القرآن محكم ومتشابه:
ولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم إذ قال سبحانه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه إذ قال جل ذكره: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً} وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه إذ قال عز اسمه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين متقن متين لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن ولا ينتابه تصدع ولا وهن ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه حتى أنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز كأنه حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها.
وأما أن بعضه حكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم فالأول هو المحكم والثاني هو المتشابه على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكما أي متقنا وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في هذا الإتقان والإحكام وبين كونه منقسما إلى ما اتضحت دلالته على مراد الله وما خفيت دلالته بل إن انقسامه هذا الانقسام محقق لما فيه كله من إحكام وتشابه بالمعنى السابق وسيأتيك نبأ ذلك في بيان الحكمة من وجود متشابهات خفية إلى جانب واضحات ظاهرة في القرآن الكريم.
ويمكنك أن ترجع هذه التأويلات إلى الإطلاقات اللغوية السالفة فالقرآن كله محكم أي متقن لأن الله صاغه صياغة تمنع أن يتطرق إليه خلل أو فساد في اللفظ أو المعنى والقرآن متشابه لأنه يماثل بعضه بعضا في هذا الإحكام مماثلة مفضية إلى التباس التمييز بين آياته وكلماته في ذلك والقرآن منه محكم أي واضح المعنى المراد وضوحا يمنع الخفاء عنه ومنه متشابه فيه وجوه مختلفة من المماثلة مستلزمة لخفاء هذا المعنى المراد.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧١)
المعنى الاصطلاحي:
يطلق المحكم في لسان الشرعيين على ما يقابل المنسوخ تارة وعلى ما يقابل المتشابه تارة أخرى فيراد به على الاصطلاح الأول الحكم الشرعي الذي لم يتطرق إليه نسخ ويراد به على الثاني ما ورد من نصوص الكتاب أو السنة دالا على معناه بوضوح لا خفاء فيه على ما سيأتي تفصيله وموضوع بحثنا هنا هو هذا الاصطلاح الثاني أما الأول فقد بيناه في المبحث السابق حيث عرفنا النسخ وبسطنا أدلته وأحكامه وما قيل فيه ومنه يعرف مقابله وهو المحكم وبضدها تتميز الأشياء وعلى هذا الاصطلاح يحمل ما أخرج عبد بن عمير عن الضحاك قال المحكمات ما لم ينسخ والمتشابهات ما قد نسخ.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٢)
آراء العلماء في معنى المحكم والمتشابه
يختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة:
1 - منها أن المحكم هو الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ أما المتشابه فهو الخفي الذي لا يدرك معناه عقلا ولا نقلا وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور وقد عزا الألوسي هذا الرأي إلى السادة الحنفية.
2 - ومنها أن المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل أما المتشابه فهو ما استأثر تعالى بعمله كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور وينسب هذا القول إلى أهل السنة على أنه هو المختار عندهم.
3 - ومنها أن المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل أما المتشابه فهو ما احتمل أوجها ويعزى هذا الرأي إلى أن ابن عباس ويجري عليه أكثر الأصوليين.
4 - ومنها أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان أما المتشابه فهو الذي لا يستقل بنفسه بل يحتاج إلى بيان فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا لحصول الاختلاف في تأويله ويحكى هذا القول عن الإمام أحمد رضي الله عنه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٢)
5 - ومنها أن المحكم هو السديد النظم والترتيب الذي يفضي إلى إثارة المعنى المستقيم من غير مناف أما المتشابه فهو الذي لا يحيط العلم بمعناه المطلوب من حيث اللغة إلا أن تقترن به أمارة أو قرينة ويندرج المشترك في المتشابه بهذا المعنى وهو منسوب إلى إمام الحرمين.
