Arabic source text

📘 আওনুল হান্নান ফী শারহিল আমসাল ফিল কুরআন (আলী আহমাদ আবদ আল-আল আত-তহতাবি)

📘 عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن (على أحمد عبد العال الطهطاوى)

📘 আওনুল হান্নান ফী শারহিল আমসাল ফিল কুরআন (আলী আহমাদ আবদ আল-আল আত-তহতাবি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وهو فى كل ذلك عزيز النفس، بعيد عن الدنايا وارتكاب الخطايا (1).
وهكذا تكاملت أمامنا فيما عرضناه صورة المجتمع الرافض للخير، وما كان له من عاقبة سيئة، ثم ظهور تلك النبتة الخضراء التى تحمل فى ثناياها الإيمان والفكر المستنير، فتأخذ بيد الحائر فى متاهات الحياة، والفكر، والعقل.
ويبدأ يتكون ذلك المجتمع المتكامل المؤمن، الذى يشق طريقه إلى تحقيق حرية الحياة، والعقيدة، والفكر، ويبذل فى سبيل ذلك كل مرتخص وغال من دم ومال، وهذا طريق البناء الصحيح فى تحمل أعباء الحياة، كما يبدو فى الآيات التالية.
6 - قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214].
سبقت ذلك آيات بينات مهدت وفرشت لما يأتى به المثل القرآنى، فقد تعرضت إلى حكمة الله جل وعلا، التى اقتضت أن تكون هناك مجموعة من الخلائق خلقها الله فى أحسن تقويم؛ لتقوم بدورها العبادى عن طريق ما وهبت من تفكير وعقل، وما حباها الله به من مبعث أنبياء مبشرين لهم بالجنة، وحسن المآب، إذا صلحت منهم الأعمال، ومخوفين لهم من عذاب الله إذا أساءوا السلوك، وانحرفوا عن النهج، ولم يكتف بإرسال الرسل، بل أرسل مع هؤلاء الأنبياء كتبا تبين حقيقة العبادة، وجوهر الدين، وما يجب أن يكون عليه الحكم بين الناس فى القضاء والمعاملات والعبادات … إلخ من ألوان الفرائض التى فرضت وشرعت على يدى إبراهيم، وموسى، وعيسى … إلخ، هذه المواكب من الرسل والأنبياء الذين اصطفاهم الله من بين خلقه.
ولكن بعض النفوس التى جبلت على الكفر والعناد، أبت إلا أن تذهب فى فهمها لهذه الكتب مذهب المصلحة الخاصة، والبعد عن روح الدين، والتأويل للمقروء منها، حتى خرجوا بها عن صفائها ونقائها إلى غير المقصود منها، وقد جر هذا الاختلاف الكثير من المتاعب للرسل والأنبياء، والبعد بالرسالات إلى غير ما وجهت إليه، وقد هدى الله القلة القليلة التى أحسنت الفهم، ولم تخرج عن المنهج الذى وضع من قبل الله فى كتبه ورسالاته، واستطاعت أن تواصل حمل مشاعل الهداية على طريق الله وصراطه المستقيم.--------------------------------------------
(1) من كتاب العظات الدينية فى الأمثال القرآنية والنبوية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)

قال الله تعالى فى هذه الآيات: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 213].
ويلى هذا مقارنة فى المثل القرآنى بين حالين، وعرض لنموذجين، تظهر من خلالهما تلك الدعوة النبيلة من الله عز وجل للمؤمن أن يكون أهلا لتحمل أعباء الحياة، وما تستلزمه من جهاد ومشقات فى سبيل الوصول إلى الغاية والفوز.
فالابتلاءات والاختبارات هى المحك الطبيعى لإفراز النفس المؤمنة الجديرة بالانتماء للإسلام، لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186].
يصدق هذا على السابقين فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وعلى اللاحقين الذين أتوا بعده، وعلى كل جيل يأتى، فليس الانتماء بالاسم موجبا لاستحقاق الرحمة يوم القيامة ودخول الجنة، بل طريق ذلك تحمل الإيذاء فى سبيل الله، وفى طريق الحق وهداية الخلق: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142].
هذه سنة الله الجارية فى خلقه، لا تتغير ولا تتبدل، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 62]، وقد جرت سنة الله على أن الإيمان الحقيقى لمن اعتبر واتعظ بما حدث للسابقين الذين نزلت بهم الشدائد، وأحاطت بهم قوى الأعداء، ولم يروا بادرة من بوادر الفوز تلوح لهم، واعتقدوا أن وقت العناية الإلهية والنصر الذى وعدهم الله به قد حان، أو أبطأ حدوثه، فاستعجلوه بقولهم: مَتى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: 214].
منهج تعرضه الآيات، جدير بالاعتبار والتقدير، وهو طريق إلى التربية الصحيحة للأفراد والمجتمعات والشعوب، إذا أرادت أن يكتب لها نجاح فى هذه الحياة، ففي تجارب الآخرين وأحداثهم، وبخاصة المتماثلون فى النهج والطريق والمشكلات، سبيل إلى التعلم والاستفادة، ولا خير فى شعوب وأمم وأفراد، أصمت آذانها عن سماع القول والحق، وعميت عن رؤية الأحداث، وإن تحقيق أى فوز فى الحياة مرهون بالتدبير،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)

والأخذ بالأسباب، بعد الاعتماد على الله سبحانه وتعالى خالق الأسباب والمسببات، فلا يأتى عشوائيا، ولا عن طريق الصدفة كما يدعى الماديون والقائلون بهذه المقولات الفاسدة التى لا تدل على إيمان، ويأخذون بظاهر الأمور.
فالفوز بالآخرة مرتبط بالعمل، والصبر على صنوف الآلام والمتاعب والإيذاء، وأما التمنى والتغنى بالشعارات دون أن يصحب ذلك جهاد ومشقة، فبضاعة خاسرة لا تجد لها وزنا وتقديرا يوم توزن الأعمال، وتجد كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: 30].
وأسمى ما يقدمه المؤمن من عمل فى دنياه تلك الروح التى تحررت من الخوف، والذل، والحرص على الحياة، والاسترخاء إلى الدعة وطيب العيش، كما يتحمل المسئوليات فى الأعمال المنوطة به.
ومن الأشياء التى توجه الآيات الأنظار والعقول إليها، أن آصرة العقيدة هى التى تربط المجتمع المسلم برباط التحابّ، والأخوة، والأخذ بتعاليم الإسلام وآدابه القائمة على التكاليف التى فرضها الإسلام، كما أن العلم الذى يكوّن النفوس المسلمة، ويصنع الحياة، هو القائم على النظر والاستدلال، ويربط بين العقل والقلب والعمل.
والدارس لمشكلات الشعب، والحياة الحاضرة، وما يجدّ من أزمات تأخذ بخناقنا، وبشبابنا وأولادنا وزوجاتنا، ومقارنة ذلك بما عرضناه من صور نابضة بالحياة، ومجاهدة النفس، والجهاد فى سبيل الله، والعمل على إيقاد جذوة الحياة بما فيها من قيم ومثل رفيعة، يرى من خلال هذه الموازنة والمقارنة أن أسباب ما نكابد وما نجد فى حياتنا من أزمات ومشكلات يرجع فى أساسه إلى تلك المصادر التى تولت تغذية عقولنا وأرواحنا بلبانها، وأرضعتنا بثقافتها، وأمدتنا بنماذجها البشرية؛ لتكون قدوة لنا فى الحياة، والعمل، والسلوك، والخلق.
إن هؤلاء الذين يعانون من تلك المآسى إنما يتلقون زادهم الفكرى وقيمهم المثلى من مصادر تشبع فيهم النهم، وتروى الظمأ الذى يستبد بنفوسهم وأرواحهم، مصادر لا يستطيع أى إنسان أن ينكر تأثيرها وإسهامها فى صنع قيم الإنسان، وتنمية عقله، وتغيير سلوكه، وبخاصة بعد تلك النقلة الجبارة فى العلم، والتقدم الحديث فى الاتصالات التى قربت بين الشعوب على اختلاف لغاتها ومذاهبها، وما تمارسه من عادات وأخلاق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)

