيب، وروى عن عدي حديثين عن ابن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج: أحدهما: عن ابن عقيل عن سابق بن ناجية عن ابن سلام قال: مرّ بنا رجل فقالوا: إن هذا قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد.
قال ابن عدي: كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عدي: ولـ شبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده، عن يونس عن الزهري وهي أحاديث مستقيمة.
وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير.
وإن حدثني روح بن الفرج اللذين أمليتهما، يرويهما ابن وهب عن شبيب، وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهري: ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شبيباً بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب.
قلت: هذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدي عليه، رواهما عن روح بن القاسم، وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم، وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضاً، كما رواه عنه ابناه، لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه، وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي، فعُلم أنه محفوظ عنه.
وابن عدي أحال الغلط عليه لا على ابن وهب، وهذا صحيح إن كان قد غلط، وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث.
وروح بن القاسم ثقة مشهور روى له الجماعة؛ فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه.
والرجل قد يكون حافظاً لما يرويه عن شيخ، وغير حافظ لما يرويه عن آخر، مثل إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن الحجازيين، فإنه يغلط فيه، بخلاف ما يرويه عن الشاميين، ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري، ومثل هذا كثير فيحتمل أن يكون هذا يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم إن كان الأمر كما قاله ابن عدي، وهذا محل نظر].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 4)
رواية الطبراني لحديث عثمان بن حنيف
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى الطبراني هذا الحديث في المعجم، من حديث ابن وهب عن شبيب بن سعيد، ورواه من حديث أصبغ بن الفرج: حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: (ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك عز وجل فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفتصبر؟ فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط).
قال الطبراني: روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسي: والحديث صحيح.
قلت: والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه، ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح، يبيّن أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر.
وطريق ابن وهب هذه تؤيد ما ذكره ابن عدي، فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه، بل ذكر فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف، وليس كذلك، بل في حديث الأعمى أنه قال: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال: في نفسي) وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته، فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن عدي: فلم يتقن الرواية].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 5)
رواية حديث الأعمى بزيادة تدل على التوسل عند كل حاجة
قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد بن سلمة فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: اذهب فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي، وشفع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك، فرد الله عليه بصره).
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة.
ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة.
قلت: وهذه الطريق فيها: (فشفعني في نفسي) مثل طريق روح بن القاسم، وفيها زيادة أخرى وهي قوله: (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك -أو قال- فعل مثل ذلك).
وهذه قد يقال: إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى، وقوله: (وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك) قد يكون مدرجاً من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل: وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك، بل قال: وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 6)
حكم الزيادة الواردة في حديث الأعمى والتي تدل على التوسل عند كل حاجة
قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض، فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم، ولفظ الحديث يناقض ذلك].
بدأ الشيخ الآن يذكر رأيه في هذه القضية ويفند أصل الاستدلال بها على التوسل البدعي، لكن كلامه في ذلك مفرّق، وستجدون أنه يبدأ بالنقض ثم يستطرد، ثم يعود إلى النقض مرة أخرى، وسيوجزه في كلمات سيأتي ذكرها بعد قليل.
فهو يذكر أن هذا الكلام الزائد بعضه من عثمان بن حنيف، وأيضاً ربما يكون عثمان بن حنيف ظن أن ما حدث للأعمى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلح بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر خالف فيه إجماع الصحابة، فيكون -إن ثبت- اجتهاد صحابي زلّ في اجتهاده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن في الحديث، أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول: اللهم فشفعه في.
وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعياً شافعاً له بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 7)
معنى قوله في حديث الأعمى: (وشفعني فيه)
قال رحمه الله: [وفيه أيضاً أنه قال: (وشفعني فيه).
وليس المراد أن يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة.
ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)].
إذاً: قوله: (وشفّعني فيه) إذا ثبتت فإن المقصود بها الإشارة إلى أنه يدعو الله عز وجل بأن يقبل منه الدعاء كما يقبل من النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يقبل الله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
وقوله: (شفّعني): يعني استجب دعائي، فليس المقصود بالتشفيع بأن يكون له على النبي صلى الله عليه وسلم عدالة أو فضل، ولكن كأنه يقول: اقبل دعائي كما تقبل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا نوع من الإشفاق والحرص على كشف الضر.
قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة).
وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له، وهو معنى الشفاعة؛ ولهذا كان الجزاء من جنس العمل، فمن صلى عليه صلى عليه الله، ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة لشفاعته، شفع له صلى الله عليه وسلم، كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة، فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة؛ فلهذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه.
وذلك أن قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا هو من كرامة الرسول على ربه؛ ولهذا عُدّ هذا من آياته ودلائل نبوته، فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق، ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول: (فشفعه في وشفعني فيه).
بخلاف قوله: (وشفعني في نفسي)، فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا الطريق الغريب.
وقوله: (وشفعني فيه) رواه عن شعبة رجلان جليلان: عثمان بن عمر وروح بن عبادة، وشعبة أجل من روى هذا الحديث، ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذي والنسائي وابن ماجه.
رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة.
ورواه ابن ماجه عن أحمد بن يسار عن عثمان بن عمر.
وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث، مع أن قوله: (وشفعني في نفسي)، إن كان محفوظاً مثل ما ذكرناه، وهو أنه طلب أن يكون شفيعاً لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم كان سائلاً مجرداً كسائر السائلين.
ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً فيكون أحدهما شفيعاً للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره.
فهذه الزيادة فيها عدة علل: انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عُرف له عن روح هذا أحاديث منكرة.
ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة فيها، إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه، بل على خلافه.
ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه) مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع له كان هذا كلاماً باطلاً، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة، ولا ما يُظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: فشفعه في لكان كلاماً لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 8)
استدلال أهل البدع بالشاذ النادر
لو تأملنا هذه الحكاية التي وقعت في عهد عثمان رضي الله عنه لوجدنا أنها حالة نادرة، هذا إذا ثبتت، وفي ثبوتها نظر كما ذكر الشيخ قبل ذلك.
والأمر الآخر: أنه لم يرد في القصة أنها شوهدت من مجموع من الناس، ولكن حدثت بين ثلاثة، وهي دعوى اجتهد فيها عثمان بن حنيف وربما أن عثمان رضي الله عنه لم يطّلع على الأمر أيضاً، بل هو الغالب، فالغالب أن هذا الرجل عمل باجتهاد خاطئ من صحابي ولم يطّلع عليه آخرون، فلا يقال: إن هذا أُقرّ من عثمان أو ممن شهدوا، أو أنه أُقر من جماعة من الصحابة، فغاية ما يقال: إن ثبتت القصة فهي اجتهاد من عثمان بن حنيف مع رجل آخر عمل هذا العمل، وربما كان عمله خطأ، وعثمان بن عفان لم يشهد الموقف، ولكن أمره أن يسأل فسأل ولا يدري ماذا فعل.
ثم عثمان رضي الله عنه إن ثبتت القصة حينما قضى حاجته لم يعلم أنه فعل ذلك، ولو علم لأنكر، فأصبح الأمر يرجع إلى اجتهاد من صحابي ولم يعلم به الصحابة الآخرون فضلاً عن أن يوافقوه عليه.
ثم إنها حالة نادرة والنادر لا حكم له، وهي قصة واحدة لا يمكن أن يُبنى عليها قاعدة في الدين وتكون سلوكاً يعمل عليه جماعة أو طوائف من المسلمين كما هو حال أهل التوسل البدعي، وهذه قاعدة في كثير من الأمور المشتبهة، أو النصوص والأدلة التي فيها اشتباه، فلا ينبغي أن تكون حجة في أمور تعارض أصول الدين وقواعده العامة التي أجمع عليها المسلمون، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، (كل بدعة ضلالة)، وغير ذلك من القواعد القوية الصارمة، فلا يمكن أن تُخرق هذه القواعد من أجل روايات إن ثبتت فهي فردية.
والأمور التي تتعلق بالعبادة فعلها في حالات نادرة في عهد الصحابة دليل على عدم ثبوتها وعدم العمل بها، أو أنها إن ثبتت فليست معتبرة؛ ولذلك نجد أغلب أدلة أهل البدع في استدلالاتهم من هذا النوع الشاذ النادر القليل إن ثبت، أو الذي في دلالته شبهة مثل استدلالهم بقول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة، وهذه يتعلقون بها وكأنها وحي منزّل، مع أنه معروف في سياق قصة عمر ماذا يقصد عمر، وأن التراويح كانت في أصلها سنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركها إلا لعلة، ولما زالت هذه العلة ما استصحبوا السياق، فالشاهد أن استدلالهم بهذه القصة استدلال ساقط على جميع الاعتبارات، ويبقى عمل الصحابة هو الأصل، والصحابة لم يعملوا بشيء من ذلك.