6 - ومنها أن المحكم هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان أما المتشابه فنقيضه وينتظم المحكم على هذا ما كان نصا وما كان ظاهرا وينتظم المتشابه ما كان من الأسماء المشتركة وما كان من الألفاظ الموهمة للتشبيه في حقه سبحانه وقد نسب هذا القول إلى بعض المتأخرين ولكنه في الحقيقة رأي الطيبي إذ قال فيما حكى السيوطي عنه:
المراد بالمحكم ما اتضح معناه والمتشابه بخلافه لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أو لا الثاني النص والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير ارجح أو لا الأول الظاهر والثاني إما أن يكون مساويه أو لا الأول هو المجمل والثاني المؤول فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه.
ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء فقال أولا: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} إلى أن قال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} وكان يمكن أن يقال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ} استقامة فيتبعون المحكم لكنه وضع موضع ذلك {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} لإتيان لفظ الرسوخ لأنه لا يحصل إلا بعد التثبت العام والاجتهاد البليغ فإذا استقام القلب على طريق الرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق وكفى بدعاء
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٣)
الراسخين في العلم: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} شاهدا على أن {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مقابل لقوله {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} وفيه إشارة إلى أن الوقف تام على قوله: {إِلَّا اللَّهَ} وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى وأن من حاول معرفته فهو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: {فَاحْذَرْهُمْ} اهـ.
وهو كلام نفيس كما تراه والحديث الذي نوه به أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} إلى قوله: {أُولُو الْأَلْبَابِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم".
7 - ومنها أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر أما المتشابه فما كانت دلالته غير راجحة وهو المجمل والمؤول والمشكل ويعزى هذا الرأي إلى الإمام الرازي واختاره كثير من المحققين وقد بسطه الإمام فقال ما خلاصته.
اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى إما إلا يكون محتملا لغيره أو يكون محتملا لغيره الأول النص والثاني إما أن يكون احتماله لأحد المعاني راجحا ولغيره مرجوحا وإما أن يكون احتماله لهما بالسوية واللفظ بالنسبة للمعني الراجح يسمى ظاهرا بالنسبة للمعنى المرجوح يسمى مؤولا وبالنسبة للمعنيين المتساويين أو المعاني المتساوية يسمى مشتركا وبالنسبة لأحدهما على التعيين يسمى مجملا وقد يسمى اللفظ مشكلا إذا كان معناه الراجح باطلا ومعناه المرجوح حقا.
إذا عرفت هذا فالمحكم ما كان دلالته راجحة وهو النص والظاهر لاشتراكهما في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من الغير والظاهر راجح غير مانع منه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٤)
أما التشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة وهو المجمل والمؤول والمشكل لاشتراكها في أن دلالة كل منها غير راجحة وأما المشترك فإن أريد منه كل معانيه فهو من قبيل الظاهر وإن أريد بعضها على التعيين فهو مجمل.
ثم إن صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيا وإما أن يكون عقليا والدليل اللفظي لا يكون قطعيا لأنه موقوف على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والتصريف وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم الإضمار وعدم التخصيص وعدم المعارض العقلي والنقلي وكل ذلك مظنون والموقوف على المظنون مظنون.
وعلى ذلك فلا يمكن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى مرجوح بدليل لفظي في المسائل الأصولية الاعتقادية ولا يجوز صرفه إلا بواسطة قيام الدليل القطعي العقلي على أن المعنى الراجح محال عقلا وإذا عرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى فعند ذلك لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح ما هو لأن طريقه إلى تعيينه إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وبترجيح تأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يكون إلا بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد إلا الظن والتعويل عليها في المسائل القطعية لا يفيد لذا كان مذهب السلف عدم الخوض في تعيين التأويل في المتشابه بعد اعتقاد أن ظاهر اللفظ محال لقيام الأدلة العقلية القطعية على ذلك اهـ.
نظرة في هذه الآراء:
نحن إذا نظرنا في هذه الآراء لا نجد بينها تناقضا ولا تعارضا بل نلاحظ بينها تشابها وتقاربا بيد أن رأي الرازي أهداها سبيلا وأوضحا بيانا لأن أمر الإحكام والتشابه يرجع فيما نفهم إلى وضوح المعنى المراد للشارع من كلامه وإلى عدم وضوحه وتعريف الرازي جامع مانع من هذه الناحية لا يدخل في المحكم ما كان خفيا ولا في
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٥)
المتشابه ما كان جليا لأنه استوفى وجوه الظهور والخفاء استيفاء تاما في بيان تقسيمه الذي بناه على راجح ومرجوح والذي أعلن لنا منه أن الراجح ما كان واضحا لا خفاء فيه وأن المرجوح ما كان خفيا لا جلاء معه.