فإذا نظرنا إلى الإذاعة المرئية واستمعنا إلى المسموعة منها، وجدنا أنها تتجه فى الكثير من برامجها إلى إرضاء الجوانب الشهوانية التى تسيطر على اتجاهات الشباب، وتغذى عقله بتلك الآراء الفجة المسمومة التى تؤلف خصيصا لهذه الفئات، كى تفسد من تفكيرها، وتغرس فيها قيما بعيدة كل البعد عن معتقداتها، وما مشكلات الأحداث، وكثرة حوادث اغتصاب الفتيات، ومسلسل قتل الأزواج، إلا ولادة طبيعية لما يجرى أمام الأبصار فى برامج مهزوزة، فلا يجد من أصاب العطن عقله بالعقم، وشلت يده عن العمل نتيجة البطالة والكساد، وسقمت البرامج التعليمية عن تقديم ما يتناسب مع إدراكه وحاجياته الحقيقية فى الحياة، فلا يملك إزاء هذا إلا أن يقلد ما يرى ويسمع فى ليله ونهاره، وقد يدفعه ذلك أيضا إلى تلمس الغيبوبة عن الحياة التى يحياها، ولا يشعر بجدواها فيما يتناوله من مخدر، وأقراص تنسيه آلامه وقلقه وحيرته فى الحياة.
إنها مسئوليتنا جميعا، ولا نملك أن نحول بين هذا الشاب ونظائره ممن يتفقون معه أو يختلفون سلوكا ومنهجا، ويقعون فريسة التقليد فى المظهر، والمشرب، والمأكل، ولا نملك أن نحول بين سمعه وبصره ورؤية الأشياء المبثوثة فى جهاز التليفزيون، وشرائط الفيديو، والإذاعات الأجنبية، وبخاصة تلك الإذاعات التى تعمل عملها على تقويض دعائم الأمة الإسلامية بتقويض شبابها، وبث روح الانحلال فى أخلاق رجالها ونسائها، وإذا لم يكن قد كتب لها النجاح فى حروبها المستمرة، فإنها تملك ولا شك الوسائل الكفيلة بتحقيق انتصارات أخرى أقوى تأثيرا، وأشد تفتيتا لعضد هذه الأمة ومعقل قواها بالتأثير فى أرواحها، وتغيير سلوكها واتجاهاتها فى الحياة.
لقد أتاح التقدم العلمى لكل إنسان أن يشاهد وأن يسمع ما يقع فى الحياة بلغته وبغير لغته، ما يثير فيه الانتباه، ويغرس فيه القيم، ويشحذ منه الفكر، ويؤدى به إلى الانطلاق، ولكن ما الضمانات التى تكفل لنا نجاح هذه الأدوات فيما ترسله، وما تذيعه من برامج ومعلومات؟ لا سبيل إلى إنكار ما تقدمه من نجاحات علمية تفيد الحياة، والدارس، وتربط بين عقول العلماء والشعوب برباط المصلحة والنفع، وهو هدف نبيل لا ينكره إلا مكابر.
ولكن علينا أن نحسن استقبال ما يرسل إلينا عبر هذه الأقمار الصناعية، والإذاعات المسموعة، كما أحسنوا إرسالها، وذلك بحسن التطبيق والفهم المشترك بين العلماء الذى يخدم الحياة، وسرعة الاستجابة للمتغيرات التى تنشأ عن ذلك، ومحاولة إشراك الشباب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)

والأجيال فى هذه الطفرات العلمية بوضعها فى البرامج التعليمية، وتدريب أبنائنا على حسن استخدامها لتيسير سبيل الحياة.
أما الجانب الآخر، فهو ما يتعلق بالعادات والتقاليد والقيم التى تتصل بما لنا من أصالة، وترتبط بما نتلقى من تعاليم سماوية خصنا الله بها، وجعل لنا كتابا فيه هداية لنا وتبصرة بشئوننا، فهذا ما يجب أن يغرس فى النفوس؛ لتكون وقاية لنا ولأولادنا ضد هذه التيارات الوافدة إلينا ولا نملك لها منعا، كما لا نملك لأنفسنا ولا لشبابنا حجزا وحرمانا.
وبجانب تلك الوسائل المسموعة والمرئية، تقف وسيلة أخرى أسبق فى التأثير والوجود، وهى: الصحافة، فما كانت تلك الصحف التى تلقاها إبراهيم، وموسى، وعيسى، من قبل الله سبحانه وتعالى، إلا تربية للأمم والشعوب والأفراد، بما تحمله من تعاليم السماء، ووصايا تعلى من شأن القيم، وترفع من درجة الأعمال الصالحة إلى أن تكون المعيار الحقيقى الذى يميز بين إنسان وإنسان.
هذه الوسيلة مع تطور الأيام وظهور الطباعة والمطبعة، لعبت دورها البارز فى إثارة الأذهان، وتعميق الفكر، واستطاعت بما ينشر فيها على أيدى محرريها أن يشكلوا من طاقات الإنسان، وأن يوجهوا السلوك إلى اتجاه معين حكمته ظروف الحياة القديمة بما لها من تقاليد، ودفعت إليه من سياسات، كانت طريق هداية، ورسول بناء، ونداء حرية، وتحرير مستضعفين، أدت رسالتها؛ لأنها أحست بواجبها نحو نفسها، وشعبها، وحاجيات أمتها.
أما إذا أسىء استغلالها، كما يحدث فى تلك الصحافة الرخيصة، فإنها ولا شك تصبح معول هدم يفسد على الإنسان دينه، وخلقه، وقيمه، بما تبثه من فكر رخيص، وقصص
منحل، وأحداث تقع فى الشرق والغرب تغرى بالتتبع والتقليد، وبخاصة ممن يخدعون بالتقليد فى المظاهر البراقة، وأشكال المجون والترف، وأخطار هذا لا تقع تحت حصر فى حياتنا اليومية.
والشارع بما فيه ومن فيه من مجريات، وأحداث، وأناس، وما يقع من صراعات وتدافعات، يلقى على أذن الطفل الكثير من الكلمات، ويعرض على عينيه الكثير من المشاهد، ويوحى إليه بأمور تغاير طبعه، ويثبت فى أعماقه الكثير من المظاهر التى تعج

