القول في تأويل قوله تعالى: {فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ}
يعني بقوله: (فأنزلنا على الذين ظلموا) ، = على الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله، من تبديلهم القول - الذي أمرهم الله جل وعز أن يقولوه - قولا غيره، ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به، وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه، = (رجزا من السماء بما كانوا ينسقون) .
* * *
و" الرِّجز " في لغة العرب، العذاب، وهو غير " الرُّجز ". (1) وذلك أن الرِّجز: البثر، (2) ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعون أنه قال:"إنه رجز عذب به بعض الأمم الذين قبلكم".
1036 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذا الوجع -أو السقم- رجز عذب له بعض الأمم قبلكم". (3)
1037 - وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عمر بن حفص قال، حدثنا أبي، عن الشيباني، عن رياح بن عبيدة، عن عامر بن سعد قال: شهدت أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقول: قال رسول الله صلى(1) الرجز (بضم فسكون) ، وهو الذي جاء في قوله تعالى في سورة المدثر: "والرجز فاهجر". وذكر الطبري فرق ما بينهما في 29: 92 (بولاق) فقال: "الرجز بضم الراء. . . الأوثان"
(2) البثر: خراج صغار، كالذي يكون من الطاعون والجدري.
(3) الحديث: 1036 - إسناده صحيح. وقد ذكره ابن كثير 1: 182، وقال: "وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر - عن عامر بن سعد، بنحوه". ورواه أحمد في المسند، من طريق الزهري (5: 207 - 208 حلبي) . ورواية أيضًا (5: 209) ، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن أسامة بن زيد، مطولا.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٦)
الله عليه وسلم: إن الطاعون رجز أنزل على من كان قبلكم - أو على بني إسرائيل. (1)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
1038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (رجزا) ، قال: عذابا.
1039 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء) ، قال: الرجز، الغضب.
1040 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما قيل لبني إسرائيل: - ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم - بعث الله جل وعز عليهم الطاعون، فلم يبق منهم أحدا. وقرأ: (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) ، قال: وبقي الأبناء = ففيهم الفضل والعبادة -التي توصف في بني إسرائيل- والخير = وهلك الأباء كلهم، أهلكهم الطاعون.
1041 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: االرِّجز العذاب. وكل شيء في القرآن" رِجز "، فهو عذاب.(1) الحديث 1037 - وهذا إسناد آخر صحيح، للحديث السابق. أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة: هو"إبراهيم بن عبد الله بن محمد"، وهو ثقة، روى عنه أيضًا النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 1 /1/ 110. عمر بن حفص بن غياث: ثقة، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين. أبوه حفص بن غياث: ثقة مأمون، معروف، أخرج له الجماعة. الشيباني: هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان، ثقة حجة. رياح بن عبيدة: هو بكسر الراء وفتح الياء التحتية المخففة، ووقع في المطبوعة"رباح" بالوحدة، وهو تصحيف. و"عبيدة" بفتح العين وكسر الباء الموحدة، ورياح هذا بصري ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وهو مترجم في التهذيب 3: 299 - 300، والكبير للبخاري 2 / 1 /300، وابن أبي حاتم 1 / 2 /511، والمشتبه للذهبي، ص: 212. وهو غير"رياح بن عبيدة السلمى الكوفي"، فرق بينهما المزى في التهذيب. والذهبي في المشتبه. وأنكر الحافظ ابن حجر ذلك على المزى، ولكنه تبع الذهبي في تبصير المنتبه، ولم يعقب عليه، وهو الصواب، إن شاء الله.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٧)
1042 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (رجزا) ، قال: كل شيء في كتاب الله من " الرِّجز " يعني به العذاب.
* * *
وقد دللنا على أن تأويل " الرِّجز" العذاب. وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء. وجائز أن يكون ذلك طاعونا، وجائز أن يكون غيره. ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، (1) أي أصناف ذلك كان.
فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل: فأنزلنا عليهم رجزا من السماء بفسقهم.
غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد، للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الطاعون أنه رجز، وأنه عذب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقينا، لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيان فيه أي أمة عذبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذبوا به، كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) }
وقد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن معنى"الفسق"، الخروج من الشيء. (2)(1) انظر تفسير قوله"ظاهر القرآن" فيما مضى: 2: 15 والمراجع.