وقريب منه رأي الطيبي الذي قبله حتى كأنه هو غير أنه لم يستوف وجوه الظهور والخفاء استيفاء الرازي أما رأي إمام الحرمين ففيه شيء من الإبهام.
وكذلك رأي الإمام أحمد لا ندري ما مراده بالبيان الذي يحتاج إليه المتشابه ولا يحتاج إليه المحكم؟.
ورأي ابن عباس يخرج الظاهر من المحكم ويدخله في المتشابه مع أنه من الواضحات واحتماله لغير معناه الراجح احتمال ضعيف لا يقدح في ظهوره ووضوحه.
والرأي الثاني بعكس الآية فيدخل في المحكم كثيرا من الخفيات ويقصر المتشابه
على نوع واحد منها فيكون تعريف المحكم فيه غير مانع وتعريف المتشابه غير جامع بالنسبة إلى المذهب المختار وهو مذهب الرازي.
والرأي الأول المنسوب إلى الأحناف يقصر تعريف المحكم على النص وتعريف المتشابه ما استأثر الله بعلمه ويلزم عليه وجود واسطة لا تدخل في المحكم ولا في المتشابه ويكون تعريفهما غير جامع بالنسبة للمذهب المختار أيضا.
آراء أخرى:
واعلم أن وراء هذه الآراء آراء أخرى:
1 - منها أن المحكم هو الذي يعمل به أما المتشابه فهو الذي يؤمن به ولا يعمل به
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٦)
وقد روى السيوطي هذا القول عن عكرمة وقتادة وغيرهما وفيه أن ذلك قصر للمحكم على ما كان من قبيل الأعمال وقصر للمتشابه على ما كان من قبيل العقائد وإطلاق القول فيهما على هذا الوجه غير سديد فإن أرادوا بالمحكم أنه هو الواضح الذي يؤخذ بمعناه على التعيين وبالمتشابه ما كان خفيا يجب الإيمان به دون تعيين لمعناه نقول إن أرادوا ذلك فالعبارة قاصرة عن أداء هذا المراد والمراد منها لا يدفع الإيراد عليها.
2 - ومنها أن المحكم ما كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان وفيه أن هذا التفسير قاصر عن الوفاء بكل ما كان واضحا وكل ما كان خفيا.
3 - ومنها أن المحكم ما لم يتكرر لفظه والمتشابه ما تكرر لفظه وفيه أن هذا المعنى بالنسبة إلى المتشابه أقرب إلى اللغة منه إلى الاصطلاح الذي عليه الجمهور وفيه إهمال لما اعتبر هنا من أمر الخفاء والظهور.
4 - ومنها أن المحكم ما لم ينسخ والمتشابه ما نسخ وفيه أن هذا اصطلاح آخر نوهنا به سابقا
ونظرا إلى أن هذه الآراء أضعف من تلك الآراء التي قدمناها وأبعد عنها في ملحظها ومغزاها افردناها بالذكر ولم نسلكها مع تلك في سمط واحد.
وعلى كل حال فالأمر سهل وهين لأنه يرجع إلى الاصطلاح أو ما يشبه الاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ولولا أن تفسير آية آل عمران التي مرت في كلامنا وكلام الطيبي لا يتمشى بسهولة على هذه الآراء المرجوحة لما أتعبنا أنفسنا في مناقشتها ونقدها وفي اختيار رأي الرازي من بينها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٧)
منشأ التشابه وأقسامه وأمثلته
نعلم مما سبق أن منشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ومنه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ والمعنى معا.
فالقسم الأول وهو ما كان التشابه فيه راجعا إلى خفاء في اللفظ وحده منه مفرد ومركب والمفرد قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة غرابته أو من جهة اشتراكه والمركب قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة اختصاره أو من جهة بسطه أو من جهة ترتيبه.