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)

بها الحياة، وفيها ما فيها من المفسدات، من تهالك على المتع واللذائذ، وما ينتشر فى بيئات كثيرة من مخدرات تفعل فعلها فى إفساد الأسر والشباب، وما تعوّدهم من عادات الإدمان التى لا يفلح معها علاج، ولا ينفع فى كبح شرورها قانون، أو استشفاء.
ولذا نجد فى أحداث هذه الأيام، أن كثيرا من الأحداث الصغار السن قد قبض عليهم جهاز الشرطة فى تلك المواطن التى تنتشر فيها هذه المخدرات، يقدمون للمدمنين المخدرات، ويعلمون تحت أيدى عصابات توجههم هذا التوجيه الشائن الذى يفسد عليهم أنفسهم، وحياتهم، وأسرهم.
هذه أبرز المصادر الفعالة التى تؤثر فى صنع هذا الشباب، وما تؤدى إليه من سوء استخدام يعمل على زيادة هذه المشكلات التى يعانى منها المجتمع، ويعانى منها الشباب.
وقد ساعد على ذلك ظروف أخرى اقتصادية قاسية مرت بهذا المجتمع عقب تلك الحروب العديدة التى خاضها الشعب، والشباب، والمجتمع، ضد أعداء الحياة، فكانت هذه المآسى وهذه المشكلات، وكلها من خارج النفس، ومن صنع أيدينا؛ لذا كانت العثرات والسقطات، والبعد عن الصواب.
وبعد: أئمة ترابط بين الأمثال القرآنية؟ أتوجد بينها وحدة فى الأهداف، والاتجاهات، والمعالجة؟ هذه تساؤلات تجيب عنها تلك الدراسة المطولة التى سبقت، فهى على اختلاف صيغها ومضمونها ومواقعها، تهدف إلى استكناه حقيقة الإنسان، ووظيفته فى الحياة، والحكمة من وجوده، وتبيان خصائصه التى يستحق بموجبها عمارة الكون، وخلافة الله فى الأرض.
لقد سخرت مظاهر الكون بأرضه، وسمائه، وجباله، وأنهاره، ودوابه، ومخلوقاته، من أجل هذا الإنسان الذى ميزه الله بالعقل، وكرمه بإرسال الرسل، وفضله على بقية مخلوقاته، وجعله أهلا لتحمل الأمانة التى عرضها على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، حملها بما له من إمكانات التدبير، والعقل، والفهم، والحرية، والاختيار فى الأمور، وتحمل المسئوليات التى يترتب عليها الثواب والعقاب، والجزاء فى الدنيا والآخرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)

انفرد ذلك الإنسان بتلك الميزة التى تجعله يعيش حياتين: دنيوية يكابد فيها، يسعد ويشقى، ويمرض ويصح، ويتطور فى خلقته من صغر إلى كبر، وحياة أخروية يجد فيها جزاء سعيه فى دنياه، ونتيجة عمله الذى قام به، وحريته التى اكتسبها، وهكذا ينفرد بتلك الخاصية التى لا تحظى بها مخلوقات أخرى من دواب ومخلوقات، وأرض وسماء.
بل إن هذه المخلوقات إنما جعلت فى هذه الدنيا لتخدم ذلك الإنسان الذى يبحث عن مصيره فى دنياه وأخراه، وعن ذاته، وكيف تتحقق، وعن وجوده، وكيف يكون، تخدمه بلا مقابل ولا جهد، فالزرع ينبت فى الأرض ويستوى على سوقه ويعطى ثماره، والشمس تشرق فترسل الدفء إلى الأجسام المقرورة، وتثير الرياح والسحاب كى يحمل فى طياته المطر الذى يبعث النماء والخير، كى يحيا الإنسان، عطاءات عديدة من قبل خالق الخلق بمقتضى ربوبيته لهذا الإنسان، والذى أمر ملائكته بالسجود له، وقال لهم:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]، لا يسأل عما يفعل، فقد خلق ذلك الإنسان وهو يعلم بحقائقه علم انكشاف وإحاطة، وإدراك لما يتطلبه، لحكمة إلهية وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:
55].
هذا هو المحور الذى تدور حوله الأمثال القرآنية، والترابط بين غاياتها فى تحرير هذا الإنسان من كل إصر يعوق عقيدته، من أن تنطلق نحو الإيمان الحق بالله الواحد، والابتعاد عن مواطن الأهواء، والنزعات الضارة المفسدة لتلك الفطرة النقية الصافية التى خلقها الله سبحانه وتعالى، لتتشرب روح الحياة كما خلقها خالقها، ولتسير فى ضوء هداه، واضحة المنهج، متمتعة بطيبات ما أحل الله، بعيدة عن نزعات الشيطان، محققة ذلك الإنسان المميز بعقله، وحريته، واختياره، والذى يستحق كلمة الله فى حقه:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30].

‌‌المقارنة بين الأمثال القرآنية:
بالقراءة المتأنية والواعية لسور القرآن الكريم، يستطيع الإنسان القارئ أن يجد ألوانا من التفاوت والاختلاف فى الأمثال التى عرضت، تفاوت واختلاف يرجعان إلى طبيعة المكان، والزمان، والناس، والموضوع المعالج، إلى غير ذلك من أوجه الاختلاف، وقد استطعت بتوفيق من الله جل فى علاه، أن أحدد بعض هذه الأوجه، أعرضها فى الآتى:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)