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 9)
قاعدة فيما يسن فيه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وما لا يسن
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا نظائر كثيرة: مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء، ويأخذ لأذنيه ماء جديداً، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وروي عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل.
فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعاً لهما، فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضئون هكذا، والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
بل هذا من كلام أبي هريرة رضي الله عنه جاء مدرجاً في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء)، وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، فقال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة، والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله، لا يغسل الرأس، ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة.
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 10)
المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل
وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم، وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها.
ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر رضي الله عنهما، ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.
وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان، ويصلي لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه.
فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض.
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب.
وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل؛ ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعلها استحباباً أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها؟ وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه، أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 11)
ما انفرد به صحابي اجتهاداً لا يعد سنة
قال رحمه الله تعالى: [ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة].
التعريف المقصود به الجلوس والتعبد في المسجد يوم عرفة، وهذا حدث من ابن عباس ولم يوافقه عليه عامة الصحابة، وهو اجتهاد منه، وابن عباس ومن عمل بعده هذا العمل ربما تحرى فضل هذا اليوم، لا يقصد به التعبد اللازم بحيث تكون سنة من السنن الثابتة.
فهذا التعريف لم يكن من عمل عموم الصحابة، ولم يكن من السنة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها ولا أقرها، وإنما هو اجتهاد؛ فمثل هذه الأمور النادرة لا تعتبر أدلة، خاصة إذا اتُخذت هذه الأمور ذرائع إلى البدع.
وهذا ما حصل، فالذين فعلوها من الصحابة وغيرهم اجتهدوا، وغاية ما كان من الذين عاصروهم أنهم عذروهم بذلك لكن لم يفعلوا فعلهم، ولو سئلوا لأجابوا بالمنع، فاتخاذ ذلك سنة أو طريقة يكون من البدع.
فهذه -إذاً- قاعدة ينبغي أن يستفيد منها طالب العلم خاصة في قضايا العبادة والعقيدة، أنه أي أمر يكون القدوة فيه عالم لا يوافقه غيره من العلماء، ينبغي أن يُحمل على أنه غلطة أو زلة أو اجتهاد خاطئ، وأن هذا من ذرائع أهل البدع التي يتخذونها لتأييد بدعهم، ولذلك ما من بدعة من البدع إلا ويجدون لها مثل هذه المستمسكات التي لا تصح في الاستدلال، والتي تسقط بمجرد كونها شاذة أو نادرة، لا سيما إذا بُني عليها وتفرع عنها بدع كثيرة.
فأهل البدع مثلاً في مسألة التوسل لا يكتفون بمثل هذه الصورة التي وردت عن عثمان بن حنيف وأمر بها، بل يخرجون عليها صور ما لا نهاية له من الصور، وهذا دليل على أن هذه فتنة، وأنها من الأمور الملبسة التي ينبغي أن ينبه عليها الناس ويتنبه لها طلاب العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة.
فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته، لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة.
بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا يُنكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا أنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يُجعل سنة راتبة].
لعل الشيخ يقصد أن إنساناً مثلاً تذكر فضل هذا اليوم يوم عرفة وهو صائم، ثم ذهب إلى المسجد يتعبد فيتلو القرآن ويدعو لا لاعتقاد أن عمله هذا من السنن، إنما فعله تحرياً للزمن الفاضل والمكان الفاضل، نقول: لو حدث هذا لا على اعتقاد أنه من السنن المشروعة المأمور بها لكان ذلك مما يمكن أن يُسكت عنه، إذا لم يكن دائماً ولم يقصد به أنه متعبّد بذلك، فهذا هو مقصود الشيخ بقوله: (لعارض إذا لم يُجعل سنة راتبة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصّون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ليس لغيره أن يسن ولا يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإن ما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه، ولا حراماً إلا ما حرمه، ولا مستحباً إلا ما استحبه، ولا مكروهاً إلا ما كرهه، ولا مباحاً إلا ما أباحه].
(খণ্ড: 26) (পৃষ্ঠা: 12)