(2) انظر ما سلف 1: 409 - 410، وقد ذكر الآية هناك في أثر عن ابن عباس، فيه: "أي بما بعدوا عن امري"، (ص 410) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٨)
فتأويل قوله: (بما كانوا يفسقون) إذا: بما كانوا يتركون طاعة الله عز وجل، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}
يعني بقوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) ، وإذ استسقانا موسى لقومه، أي سألنا أن نسقي قومه ماء. فترك ذكر المسئول ذلك، والمعنى الذي سأل موسى، (1) إذْ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك.
وكذلك قوله: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) ، مما استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه. وذلك أن معنى الكلام: فقلنا اضرب بعصاك الحجر، فضربه، فانفجرت. فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه.
وكذلك قوله: (قد علم كل أناس مشربهم) ، إنما معناه: قد علم كل أناس منهم مشربهم. فترك ذكر"منهم" لدلالة الكلام عليه.
* * *
وقد دللنا فيما مضى على أن"أناس" جمع لا واحد له من لفظه، (2) وأن"الإنسان" لو جمع على لفظه لقيل: أناسيّ وأناسية. (3)
* * *(1) قوله" والمعنى الذي سأل موسى"، يعني"والشيء" وهو الماء
(2) في المطبوعة: "ان الناس جمع لا واحد له"، وقد مضى ذلك، ولكنه هنا أراد"أناس"، المذكور في الآية، وهو أيضًا جمع لا واحد له من لفظه، وإن قال بعضهم إنه جمع إنس
(3) انظر ما سلف 1: 268.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٩)
وقوم موسى هم بنو إسرائيل، الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات. وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه، كما:-
1043 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) الآية قال، كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم.
1044 - حدثني تميم بن المنتصرقال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ذلك في التيه؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجُعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين؛ ولا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول. (1) .
1045 - حدثني عبد الكريم قال، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ذلك في التيه. ضرب لهم موسى الحجر، فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها.
1046 - وحدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) لكل سبط منهم عين. كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا.
1047 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج(1) المنقلة: المرحلة من مراحل السفر، والجمع مناقل.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٠)
، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) ، قال: خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا، ضربه موسى. قال ابن جريج: قال ابن عباس:"الأسباط" بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا، أمة من الناس. (1)
1048 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: استسقى لهم موسى في التيه، فسقوا في حجر مثل رأس الشاة، قال: يلقونه في جوانب الجوالَق إذا ارتحلوا، (2) ويقرعه موسى بالعصا إذا نزل، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط منهم عين، فكان بنو إسرائيل يشربون منه، حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون، وقيل به فألقى في جانب الجوالق (3) . فإذا نزل رمى به، فقرعه بالعصا، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.
1049 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثني أسباط، عن السدي قال: كان ذلك في التيه.
* * *
وأما قوله: (قد علم كل أناس مشربهم) ، فإنما أخبر الله عنهم بذلك. لأن معناهم -في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر، الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته- (4) من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأرضين، التي لا مالك لها سوى الله عز وجل. وذلك(1) في المطبوعة: "ولد سبطا وأمة من الناس"، والصواب حذف واو العطف فإن قوله "أمة من الناس" تفسير قوله"سبطا".
(2) الجوالق: وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر، تحمل فيه الأطعمة، وهو الذي نسميه في بلادنا"الشوال" محرفة من"الجوالق".
(3) "قيل به" مبني للمجهول من"قال به". وقال بالشيء: رفعه أو حمله. والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان. يقولون: قال برجله: إذا بدأ يتقدم ومشى، أو إذا أشار بها للركل. ويقولون: قال بالماء على يده أي قلبه وصبه. وما أشبه ذلك. وقد مضى مثل ذلك آنفًا ص 54 تعليق: 3، ص: 64 تعليق: 4.
(4) سياق الجملة "لأن معناهم. . من الشرب، كالذي مخالفا معاني"، وفصل كعادته فيما بينا مرارا. يعني لأن شربهم كان مخالفا شرب سائر الناس. .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢١)
أن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه. فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس. إذ كان غيرهم -في الماء الذي لا يملكه أحد- شركاء في منابعه ومسايله. وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم. فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ}
وهذا أيضا مما استغني بذكر ما هو ظاهر منه، عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويل الكلام: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) ، فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، قد علم كل أناس مشربهم، فقيل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله. أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور، (1) الذي لا قرار له في الأرض، ولا سبيل إليه [إلا] لمالكيه، (2) يتدفق بعيون الماء، ويزخر بينابيع العذب الفرات، بقدرة ذي الجلال والإكرام.