1 - الأمثال التى وردت فى القرآن الكريم فى السور المكية أكثر من التى وردت فى السور المدينة، ويرجع ذلك إلى بدء الدعوة فى مكة، وحاجة الناس إلى وسائل عديدة من الإرشاد والتوجه، حتى تصل الدعوة إلى نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، عن طريق الاسترشاد بالأحداث والوقائع، وبخاصة أن الأمية والجهالة فاشية فى القوم، وكانت
التقاليد والعادات آخذة برقابهم، ومهيمنة على عقولهم، فهم لا ينفكون يقولون: هذا ما وجدنا عليه آباءنا.
والتغلب على هذه العقدة المسيطرة جد عسير، ما لم تستخدم تلك الوسائل المؤثرة فى النفس والعقل، فهم بمثابة أطفال وجدوا أنفسهم فى مقاعد للسمع، ويحتاجون إلى إدراك ما يزيل ما بهم من جهالة، ويرفع عنهم الغشاوة، ويفتح أعينهم على أنوار الحياة بكل معطياتها، ولا يتأتى ذلك بالتعليم المباشر، وبالنصح الغالب، وإنما تقوم وسائل الإيضاح بمهمتها خير قيام بعرض بعض قصص السابقين، ووصف أحوال الغابرين بتلك الصورة الموحية التى تستخلص نتائجها، ويستهدى بها العقل إذا وصلت إلى سمعه، واستقرت فى أعماقه، وقد تكون كما نفعل الآن بمثابة فيلم يعرض على الصغار، فيثبت فى أذهانهم المعلومة، وينقل إليهم التجربة، ويعرفون النتيجة بتلك الصور التى تستولى على مشاعرهم، هم فى دور التكوين والتعليم، فلتؤد وسيلة الإيضاح مهمتها بكل طريق.
ومن التجارب والأحداث والوقائع تكون الخبرات الصادقة، والنتائج القربية، ولم لا؟ أليس هؤلاء الناس أقرب إلى جو هذه الأمثال، وما بها من صدق وفكر، وتأثير بما يشتهر على ألسنتهم من حكمة صادقة يرسلونها إرسالا، فتدوى مع الزمن، وتصدق فى كل حين، أليست الحكمة التى يتحدثون بها فى ندواتهم ويتناشدونها فى أشعارهم إلا قسيما لذلك المثل الذى يردد بين الحين والحين، فيكون له تأثيره وأثره؟
إن الأمثال الحكمية بما ترسله من إشعاعات الفكر، وتأثيرات القول، وعمق التجربة، لتعلى من شأن قائلها على مدى العصور والأيام، وتعلى من شأن معتنقيها ومصدقيها لو ساروا على نهجها وهداها، لذلك كانت الأمثال فى هذا الجو، وفى هذا الميدان، من متطلبات الدعوة، تأتى فى آيات الله لتنزع الجهل والجهالة، وتقتلع بذور الشرك، وتضع اللبنات الأولى فى بناء ذلك المجتمع الذى يحتاج إلى كثير من مواد البناء من مثل، وحكمة، وأمر، ونهى، وتبيان … إلخ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)

وعن طريق هذا المثل الذى يقوم على التشابه بين قصتين، وحالتين، دعوة لأولئك الناس إلى استخدام عقولهم فى التفكير الذى يقوم على الموازنة والتمييز بين شيئين ليختار العاقل الصالح من الأمر، وإعلامهم بأن العقل والفكر علامتان للإنسان الجديد الذى يدين بدين الإسلام، فلا خضوع لتقاليد، ولا إرهاب لسلطة مهما كانت مراكزها، ولا بجنس أو لون، وإنما الناس جميعا إخوة سواسية، إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: 13].
فى هذه البيئة الصخرية الحجرية فى طبيعتها، وفكر أصحابها، وتقاليد أسرها وعائلاتها، وتكوين مجتمعاتها، كان من الحكمة الإلهية أن يكثر قرع الآذان بتلك الدقات الشديدة من الأمثال؛ لتصل إلى مجامع القلوب، فتقوم من غفوتها، وتستيقظ من سباتها العميق الذى يحجب عنها الرؤية لذلك النور الإلهى الذى بدد الظلام، وأزال الغشاوة عما لحق بالصدور والقلوب من الشرك بالله، والانتماء للباطل بصوره وأشكاله.
وإذا كانت الفترة الزمنية الأولى فى بدء الدعوة قد امتدت إلى ثلاث عشرة سنة، مما أتاح للرسول، عليه الصلاة والسلام، أن يعمل على نشر الدعوة بين ربوع مكة وما جاورها، وأن يهيئ أولئك الرجال الذين اتبعوه وآمنوا بالقرآن الكريم ليحملوا رسالته فى كل مكان، فإن المجتمع الجديد الذى ستنتقل إليه الدعوة تختلف فيه الصورة عن المجتمع المكى، فهذا المجتمع المدنى يقوم على الزراعة، وطبيعته تختلف عن طبيعة مكة، فالأرض الخصبة تعطى، وتنبت الخير والرزق، وتنعكس تلك الطبيعة على أهلها برا، وسماحة، ولينا، واستجابة لدعوة الخير من أول نداء وجهه الرسول إليهم فى بيعاتهم التى بايعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا المجتمع تفتح ذهنه لهذا الفكر الوافد، وبدت ملامح اليقظة فى حركاته بفعل تأثره بغيره من المجتمعات الأخرى التى اختلطت به، وتميزت بفكرها، وكتبها السماوية، فكان الأمر سهلا، لا يحتاج إلى كبير معاناة فى توصيل الحقائق المباشرة التى تبنى الحياة بكل اتجاهاتها المختلفة.
فليس فيها ذلك الفكر المتسلط، ولا رهبة أصحاب السلطة الدينية، كما فى مكة، ولا تلك التقاليد البالية التى تعوق الفكر الجديد عن الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم.
وكان القرب من اليهود فى ذلك الوقت سبيلا إلى معرفة مظاهرهم الدينية،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)

واختلاطهم بهم، وتناقلهم لأمثالهم وأقوالهم، لذلك كانت منهم الاستجابة السريعة لكلمة الإسلام والإصغاء لتعاليمه دون حاجة ماسة إلى ضرب الأمثال الكثيرة التى يحتاج إليها المعاندون والجاحدون لآيات الله.
2 - تتشابه صياغة المثل المكى والمدنى فى كثير من المظاهر الخارجية، من حيث اشتمالها على المتمثل له، والمتمثل به، والإتيان بكاف التشبيه، الأداة، فى صورة قصصية، وصفة مجازية تصور حال كل منهما. إلا أن هناك أشياء جديرة بالملاحظة تعطى فروقا لها دلالتها، مثل:
(أ) يكثر فى المثل المكى استخدام الفعل ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا [إبراهيم: 24]، وما أخذ من هذا الفعل من المضارع والمصدر، وما لهذا الاستخدام من وقع، فهو يقرع الأسماع، فيدعوها إلى الالتفات والتنبه.
(ب) يكثر فى المثل المكى أيضا التعقيب بقوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ [البقرة: 219]، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ [الأنعام: 122]، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ [الأعراف: 176]، ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: 18]، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: 27].
وهذا التعقيب بعد ذكر المثل له دلالته، فهو يبين الحكمة من إيراد المثل، ويوقظ فى النفوس والعقول ما هى بحاجة إليه من رغبة فى الهداية وبعد عن الجهل والضلال.
(ج) البدء فى المثل المدنى يكثر فيه استعمال المثل: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة: 17].
3 - اعتمدت الأمثال المكية فى أدواتها التأثيرية على كثير من مظاهر الحياة المكية، فهذا المجتمع يقوم التعامل فيه على التجارة، والقوافل، والعبيد، واستغلال مواسم الحج، وما يجلبه ذلك من نفع مادى يعود على الجميع، ونفع ثقافى، حيث تتناقل فيه السير والأحداث التى تلوكها الألسنة، وتبقى فى عقول الناس راسبة، بالإضافة إلى أسواق
أدبية شهيرة، تعقد فيها حلقات الشعر، وتعرض فيها نماذج الشعر الجيد، ويتبارى فى ذلك الكثيرون، حتى إذا حكم لأحدهم بالتفوق، كتبت قصيدته بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، أسواق شهيرة، أسواق عكاظ، وذى المجنة، وذى المجاز.
فى هذا الجو المفعم بالتأثيرات المادية والثقافية، كان لا بدّ وأن تكون الأمثال القرآنية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)

معرضا لما تريد أن تقتلعه من النفوس من أفكار سقيمة، وتفرقة ظالمة، وقيم جاهلة، وهضم للحقوق، وأن تكثر من ذكر الأحداث للاعتبار والاتعاظ فى تلك الحياة التى انغمسوا فيها، تتكلم عن البعيد، وتذكر الأحداث التاريخية، وتندد بالشركاء فى التجارة، والشرك فى العقيدة، والكفر، والعناد.
أما فى المجتمع المدنى، فتساق الأمثال معتمدة على مظاهر الحياة التى تحيط بالناس، فتأخذ من مظاهر الطبيعة، وما فيها من ظلمة ونور، ورياح وغيث، ونباتات وجمادات، وأصوات ومخلوقات، ما توجه إليه أنظار الناس؛ ليكون محل تدبر وإبصار، فتكون الهداية، وكما تأخذ من مظاهر الحياة الخارجية التى تحيط بفكرهم، كاليهود وأشياعهم، فتندد بمواقف أصحاب هذه الكتب من الرسول ودعوته، وذكر أحوال الأمم السابقة، وما حل بهم جزاء كفرهم وعنادهم، وما يجب أن يكون عليه المؤمن الحق من صفات، وإخلاص الإيمان بالله صاحب القدرة المطلقة، والاهتمام بالقيم النبيلة، وعدم الاغترار بالحياة الدنيا وما فيها.
4 - أما مضمون الأمثال وموضوعاتها، فتختلف اختلافا واضحا بين المكى والمدنى، اختلافا دعت إليه ظروف الدعوة الإسلامية، واختلاف الناس والمجتمع، والحالات التى تستدعى علاجا معينا، ويبدو ذلك فى الآتى:
المجتمع المكى مجتمع جاهلى تتحكم فيه تلك العادات الباطلة، والتقاليد البالية، وتسيطر عليه أفكار وثنية خائبة تلغى العقل ودوره، وتسمح للطبقية أن تعلو، وللعنصرية أن توجد، وللرأسمالية الظالمة الباغية أن تتحكم، كل هذه العناصر جعلت صوت الحق يخبو، ونور الله يتبدد بين قوم قساة القلوب، غلاظ الأكباد، نفوسهم قدت من صخر، لا تلين لدعوة، ولا تستجيب لنداء كريم، حتى كانت كلمة الله، ونزل الوحى على محمد صلى الله عليه وسلم ابن هذه البيئة، ولكن الله اختاره من صفوة خلقه ليعالج هذا الأمر بالقرآن الذى يوحى إليه، وبكل الطرق التى يسلكها رسول الله، فكانت هذه الأمثال وهذه الآيات التى تعالج الكفر بالله، وتندد بدعاة هذا الكفر وأصحابه، وتقبح أعمال الكفار الذين يتخذون الأصنام آلهة من دون الله، ويلغون عقولهم وتفكيرهم، وتقبح لهم اتخاذ الشركاء، وتزجرهم عن المعاصى، وتحبب إليهم الإيمان، وتكره إليهم الكفر، والفسوق، والعصيان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

كما تناولت الأمثال أيضا البعد عن موجبات غضب الله التى تصيب الفرد والجماعة، ودعتهم إلى الإيمان بالبعث، والحساب، واليوم الآخر، وأظهرت قدرة الله فى عقاب من يستحق العقاب، ونددت بموقف الكفار من الرسول، وعنادهم، ومعاملتهم له … إلخ.
دارت كل هذه المعانى فى أثواب الآيات القرآنية وأساليبها، وكان للمثل المكى دوره البارز فى هذا المجال، يعالج السلوك الإنسانى إزاء رسالة الله ودعوته.
أما فى المجتمع المدنى، فالأمر مختلف، فقد عالجت الأمثال الكثير من العيوب التى تبرز فى هذا المجتمع المتحضر من نفاق، وخداع، وبخل، وشح، وجبن، وقعود عن الجهاد.
لم تتعرض مباشرة لسلوك الناس وتصرفاتهم إزاء الرسالة، وإنما هى بيان لما فى الكون والملكوت الواسع الذى يدبر الله أمره، فهذه الحياة الدنيا مثلها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [يونس: 24].
اختلفت البيئة، فاختلف الاتجاه والعلاج، واختلف الزمان، فكان لكل وقت دواء، واختلف الناس، فكان لكل دواء.

‌‌الأمثال العربية:
من خلال دراستنا للأمثال القرآنية، وما تناولته من اتجاهات عليا لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ لأنها من التنزيل، تنزيل رب العالمين، الرحيم بعباده الذى خلقهم، وعرف احتياجاتهم، وما يعلى من مكانتهم وشأنهم، فوضع لهم الأسس الحكيمة التى يسيرون عليها، ورسم للإنسان طريق النجاة بما ساقه له من قيم، وقدمه من مثل، ودعا إليه من أوامر، وما وضعه من تكاليف.
من خلال هذا كله، اشرأبت النفس إلى محاولة إيجاد علاقة وترابط بين الأمثال القرآنية وما تعرضه علينا كتب التراث والأدب من تراث إنسانى نطقت به الألسنة، وحفظته العقول، وسجلته فى صفحات التاريخ من أمثال كان لها صداها وتأثيرها فى الفكر الإسلامى، حقيقة ما روته الكتب الأدبية يحوى بين جنباته الكثير من الأمثال العربية التى وصلت إلينا من العصر الجاهلى، وفيها ما فى هذا العصر من عادات وأمور قد لا تتفق مع القيم الإسلامية وما يدعو إليه القرآن، ولذا فإننا سنحاول بإذن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

