Arabic source text

📘 আল-মাওসূআতুল আকাদিয়্যাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 الموسوعة العقدية (مجموعة من المؤلفين)

📘 আল-মাওসূআতুল আকাদিয়্যাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فالبدعة تنقسم باعتبار فعلها إلى فعلية، وتركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم. فإن الفعل مثلاً قد يكون حلالاً بالشرع، فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصداً بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأم يعتبر مثله شرعاً أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حجر فيه، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني من أجل أنه يضره في جسمه، أو عقله، أو دينه وما أشبه ذلك. وكالذي يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصاباً بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه. فلا مانع من الترك. بل إن قلنا يطلب التداوي للمريض كان الترك هنا مطلوباً، فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات وأصله قوله عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) (1).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5065)، ومسلم (1400). من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 485)

ذلك أن يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس، كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان. فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذراً من الوقوع في الحرام، واستبراء للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعاماً لا يدري أهو له أو لغيره، وكمن أراد أن يتزوج امرأة فأخبرته امرأة أنها أرضعتها ولا يعلم صدقها من كذبها، فإن ترك أزال عن نفسه الشك، وإن تزوجها فإن نفسه لا تطمئن إلى حلِّها. وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تديناً أو لا، فإن لم يكن تديناً، فالتارك عابث بتحريمه الفعل، أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إلا على الرأي القائل: إن البدع تدخل في العادات، أما على الآخر فلا. لكن التارك يصير عاصياً بتركه، أو اعتقاده التحريم فيما أحل الله، وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين على كلا الرأيين، إذ قد فرضنا الفعل جائزاً شرعاً فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل. كترك كثير من العباد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكاً وتعبداً لله بتعذيب النفس وحرمانها. اتبعوا في هذا سنن من قبلهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع كعباد بني إسرائيل، ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها عن بعض الوثنيين من البراهمة الذين يحرمون جميع اللحوم، ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من اللذات، وقهر الإرادة بمشاق الرياضات، وكترك أهل الأستانة أكل لحم الحمام فهو يفرخ في مساجدهم وبيوتهم ولا يأكل أحد منه شيئاً، بل يتحرجون من أكله وينكرونه، فإن كان تركهم له تديناً لاعتقادهم حرمته فهو بدعة تركية وإلا فلا، مع عصيانهم باعتقاد التحريم فيما أحل لهم، وفي نحوهم نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87]. فنهى أولاً عن تحريم الحلال، وأشعر ثانياً بأن ذلك اعتداء، وأن من اعتدى لا يحبه الله. لأن بعض الصحابة أراد أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر أكل اللحم، وآخر إتيان النساء، وبعضهم همَّ بالاختصاء مبالغة في قطع الميل إلى النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما بال أقوام يقول أحدهم: كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) متفق عليه من حديث أنس (1). فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه. والعامل بغير السنة تديناً هو المبتدع بعينه، وكذلك ترك المطلوبات الشرعية وجوباً أو ندباً يسمى بدعة إن كان الترك تديناً. لأنه تدين بضد ما شرع الله. أما تركها كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في اجب فمعصية وإلا فلا.
مثال الترك تديناً أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حددوه، وذلك هو الضلال البعيد. فإن الله جلت حكمته كلف عباده كافة بما شاء، ولا يسقط التكليف إلا بزوال العقل، فلو بلغ المكلف من مراتب الكمال ما بلغ بقي التكليف عليه إلى الموت، ولم يبلغ أحد من الكمال مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مرتبة أصحابه الأطهار الأخيار، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة، إلا ما لا طاقة له به، كالزَّمِنِ لا يطالب بالجهاد، والمقعد لا يطالب بالصلاة قائماً، والحائض لا تطالب بالصلاة حال الحيض، وما إلى ذلك من الأعذار، فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين نعوذ بالله من الضلال. وبعض الروافض الذين يدينون بشهادة الزور لموافقيهم في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه (2).
أما عن البدعة الفعلية فهي كثيرة، ومنها اختراع أحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يزيد في وقت الصيام المحدد من اليوم، أو يصلي في أوقات النهي عن الصلاة، أو يصوم في أوقات النهي عن الصيام، أو يدخل في الدين ما ليس منه من الآراء أو الأفعال (3). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص 97--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401).
(2) ((الإبداع في مضار الابتداع)) لعلي محفوظ (51 - 53).
(3) ((البدعة)) لعزت عطية (357 - 358).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 486)

‌‌المطلب الثالث: انقسام البدعة إلى اعتقادية وعملية
فالاعتقادية كمقالات الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم. ومثلها من الفرق التي ظهرت في هذا العصر القاديانية، والبهائية، وكذا جميع الفرق الباطنية المتقدمة كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، وغلاة الرافضة، وغيرهم من فرق الكفر والبدع والضلال.
أما العملية فتحتها أنواع:
النوع الأول: بدعة في أصل العبادة بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة، أو صياماً غير مشروع، أو أعياداً غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلاً.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة، بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فإذا أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل (1). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص 100--------------------------------------------
(1) انظر: ((مجلة الدعوة)) العدد 1139 - 9 رمضان 1409هـ - مقال الدكتور صالح الفوزان في أنواع البدع.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 487)

