Arabic source text

📘 দিরাসাতু ইলমিল আদইয়ান - আহাম্মিয়াতুহা ওয়া মানাহিজুল বাহিছিনা ফিহা (আব্দুল মাজিদ বিন মুহাম্মাদ আল-ওয়ালান)

📘 دراسة علم الأديان - أهميتها ومناهج الباحثين فيها - (عبد المجيد بن محمد الوعلان)

📘 দিরাসাতু ইলমিল আদইয়ান - আহাম্মিয়াতুহা ওয়া মানাহিজুল বাহিছিনা ফিহা (আব্দুল মাজিদ বিন মুহাম্মাদ আল-ওয়ালান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌المبحث الثالث: علاقة هذا العلم بعلم الأديان:
إن لعلم مناهج البحث في العقيدة ارتباطاً وثيقاً بالعلوم المتعلقة بالاعتقاد، ومن هذه العلوم علم الموازنة بين الأديان، أو المعروف بعلم مقارنة الأديان أو علم الأديان أو الملل والنحل أو علم المقالات إلى غير ذلك.
فعلم مناهج البحث في العقيدة يبحث في الأصول التي استقى منها أهل كل دين دينهم وأقوالهم، هل الأصل: الوحي، أو غيره؟ هل هذا الوحي محرف، أو أنه محفوظ من التحريف؟ .. الخ
فهذا العلم، أعنى علم المناهج أصل لمعرفة علم الأديان، فلا غني للباحث في هذا العلم عن النظر فيه(1).

‌‌المبحث الرابع: مناهج البحث:
للدارسين لعلم العقيدة والأديان مناهج متعددة في دراستها، وذلك تبعاً للغرض من دراستها، وسأذكر هنا أبرز هذه المناهج:
‌‌المطلب الأول: المنهج التاريخي الوصفي:
هذا المنهج يسلك فيه المؤلفون جانب العرض التاريخي الوصفي السردي، دون حكم على المقولات، أو نقد لها.
وهذا النوع سلكه علماء متقدمون، كأبي الحسن الأشعري والشهرستاني.
كما أن هناك من غير المسلمين من سلكه، وهو ابن كمونة اليهودي، في كتابه: "تنقيح الأبحاث للملل الثلاث".
والحقيقة أن هذا المنهج لا يؤدي الدور المطلوب من العالم، بل إن مثل هذا المنهج قد يؤدي إلى ما يسمى بتقارب الأديان، لذا كان هذا المنهج " أوفر مناهج المسلمين حظاً وإشادة عند علماء الغرب، وبه يرتضون أن يتناول علماء الإسلام الأديان"(2).
وهذا أمر لا يفرح به، لهذا لم نجد مثل هذا المنهج عند علماء أهل السنة والجماعة، وإنما وجد عند غيرهم.--------------------------------------------
(1) مناهج البحث في العقيدة للسعيد ص 270 - 272.
(2) علم الملل ومناهج العلماء فيه ص 188.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

‌‌المطلب الثاني: المنهج التحليلي النقدي:
التحليل "عملية يراد بها اكتشاف عناصر موضوع معين من أجل غرض خاص"(1).
والنقد يراد به عرض تلك العناصر على الموازين الدقيقة، لمعرفة صحتها من فسادها.
وجملة هذا المنهج: ملاحظة الظواهر، ثم الحكم عليها، ومناقشتها.
ومنهج التحليل والنقد من أبرز الخصائص التي امتاز بها العلماء المسلمون، وعلى وجه الخصوص: علماء السلف أهل السنة والجماعة، فلشمولية العقيدة عندهم جاءت شمولية التحقيق والنقد مصاحبة لها.
وهذا المنهج نجده كثيراً في كتب السلف، وبخاصة ما يتعلق منها بالردود على الطوائف والفرق أو من يحملون فكراً مخالفاً.
وليس في أهل البدع والأهواء من عني بهذا الأمر عناية أهل السنة والجماعة، وهذا المنهج قد أفاد أهل السنة والجماعة كثيراً، فقد حفظوا عقيدتهم به على مر الدهور وتعاقب القرون، فلا تجد بينهم تناقضاً، ولا اختلافاً(2).

‌‌المطلب الثالث: المنهج المقارن:
وهو منهج يسلك سبيل الربط بين الموضوعات المتعددة، لاستخلاص أوجه الشبه أو الخلاف بينها، ثم الخروج من ذلك بحكم تدعمه نتائج العملية(3).
وهذا المنهج في دراسة العقائد والأديان والملل والنحل، منهج فريد يمتاز بنتيجة مهمة وهي الخروج من تلك المقارنة بأوجه الحسن التي تدعو ضمناً إلى وجوب إتباعها، واطراح الباطل.
ومن ميزات هذا المنهج: إظهاره نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفرق المتفرقة والأديان المختلفة، وهذا بدوره يؤدي إلى النظر الصحيح من قبل عقلاء تلك الطوائف في الحق الذي عند الآخرين، قال الله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} [آل عمران: 64](4).--------------------------------------------
(1) منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى دراسة علمية من خلال جهود شيخ الإسلام ابن تيمية د. عبد الراضي عبد المحسن، ص 143 مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى.
(2) مناهج البحث في العقيدة للسعيد ص 295 - 296.
(3) انظر المعجم الفلسفي من وضع مجمع اللغة العربية، ص 189، القاهرة، 1403.
(4) سورة آل عمران آية: 64.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

وقال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)} [النمل: 59 - 64](1).
وهذا المنهج سلكه علماء المسلمين في كتاباتهم وفيما دونوه من مؤلفات(2).