الله أن نعرض نماذج من بعض الأمثال التى تتشابه فى نزعاتها واتجاهاتها البناءة فى الحياة مع الأمثال القرآنية فى سمو أهدافها، ونبل أغراضها، وهذه الأمثال عاشت وتعيش فى أفكارنا، وترتبط بعقائدنا، وتصلنا بماضينا.
وقد يكون فيما نذهب إليه من إيجاد علاقة فى الهدف والاتجاه، لون من التكلف والعسر؛ لأن المصادر القديمة لم تتعرض لهذه المناحى ولم تقدم لنا ما يرضى عقولنا من موازنات ومقارنات بين هذا وذاك، ولكن ما دامت النية قد خلصت لخدمة هذا الطريق، فإن فى إفراد باب بتعلق بالمنهج القرآنى وارتباطه بالأمثال العربية المتفقة معه فى الاتجاه والمأخذ، ما قد يغنى القارئ اللبيب الذى يستطيع أن يتبين من التقارب الذى نطقت به الألسنة التى تشربت حب الإسلام، وتعلقت به أرواحها وقلوبها، وعقولها،
وعقائدها، فنطقت بذلك معبرة، وجرى على ألسنتها من لفظها الخاص ما ينبئ عن شدة الحب والارتباط بتعاليم الإسلام، وارتباط الناس به فى حياتهم الخاصة والعامة، وفيما يجرى بينهم من تعامل وعلاقات.
وفيما أسوقه من نماذج أمثال، إنما أعطى دليلا على أن الخلق المسلم إنما استوحى فيما نطق وفيما عمل طريق القرآن، ودعوته، ومنهجه.
وقبل أن نعرض لهذه النماذج المختارة التى تعتبر نواة لدراسة أوسع فى أنواعها، وأقسامها، وأغراضها، والتى عقدنا العزم بمشيئة الله أن نجعلها مبسوطة بين يدى القراء فى دراسة مستقلة، أن نعرض لبعض الحقائق العامة التى تنير الطريق لما سيطرح من أمثال عربية، تعالج مواقف الحياة، وتعرض أحداثها، ووقائعها، وعظاتها، وهى تكمن فى الآتى:
1 - هذه الأمثال فى أغلبها مجهولة الصاحب، لا يعرف لها قائل، ولا تسند إلى شخص معروف، ولكنها سلكت طريقها إلى الحياة عن طريق المشافهة والرواة حتى وصلت إلينا فى تراث له فى النفس إعزاز وتقدير، قد استحوذ على هذا الفضل، وهذه المكانة بالنظر إلى مضمونه ومعناه، أما معرفة الصاحب، وكيف نشأ المثل، فلم يحظ ذلك باهتمام الرواة.
2 - كان من أساليب بقاء هذه الأمثال، والمحافظة عليها، ما تتسم به من صدق، ومن توافق مع الحياة فى تطبيقاتها، وما تحويه من قيم رفيعة، واتجاهات بناءة مقتبسة من القرآن الكريم، والحديث النبوى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

3 - إيجاز هذه الأمثال، واعتمادها على اللفظ القليل، والمعنى الكثير، أغرى بسرعة تداولها وحفظها، والتمثل بها، فى اللحظات المشابهة لما قيلت فيه.
4 - تعرضت هذه الأمثال لأحداث حدثت، ونطقت بها ألسنة المشاركين لهذه الأحداث، أو المشاهدين لها، أو السامعين لأوصافها، فكان ذلك دافعا إلى الحرص عليها، والتمسك بمعرفة أصولها ومناسباتها.
5 - كانت هذه الأمثال صورة واضحة لأحداث الحياة، وشخصياتها المتباينة، ففيها الرجل والمرأة، والكبير والصغير، والفتى والفتاة، والعالم والجاهل، والحاكم والمحكوم.
حقائق كثيرة نورد بعضها فى هذا المقام، تاركين لما نختاره من نماذج مهمة ألقت الضوء على ما تزخر به من صور رائعة لقيم رفيعة من القرآن والحديث، وما يعد أنموذجا للفكر العربى والعقلية العربية، وأسلوب الحياة فى تطبيقاتها العديدة على أيدى أفراد وجماعات، وأحداث فى الحياة، دون تكلف أو حاجة إلى معرفة قواعد نحوية، أو أوزان عروضية، أو أنماط من الأساليب تبعها الأدباء والعلماء.
هذا بالإضافة إلى أنها اتخذت فى أسلوبها الأعم والأغلب، أسلوب الأمثال الحكمية التى تعرض المعنى فى ثوب موجز من اللفظ، ولا تعرض صياغتها اللفظية على طريق الأمثال القرآنية القائمة على التشبيه التمثيلى، ومن وجود مشابهة بين حالين مختلفين، وإنما تكتفى بذكر قضايا مسلّمة محكوم بصحتها من واقع الحياة، ويمكن اللجوء إليها والاستشهاد بذكرها إذا كانت هناك حال مشابهة لها.

‌‌1 - المنهج الذى قامت عليه الأمثال:
‌‌أ- بناء الإنسان:
حددت هذه الأمثال بصورتها الموجزة، طريقها فى خدمة الحياة بكل متطلباتها، وذلك بالنظر إلى الإنسان وواقعه، ولم تخرج به إلى عالم الخيال، والعيش مع الأحلام والتمنيات، دعته إلى أن يكون إنسانا مكتمل الإنسانية، بعيدا عن الانزواء والجهالة، وأن يكون ذا شخصية لها سماتها البشرية من عقل مفكر، مبدع، مالك لزمام نفسه، متحكم فى نزواته وشهواته، له منهجه الواضح فى الحياة، لا يلتوى به الطريق، ولا تخدعه الأمانى والآمال الزائفة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

وبناء هذه الشخصية على أسس من الواقع والصلاحية للحياة عن طريق خبراتهم، وتجاربهم، ودعوات الحياة، وعلى هدى ما رسمه منهج القرآن الكريم، وما وصفه لنا من خلال الأمثال القرآنية التى تكلمت عن هذه الشخصية المسلمة، والنفس المسلمة التى صاغها القرآن الكريم فى أوامره وتكاليفه، وطبقها محمد وصحبه الكرام فى معالجة أوضار الحياة.
ونحن إذ نعرض لهذه الاتجاهات من خلال الأمثال العربية التى نسوقها فى ثوبها الذى وردت به، نلمس جانبا من تيارات ثقافتنا العربية له فى تكويننا العقلى مكانة لا تقل شأنا وأثرا عن مكانة الشعر، وبقية ألوان النثر، ولا أغالى إذ قلت: إن هذا الأثر سيظل قوى المفعول، محفورا مع الزمن فى العقل والوجدان؛ لأنه مأخوذ من الحياة، ومستمد من الأحداث، ومرتبط بالوقائع والواقع، فقد تلفظت به شفاه، وطبقه أشخاص، ورسمته فى دنيا الواقع أحداث كانت من الحياة وإلى الحياة تعود، وخاطبت العقلاء من القوم، صغيرهم وكبيرهم.
قامت الأمثال على مخاطبة الإنسان، والنظر إليه، وسبر أغواره، والإحاطة بشأنه، وتصوير أحواله النفسية، والوجدانية، والاجتماعية، والعقلية، وكل ما يتعلق به فى حياته الخاصة والعامة، خاطبت الإنسان الذى حظى بالتكريم من خالقه، ففضله على بقية مخلوقاته بتلك القيم التى يتمثلها فى حياته، ويطبقها فى معاملاته.
خلق الله الإنسان حرا، له إرادته الخاصة، واختياره فى الحياة، فهما، وسلوكا، وعملا، وعقيدة، دون أن يقع تحت تأثير معتقدات بالية تأتيه من كبير أو صغير، أو معبودات باطلة تسيء إلى آدميته، وفطرته، فطرة متحررة تعطيه هذا المدد من الحرية والاختيار فيما يملك من أدوات، واستخدام حواس خلقها الله له، وهيأها لخدمته، وقد لا تكون هذه الأدوات كافية للهداية والتوجيه فى الحياة، وقد يكون العقل قاصرا، فلا يبلغ بصاحبه إلى برّ الأمان الفكرى والعقدى، لذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يعالج هذا
القصور البادى فى الإنسان بإرسال الرسل الداعية إلى الخير، وعدم الاغترار بالعقل، والاستفادة من تجارب الآخرين فى الإلمام بشئون الحياة، وعدم الاستبداد بالرأى، والأخذ بنصح الناصح ما دام خالصا، هذا هو الإنسان السوىّ الذى يهدف إلى إبرازه وتكوينه المثل العربى فى تعبيره ورأيه.
يتصدر المثل العربى قائمة هذه النظرة بقوله:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

‌‌1 - دع امرأ وما اختار:
يرى ذلك التنديد بمن يهدرون قيمة الإنسان فى فكره المتحرر، ورأيه الذى ينبع من عقله، ويحاولون السيطرة عليه بالإرهاب الفكرى، وإملاء الإرادة، حتى لا تكون هناك شخصية متميزة متحررة، إنهم بذلك يمسخون هذه الشخصية، ويلغون صفاتها المتميزة فى فكرها الحر، وعملها المنطلق فى رحاب الحياة دون قيد أو عائق، يريدون أن يرسموا له الطريق، ويحددوا له الاتجاه، حتى يكون كالآلة الصماء التى تدور وتعمل تبعا لأوامر صانعيها.
وما هكذا الإنسان وما خلق له من تعمير للكون والحياة، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: 39 - 41].
فالإنسان مجزى بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والجزاء من جنس العمل، ف كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38]، وقد عبر عن ذلك مثل عربى آخر بقوله:

‌‌2 - يداك أوكتا وفوك نفخ:
ويضرب هذا المثل لمن يجنى على نفسه بأفعاله وأعماله، فهو بقصوره وتقصيره يتسبب فى إيذاء نفسه.
والإنسان بمسئولياته، وبتحمله لأعباء الحياة، وتفكيره، والجزاء فى الدنيا والآخرة مبنى على ما قدم بنفسه وبتفكيره الحر، دون سيطرة أو رقيب إلا من داخله، من أعماق نفسه، ومن معتقده، وهكذا تكون الانطلاقة الحرة المتمثلة مع الحياة المتطورة، وما تستدعيه من الفكر الحر، والاختيار المطلق الذى لا يتقيد إلا بتعاليم الدين وما يضعه من قواعد وتكاليف يحاسب عليها الإنسان من رب الإنسان ورب الأرض والسماء، رب العالمين يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: 30].
وأصل هذا المثل أن رجلا كان بجزيرة، فأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه، فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرج منه الهواء المضغوط، فغرق الزق، فاستغاث صاحب الزق برجل، فقال له: يداك أوكتا وفوك نفخ.
وإذا كانت الانغلاقة فى الفكر، والتقوقع فى الزمان والمكان، من الأمور المرفوضة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

فى حياتنا الحاضرة، فالانطلاقة البهيمية فى الشذوذ الفكرى، والتحرر من كل معتقد صائب، ومن كل دين وقيمة، لها من الخطورة والضياع ما للأولى من المهانة والاستخفاف بالإنسان وإمكانياته، وأولى بالإنسان أن يأخذ طريقه فى الحياة دون جهالة مميتة، أو عجب قاتل، حتى يكون كما قال الشاعر:
إذا المرء لم يدر ما أمكنه … ولم يأت من أمره أزينه
وأعجبه العجب فاقتاده … وتاه به العجب فاستحسنه
فدعه فقد ساء تدبيره … سيضحك يوما ويبكى سنه
وإذا كانت الحرية هى اللبنة الأولى فى بناء الإنسان، فإنها لا تكمل إلا إذا صحبتها عزمات قوية، وإحساسات بالكرامة التى ترتقى بالإنسان إلى عزة تنزهت عن الهون، وابتعدت عما يشين خلق الإنسان، أو يجعله مضغة فى الأفواه، أو يصمه بوصمة عار تنتقل من نفسه إلى عقبه، قوانين للحياة ليست غريبة عن دعوات الأديان، بل هى فى صميمها وجوهرها.
فكم من نداء ودعوة سمعناها من أفواه الرسل، عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهم يدعون قومهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم دون انتظار لمكسب مادى رخيص، أو ابتغاء أجر على دعوتهم، لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ [الأنعام: 90]، فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [غافر: 44].
وما لنا لا نذكر هذا الموقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستعرض ما تفتقت عنه حيل المشركين وتفكيرهم المريض، ليثنوه عن طريقه ودعوته، وقوله: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه»، مغريات الدنيا بما فيها من مال، ومكانة، وملك، لا تقف بصاحب العقيدة عن طريقه، أو تبعده عن مسلكه الذى هيأه الله.
وهكذا طريق الإنسان الحر الكريم على نفسه وعلى قومه، سواء كان رجلا أو امرأة، طريق سلكه أولئك العظماء من الذين مهدوا الطريق وساروا، فلم يهنوا ولم يضعفوا، ولم يقفوا أمام مغريات الدنيا بمختلف ألوانها وصنوفها، موقف الخاضع لها، الذليل أمام مغرياتها، وقد نطقت بذلك أمثال العرب فى هذا المنحى الكريم، فقالت كما روت ذلك كتب الأدب:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

‌‌3 - تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها (1):
وتفسيره: أى لا تأكل بما يدره عليها ثدياها من أجرة الرضاع للأطفال، وإن آلمها الجوع.
وأصل هذا المثل أن الحارث بن سليل الأسدي زار حليفه علقمة بن خصفة الطائى، فرأى ابنته الزباء، فأعجب بها، وطلب من أبيها أن يزوجه إياها، فقال له أبوها: أنت كفء
كريم، ولك من حسبك ومنصبك وبيتك ما يرغب فيك، ولكن أقم حتى ننظر فى أمرك، ودخل على زوجته يستشيرها فى الأمر، ويعلمها بعزمه على تزويج ابنته بالخاطب، فقالت له: لا تفعل حتى نعرض الأمر على ابنتنا، فقالت الأم لابنتها: أىّ الرجال أحبّ إليك؟ الكهل المتاح، أم الفتى الوضاح؟ قالت: لا، بل الفتى الوضاح (2)، قالت: إن الفتى يغيرك، وإن الشيخ يميرك (3)، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحدث السن الكثير المنّ، قالت: يا أماه، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاء أينق الكلأ، قالت: أى بنية، إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، قالت: إن الشيخ يبلى شبابى، ويشمت بى أترابى.
فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على أمرها، فتزوجها الحارث، ورحل بها إلى قومه، وبينما هو جالس فى فناء بيته، إذ أقبل بعض الشباب من بنى أسد قومه، فى فتوتهم وقوتهم، فتذكرت حالها، وقارنت بين حاليها، فبكت على شبابها الضائع مع رجل كهل، فلما رأى زوجها ذلك قال لها: ثكلتك أمك، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ثم قال لها: الحقى بأهلك، لا حاجة لى فيك، وقال:
تهزأت أن رأتنى لابسا كبرا … وغاية الناس بين الموت والكبر
فإن بقيت لقيت الشيب راغمة … وفى التعرف ما يمضى مع العبر
فإن يكن قد علا رأسى وغيره … صرف الزمان وتغيير من الشعر
فقد أرواح للذات الفتى جذلا … وقد أصيب بها عينا من البقر--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب ألوان (ص 82).
(2) الوضاح: الحسن الوجه.
(3) يميرك: يقدم لك أطيب الطعام ويميرك فى المعاملة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

عنى إليك (1) فإنى لا يوافقنى … عور الكلام (2) ولا شرب على الكدر
وإذا كانت سمة الإنسان فى الحياة، إرادة وكرامة فوق حرية يتمتع بها، فى قوله وعمله ومسلكه، فإنها أيضا لا تكمل بمعناها الواسع إلا إذا اتصلت بالحياة بناء وعملا نافعا، ومشاركة إيجابية فى الحياة تمد يد العون لمن يحتاج، وتقدم الخير للجميع، ولا تبخل بعطاء، ولا تضن عن مشاركة، هو إنسان لم يخلق لنفسه فقط، وإنما هو سبيل سعادة الآخرين، وحياة لمن يبغى الحياة، وسلم لمن يريد الطمأنينة فى يومه وغده، وهو كما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديثه، جليس صالح بكل ما تحمله هذه الكلمة البناءة من معانى النفع، والخير، والهداية، والأثر الطيب فى النفس وفى الآخرين: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافح الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة … ».
إنسان يعمل ويحفظ ماء وجهه من السؤال والشحاذة، ويحفظ غيره من الضياع، ويفيد الآخرين بألوان الخير والمنفعة، ويترك بصماته فى كل شىء علما، ورزقا، وخيرا، واجتهادا، وقدوة، أليس هذا هو ما يدعو إليه القرآن والرسول فى العمل الطيب، والنفقة، والبذل، والعطاء، والأجر المضاعف لصاحبه فى جميع مجالات الحياة. وقد جاء المثل العربى مصورا هذا الاتجاه فى قوله:

‌‌4 - رب زارع لنفسه حاصد سواه:
وأصل هذا المثل أن صعصعة بن معاوية ذهب إلى عامر بن الظرب، يخطب ابنته، فقال: يا صعصعة، إنك جئت تشترى منى كبدى، وأرحم ولدى عندى، النكاح خير من الأيمة، والحسيب كفء الحسيب، والزوج الصالح يعد أبا، وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك.
ثم قال لقومه: يا معشر عدوان، أخرجت من بين أظهركم كريمتكم على غير رغبة عنكم، ولكن من خط له شىء جاءه، رب زارع لنفسه حاصد سواه.
فلولا قسم الحظوظ على غير الحدود ما أدرك الآخر من الأول شيئا يعيش به، ولكن--------------------------------------------
(1) عنى إليك: ابتعدنى عنى.
(2) عور الكلام: يقصد به القبائح والأمور التى تنكرها الطبائع السليمة الشريفة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

الذى أرسل الحيا (1) أنبت المرعى، ثم قسمه أكلا، لكل فم بقلة، ومن الماء جرعة.
وقد يعمل الإنسان عملا صالحا يحتاج إلى تأن فى جنى ثماره، والوصول إلى نتائجه، فأولى به أن لا ييأس من بلوغ الهدف، وأن يقف موقف الآمل فى تحقيق الرجاء، دون استسلام لهوى، واستعجال لنتائج قد تتأخر، أو قد يعوقها عائق عن سرعة الإنجاز وتحقيق المراد، وأما إذا تحكمت فيه شراهة النفس، وتعجل أموره، فلن يكون حاله إلا كحال من عبر عنه المثل العربى:

‌‌5 - استعجلت قديرها فامتلت:
فقد أبت نفسها الشرهة إلا أن تحقق مغنمها سريعا دون انتظار لنضج اللحم فوق النار فى قدرها، فأخذت بعض ما فيه ووضعته فى الرماد الحار لتأكله سريعا، وبذلك فاتها الكثير من أجل القليل.

‌‌ب- الإنسان والمجتمع:
وهكذا تصور الأمثال العربية النفس السوية فى منهجها فى الحياة، وطريقتها فى معالجة شئونها، ويبقى بعد ذلك أن تتلاءم مع الآخرين الذين يعيشون معها فى ظل مسئوليات ضخام تحتاج إلى أسلحة مادية، وطريقة ناجحة، وإعداد نفسى.
وقد يستدعى ذلك بعض التنازلات من قبل صاحبها فى سبيل اندماجه فى محيطه، وتحمله لأعباء الآخرين.
وهكذا الحياة بقوانينها والتزاماتها تأبى إلا أن تستوفى حقها كاملا من الإنسان السوى بإتمام العمل وإتقانه، والشجاعة فى تحمل مسئولياته، والإخلاص فى إنفاذه، والخبرة بأموره.
وكل هذه وفق منهج قرآنى استقر فى أعماق النفس البشرية والإنسانية من قديم الزمن وحديثه، وتعرضه الأمثال العربية بتلك الكلمات البسيطة:

‌‌6 - أعط القوس باريها:
فصانع القوس أدرى بأسراره، وأعلم بإمكاناته، وهو الذى يستطيع أن يصلح عيوبه.--------------------------------------------
(1) الحيا: المطر. انظر: كتاب ألوان (ص 29).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)