مثال التشابه في المفرد بسبب غرابته وندرة استعماله لفظ الأب بتشديد الباء في قوله سبحانه: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} وهو ما ترعاه البهائم بدليل قوله بعد ذلك: {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} .
ومثال التشابه في المفرد بسبب اشتراكه بين معان عدة لفظ اليمين في قوله سبحانه: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} أي فأقبل إبراهيم على أصنام قومه ضاربا لها باليمين من يديه لا بالشمال أو ضاربا لها ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين أو ضاربا لها بسبب اليمين التي حلفها ونوه بها القرآن إذ قال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} كل ذلك جائز ولفظ اليمين مشترك بينها.
ومثال التشابه في المركب بسبب اختصاره قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه والأصل وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء ومعناه أنكم إذا تحرجتم من زواج اليتامى مخافة أن تظلموهن فأمامكم غيرهن فتزوجوا
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٨)
منهن ما طاب لكم وقيل إن القوم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى فأنزل الله الآية ومعناه إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنى أيضا وتبدلوا به الزواج الذي وسع الله عليكم فيه فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
ومثال التشابه يقع في المركب بسبب بسطه والإطناب فيه قوله جلت حكمته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فإن حرف الكاف لو حذف وقيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع من هذا التركيب الذي ينحل إلى ليس مثل مثله شيء وفيه من الدقة ما يعلو على كثير من الأفهام.
ومثال التشابه يقع في المركب لترتيبه ونظمه قوله جل ذكره {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّماً} فإن الخفاء هنا جاء من جهة الترتيب بين لفظ {قَيِّماً} وما قبله ولو قيل أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا لكان أظهر أيضا.
واعلم أن مقدمة هذا القسم فواتح السور المشهورة لأن التشابه والخفاء في المراد منها جاء من ناحية ألفاظها لا محالة.
والقسم الثاني هو ما كان التشابه فيه راجعا إلى خفاء المعنى وحده مثاله كل ما جاء في القرآن الكريم وصفا لله تعالى أو لأهوال القيامة أو لنعيم الجنة وعذاب النار فإن العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق ولا بأهوال القيامة ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار وكيف السبيل إلى أن يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه وما يكن فينا مثله ولا جنسه؟.
واعلم أن في مقدمة هذا القسم المشكلات المعروفة بمتشابهات الصفات فإن التشابه
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧٩)
والخفاء لم يجيء ناحية غرابة في اللفظ أو اشتراك فيه بين عدة معان أو إيجاز أو إطناب مثلا فتعين أن يكون من ناحية المعنى وحده.
القسم الثالث وهو ما كان التشابه فيه راجعا في اللفظ والمعنى معا له أمثلة كثيرة منها قوله عز اسمه: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} فإن من لا يعرف عادة العرب في الجاهلية لا يستطيع أن يفهم هذا النص الكريم على وجهه ورد أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته يدخل ويخرج منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل قول الله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
فهذا الخفاء الذي في هذه الآية يرجع إلى اللفظ بسبب اختصاره ولو بسط لقيل وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة ويرجع الخفاء إلى المعنى أيضا لأن هذا النص على فرض بسطه كما رأيت لا بد معه من معرفة عادة العرب في الجاهلية وإلا لتعذر فهمه.
قال الراغب في مفردات القرآن المتشابه بالجملة ثلاثة أضرب متشابه من جهة اللفظ فقط ومن جهة المعنى فقط ومن جهتهما فالأول ضربان أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة إما من جهة الغرابة نحو الأب ويزفون أو الاشتراك كاليد واليمين وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ} وضرب لبسطه نحو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع وضرب لنظم الكلام نحو {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّماً} تقديره أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٠)
والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة فإن تلك الأوصاف لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه.
والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو اقتلوا المشركين والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو فانكحوا ما طاب لكم من النساء والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو اتقوا الله حق تقاته والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية الخامس من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشروط الصلاة والنكاح وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم اهـ.