‌‌المطلب الرابع: المنهج العلمي التجريبي:
هذا المنهج منهج حديث تبع فيه بعض المسلمين في القرن الهجري الأخير قادة الفكر الأوروبي الحديث الذي انسلخوا من كل معتقد ما عدا المعتقدات الدنيوية، وأتباعه موجودون في البلدان الإسلامية التي احتك أهلها بالمستعمر الغربي وبالتيارات الفكرية الوافدة من الغرب إلى العالم الإسلامي، وكذا من كانت دراساته الدينية والفكرية في بلاد الكفر أو الجامعات المقامة في بعض البلدان الإسلامية والتي تتبع لبلدان كافرة كبعض الجامعات التي تتبع الإرساليات التنصيرية.
وهؤلاء لهم آراء غريبة في أدوات المعرفة البشرية، حيث يعتدون بالأساليب الحسية والتجريبية فقط، ويرفضون أي منهج آخر يخالف ما هم عليه، كالمنهج النقلي، والمنهج العقلي، ويحاولون البحث عن المعارف الإلهية والدين بأساليب العلوم العملية والتجربة الميدانية(3).
وقد صارت من آثار هذا المذهب تفسير المعجزات تفسيراً مادياً وتفسير النبوة بالنبوغ والعبقرية البشرية.
وقد حمل هؤلاء على هذا: إرادة التجديد ومواكبة التطور العلمي الدنيوي، فرأوا أن تفسير القرآن بالحقائق العلمية والمكتشفات العصرية سبيل قوى لبيان عظمة القرآن، وكونه شاملاً لكل شيء.--------------------------------------------
(1) سورة النمل آية: 59 - 64.
(2) مناهج البحث في العقيدة للسعيد ص 297 - 298.
(3) انظر: التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل د/ عبد الحليم محمود، المقدمة، دار الكتب الحديثة، 1973.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

وهذا المنهج منهج خطرٌ على العقيدة الإسلامية، خصوصاً إذا علم أن بعض التنازلات والتأويلات فيه تبلغ بصاحبها إلى الردة عن الإسلام، وقد أثبت خطورة هذا المنهج: ما عم أوروبا من موجة إلحاد عارمة، نتيجة لتطبيقها الخاطئ لهذا المنهج.
كما أن في هذا المنهج جناية كبرى على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لما يحمله هذا الأمر من عدم الثقة باللفظ القرآني واللفظ النبوي، وأيضاً، فإن هذا المنهج قصر البحث على الظواهر الكونية، ومعلوم أن هناك أموراً كثيرة غير داخلة تحت التجربة ولا الحس.
ثم إن هذا المنهج لا يؤدي الدور المطلوب منه، بل هو سبيل لتسليط الأعداء على كل المسلمات العقدية، وحينئذ يصبح من العسير على من نهج هذا المنهج أن يفرق بين الأمور، إذا ما من أمر من الأمور إلا وهو يحتمل أن يفسر بأي نظرية استحدثها مستحدث كما فسر غيرها بالنظريات الأخرى(1).

‌‌المطلب الخامس: منهج الحوار والجدال والرد والمحاجة:
سلك بعض علماء المسلمين في دراستهم للأديان اتجاهاً دفاعياً، يواجه حملات التنصير، والتشكيك التي تتربص بالمجتمع الإسلامي، وتثير الفتنة بين المسلمين، واتخذ هذا الاتجاه شكل مناظرات حية بين علماء المسلمين والكفار، من أصحاب الأديان والنحل المختلفة، وبالمحاورات، والرد على الشبهات المكتوبة في رسائل، أو في كتب، ويمثل هذا المنهج أغلب كتب علماء المسلمين(2).

‌‌المطلب السادس: المنهج العلمي الشامل في دراسة الأديان:
والمراد بالمنهج الشامل هو المنهج الذي يشمل جميع المناهج السابقة، حيث يهتم بعرض ما يتناوله بالدراسة عرضاً أميناً، مع المناقشة، والمقارنة، والتحليل النقدي، ورد الباطل وبيانه، وقد يتم ذلك في قالب حوار، أو مناظرة.
وهذا المنهج الشامل هو الأمثل في تناول دراسة الأديان، إذ وصف الأديان وحده لا يغني، كما أن المقارنة غير الموجهة غير مجدية، والنقد والردود قبل استيفاء العرض والمناقشة قد يكون فيها مجانبة للأمانة والإنصاف، ومن تتبع كتب المسلمين في دراسة الأديان يجد هذا المنهج الشامل، ولعل خير أنموذج لهذا المنهج كتاب "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(3).--------------------------------------------
(1) مناهج البحث في العقيدة للسعيد 299 - 301.
(2) علم الملل ومناهج العلماء فيه ص 189.
(3) المصدر السابق ص 189 - 190.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

‌‌الفصل الخامس: منهج أهل السنة في دراسة علم الأديان
إن المنهج الحق في دراسة علم الأديان هو الذي يعتمد على قواعد وضوابط ترجع إلى ثلاثة أمور:
1 - مصادر الاستدلال في دراسة الأديان.
2 - المنهج في الاستدلال.
3 - طريقة العرض والرد.
وسأذكر إن شاء الله تعالى في هذا الفصل منهج أهل السنة في هذه الأمور.

‌‌المبحث الأول: مصادر الاستدلال على علم الأديان عند أهل السنة:
إن الاختلاف في المصادر يؤدي إلى اختلاف في المناهج والنتائج، فربما يبحث شخصان موضوعاً واحداً مع اختلاف مصادرهما فيكون ذلك سببا لاختلافهما في النتائج، من هنا كان تحديد المصادر من الأمور الضرورية، وقد اتفق أهل السنة على المصادر الت استندوا عليها في دراسات الأديان:

‌‌أولاً: القرآن الكريم:
القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة هو المصدر الأول لمعرفة الحق والباطل، والخير والشر، وهو الفيصل في كل ما يحدث بين العباد، وقد أمر بالاعتصام به في غير موضع من كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله -تعالى-: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)} [الأنعام: 155](1)، وقوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} [آل عمران: 32](2)، وقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود: 1](3)، وقوله تعالى: {(54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55](4).
لهذا فقد استمد علماء السلف أحكامهم على الأديان الأخرى من القرآن الكريم.--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام الآية: 155.
(2) سورة آل عمران الآية: 32.
(3) سورة هود الآية: 1.
(4) سورة الأنعام: 55.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

يقول ابن حزم رحمه الله: "نحن -إن شاء الله تعالى- نذكر صفة وجوه النقل الذي عند المسلمين لكتابهم ودينهم، ثم لما نقلوه عن أئمتهم حتى يقف عليه المؤمن والكافر، والعالم والجاهل، عياناً إن شاء الله فيعرفون أين نقل سائر الأديان من نقلهم"(1).

‌‌ثانياً: السنة النبوية:
والسنة هي كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير. وهي وحي كالقرآن قال -تعالى-: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4](2) وهي كالقرآن في الحجية، قال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه … "(3). وبناءً على هذا اعتمدوا عليها في مجال دراسة الأديان.

‌‌ثالثاً: الإجماع:
الإجماع حجة بدلالة القرآن، والسنة، والعقل، فمن القرآن قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115](4).
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يجمع أمتى أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، تحقيق محمد إبراهيم نصر، عبدالرحمن عميرة، 2/ 219، دار الجيل، بيروت.
(2) سورة النجم الآية 3 - 4.
(3) أخرجه أبو داود، الحديث رقم 4591، انظر: عون المعبود: 12/ 231.
(4) سورة النساء الآية: 115.
(5) رواه الترمذي، الحديث رقم: 2255 وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه. وانظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، لأبي العلام محمد بن عبدالرحمن المباكفوري، 6/ 322، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ومشكاة المصابيح، لمحمد عبدالله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، رقم الحديث 24 ص 1/ 61، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، وصححه الألباني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين"(1). وأهل السنة والجماعة لا يفرقون في حجية الإجماع بين الأمور الاعتقادية وبين غيرها، كما أن الإجماع يدفع احتمال الخطأ الذي قد يتطرق للظنيات، فيرتفع -بفضل الإجماع- إلى مقام القطعيات"(2).
والمقصود هنا هو بيان أن الإجماع مصدر من مصادر المعرفة الدينية عند أهل السنة والجماعة، وأنه يستند عليه في جميع أبواب الدين، ويدخل ذلك الأحكام الشرعية التي تتعلق بأهل الأديان الأخرى، فينبغي على كل من يشتغل بدراسة الأديان أن يعرف مواطن الإجماع في أحكام أهل الأديان.

‌‌رابعاً: العقل:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً مفهوم العقل عند أهل السنة: "العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال صلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك"(3).
فالعقل إذاً عند أهل السنة عبارة عن غريزة فطرية في الإنسان، يستطيع بها أن يميز بين الحق والباطل في المعتقدات، والصواب والخطأ في الأقوال والأفعال، لكن دون استقلال عن الوحي، وهذا التحديد لمفهوم العقل يدل على أن السلف اهتموا بالعقل إدراكاً منهم بمكانته العظيمة.
وقد جعل علماء أهل السنة العقل احد دعائمهم في دراسة الأديان فهذا ابن تيمية يقول موضحاً أسس منهجه في الرد على النصارى: " ونبين - إن شاء الله- أن ما عليه النصارى من التثليث والاتحاد لم يدل عليه شيء من كتب الله، لا الإنجيل ولا غيره، بل دلت على نقيض ذلك، ولا دل على ذلك عقل، بل العقل الصريح مع نصوص الأنبياء يدل على نقيض ذلك"(4).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 3/ 154.
(2) انظر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 1/ 151 - 154.
(3) مجموع الفتاوى 3/ 338 - 339.
(4) انظر: الجواب الصحيح 1/ 23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

‌‌المبحث الثاني: منهج الاستدلال:
ومعرفة هذا المنهج مهم، إذ أن كل من ينتسب إلى الإسلام يدعي أنه يستمد أحكامه من الكتاب والسنة، ويعتمد عليها، والاختلاف في منهج الاستدلال هو الفيصل بين منهج أهل السنة في التعامل مع الأدلة، وبين مناهج المخالفين، فلأهل السنة قواعد منهجية تميز منهجهم في الاستدلال وتضبطه، والتزامهم بهذه القواعد جنبهم الاضطراب في المنهج، والحيرة الفكرية التي لازمت الفرق الأخرى ومن أهم هذه القواعد في مجال دراسة الأديان:

‌‌1 - الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة والتسليم لها:
قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85](1). وقد التزم أهل السنة والجماعة على هذه القاعدة امتثالاً لأمر الله، واحترازاً من هذا الوعيد الذي وجه إلى من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه"(2).
وقال ابن أبي العز: "فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول، والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة، أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان"(3).

‌‌2 - اشتمال الكتاب والسنة على أصول الدين:
يؤمن أهل السنة والجماعة أن الكتاب والسنة وافيان لأمور الدين أصولاً وفروعاً، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89](4). وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38](5).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة الآية: 85.
(2) مجموع الفتاوى 3/ 41.
(3) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي تحقيق د. التركي والأرنؤوط، ص 1/ 228، مؤسسة الرسالة، 1415.
(4) سورة النحل الآية: 89.
(5) سورة الأنعام الآية: 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

وقد شهد هذا الكمال والوفاء بكل شيء، حتى الخصوم من الأمم الأخرى، فقد قال أحد اليهود لسلمان الفارسي رضي الله عنه: "قد علّم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة، فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول"(1)، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد علم الأمة حتى الخراءة فإنه من باب الأولى أن يعلمهم كليات هذا الدين، وهذا ما يعتقده أهل السنة اعتقاداً جازماً، لا تزلزله الشبهات، ولا تزعزعه الفتن، وقد تضافرت أقوالهم على هذا: يقول ابن حزم: "كتاب الله عز وجل .. هو جامع علوم الأولين والآخرين .. لم يفرط فيه من شيء .. من فهمه كفاه، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي بيان الحق ونور الألباب"(2)
ويقول ابن تيمية: "فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً"(3)
وقد ظهرت أهمية هذه القاعدة، وفائدتها العظيمة لدى علماء السلف في مجال دراسة الأديان، لا سيما في المقارنة بين الإسلام وبين اليهودية والنصرانية.

‌‌3 - أصول الدين واحدة لا نسخ فيها ولا في الأخبار:
إن معرفة ما يدخله النسخ مما لا يدخله من الشريعة، أمر في غاية الأهمية، لأنه من خلاله يدرك أن النسخ لا يستلزم على أمر محال؛ وإنما يكون لحكمة ومصلحة، كما يعرف به كذب من يدعي نسخ ما لا يدخله النسخ من أمور الدين، وحقيقة الأمر أن الشريعة نوعان:
الأول: خبر: ويدخل فيه كل ما أخبر الله تعالى أنه سيكون، أو كان، أو وعدنا، أو قص علينا من أخبار الأمم الماضية، وما قص علينا من أخبار الجنة والنار، والحساب، والعقاب، والبعث والحشر، وخلق السماوات والأرض .. وكذلك ما أخبرنا الله تعالى به عن ذاته وصفاته، وأفعاله، فهذا وشبهه من الأخبار المحضة لا يجوز دخول النسخ عليه(4).
الثاني: الأوامر والنواهي يجوز دخول النسخ فيها شريطة ألا تتعلق بالاعتقادات، وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات، لأن الشريعة مبنية على حفظ هذه الكليات(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب الاستطابة ص 129، رقم الحديث 262.
(2) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/ 234 بتصرف.
(3) مجموع الفتاوى 2/ 237.
(4) انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه أبي محمد مكي ابن أبي طالب القيسي تحقيق أحمد حسن فرحان، ص 57، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى.
(5) المصدر السابق ص 75، مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبدالعظيم الزرقاني، ص 2/ 211، مطبعة عيسى البابي الحلبي. مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان، ص 233، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية والثلاثون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

وبناء على هذا فإن الكلام ينصرف إلى النوع الأول عندما يقال أصول الأديان السماوية واحدة لا نسخ فيها، وإلى النوع الثاني عند ما يقال الإسلام ناسخ للأديان السابقة.
والمقصود هنا بيان أن علماء المسلمين حددوا ما يدخله النسخ مما لا يدخله، فانحصر ما ينقل عن الأنبياء السابقين إما أن يكون من النوع الذي يدخله النسخ، فإذا خالف هذا حكماً ثابتاً في الإسلام علم إما نسخه أو تبديله، أما إذا نقل شيئاً يخالف الشريعة الإسلامية مما لا يدخله النسخ علم بطلان هذا المنقول قطعاً، وهذا النهج لا يستقيم إلا لمن انطلق من هذه القاعدة.

‌‌4 - رد التنازع إلى الكتاب والسنة:
تميز منهج أهل السنة بتحكيم الشريعة والتحاكم إليها في ما تنازع الناس فيه من أمور الدين امتثالاً لأمر الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59](1).
ويقينا منهم أن الكتاب جاء للفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، قال تعالى: {أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً} [النحل: 64](2)، قال ابن حزم: " فلم يسع مسلماً يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلاً للخروج عن أمرهما، وموجباً لطاعة أحد دونهما، فهو كافر لا شك عندنا في ذلك"(3).
وقد استعمل أهل الحق هذه القاعدة مع أهل الأديان، وهم في هذا الأمر مقتدون بالقرآن الذي طالب منهم إقامة دينهم والتحاكم بما أنزل الله إليهم. قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68](4)، وقال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} [المائدة: 47](5).--------------------------------------------
(1) سورة النساء الآية: 59.
(2) سورة النحل الآية: 64.
(3) الإحكام: ص 1/ 99.
(4) سورة المائدة الآية: 68.
(5) سورة المائدة الآية: 47.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

‌‌5 - درء التعارض بين نصوص الكتاب والسنة:
من منطلقات منهج أهل السنة ومسلماته الجزم على استحالة تعارض نصوص الكتاب والسنة بعضها مع بعض، إذ كلها وحي من عند الله، والله يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82](1). وكذلك السنة وحي بدلالة القرآن، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4](2)، فإن ظن ظان أن ثم تعارضاً بين بعض النصوص فهو في فهم الناظر، وليس في نفس الأمر، قال الشاطبي: "أدلة الشريعة لا تتعارض في نفس الأمر، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن قد يقع التعارض في فهم الناظر"(3).
وقد استخدم المسلمون هذه القاعدة في الرد على أهل الكتاب، وبيان بطلان أديانهم، وذلك بإثبات الاختلافات، والتناقضات الموجودة في كتبهم، والتي تدل على أن هذه الكتب قد حرفت وبدلت، ولا تمثل بأي حال وحياً منزلاً من عند الله.

‌‌6 - درء التعارض بين أدلة النقل وأدلة العقل:
من الأسس المنهجية في التعامل مع الأدلة عند أهل السنة والجماعة الجزم بعدم التعارض بين الأدلة الشرعية السمعية وبين الأدلة العقلية، ذلك أن النقل الصحيح والعقل الصريح دليلان شرعيان، والأدلة الشرعية كلها جاءت من عند الله، فيستحيل تعارضها، وما توهم من المسائل أنه قد تعارض فيها العقل والنقل، فلا يخلو الأمر: إما أن لا تكون من المسائل البينة المعروفة بصريح العقل، وإما أن يكون النقل المستدل به مكذوباً موضوعاً يعلم أهل النقل أنه كذب، أو يكون النقل صحيحاً، لكن في دلالة ضعيفة غلط المستدل بها على الشرع(4)، فكل عقل صريح صحيح خالص من الشبهات فإنه يطابق النقل الصحيح الصريح(5).--------------------------------------------
(1) سورة النساء الآية: 82.
(2) سورة النجم الآية: 3 - 4.
(3) الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم الشاطبي، ص 4/ 294، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة.
(4) انظر: درء تعارض العقل والنقل 1/ 148.
(5) انظر: مجموع الفتاوى 18/ 240.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة، يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وتأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد، والصفات ومسائل القدر، والنبوات، والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط"(1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند بيان منهجه في الرد على النصارى: "ونحن -ولله الحمد والمنة- نبين أن كل ما احتجوا به من حجة سمعية من القرآن، أو من الكتب المتقدمة على القرآن، أو عقلية، فلا حجة لهم في شيء منها، بل الكتب كلها مع القرآن، والعقل حجة عليهم لا لهم، بل عامة ما يحتجون به من نصوص الأنبياء، ومن المعقول فهو نفسه حجة عليهم، ويظهر منه فساد قولهم"(2).

‌‌7 - الجمع بين الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم:
وقف أهل السنة والجماعة موقفاً صحيحاً من المحكم والمتشابه تمَثّل في الإيمان بالكتاب كله، محكمه ومتشابهه، مع العمل بالمحكم، والإيمان بالمتشابه(3) حتى يتبين معناه ويتضح مدلوله، وذلك بالتدبر فيه، ومتابعة النظر، أو برده إلى المحكمات من النصوص، فإن النصوص يفسر بعضها بعضا(4).
وقد استعمل أهل السنة هذه القاعدة بعد تحريرها وتحديدها على هذا الوجه في الرد على أصحاب الأديان من اليهود والنصارى، الذين كان دأبهم إتباع المتشابهات وترك النصوص الصريحة سواء كان ذلك في أديانهم أو فيما احتجوا به من نصوص القرآن على صحة أديانهم.

‌‌8 - الأخذ بظواهر النصوص:
المراد بظواهر النصوص هو ما يتبادر إلى ذهن المخاطب من المعاني وليس المراد بالظاهر الاصطلاحي عند الأصوليين الذي يقابل النص(5). والمقصود هنا أن ظواهر النصوص مفهومة لدى المخاطبين(6).
فيجب أخذها، ودليل ذلك أن الله أرسل رسله على لغات أقوامهم قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4](7).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل 1/ 147.
(2) الجواب الصحيح 1/ 104، دار العاصمة.
(3) انظر: مجموع الفتاوى 17/ 386، الاعتصام 2/ 336.
(4) انظر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 2/ 491.
(5) انظر بدائع الفوائد لابن القيم، ص 4/ 9، دار الكتاب العربي، بيروت.
(6) انظر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 2/ 437.
(7) سورة إبراهيم الآية: 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

فعلّة إرسال الرسل على لغات أقوامهم هي أن يحصل التبيين، وهو التوضيح الذي يحصل به المقصود، وتقوم به الحجة، وتنقطع به المعذرة، ويلزم من هذا أن الأنبياء جاءوا بكلام مبين يفهمه المخاطبون به، وعلى هذا مذهب السلف، فلم يصرفوا النصوص عن ظاهرها التي دلت عليها اللغة العربية، وفهموها على حسب معهود العرب من الخطاب.

‌‌9 - الإسلام هو الدين المهيمن على غيرة من الأديان:
وبناء على هذا فإن الإسلام هو الدين الوحيد الذي من خلاله يعرف حقيقة الأديان السابقة فهو المصدر والوثيقة لها، لذا قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48](1).
فالقرآن هو المهيمن أي الشاهد المؤتمن، يشهد بما في كتب أهل الكتاب من الحق، ويبين ما حرف فيها، ويحكم بما أقره الله، وأمر به من أحكامها، وينسخ ما نسخه الله، وهو مؤتمن عليها في ذلك كله(2). ولهذا قال ابن جرير: " القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل"(3).--------------------------------------------
(1) سورة المائدة الآية: .48
(2) مناظرة بين الإسلام والنصرانية إعداد جمال عبد الهادي، ص 402، طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة و 1 لإرشاد.
(3) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 62.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

‌‌المبحث الثالث: المنهج في العرض والرد:
يلاحظ المتأمل في كتب السلف في الأديان والملل أن منهجهم في العرض والنقاش، والرد والمناظرات، قد تميز عن غيره من المناهج بخصائص تمثل قواعد وضوابط في العرض والنقاش، والرد والمناظرة، فهو منهج شمولي، يعرض الأديان المطلوب دراستها، فيناقش مبادئها، ويحللها تحليلاً نقدياً، ثم يرد ما فيها من باطل.

‌‌أولاً: العرض وخصائصه:
العرض هو الشكل أو القالب الذي يقدم بواسطته المصنف موضوعه، وتختلف أساليب العرض من مصنف إلى مصنف، كما تختلف تبعاً لاختلاف موضوع البحث، وبما أن الاشتغال بعلم الأديان مرتبط بعقيدة المسلم بكونه أداة من أدوات الدعوة إلى الله تعالى والدفاع عن الدين؛ فإنه يجب عليه أن يكون عرضه الأديان والملل عرضاً يحقق الأهداف الشرعية التي من أجلها يدرس هذا العلم، وأن يكون موافقاً لمنهج القرآن في عرض الأديان ونقدها، والملاحظ لكتب السلف يجد أن عرضهم لها يتميز بأمور منها:

1 - الوضوح: والوضوح الذي تميز به منهج السلف في دراسة الأديان يرجع إلى كونهم اتبعوا المنهج القرآني الذي يعرض قضايا الدين بالأسلوب السهل الواضح الذي يفهمه جميع الناس، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)} [القمر: 17](1)، وبمنهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يعالج الأمور بالكلام القليل الواضح الذي يجري مجرى الأمثال والحكم لقلة ألفاظه، وكثرة معانيه، ووضوحه، فإنك لو تأملت قوله صلى الله عليه وسلم: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذي من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم"(2) تبين لك سبب هلاك الأمم السابقة وهو كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.

2 - الدقة والشمولية في العرض: الدقة والشمولية من مقتضيات الأمانة العلمية، وهي مطلوبة في كل ما يعرض مهما كانت عداوة الخصم، فلا يجوز الكذب عليه، بل يعرض عقيدته، وأفكاره كما هي في المصادر المعتبرة لديه.--------------------------------------------
(1) سورة القمر الآية: 17.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع ونحو ذلك ص 959، رقم الحديث 1337.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

وإذا تأملت في كتب الأديان والملل فإنك تجد أن التزامهم إنما هو نتيجة طبيعية لإيمانهم بوجوب العدل مطلقاً، وإدراكهم أن نقد الأديان والملل لا يستقيم لهم مع الإخلال في عرضها، لأن ذلك يتيح للخصم أن يحتج عليهم بان العرض ناقص، والنقد كاذب(1).
يقول ابن تيمية في رده على النصارى: "وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلا فصلاً، وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعاً وأصلاً، وعقداً وحلاً"(2).
ومن ذلك عدم إطلاق حكم عام على أهل دين وملة ما قبل حصول البحث والاستقراء، فحرصوا على شمولية الاستقراء، وعدم إطلاق الأحكام العامة، إلا بعد التثبت والتدقيق.
وبهذه الدقة الناتجة عن سعة الاطلاع، وشمول الاستقراء كان السلف يعرضون عقائد أهل الأديان والملل، وآراءهم.

3 - العرض الموحي بالحكم الشرعي: من خصائص منهج أهل السنة في عرض العقائد، وأفكار المخالفين للإسلام أن الحكم الشرعي للأديان التي تدرس يظهر من خلال العرض، والسياق، الذي يوردون فيه، وما يعرضون من مقدمات ومنطلقات توحي إلى حكم ما سيعرض، ومن خلال الالتزام بالألفاظ الشرعية التي أطلقها الشارع على أهل الأديان والملل كتسميتهم بالكفار، والأعداء، ثم بحرصهم أن يعرض الباطل في صورته الحقيقية التي تظهر فساده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما القول الباطل فإذا بين فبيانه يظهر فساده"(3).

‌‌ثانياً- في المناقشة والرد:
إذا كان بعض مؤرخي الأديان والملل اكتفى بوصف الأديان، وعرضها دون بيان صحيحها من فاسدها، فإن علماء السلف كانوا يصفونها، ويعرضونها من أجل المناقشة والنقد.
وترجع قدرتهم على المناقشة إلى الأمور الآتية:
1 - كونهم أصحاب منهج واضح سليم من الأخطاء والمتناقضات والاضطراب.
2 - شدة حماسهم وغيرتهم وحرصهم على حماية الدين، وتفانيهم في الدفاع عنه ضد كل الخصوم، وقد دفعهم هذا الحماس والغيرة إلى خوض المناقشات والمناظرات مع المخالفين، وبالتالي أكسبهم خبرة ودراية في أساليب الحوار والمناقشة.
3 - سعة اطلاعهم، وعلو كعبهم في العلوم الشرعية.--------------------------------------------
(1) انظر: مسلمو أهل الكتاب وأثرهم في الدفاع عن القضايا القرآنية، د. محمد السحيم، ص 2/ 774، دار الفرقان، الطبعة الأولى.
(2) الجواب الصحيح 1/ 99.
(3) مجموع الفتاوى: ص 2/ 145. انظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه ص 225 - 233.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

وقد ناقشوا عقائد الأمم وأفكارها نقاشاً قائماً على العلم والعدل، وبعيداً عن العاطفة المثيرة، أو الادعاء والتشهي، وكان من ركائز هذا النقاش التحليل النقدي: المقارنة العلمية البعيدة عن التعصب الممقوت، والرد المحكم.
والمقارنة عند علماء السلف تارة تكون بين الحق والباطل، كالمقارنة بين الإسلام والأديان المحرفة(1)، وتارة تكون بين حقين كالمقارنة بين الإسلام وبين الديانة اليهودية قبل تحريفها ونسخها، وتارة تكون بين باطلين كالمقارنة بين الأديان الباطلة، وذلك لبيان أن كفر بعضها وفساد عقائدها أشد من بعض، وهو منهج قرآني، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82](2).
والقصد من هذه المقارنات كلها بيان الحق، وكشف الباطل. وقد تميز الرد عند السلف بأمور أهمها:
قوة الرد، وإحكام النقض لشبهات أهل الأديان والملل، بحيث لا تقوم قائمة لما يظنه أهل الباطل حججاً، وبراهين، ولأهمية هذا الأمر نهى السلف أن يناظر من ليس له أهليه في المناظرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد ينهون عن المجادلة، والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة … "(3).--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح 2/ 4، 2/ 52، 4/ 46
(2) سورة المائدة الآية: 82.
(3) درء تعارض العقل والنقل: 7/ 173. انظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه ص 233 - 235.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

‌‌الفصل السادس: مناهج المخالفين لأهل السنة في دراسة الأديان ونقدها

‌‌المبحث الأول: مناهج أهل الكلام في دراسة علم الأديان:
إن لبعض الفرق المبتدعة دورٌ في هذا العلم، مما يجعل ضرورة لكل باحث في مناهج علماء المسلمين في دراسة علم الأديان والملل أن يتناولها بالدراسة والنقد والتمحيص ليبين الحق من الباطل، وببيان خطأ مناهج المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة يتضح صواب منهج أهل السنة والجماعة وصحته.
وقد تنوعت الاتجاهات المخالفة لمنهج أهل السنة في دراسة الأديان والملل وهي نفس الاتجاهات التي خالفت منهج أهل السنة في أصول الدين، وبناءً على الأسس التي قامت عليها والقواعد التي اتخذتها في الاستدلال وفهم النصوص قامت بدراسة الأديان، مع أن بعض هذه الاتجاهات لم يكن لها جهود واضحة في دراسة الأديان.
فالصوفية مثلا ليس لها جهود ظاهرة في مجال علم الأديان والملل كبعض الفرق الكلامية الأخرى؛ وذلك بسب انعزالهم عن المخالطة، ثم منهجهم في اكتساب المعرفة له إسهام في ذلك، إذ إن معظم الصوفية يفرقون بين العلم والمعرفة حيث زعموا أن المعرفة تتطلب اتصالاً مباشراً -أي دون واسطة بين العبد وخالقه- وأن لفظ العلم غير مرادف للفظ المعرفة، والمعنى أن الصوفية لم يعولوا على الحس ولا على العقل والنقل، وإنما اعتمدوا على الأحوال والأذواق والمواجيد التي من قبيل الوجدانيات التي لا تعرف بالعقل وإنما بالقلب فقط، والتي لا تستمد من تجربة ولا معلم ولا كتاب، وإنما عن تجربة ذوقية باطنية، ومعرفة القلب الذي يعرف ويشاهد(1).
فانعزال الصوفية وابتداعهم هذا المنهج الذي أدى بهم إلى إنكار المنهج الشرعي المعتمد على النقل والعقل أدى إلى عدم بروزهم في مجال علم الأديان والملل إذ إن هذا العلم من العلوم التي تعتمد على النقل والعقل.
وهذا الاتجاه لا يمكن أن يمثل الإسلام ومنهجه في مجال دراسة الأديان لمخالفته منهج أهل السنة والجماعة مسلكاً ومعتقداً.
أما الفلاسفة سواء كانوا من الفلاسفة الخلص أو الذين خلطوا بين الفلسفة والآراء الكلامية لم يكونوا بعيدين عن مجال علم الأديان والملل وأن الفلسفة بطبيعة موضوعها والبيئة العلمية التي كانت سائدة بالفرق الكلامية ساعدا الفلاسفة في الإسلام على الخوض في ميدان علم الأديان والملل.
إن علم الأديان والملل عند هذا الاتجاه الذي نزع منزع الفلاسفة الأقدمين وأخذ بطريقتهم في تقرير الحقائق الغيبية والبحث عن أمور الدين والدفاع عنه لم يكن إلا مجموعة من الآراء والأقيسة المنطقية والتعليلات الفلسفية، وعلم الأديان والملل على منهاج هذا القوم غير مجد في تقرير الحق والدفاع عنه لأنه مبني على منهج أجنبي عن الحق، فينبغي استبعاده، ولعل مكمن الخطأ والخطورة في هذا الاتجاه يتلخص فيما يلي:
1 - أن أقوال الفلاسفة في الألوهية والنبوة والمعاد يصطدم بأصول الدين الإسلامي حيث يزعم الفلاسفة بقدم العالم، وأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات وحشر الأرواح دون الأجساد، وجعل النبوة من جنس المنامات.
2 - الاعتماد على العقل في تقرير العقائد.--------------------------------------------
(1) انظر: الفرق الكلامية الإسلامية د. علي عبد الفتاح المغربي، ص 119، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

أما الاتجاه الكلامي وهو من أهم الاتجاهات لكون أغلب الفرق المبتدعة تندرج تحته، فالشيعة، والماتريدية، والكلابية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرها من الفرق المبتدعة التي نحت منحى عقلياً تصنف في هذا الاتجاه، كما أن هذا الاتجاه يعد من أكثر الاتجاهات اهتماماً بعلم الأديان والملل، ومع أن كل صنف من هذه الأصناف قد تناول تقرير العقيدة الإسلامية، ورد على خصومها وفق المنظار الذي ارتضاه، إلا أن الإطار الذي يجمعها هو المنهج الكلامي.
فالمعتزلة مثلا كان لها جهود في علم الأديان والملل: وكان لها جولات وصولات في التصدي لأهل الأديان والملل والنحل قل أن تجد لها نظيراً في الفرق الكلامية الأخرى، وقد شملت جهودهم في الرد على اليهود والنصارى، وعلى الأديان الوضعية المجوسية والصابئة والزرادشية، والبراهمية، وعلى الزنادقة وغيرهم من المخالفين في الإسلام أو في المذهب(1).
وأخطاء المعتزلة في مجال دراسة الأديان حيث تمت دراسة علم الأديان والملل على ضوء أصولهم الخمسة: فقد آمن المعتزلة بالأصول الخمسة(2) وأخضعوا نصوص الوحي لهذه الأصول، إما بالتأويل أو برد السنة التي زعموا أنها أحاديث آحاد، ثم قاموا على ضوء تلك الأصول في مقاومة التحديات العقدية التي كان مصدرها من أهل الأديان المختلفة، فالتوحيد أو التنزيه المطلق لله الذي يقصد عند المعتزلة "نفي صفات الرب" كان في مواجهة القول بتعدد الآلهة الذي كان يعتقده النصارى والثنوية، والتجسيم والتشبيه الذي كان معروفاً في عقائد اليهود، والاتحاد والحلول الذي كان مصدره إما عن اليهود وإما عن أديان الهند من البراهمة والبوذية(3). والخطأ الذي وقع فيه المعتزلة أنهم واجهوا خطأ بخطأ.
أما الأشاعرة فقدموا جهوداً كبيرة في مجال علم الأديان والملل وتمثلت هذه الجهود في مصنفات مستقلة لهذا العلم، وفي مباحث ضمنت في العلوم الأخرى، خاصة في علم الكلام وفي الردود والمناظرات التي كانت تحدث بين أعلام الأشاعرة وبين أتباع الأديان والملل والنحل، ولذلك تجد أن أغلب الكتب التي تكلمت عن الملل والنحل والأديان هي من كتب الأشاعرة ومن ذلك الباقلاني الذي رد على جميع أصناف الأديان والملل والنحل وذلك من خلال كتابه التمهيد، والجويني فقدم جهوداً كثيرة من خلال كتبه الكلامية كالشامل والإرشاد ومن خلال كتابه "شفاء الغليل"، والغزالي الذي ألف في الرد على النصارى، ثم الشهرستاني صاحب الموسوعة ودائرة المعارف في الأديان والفرق، والبغدادي صاحب كتاب الملل والنحل؛ ولكنهم كذلك ردوا الخطأ بالخطأ بناء على عقائدهم في التوحيد والأسماء والصفات وغيره من العقائد. وسيأتي الكلام عن بيان خطاءهم في ذلك في المبحث التالي.--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة، ص 131، دار الفكر العربي 1989 م.، مقدمات العلوم والمناهج لأنور الجندي، ص 2/ 96 - 99، دار الأنصار، القاهرة.
(2) انظر: الأصول الخمسة عند المعتزلة لعواد المعتق.
(3) مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، د. عبدالمجيد النجار، ص 83، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

‌‌المبحث الثاني: الأسس المنهجية لدراسة الأديان والملل عند أهل الكلام ونقدها:

‌‌أولاً: مصادر الاستدلال عند المخالفين:
المقرر في هذه المسألة عند أغلب الفرق أن مصادر الاستدلال هي: نفس مصادر أهل السنة، قال زعيم المعتزلة واصل مبيناً مصادر الاستدلال: "إن الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجمع عليه، وحجة عقل، أو إجماع من الأمة"(1). وورد في شرح الأصول الخمسة: أن الأدلة أربعة: حجة العقل، والكتاب والسنة والإجماع(2). هذا عند المعتزلة أما إذا جئنا إلى الأشاعرة فنجدهم يزيدون على الأربعة السابقة مصدراً آخر وهو القياس(3). ولكن بعضهم ردّ القياس إلى النص والإجماع فانحصرت الأدلة عنده بالأربعة الأخرى(4).
وهي من الناحية النظرية قريبة إلى منهج أهل السنة وإن خالفت في التفريق بين الأحاديث المتواترة والآحاد، لكن إذا انتقلنا إلى موقف أهل الأهواء من دلالة النصوص وكيفية ترتيبها والاستدلال بها نجد أنه مخالف لمنهج أهل السنة؛ بحيث قدموا العقل على النقل، عارضوا النصوص الشرعية بالعقل إلى غير ذلك.

‌‌ثانياً: تقديم العقل على النقل:
يخالف المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من المبتدعة أهل السنة في ترتيب مصادر الاستدلال وفي حجية دلالتها، حيث قدموا العقل على النقل.
ومن ثم فلا يصح الاستدلال بدليل سمعي على أية مسائل من المسائل الكلامية المتعلقة بوجود الله تعالى وصفاته وكل ما تتوقف عليه صحة النبوة.
بل لقد بلغ الشطط ببعض المتكلمين حيث حاولوا توهين الدليل السمعي وإضعافه مطلقاً كتاباً كان أو سنة في قضايا العقيدة، وتقديم الدليل العقلي عليه، كما فعل الرازي حيث قال: "إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين أو القطع زاعماً أن "الأدلة اللفظية مبنية على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني: فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإٍسلام د. علي سامي النشار 1/ 403، دار المعارف، الطبعة الثلاثة.
(2) شرح الأصول الخمسة، لعبدالجبار بن أحمد المعتزلي، تحقيق عبدالكريم عثمان، ص 88، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى.
(3) انظر: الإحكام في أصول الأحكام الآمدي 1/ 135، تحقيق إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
(4) انظر: المصدر السابق 1/ 136.
(5) المحصول في علم أصول الفقه، للفخر الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني، ص 1/ 547، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1399.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

وعلى ضوء هذا النهج الموهن لنصوص الشرع المفرط في تعظيم العقل ناقش المتكلمون أتباع الأديان الأخرى فهذا القاضي عبد الجبار يقول في معرض نقاشه عقائد النصارى: "فأما من عول منهم في هذا الباب على إتباع من سلف والرجوع إلى الكتب وتقليد التلاميذ فقوله ساقط، لأن الكلام في صفة القديم عز وجل وما يصح عليه وما لا يصح لا يجوز أن يرجع فيه إلى السمع .. "(1).
بل نجده يصرح أن استدلاله للنصوص حتى في المسائل التي أورد فيها نصوصاً أنه أوردها من باب الاعتضاد لا الاعتماد، يقول القاضي في فصل " إثبات أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة "بعد إيراده نصوصاً نقلية كثيرة" وإنما نذكر هذه الألفاظ تأكيداً والعمدة ما ذكرناه من العلم الضروري بدينه وقصده .. "(2).

‌‌ثالثاً: التأويل الكلامي:
انطلاقاً من وجوب تقديم العقل على النقل ذهب المتكلمون إلى وجوب تأويل النصوص التي رأوا أن ظاهرها يخالف العقل، يقول الغزالي: "كلّ خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري عز وجل يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نُظِرَ إن تطرق إليه التأويل قُبِل وأول، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل"(3).
أما الرازي فقد زعم أن المصير إلى التأويل أمر لابد منه(4) وجاء بـ "القانون الكلي" القائل بوجوب تقديم العقل وتأويل النقل أو تفويضه.
وقد استعمل طوائف المبتدعة التأويل في مناقشاتهم مع غير المسلمين سواء في أجوبتهم عن الأسئلة الموجهة إليهم أو في النقد الذي كانوا يوجهونه للأديان الأخرى. فانظر أجوبة فخر الدين الرازي في مناظرته مع النصراني حين زعم النصراني أن في القرآن آيات موهمة للتشبيه ومثل بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5](5) وقوله تعالى: {رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22](6) وقوله تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67](7) وآيات من الآيات الدالة بصفات الرب الاختيارية(8)، فقال الفخر الرازي مجيباً وفق مذهب النافي للصفات الاختيارية: "وأما الجواب عن الأحاديث والآيات الموهمة للتشبيه، فاعلم أنه إذا ثبت عند كلّ عاقل مثلا أن الجدار جماد لا حي ثم يوصف بعد ذلك بالإرادة في قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77](9) علم قطعاً بضرورة العقل أن وصفه بالإرادة إنما هو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة"(10).--------------------------------------------
(1) المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبدالجبار المعتزلي، تحقيق محمود محمد الخضري، ص 5/ 142.
(2) المصدر السابق 16/ 424، تحقيق أمين الخولي.
(3) المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد الغزالي تحقيق محمد حسن هيتو ص 286.
(4) انظر: أساس التقديس لفخر الرازي تحقيق د. أحمد حجازي السقا ص 95 دار الجيل - بيروت.
(5) سورة طه الآية: 5.
(6) سورة الفجر الآية: 22.
(7) سورة الزمر الآية: 67.
(8) انظر: مناظرات في الرد على النصارى للرازي، تحقيق عبدالمجيد النجار، ص 57 - 58، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1986.
(9) سورة الكهف الآية: 77.
(10) مناظرات في الرد على النصارى ص 69.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)