ثم تقدم جل ذكره إليهم (3) - مع إباحتهم ما أباح، وإنعامه بما(1) الحجر المتعاور: الحجر المتبادل، ينقل من يد إلى يد. من تعاوروا الشيء: إذا تبادلوه، ولا يتعاور شيء حتى يكون منقولا، أما الثابت فلا يتعاوره الناس ولا يتبادلونه.
(2) في المطبوعة: "لا سبيل إليه لمالكيه"، وهو كلام بلا معنى. والصواب ما أثبتناه بزيادة"إلا" ويدل على صواب ذلك ما مضى منذ قليل في تفسير ما سبق من الآية.
(3) تقدم إليه بكذا: إذا أمره.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٢)
أنعم به عليهم من العيش الهنيء - بالنهي عن السعي في الأرض فسادا، والعَثَا فيها استكبارا، فقال جل ثناؤه لهم: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) }
يعني بقوله: (لا تعثوا) لا تطغوا، ولا تسعوا في الأرض مفسدين. كما:-
1050 - حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا.
1051 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) لا تعث: لا تطغ.
1052 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، أي لا تسيروا في الأرض مفسدين.
1053 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، لا تسعوا في الأرض.
وأصل " العَثَا " شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد. (1) يقال منه: عَثِيَ فلان في الأرض" -إذا تجاوز في الإفساد إلى غايته-"يعثى عثا" مقصور، وللجماعة: هم يعثون. وفيه لغتان أخريان، إحداهما: "عثا يعثو عُثُوّا ". ومن قرأها بهذه اللغة، فإنه ينبغي له أن يضم الثاء من"يعثو"، ولا أعلم قارئا يقتدى بقراءته(1) العثا: مصدر: عثى يعثى، كرضى يرضى، وهي لغة الحجاز. ولم أجد هذا المصدر إلا في تاج العروس. ولست أعلم أهو بفتح العين ام بكسرها. ولكني أستظهر أن يكون فتح العين هو الأرجح.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٣)
قرأ به. (1) ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال:"عثوت أعثو"، ومن نطق باللغة الأولى قال: عَثِيت أَعْثَى".
والأخرى منهما:"عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا، كل ذلك بمعنى واحد. ومن"العيث" قول رؤبة بن العجاج:
وعاث فينا مستحل عائث: … مُصَدِّق أو تاجر مقاعث (2)
يعني بقوله:"عاث فينا"، أفسد فينا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}
قد دللنا -فيما مضى قبل- على معنى "الصبر" وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء. (3) فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآية إذا: واذكروا إذا قلتم -يا معشر بني إسرائيل-: لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد - وذلك"الطعام الواحد"، هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم، وهو"السلوى"(1) "القراءة سنة، ولا يقرأ بما قرأ به القراء". لسان العرب (عثى) .
(2) ديوانه" 30. مستحل: قد استحل أموالهم واستباحها. والمصدق: هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس، وهو وكيل الفقراء في القبض، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع. قعث الشيء يقعثه: استأصله واستوعبه. وقعثه فانقعث: إذا قلعه من أصله فانقلع. ولم تذكر معاجم اللغة: " قاعث فهو مقاعث"، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين: "قاعث فهو مقاعث"، أي يحاول استئصال أموال الناس، والناس يدافعونه عن أموالهم.
(3) انظر ما مضى في هذا الجزء 2: 11
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٤)
في قول بعض أهل التأويل، وفي قول وهب بن منبه هو"الخبز النقي مع اللحم" - فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من البقل والقثاء، وما سمى الله مع ذلك، وذكر أنهم سألوه موسى.
* * *
وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا، ما: -
1054 - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) قال: كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فسألوه موسى. فقال الله تعالى: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
1055 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (لن نصبر على طعام واحد) ، قال: ملوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا: (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها) الآية.
1056 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) ، قال: كان طعامهم السلوى، وشرابهم المن، فسألوا ما ذكر، فقيل لهم: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
* * *
قال أبو جعفر: وقال قتادة: إنهم لما قدموا الشام فقدوا أطعمتهم التي كانوا يأكلونها، فقالوا: (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) ، وكانوا قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كانوا فيه بمصر.
1057 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٥)
قال، سمعت ابن أبي نجيح في قوله عز وجل: (لن نصبر على طعام واحد) ، المن والسلوى، فاستبدلوا به البقل وما ذكر معه.
1058 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله سواء.
1059 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بمثله.
1060 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أُعطوا في التيه ما أُعطوا، فملوا ذلك وقالوا: (يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) .
1061 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أنبأنا ابن زيد قال: كان طعام بني إسرائيل في التيه واحدا، وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره. فقالوا: يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها"، فقرأ حتى بلغ: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
* * *
وإنما قال جل ذكره: (يخرج لنا مما تنبت الأرض) - ولم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض، فيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مما تنبته الأرض من بقلها وقثائها - لأن"من" تأتي بمعنى التبعيض لما بعدها، فاكتفي بها عن ذكر التبعيض، إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بالكلام الذي هي فيه. كقول القائل: أصبح اليوم عند فلان من الطعام" يريد شيئا منه.
وقد قال بعضهم:"من" ههنا بمعنى الإلغاء والإسقاط. كأن معنى الكلام
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٦)
عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها. واستشهد على ذلك بقول العرب:"ما رأيت من أحد" بمعنى: ما رأيت أحدا، وبقول الله: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة: 271] ، وبقولهم:"قد كان من حديث، فخل عني حتى أذهب"، يريدون: قد كان حديث.
وقد أنكر من أهل العربية جماعة أن تكون"من" بمعنى الإلغاء في شيء من الكلام، وادعوا أن دخولها في كل موضع دخلت فيه، مؤذن أن المتكلم مريد لبعض ما أدخلت فيه لا جميعه، وأنها لا تدخل في موضع إلا لمعنى مفهوم.
فتأويل الكلام إذا - على ما وصفنا من أمر"من" (1) -: فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها.
* * *
و"البقل" و"القثاء" و"العدس" و"البصل"، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها.
* * *
وأما"الفوم"، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه. فقال بعضهم: هو الحنطة والخبز.
* ذكر من قال ذلك:
1062 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: الفوم:، الخبز.
1063 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد قوله: (وفومها) قالا خبزها.
1064 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو قالا حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وفومها) ، قال: الخبز.(1) في المطبوعة: "على ما وصفنا من أمر من ذكرنا"، و"ذكرنا" زائدة ولا شك، كما تبين من سياق كلامه السالف والآتي.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٧)
1065 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة والحسن: الفوم، هو الحب الذي يختبزه الناس.
1066 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن بمثله.
1067 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: (وفومها) قال: الحنطة.
1068 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر عن السدي: (وفومها) ، الحنطة.
1069 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن وحصين، عن أبي مالك في قوله: (وفومها) ، الحنطة.
1070 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن قتادة قال: الفوم، الحب الذي يختبز الناس منه.
1071 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لى عطاء بن أبي رياح قوله: (وفومها) ، قال: خبزها، قالها مجاهد.
1072 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال لي ابن زيد: الفوم، الخبز.
1073 - حدثني يحيى بن عثمان السهمي قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وفومها) يقول: الحنطة والخبز.
1074 - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (وفومها) قال: هو البر بعينه، الحنطة.
1075 - حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا مسلم الجرمي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله عز
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٨)
وجل: (وفومها) قال: الفوم، الحنطة بلسان بني هاشم. (1)
1076 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد العزيز بن منصور، عن نافع بن أبي نعيم، أن عبد الله بن عباس سئل عن قول الله: (وفومها) ، قال: الحنطة، أما سمعت قول أُحَيْحة بن الجُلاحح وهو يقول:
قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا … وَرَد المدينة عن زراعة فوم (2)
* * *
وقال آخرون: هو الثوم.
* ذكر من قال ذلك:
1077 - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد قال: هو هذا الثوم.
1078 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: الفوم، الثوم.
* * *
وهو في بعض القراءات"وثومها".
* * *(1) الحديث: 1075 - مسلم الجرمي: سبق أن رجحنا في: 154، 649، 846 أنه"الجرمي" بالجيم. وقد ثبت هنا في المطبوعة بالجيم على ما رجحنا. رشدين - بكسر الراء وسكون الشين المعجمعة وكسر الدال المهملة - بن كريب: ضعيف، بينا القول في ضعفه في شرح المسند: 2571. وأبوه، كريب بن أبي مسلم: تابعي ثقة.
(2) الحديث: 1076 - عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري: ثقة، كان من أهل الحديث عالما بالتواريخ، صنف تاريخ مصر وغيره، كما في التهذيب، مات سنة 257. وهو مؤلف كتاب (فتوح مصر) المطبوع في أوربة. شيخه عبد العزيز بن منصور: لم أجد له ذكرا فيما بين يدي من المراجع، إلا في فتوح مصر، ص 40 س 7 - 8 قال ابن عبد الحكم هناك:"حدثنا عبد العزيز بن منصور اليحصبى، عن عاصم بن حكيم.." وشيخه، نافع: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، أحد القراء السبعة المعروفين وهو لم يدرك ابن عباس، إنما يروي عن التابعين، وله ترجمة في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 2 / 8، وابن أبي حاتم 4 / 1 /456 - 457، وتاريخ إصبهان لأبي نعيم 2: 326 - 327.
والبيت في اللسان (فوم) ، ونسبه لأبي محجن الثقفي، أنشده الأخفش له، وروايته:
قد كنت أحسبني كأغنى واحد … نزل المدينة. . .
وفي الروض الأنف 2: 45 نسبه لأحيحة، أو لأبي محجن، ورواه"سكن المدينة".
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٢٩)
وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا"فوما" من اللغة القديمة. حكي سماعا من أهل هذه اللغة:"فوموا لنا"، بمعنى اختبزوا لنا.
* * *
وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود:"وثومها" بالثاء. (1) فإن كان ذلك صحيحا، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم:"وقعوا في عاثور شر: وعافور شر" وكقولهم""للأثافي، أثاثي؛ وللمغافير، مغاثير" وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاء والفاء ثاء، لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء. و"المغافير" شبيه بالشيء الحلو، يشبه بالعسل، ينزل من السماء حلوا، يقع على الشجر ونحوها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}
يعني بقوله: (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) ، قال: لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا؟ وذلك كان استبدالهم.
* * *
وأصل"الاستبدال": هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك.
* * *
ومعنى قوله: (أدنى) أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا. وأصله من قولهم:"هذا رجل دني بين الدناءة" و"إنه ليدنِّي في الأمور" بغير همز، إذا كان يتتبع خسيسها. وقد ذكر الهمز عن بعض العرب في ذلك، سماعا منهم. يقولون:"ما كنتَ دانئا، ولقد دنأتَ، (2) وأنشدني بعض أصحابنا عن غيره، أنه سمع بعض بني كلاب ينشد بيت الأعشى (3)(1) انظر معاني القرآن للفراء 1: 41
(2) هذا كله من قول الفراء في معاني القرآن 1: 42. وكان في المطبوعة"ما كنت دنيا"، والصواب ما أثبته من كتاب الفراء.
(3) الذي سمع هذا هو الفراء. انظر معاني القرآن له 1: 42، والطبري يجهله دائما
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٠)
باسلةُ الوقعِ سرابيلها … بيض إلى دانِئِها الظاهر (1)
بهمز الدانئ، وأنه سمعهم يقولون:"إنه لدانئ خبيث" بالهمز. (2) فإن كان ذلك عنهم صحيحا، فالهمز فيه لغة، وتركه أخرى.
* * *
ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش الرفيع منه.
* * *
وقد تأول بعضهم قوله: (الذي هو أدنى) بمعنى: الذي هو أقرب، ووجه قوله: (أدنى) ، إلى أنه أفعل من"الدنو" الذي هو بمعنى القرب.
* * *
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: (الذي هو أدنى) قاله عدد من أهل التأويل في تأويله.
* ذكر من قال ذلك:
1079 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قال: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) ، يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه.
1080 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج(1) ديوانه: 108، وروايته"إلى جانبه الظاهر". يصف حصنا. قال قبل:
في مجدل شيد بنيانه … يزل عنه ظفر الطائر
يجمع خضراء لها سورة … تعصف بالدارع والحاسر
باسلة الوقع. . . . . . … . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والضمير في قوله:"سرابيلها" راجع إلى"خضراء" يقال: كتيبة خضراء، وهي التي غلب عليها لبس الحديد وعلاها سواده، والخضرة سواد عندهم. والسرابيل هنا: الدروع، جمع سربال: وهو كل ما لبس كالدرع وغيره. وقال الفراء:"يعني الدروع على خاصتها - يعني الكتيبة - إلى الخسيس منها". كأنه أراد: يلبسون الدروع من شريف إلى خسيس. وأما رواية الديوان: فالضمير في"جانبه"، راجع إلى"المجدل" وهي أبين الروايتين معنى وأصحهما.
(2) في معاني الفراء زيادة بين قوسين من بعض النسخ: [إذا كان ماجنا]
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣١)
عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (الذي هو أدنى) قال: أردأ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}
وتأويل ذلك: فدعا موسى، فاستجبنا له، فقلنا لهم:"اهبطوا مصرا"، وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه.
* * *
وقد دللنا -فيما مضى- على أن معنى"الهبوط" إلى المكان، إنما هو النزول إليه والحلول به. (1)
* * *
فتأويل الآية إذا: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش، بالذي هو خير منه. فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه، فاستجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
* * *
ثم اختلف القَرَأَة في قراءة قوله (2) (مصرا) فقرأه عامة القَرَأَة: "مصرا" بتنوين"المصر" وإجرائه. وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نونوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه. فتأويله -على قراءتهم-: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم -إذا هبطتموه- ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك(1) انظر ما مضى 1: 534.
(2) في المطبوعة: "الفراء"، ورددناها إلى الذي جرى عليه لفظ الطبري فيما سلف، في كل المواضع التي جروا على تبديلها من"قرأة"، إلى"قراء".
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٢)
بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده:"اهبطوا مصرا" البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي"مصر" التي خرجوا عنها. غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في"مصر"، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: (قواريرا قواريرا من فضة) [الإنسان: 15-16] منونة اتباعا منه خط المصحف. وأما الذي لم ينون"مصر" فإنه لا شك أنه عنى"مصر" التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها. (1)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته.
1081 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: (اهبطوا مصرا) ، أي مصرا من الأمصار، فإن لكم ما سألتم.
1082 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (اهبطوا مصرا) من الأمصار، فإن لكم ما سألتم. فلما خرجوا من التيه، رفع المن والسلوى وأكلوا البقول.
1083 - وحدثني المثنى قال، حدثني آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة في قوله: (اهبطوا مصرا) قال: يعني مصرا من الأمصار.
1084 - وحدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (اهبطوا مصرا) قال: مصرا من الأمصار. زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر.
1085- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (اهبطوا مصرا) ، قال: مصرا من الأمصار. و"مصر" لا تُجْرَى في الكلام. فقيل: أي مصر. فقال: الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وقرأ قول الله جل ثناؤه: (ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: 21] .
* * *(1) انظر ما قاله الفراء في معاني القرآن 1: 42 - 43.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٣)
وقال آخرون: هي مصر التي كان فيها فرعون.
* ذكر من قال ذلك:
1086 - حدثني المثنى، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: (اهبطوا مصرا) قال: يعني به مصر فرعون.
1087 - حدثنا عن عمار بن الحسن، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
ومن حجة من قال إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: (اهبطوا مصرا) ، مصرا من الأمصار دون"مصر" فرعون بعينها -: أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر. وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 21-24] ، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك -فيما ذكر لنا- دخولها حتى هلكوا في التيه. وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشأم، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ:"اهبطوا مصر"، ونتأوله أنه ردهم إليها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٤)
قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء: 57-59] قيل لهم: (1) فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك، فملكهم إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم.
* * *
وأما الذين قالوا: إن الله إنما عنى بقوله جل وعز: (اهبطوا مصرَ) مصرَ؛ فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء: 57-59] وقوله: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ) [الدخان: 25-28] ، قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها، إن لم يصيروا، أو يصر بعضهم إليها. قالوا: (2) وأخرى، أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود:"اهبطوا مصر" بغير ألف. قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها"مصر" بعينها.
* * *
قال أبوجعفر: والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: (3) إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض - على ما بينه الله جل وعز في كتابه - وهم في الأرض تائهون، فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه(1) في المطبوعة: "قيل لهم"، وهو خطأ. والضمير في"له" راجع إلى قوله: "فإن احتج محتج".
(2) قوله: "وأخرى"، أي وحجة أخرى. وانظر معاني القرآن للفراء 1: 43
(3) في المطبوعة: "عندنا والصواب"، وهو سهو ناسخ.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٣٥)