وهو كلام جيد غير أن في بعضه شيئا.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨١)
أنواع المتشابهات
يمكننا أن ننوع المتشابهات على ضوء ما سبق ثلاثة أنواع:
النوع الأول ما لا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله وحقائق صفاته وكالعلم بوقت القيامة ونحوه من الغيوب التي استأثر الله تعالى بها {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
النوع الثاني ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس كالمتشابهات التي نشأ التشابه فيها من الإجمال والبسط والترتيب ونحوها مما سبق.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨١)
النوع الثالث ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعاني العالية التي تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب الله.
قال الراغب المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة وضرب متردد بين الأمرين يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو المشار إليه بقوله لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٢)
ثالثتها ما ذكره الفخر الرازي بقوله إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام وطبائع العوام تنبوا في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي محض فيقع في التعليل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم اهـ وهذه الحكمة ظاهرة في متشابه الصفات.
رابعتها إقامة دليل على عجز الإنسان وجهالته مهما عظم استعداده وغزر علمه وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علما وأن الخلق جميعا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وهناك يخضع العبد ويخشع ويطامن من كبريائه ويخنع ويقول ما قالت الملائكة بالأمس: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .
قال بعض العارفين العقل مبتلى باعتقاد أحقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره وقيل لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس إلى التذلل بذل العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها ولهذا ختم الآية يريد آية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} بقوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} تعريضا للزائغين ومدحا للراسخين ويعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولي العقول
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٣)
ومن ثم قال الراسخون في العلم: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} فخضعوا لباريهم لاستنزال العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني اهـ.
خامستها ما ذكره الفخر الرازي أيضا بقوله لو كان أي القرآن كله محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلا لجميع المذاهب المخالفة له وذلك منفر لأرباب المذاهب الأخرى عن النظر فيه أما وجود المتشابه والمحكم فيه فيطمع كل ذي مذهب أن يجد فيه كل ما يؤيد مذهبه فيضطر إلى النظر فيه وقد يتخلص المبطل عن باطله إذا أمعن فيه النظر فيصل إلى الحق.
يضاف إلى هذه الحكم الخمس ما ذكرناه عند الكلام على فواتح السور ودفع الشبهات عنها بالجزء الأول من هذا الكتاب "ص 219 – 230" بالطبعة الثانية.
وأما النوع الثاني والثالث من المتشابهات فتلوح لنا في ذكره واشتمال القرآن عليه حكم خمس أيضا.
أولاها تحقيق إعجاز القرآن لأن كل ما استتبع فيه شيئا من الخفاء المؤدي إلى التشابه له مدخل عظيم في بلاغته وبلوغه الطرف الأعلى في البيان ولو أخذنا في شرح هذا لضاق بنا المقام وخرجنا جملة من هذا الميدان إلى ميدان علوم البلاغة وما حوت من خواص وأسرار للإيجاز والإطناب والمساواة والتقديم والتأخير والذكر والحذف والحقيقة والمجاز ونحو ذلك.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٤)
ثانيتها تيسير حفظ القرآن والمحافظة عليه لأن كل ما احتواه من تلك الوجوه المستلزمة للخفاء دال على معان كثيرة زائدة على ما يستفاد من أصل الكلام ولو عبر عن هذه المعاني الثانوية الكثيرة بألفاظ لخرج القرآن في مجلدات واسعة ضخمة يتعذر معها حفظه والمحافظة عليه: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} .
وكذلك يدرك القارئ لدقة القرآن وعلو أسلوبه روعة ولذة تغريه على قراءته وتشجعه على استظهاره وحفظه.
ثالثتها ما ذكره الفخر الرازي بقوله متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} .
رابعتها ما ذكره الفخر أيضا بقوله باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى تحصيل علوم كثيرة مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال فكان وجود المتشابه سببا في تحصيل علوم كثيرة.
خامستها ما ذكره أيضا بقوله باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية فيتخلص من ظلمة التقليد وفي ذلك تنويه بشأن العقل والتعويل عليه ولو كان كله محكما لما احتاج إلى الدلائل العقلية ولظل العقل مهملا اهـ.