‌‌المطلب الرابع: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية
تتفاوت البدع فيما بينها من ناحية آثارها، ومن ناحية الخلل الواقع بسببها في الشريعة.
فإذا كانت البدعة لا يقتصر أثرها على المبتدع بل يتعداه إلى غيره كانت كلية لسريانها في كثير من الأمور، أو بين كثير من الأفراد. كبدعة التحسين والتقبيح بالعقل بدلاً من الشرع، وبدع إنكار حجية خبر الآحاد، أو إنكار وجوب العمل بما يقتضيه ونحو ذلك.
أما إذا كانت قاصرة على المبتدع لا تتعداه إلى غيره فهي بدعة جزئية، كرجل التزم مخالفة للسنة على أنها من الأمور الحسنة في نظر الشرع، ولا يمتد أثر هذه المخالفة إلى غيره لكونه لا يؤبه له، وليس ممن يقتدى بهم فيما يرون من آراء أو يؤدون من أعمال (1). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص 101--------------------------------------------
(1) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 59). ((البدعة)) لعزت عطية (ص: 359).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 488)

‌‌المطلب الخامس: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة
تكون البدعة بسيطة إذا كانت مجرد مخالفة يسيرة، لا تستتبع مخالفات أخر، كمن يتبع النفل الفرض بلا فاصل من تسبيح ونحوه أو يفعل ما يماثل ذلك.
وتكون مركبة إذا اشتملت على عدة بدع تداخلت وصارت كأنها وحدة واحدة، كاعتقاد الشيعة عصمة الإمام وانتشار كثير من البدع بينهم على أساس هذا الاعتقاد، وما شابه ذلك من البدع (1). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص 101--------------------------------------------
(1) ((البدعة)) لعزت عطية (ص: 359).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 489)

‌‌المطلب السادس: تقسيم البدعة إلى صغيرة وكبيرة
تنقسم البدعة إلى صغيرة وكبيرة اعتباراً بتفاوت ودرجاتها. وهذا مبني على القول بأن المعاصي تنقسم إلى صغيرة وكبيرة وهو الصحيح إن شاء الله.
وقد اختلف العلماء في تمييز الصغيرة من الكبيرة بالنسبة للمعاصي، ولا يتسع المقام لذكر هذا الخلاف، وأقرب وجه يلتمس لهذا ما تقرر عند أهل العلم من أن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة. وهي الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، وكل ما نص عليه راجع إليها، وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها، وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه. فلذلك نقول في كبائر البدع: ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة، وما لا فهي صغيرة.
وإن كان قياس البدع على العبادات في انقسامها إلى صغيرة وكبيرة قد يرد عليه اعتراض خلاصته أنه قد يقال: إن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما أصلاً وإما فرعاً، لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه، أو نقصاناً منه، أو تغييراً لقول فيه، أو ما يرجع إلى ذلك، وليس ذلك مختصاً بالعبادات دون العادات، إن قلنا بدخولها في العادات بل تمنع الجميع. وإذا كانت بكليتها إخلالاً بالدين فهي إذاً إخلال بأول الضروريات وهو الدين، وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة، وقال في الفرق: ((كلها في النار إلا واحدة)) (1) ، وهذا وعيد أيضاً للجميع على التفصيل. هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر، كما أن القواعد الخمس أركان الدين، وهي متفاوتة في الترتيب، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها مع الإخلال، فكل منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة.
ويجاب عن هذا الاعتراض بأنه يمكن إثبات البدعة الصغيرة من أوجه أحدها: أن نقول: الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال، ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة، فالقتل كبيرة، وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها، وقطع عضو واحد كبيرة دونها، وهلم جراً إلى أن تنتهي إلى اللطمة. ثم إلى أقل خدش يتصور، فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة كما قال العلماء في السرقة، إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال. فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر، وهذا في ضرورة الدين أيضاً.
واستطرد الشاطبي رحمه الله في بيان هذا الوجه إلى أن قال:--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه (3993) وأحمد (3/ 120) (12229) والطبراني في ((الأوسط)) (8/ 22) وأبو يعلى (7/ 32) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال العراقي في ((الباعث على الخلاص)) (ص: 16): إسناده صحيح، وقال ابن كثير في ((نهاية البداية والنهاية)) (1/ 27): إسناده جيد قوي على شرط الصحيح، وقال السخاوي في ((الأجوبة المرضية)) (2/ 569): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). والحديث روي من طرق عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 490)

(قال ابن رشد: جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى، لأن ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد من السلف، والصحابة المرضيين، وهو من محدثات الأمور … انتهى). فمثل هذا إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به أثر فيقال في مثله: إنه من كبار البدع. كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ونحوها، بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه، وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة الدين، فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب، فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة.
والثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة، وإلى جزئية، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كلياً في الشريعة، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين، وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعاً من فروع الشريعة دون فرع، بل نجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئياً، وإنما يأتي في بعض الفروع دون بعض، كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك: التثويب ضلال، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين، وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين، وما أشبه ذلك. فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها، ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلاً لها (1).
فالقسم الأول: أعني البدعة الكلية، لاشك أنها من الكبائر، ويكون ما عدا ذلك - أي الجزئية - من قبيل اللمم أي الصغائر التي يرجى فيها العفو، وهذا كله مع عدم الإصرار.
والثالث: أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر، ولا شك أن البدع من جملة المعاصي – على مقتضى الأدلة المتقدمة – ونوع من أنواعها، فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضاً، ولا نخصص وجوهاً بتعميم الدخول في الكبائر، لأن ذلك تخصيص من غير مخصص، ولو كان ذلك معتبراً لاستثنى من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم قسم البدع، فكانوا ينصون على أن المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام، فظهر أنه شامل لجميع أنواعها.
وإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة فذلك بشروط:
أحدها: أن لا يداوم عليها، فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه، لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. فكذلك البدعة من غير فرق، إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها، وقد لا يصر عليها، وعلى ذلك ينبني طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها أو عدمه، بخلاف البدعة فإن شأنها المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها، وأن تقوم على تاركها القيامة، وتنطلق عليه ألسنة الملامة. ويرمى بالتسفيه والتجهيل، وينبز بالتبديع والتضليل، ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة، والمقتدى بهم من الأئمة. والدليل على ذلك: الاعتبار والنقل، فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة، أو لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار، ومن طالع سير المتقدمين وجد من ذلك ما لا يخفى.--------------------------------------------
(1) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 60).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 491)

وأما النقل فما ذكره السلف من أن البدعة، إذا أحدثت لا تزيد إلا مضياً، وليست كذلك المعاصي. فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله، بل قد جاء ما يؤيد ذلك في حديث الفرق حيث جاء في بعض الروايات ((تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه)) (1) ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع لا توبة له. وسيأتي لذلك مزيد بيان عند الكلام في خطورة البدع.
والشرط الثاني: أن لا يدعو إليها. فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة، ثم يدعو مبتدعها إلى القول والعمل على مقتضاها، فيكون إثم ذلك كله عليه، فإنه الذي أثارها، وسبب كثرة وقوعها والعمل بها، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.
والشرط الثالث: أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس، أو المواضع التي تقام فيها السنن. وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به، أو ممن يحسن به الظن، فذلك من أضر الأشياء على سنن الإسلام فإنها لا تعدو أمرين:
إما أن يقتدى بصاحبها فيها، فإن العوام أتباع كل ناعق، لاسيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس، والتي للنفوس في تحسينها هوى، وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه، لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم الوزر.
وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها بالتصريح. لأن إظهار البدع في أماكن إقامة الشعائر الإسلامية يوهم أن كل ما أظهر فيها فهو من الشعائر، فكأن المظهر لها يقول: هذه سنة فاتبعوها.
والشرط الرابع: أن لا يستصغرها، ولا يستحقرها، وإن فرضناها صغيرة فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فكان ذلك سبباً لعظم ما هو صغير.
فإذا توافرت هذه الشروط فإن هذه البدع تكون صغيرتها صغيرة، فإن تخلف شرط منها أو أكثر صارت كبيرة، أو خيف أن تصير كبيرة كما أن المعاصي كذلك (2). ا. هـ. تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص: 102--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4597)، وأحمد (4/ 102) (16979) ، والدارمي (2/ 314) ، والحاكم (1/ 218). من حديث معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذه أسانيد تقام به الحجة في تصحيح هذا الحديث. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (96) – كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال ابن كثير في ((النهاية)) (1/ 27): إسناده حسن. وحسنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)).
(2) انظر: ((الاعتصام)) (2/ 57 - 71).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 492)

‌‌المطلب السابع: انقسام البدعة إلى عبادية وعادية
العبادة هي التي يقصد بها فاعلها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عرفها السلف بأنها اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأفعال، الظاهرة والباطنة (1). وهي مبنية على أصلين:
أحدهما: إخلاص العبادة لله وحده.
ثانيهما: تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما العادية: فهي ما لا يقصد منه التقرب إلى الله تعالى، أي إنها بحسب أصلها الموضوعة له، لم يقصد بها ذلك وإن صح فيها التقرب باعتبار أمر غير لازم لها وهي الأمور الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر المعاملات الدنيوية التي هي طرق لنيل الحظوظ العاجلة، مثل العقود على اختلافها والتصاريف المالية على تنوعها. ولا خلاف بين العلماء في حدوث الابتداع في العبادات ووقوعه، سواء أكانت العبادات أعمالاً قلبية وأموراً اعتقادية، أم كانت من أعمال الجوارح قولاً أو فعلاً. كمذهب القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة وكذلك مذهب الإباحية (2).
وإنما اختلف الناس في وقوع الابتداع في العاديات، والذي عليه التحقيق أن البدعة ترجع إلى اختراع عبادة لم تكن معروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يرد بها نقل صحيح، ولا تدل عليها أدلة شرعية معتبرة، فهي أولاً خاصة بما يتعبد به. وإذن فلا ابتداع في العادات، ولا في الصناعات، ولا في وسائل الحياة العامة.
والقائلون بإمكان وقوع البدع في العاديات بنوا قولهم على أن الشريعة جاءت وافية ببيان القوانين التي بها صلاح الناس في أمور المعاش والمعاد، فالعادات كالعبادات كلاهما مشروع، فكما أنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العادات. فإذا جاز إمكان الابتداع فيما هو عبادة جاز فيما هو عادي من الأمور التي يقصد بها صلاح الدنيا. وهذا القول مردود، فإنه لو جاز ذلك لجاز أن تعد كل العادات التي حدثت بعد الصدر الأول من المآكل والمشارب، والملابس والمسائل النازلة بدعاً والتالي باطل.
أما الملازمة فلأن مناط الابتداع حينئذ على إحداث الطرائق الدينية عبادة كانت أو عادة، وهذه المذكورات كذلك. وأما بطلان التالي فلوجهين:
الأول: أنه لو عدت هذه المذكورات من البدع لكان كل من تلبس بشيء منها مخالفاً لما كان عليه الصدر الأول وهو موجب للذم، وهذا من الشناعة بمكان. فإن العادات من الأمور التي تدور مع الأزمنة والأمكنة، فللناس في كل زمان وفي كل مكان عادات مختلفة، وهم مع كل هذه العادات – حيث حوفظ فيها على القوانين الشرعية الجارية على مقتضى الكتاب والسنة – على تمام الموافقة للصدر الفاضل.
الثاني: إن عدّ هذه بدعاً يؤدي إلى نسبة الحرج والتضييق إلى الشريعة، فإن في التزام الزي الواحد، والحالة الواحدة، والعادة الواحدة تعباً ومشقة قضت به الشريعة، وإنما كان الالتزام كذلك لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع والأحوال (3).--------------------------------------------
(1) ((العبودية)) لابن تيمية (ص: 38).
(2) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 73) بتصرف.
(3) ((الابداع في مضار الابتداع)) لعلي محفوظ (ص: 64).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 493)

فإن قال قائل إنه قد جدت بدع في العاديات، نحو المكوس والمظالم المحدثة، وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة، واتخاذ المناخل، وغسل الأيدي بالصابون، ولبس الطيالس، وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك من الأمور التي لم تكن في الزمن الفاضل، ولم يفعلها السلف الصالح فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت، فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة فقد رده أرباب الطريقة الأولى. قالوا لا نسلم أن هذه المذكورات مما وقع فيه الابتداع لأنها مخالفات للشرع، ومعاصي في الجملة، وليس كل معصية بدعة، سلمنا وقوع الابتداع فيها، لكن لا من حيث كونها عادية، بل من حيث كونها تعبدية. قال في الاعتصام ما محصله: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد، لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات، والصلوات، والصيام والحج كلها تعبديات، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات، والجنايات كلها عاديات لأن أحكامها معقولة المعنى، ولابد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها. فالقسمان مشتركان في معنى التعبد، والابتداع إنما يتصور دخوله في القسم الثاني من جهة التعبد فيه لا من جهة كونه عادة.
فمثل المكوس إذا نظر إليها من جهة كونها عادة، أي أنها ظلم كسائر المظالم. مثل الغصب والسرقة، وقطع الطريق، فلا يدخلها الابتداع إذ هي من هذه الجهة مما يتناولها نهي الشارع عن أكل أموال الناس بالباطل، وليس فيها جهة تشريع، وإنما يتصور دخول الابتداع في المكوس إذا لوحظت من جهة أنها وضعت على الناس كالدين الموضوع، والأمر المحتوم عليهم دائماً، أو في أوقات محدودة، على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي تحمل عليه العامة، ويؤخذون به، وتوجب على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فإنها من هذه الجهة تكون شرعاً مستدركاً، إذ هي حينئذ تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة، والغرامات المحكوم بها في الأموال.
ففي المكوس على هذا الفرض جهتان: كونها محرمة كسائر أنواع الظلم، وجهة كونها اختراعاً لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت، كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نهي عن المعصية، ونهي عن البدعة، وليس ذلك موجوداً في البدع العبادية. وإنما يوجد فيها النهي من جهة كونها تشريعاً موضوعاً على الناس، أمر وجوب أو ندب. إذ ليس فيها جهة أخرى تكون بها معصية، بل التشريع نفسه هو الممنوع نفسه، فالعاديات من حيث هي عاديات لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها، أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة، وكذا تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها بطريق التوارث هو من هذا القبيل. فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتياً في الدين، أو حاكماً في الدماء، والأبضاع، والأموال مثلاً محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ ديدناً حتى يصير الابن مستحقاً لرتبة الأب بطريق الوراثة وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بحيث يشيع ذلك العمل ويطرد ويعده الناس كالشرع الذي لا يخالف فهو بدعة بلا إشكال.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 494)

وأما اتخاذ المناخل. فإن فرض كونه مباحاً كما قالوا فإنما إباحته بدليل شرعي فلا ابتداع، وإن فرض كونه مكروهاً كما أشار إليه محمد بن أسلم فوجه الكراهة عنده كونها عدت في الأثر الآتي من المحدثات. والظاهر أن الكراهة من ناحية السرف والتنعم الذي أشار إلى كراهته قوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا … [الأحقاف: 20]. لا من جهة أنه بدعة محدثة، وكذا يقال في باقي الأمثلة.
وجملة القول أن الابتداع إن دخل في الأمور العادية فهو لما فيها من معنى التعبد، فرجع الأمر إلى أن الابتداع المذموم لا يكون في العادي المحض، كالمخترعات في أمور الدنيا التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وترقى برقى الأمم والشعوب.
ولما كانت بذلك لا يمكن للناس حصر جزئياتها، ويعسر عليهم أن يتقيدوا بجزئيات مخصوصة منها ترك الشارع التصرف لكل أمة تدير شؤونها بما يوافق زمانها، وجاءهم بقواعد كلية تنطبق على كل أمة، وتصلح لكل زمان، فجعل العدل أساس الأعمال. واتقاء الشر مقدماً في أي حال من الأحوال، فمتى كان ذلك قصد الناس في أمورهم الدنيوية فليخترعوا ما شاءوا من الطرق النافعة، وليبتدعوا ما أرادوا من الحيل والأساليب الصحيحة، فإنه لا حجر في ذلك. أما إذا جاوز المخترعون العدل باختراعهم. وانصرفوا إلى الشر والإفساد في ابتداعهم، فتلك سنة سيئة ((ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)) (1).
ومما تقدم من الكلام على حكم الابتداع في نحو لبس الثياب، والأكل، والشرب، والمشي، والنوم، يتضح أن هذه أمور عادية، وقد دخلها التعبد، وقيدها الشارع بأمور لا خيرة فيها كنهي اللابس عن إطالة الثوب، وطلب التسمية عند الأكل والشرب، والنهي عن الإسراف فيهما، والنهي عن النوم عارياً على سطح ليس ستر، إلى غير ذلك من القيود التي قيد بها الشارع، فالأمور المذكورة عادية، ومن هذه الجهة لا يدخلها الابتداع، وإنما من الجهة التي رسمها الشارع فيها. فإذا خولف بها الوجه المشروع، واعتبر ذلك ديناً يتقرب به إلى الله تعالى كانت بدعاً، بل هي معصية وابتداع باعتبارين كما سبق في وضع المكوس. فهي باعتبار مخالفتها الأمر والنهي عصيان، ومن حيث التقرب بها إلى الله تعالى من الجهة المضادة للطريق التي رسمها تكون مذمومة. تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص 106--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1017) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 495)

‌‌المبحث الخامس: حكم البدعة
معلوم أن النهي عن البدع قد ورد على وجه واحد، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) (1). وهذا عام في كل بدعة.
وقد فصل الإمام الشاطبي رحمه الله القول في أحكام البدعة تفصيلاً لا يبقى بعده مجال للشك بأن كل بدعة محرمة. وإذا سلمنا أن منها ما هو مكروه فهو كراهة تحريم وليس كراهة تنزيه …
قال الشاطبي: (ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة، فيبقى حكم الكراهية، وحكم التحريم. فاقتضى النظر انقسام البدعة إلى قسمين: فمنها بدعة محرمة، ومنها بدعة مكروهة. وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات، لا تعدو الكراهة والتحريم، فالبدع كذلك هذا وجه.
ووجه ثان: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة، فمنها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا [الأنعام: 136].
وقال تعالى: مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة: 103] (2)).
قلت: ويلحق بالبحيرة والسائبة وما ذكر بعدهما ما يفعله المريدون في هذا الزمان من شيوخ الطرق الصوفية من النذور لمشايخهم، ووقف بعض أموالهم عليهم في الحياة وبعد الممات، حيث يعتنى بهذه الأموال كل العناية، فتترك بعض المواشي بحيث لا تحلب، ولا تركب، ولا تذبح، ولا يؤخذ صوفها ولا وبرها، ولا يتصرف فيها حتى تصل إلى مقام الشيخ أو تترك حتى تموت.
وقد حدثني بعض من هداهم الله إلى الحق بعد أن كان مغرقاً في التصوف أنه كان يخصص جل أمواله لشيخ الطريقة ويكتفي منها بما يسد رمقه ورمق عياله. وقال لي بعضهم - وكنت في زيارة لبعض البلاد الإسلامية -: إنه يخصص ثلث ماله لشيخ الطريقة، وذكر لي غير واحد ممن أثق به أن شيوخ الطرق يرهبونهم، ويهددونهم بالانتقام، وحدوث المصائب العظام، إذا لم يهبوا بعض أموالهم للشيخ، وقد يدعي زوراً وبهتاناً أنه من ذوي الشرف والسيادة - أي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بقصد ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل. والله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا [النساء: 29 - 30].--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4607) وابن ماجه (42) وأحمد (4/ 126) (17184) وابن حبان (1/ 178) والطبراني (18/ 245) والحاكم (1/ 176) من حديث العرباض بن سارية، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي، وحسنه البغوي في ((شرح السنة)) (1/ 181) وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)): ثابت صحيح، (2/ 1164) وصححه ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (20/ 309) وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). وروى مسلم في ((الصحيح)) (867) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: (( … وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة … )).
(2) انظر: ((الاعتصام)) (2/ 36 - 37).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 496)

إن صرف هذه النذور والأموال لأصحاب القبور هو الشرك الأكبر بعينه. والكفر البواح الذي من أجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، فإلى متى يسكت علماء المسلمين عن هذا الشرك وذلك الضلال المبين، فاستيقظوا يا حماة التوحيد، واصدعوا بالحق يا رجال العقيدة، فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: 94].
ثم نعود إلى الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يضرب أمثلة على البدع المكفرة والمخرجة عن الملة حيث يقول: (وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا شك فيه أنه كفر صراح) (1).
قلت: ومن الفرق المارقة من الدين بإجماع المسلمين فرق الباطنية من إسماعيلية، وقرامطة، ودروز، ونصيرية، وغلاة الرافضة القائلين بارتداد الصحابة، ونقص القرآن الكريم، ودعوى العصمة لغير الأنبياء، ونحو ذلك من كفرياتهم. وكذا من ظهر في هذا العصر من الفرق المارقة الملحدة مثل القاديانية والبهائية ومن على شاكلتها.
إذاً فالقسم الأول من البدع هي تلك البدع المكفرة بدون شك أو ريب كما أسلفنا. ثم بين الشاطبي القسم الثاني وهو ما دون الكفر، أو المشكوك في كفر صاحبه من عدمه. ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو يختلف هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج، والقدرية، والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية اتفاقاً وليست بكفر، كبدعة التبتل، والصيام قائماً في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع، ومنها ما هو مكروه، كقراءة القرآن بالإدارة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة.
فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، فلا يصح مع هذا أن يقال: إنها على حكم واحد، هو الكراهة فقط، أو التحريم فقط (2).
ثم يذكر الشاطبي وجهاً ثالثاً لبيان أحكام البدع فيقول: (إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينيات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن للمكمل أن يكون في رتبة المكمَّل، فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد، فقد ظهر تفاوت رتبة المعاصي والمخالفات. وأيضاً فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه، فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين، وليس تستصغر حرمة النفس جنب حرمة الدين، فيبيح الكفر الدم، والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين.
ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص؟ فالقتل بخلاف العقل والمال، وكذلك سائر ما بقي، وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ولا الخدش كقطع العضو، وهذا كله محل بيانه الأصول.
وإذا كان كذلك فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثلها في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات - أي أنه إخلال بها -، ومنها ما يقع في رتبة الضروريات، ومنها ما يقع في الدين، أو النفس، أو النسل، أو العقل، أو المال) (3).
وإليك أخي القارئ تلخيصاً للأمثلة التي أوردها الإمام الشاطبي رحمه الله لبيان تأثير البدع على الكليات الخمسة وغيرها من الأضرار مع زيادة نافعة إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 37).
(2) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 37).
(3) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 38 - 39).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 497)

1 - مثال الابتداع في الدين: تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. والمقصود بذلك تحريم ما أحل الله بقصد التقرب به إلى الله تعالى مع كونه حلالاً. قلت ويلحق بهذا نحلة الطائفة التي يسمى أهلها بالنباتيين الذين يحرمون اللحوم وكل ما لم يكن نباتياً، ويقال إن منهم أبا العلاء المعري ومن على شاكلته من الفلاسفة.
2 - ومثال وقوعه في النفس: نحل الهند في تعذيبهم أنفسهم بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، بأنواع القتل التي تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود، كالإحراق بالنار، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلا في زعمهم، والفوز الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة.
قلت: ويلحق بهؤلاء بعض غلاة الشيعة - الرافضة - الذين يجتمعون في اليوم العاشر من المحرم بمناسبة استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه فيضربون أنفسهم بالحديد، والأخشاب، بدعوى الحزن كل ما تمر هذه المناسبة (1). وكذلك بعض المتصوفة الذين اختاروا لأنفسهم طريق التقشف، والعيش في الغابات والبراري وهم حفاة عراة، وكل ذلك قلدوا فيه طوائف الهندوك، والبوذيين ومن على شاكلتهم.
3 - ومثال ما يقع في النسل: ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيها، ومعمولاً بها، ومتخذة فيها كالدين المنتسب، والملة الجارية التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام، ولا غيره، بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا، وهو على أنواع، فقد روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:
(الأول منها: نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
والثاني: نكاح الاستبضاع. كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا نكاح الاستبضاع.
والثالث: أن يجتمع الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع منهم رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحب باسمه فيلحق به ولدها فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.
الرابع: أن يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت أحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم) (2).
قلت: ويلحق بهذا نكاح المتعة الذي حرمه الإسلام، كما دلت عليه السنة الصحيحة. ومع هذا فهو من أفضل الأنكحة عند الرافضة إلى اليوم.
4 - ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15].--------------------------------------------
(1) ((مقتل الإمام الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر)) لمرتضى عياد (ص: 12 - 40).
(2) الحديث رواه البخاري (5127).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 498)

وقال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]. وقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلّهِ [يوسف: 40] ، وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في الاستقلال بالتشريع، وأنه محسن ومقبح في دين الله، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه. ومما لاشك فيه أن العقل يدرك الحسن والقبح في الجملة، لكنه لا يستقل بالحكم دون الشرع كما تقوله المعتزلة، ومن تحكيم العقل المجرد أن الخمر لما حرمت، ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهو يشربها. قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ [المائدة: 93]. الآية. تأولها قوم - فيما ذكر - على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله فِيمَا طَعِمُواْ فذكر إسماعيل بن إسحاق عن علي رضي الله عنه قال: (شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا الآية: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ الآية. قال: فكتب فيهم إلى عمر، قال فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين: نرى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي رضي الله عنه ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به. فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين) (1).
فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص الكتاب، وشهد فيهم علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة، بأنهم شرعوا في دين الله وهذه البدعة بعينها فهذا وجه.
وأيضاً فإن بعض الفلاسفة الذين ظهروا بين المسلمين تأول فيها غير هذا وهو أنه إنما يشربها للنفع لا للهو، وعاهد الله على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية النافعة، أو غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة. ويحكى هذا العهد عن ابن سيناء (2).
قلت: وقد قلد ابن سيناء وغيره من الإباحيين كثير من الناس في هذا العصر بتعاطي المخدرات والمفترات والتي هي أخطر من الخمر في تأثيرها على الصحة، والعقل، والمال، والدين قبل كل شيء. يروجونها بدعوى أنها منشطة، ومنسية للهموم والأحزان، وهي لا تزيدهم إلا هماً وغماً، كما قال فيها الشاعر: (وداوني بالتي كانت هي الداء) (3). وإن كثيراً من بلاد المسلمين تبيح قوانينها شرب الخمور، وتعاطيها دون حياء أو خجل أو خوف من الله عز وجل. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمرة، والمعازف)) (4).
ولو نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم لوجدنا أن هذه الأمور قد استحلت، بل يعطى أصحابها تراخيص رسمية بموجب القانون. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومما له تأثير على العقل أيضاً أن بعض المبتدعة تحولوا في ذكرهم لله إلى حالة من الرقص والغناء مصحوبة بآلات الطرب واللهو، فربما رقصوا بدعوى الذكر حتى تغيب عقولهم، ويصيبهم الزار، فيقعون على الأرض، ويزعمون أنهم سكروا في حب الله عندما تذهب عقولهم تحت تأثير هذا الرقص والغناء. فإنا لله وإنا إليه راجعون.--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي شيبة (6/ 503).
(2) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 39 - 46).
(3) وهو عجز بيت لأبي نواس صدره: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ..
(4) رواه البخاري (5590). من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 499)

5 - ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: 275]. فإنهم لما استحلوا العمل به احتجوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين، فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: 275] ، ليس البيع مثل الربا. فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة المحدثات كسائر ما أحدثوه في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر (1).
قال علي محفوظ في كتابه الإبداع في مضار الابتداع رداً على من قاس الربا على البيع في الحل بعد أن أورد كلام الشاطبي.
وحاصله: (أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع، لوقوعه في مقابلة النص، على أن بينهما فارقاً، وهو أن من باع ثوباً مثلاً قيمته عشرة في الحال بأحد عشر، فإنه أخذ الزائد بغير عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً. لأنه ليس بمال حتى يكون في مقابلة الزائد. وهذا عين الربا لأنه زيادة لا يقابلها عوض في معاوضة مالية) (2).
قلت: وقد كثر الدعاة لإباحة الربا في هذا الزمان، ومما يؤسف له أن يكون بعض الناعقين بالدعوة إلى حله ممن يظن أنهم من أهل العلم، فقد صرحوا بإباحته على المنابر، وعبر وسائل الإعلام، متجاهلين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لعلل واهية، وتمحلات اخترعوها من بنيات أفكارهم، احتيالاً على تحليل ما حرم الله، وهذا شأن اليهود فإنهم عندما حرم الله عليهم لحوم الميتة أخذوا شحومها فجملوها - أي أذابوها - فباعوها فأكلوا ثمنها.
فقد روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه:
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) (3).
كما ظهر في هذا الزمان كثير من الحيل بقصد ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل مثل ما يسمى باليانصيب وغيره، من ألوان القمار، وكثير مما يجري في البورصات، والأسواق العالمية من الحيل، والمؤامرات، ناهيك عن انتشار البنوك الربوية في شتى بلاد العالم الإسلامي في كل مدينة وقرية. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخلاصة القول إن البدع كلها حرام، وتتفاوت رتبها في دائرة الحرام، فمنها ما هو كفر صراح، ومنها ما هو مشكوك في كفر صاحبه، ومنها ما هو معصية لا يكفر صاحبها بلا نزاع، ومنها ما هو مكروه، وقد فصلنا أمثلة ذلك في أول الفصل.
هذا ويجدر بنا … أن ننبه إلى أن ما يجري عليه حكم المكروه من البدع، لا يعني به كراهية التنزيه، وقد نبه على ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله.--------------------------------------------
(1) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 47 - 48).
(2) ((الإبداع في مضار الابتداع)) لعلي محفوظ (ص: 151).
(3) رواه البخاري (2236)، ومسلم (1581).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 500)

فإن إطلاق المكروه على ما هو مكروه تنزيهاً اصطلاح للمتأخرين لم يعرف عن المتقدمين من السلف، فلم يقولوا فيما لا حرج فيه إنه مكروه، ولم يكن شأنهم أن يقولوا فيما لا نص فيه هذا حلال وهذا حرام، لئلا يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل: 116 - 117].
وإنما كانوا يقولون فيه هذا مكروه، أو أكره هذا، أولا أستحب هذا (1). وما أشار إليه الشاطبي هنا: من استعمال السلف لفظ المكروه بمعنى الحرام هو ما وضحه ابن القيم حيث بين أن في استعمال القرآن والسنة ما يشير إلى هذا كقوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى [الإسراء: 32]. وقوله: وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ [الأنعام: 152]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كره لكم قيل وقال … )) (2) إلخ.
ومما يدل على أن البدع إذا عبر عنها بالكراهة فإنه يقصد بها كراهة التحريم هو ورود النهي عن البدع على وجه واحد، ونسبتها إلى الضلال على كل حال، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا إذا تأملنا حقيقة البدعة - جلت أو خفيت - وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات مخالفة تامة. فمرتكب المكروه يفعله متكلاً على العفو اللازم فيه، ورفع الحرج الثابت في الشريعة له. كما أن اعتقاده غير متزحزح، فهو يعتقد المكروه مكروهاً والحرام حراماً، ثم إنه يرى ترك المكروه أولى في حقه من الفعل، ويود لو لم يفعل، وعلى كل فطمعه في الإقلاع عن هذا المكروه، والتخلص من الوقوع فيه لا ينقطع.
أما مرتكب أدنى البدع فإنه يعد ما دخل فيه حسناً، بل يراه أولى مما حد له الشارع، ويزعم أن طريقه أهدى سبيلاً، ونحلته أولى بالأتباع، فهو يفعل ما يخالف، ولا يستشعر سوء ما يفعل، ويندر أن يتحرك قلبه نحو التوبة مما هو واقع فيه (3).
وعلى كل حال فالبدعة لها أمران:
أحدهما: أنها مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له.
والثاني: أن كل بدعة - وإن قلت - تشريع زائد، أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع فيكون قادحاً في المشروع (4). ولذلك فإن البدع مع كونها محرمة فهي في أعلى درجات المحرم، وتكاد كلها أن تكون كبائر، فإن التشريع الزائد، أو الناقص، أو تغيير الأصل لو لم يكن بناء على اجتهاد خاطئ، أو تأويل غير مقبول لكان كفراً، وكل ما ذكر في شأن البدعة وما ورد فيها من الذم يرجح ذلك.

تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي بتصرف - ص215--------------------------------------------
(1) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 47).
(2) رواه البخاري (2408) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ومسلم (1715) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 48).
(4) ((الاعتصام)) للشاطبي (2/ 52).

(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 501)