ملاحظة:
يمكن اعتبار بعض هذه الحكم في النوع الأول كما يمكن اعتبار بعض حكم النوع الأول هنا لكن بشيء من التكليف ولقد راعينا ما يجب أن تراعيه من أن بعض هذه الحكم لا تتأتى إلا في أنواع خاصة من المتشابهات ولكن المجموع يتحقق في المجموع وذلك كاف في صحة هذا العرض فاكتف أنت به ولاحظه وبالله تعالى التوفيق.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٥)
متشابه الصفات
عرفنا أن المتشابهات تجمع ألوانا مختلفة ونزيدك هنا أن من بينها لونين كثر الكلام فيهما أولهما فواتح السور نحو آلم ق طس وما أشبهها وقد أفضنا القول فيها بالمبحث السابع من الجزء الأول من هذا الكتاب ثانيهما الآيات المشكلة الواردة في شأن الله تعالى وتسمى آيات الصفات أو متشابه الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد سماه رد المتشابهات إلى الآيات المحكمات مثل قوله سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وما أشبهه وإنما أفرد هذا النوع بالذكر وبالتأليف لأنه كثر فيه القيل والقال وكان فتنة ارتكس فيها كثير من القدامى والمحدثين.
الرأي الرشيد في متشابه الصفات
علماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها.
فأول ما اتفقوا عليه صرفها عن ظواهرها المستحيلة واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القاطعة وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته؟.
ثانيه أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويدر طعن الطاعنين.
ثالثه أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا وجب القول به إجماعا وذلك كقوله سبحانه: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد هو الكينونة معهم بالإحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٦)
وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول مذهب السلف ويسمى مذهب المفوضة بكسر الواو وتشديدها وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة ويستدلون على مذهبهم هذا بدليلين.
أحدهما عقلي وهو أن تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يجري على قوانين اللغة واستعمالات العرب وهي لا تفيد إلا الظن مع أن صفات الله من العقائد التي لا يكفي فيها الظن بل لا بد فيها من اليقين ولا سبيل إليه فلنتوقف ولنكل التعيين إلى العليم الخبير.
والدليل الثاني نقلي يعتمدون فيه على عدة أمور منها حديث عائشة السابق وفيه: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم
ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} الحديث.
ومنها ما أخرجه ابن مردويه عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا وما تشابه فآمنوا به".
ومنها ما أخرجه الدارمي عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ابن صبيغ1 قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال له:1 كذلك جاء اسم ابن صبيغ في كتاب الإتقان للسيوطي، بلفظ ابن، ويالغين المجمعة في صبيغ مع صورة التصغير.
ولكني رأيت شيخ الإسلام المالكي بتونس وهو السيد محمد الطاهر بن عاشور، يصوب في بحث له أن اسمه صبغ بن شريك أو ابن عسل التميمي من غير كلمة ابن وبصاد مهملة مفتوحة، وباء مكسورة، وغين معجمة. ثم ذكر بعد هذا التصويت أن كثيرا من الناس يحرفونه فيقولون ضبيع بضاد مجمعة، وعين مهملة، وبصيغة التصغير ثم قال: ويقولون: أبو ضيبغ.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٧)
من أنت فقال: أنا عبد الله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمى رأسه وجاء في رواية أخرى فضربه حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين اهـ والدبرة بفتحات ثلاثة هي قرحة الدابة في أصل الوضع اللغوي والمراد هنا أنه صير في ظهره من الضرب جرح داميا كأنه قرحة في دابة ورضي الله عن عمر فإن هذا الأثر يدل على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبعه متشابهات القرآن يكثر الكلام فيها ويسأل الناس عنها.
ومنها ما ورد من أن الإمام مالكا رضي الله عنه سأل عن الاستواء في قوله سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني يريد رحمة الله عليه أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدل عليه الأوضاع اللغوية ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله بالدليل القاطع والكيف مجهول أي تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه ولا سلطان لنا به والسؤال عنه بدعة أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨٨)