على لسانه صلى الله عليه وسلم فإذ قد صرح الحافظ بإنكارها وتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عنها فنستطيع أن نقول لحضرة السائل:
إن الحافظ متفق مع ابن كثير -وغيره ممن سبقه ولحقه- على إنكار القصة على ما وردت في الروايات حتى التي صحَّحها الحافظ، وأما ما بقي منها مما لا يتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا خلاف في إمكان وقوعها، بل الظاهر أن هذا القدر هو الذي وقع بدليل ظاهر آية الحج حسبما تقدم تفسيرها في أوائل الرسالة1.
نعم يرد على الحافظ هنا اعتراضان:
الأول: تليينه العبارة في إنكار تلك الزيادة، لأنه إنما أنكرها بطريق تأويلها! وحقه أن ينكرها من أصلها، لأن التأويل الذي زعمه ليست تفيده تلك الزيادة أصلًا، لأن الحافظ يقول: "إن الشيطان هو الذي ألقى بلسانه في سكتة النبي صلى الله عليه وسلم". وهي تقول: "إن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم" فأين هذا من ذلك؟!--------------------------------------------
1 وبعد كتابة ما تقدم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى تثبيت القصة بالقدر المذكور، وأن قوله: "تلك الغرانيق العلى … " لم يلفظ به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما ألقاه الشيطان في أسماعهم. راجع كلامه في الفتاوى "2/282".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الثاني: تشنيعه القول على ابن العربي والقاضي عياض لإنكارهما القصة، ومع أنه يعلم أنهما أنكراها لم فيها من البواطيل التي لا تتفق مع القول بعصمة الرسول الكريم، منها هذه الزيادة التي وافقها الحافظ على استنكارها، مع فارق شكلي وهو أنهما كانا صريحين في إنكارها من أساسها، بينما الحافظ إنما أنكرها بطريق تأويلها –زعم-.
ومن هنا يتبين لك ضعف ما قاله في رده على القاضي في "تخريج الكشاف".
"وأما طعنه فيه باختلاف الألفاظ فلا تأثير للروايات الواهية في الرواية القوية، فيعتمد من القصة على الرواية الصحيحة، أي: يُعتمد على الرواية المتابعة، وليس فيها وفيما تابعها اضطراب والإضطراب في غيرها، وأما طعنه من جهة المعنى فله أسوة كثيرة من الأحاديث الصِّحاح التي لا يؤخذ بظاهرها، بل يرد بالتأويل المعتمد إلى ما يليق بقواعد الدين".
قلت: إن هذا الرد ضعيف، لأن الرواية الصحيحة التي أشار إليها هي رواية ابن جُبير المتقدمة وفيها كما في غيرها من الروايات المتابعة الأمر المستنكر باعترافه، بل في بعض الروايات عن سعيد ما هو أنكر من ذلك وهو قوله:
"ثم جاءه جبريل بعد ذلك فقال: إعُرض علي ما جئتك به، فلما بلغ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" قال له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
جبريل: لم آتك بهذا، وهذا من الشيطان!! " وقد جاء هذا في غير رواية سعيد كما تقدم، ولازمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلى عليه وحي الشيطان واختلط عنده بوحي الرحمن، حتى لم يميِّز بينهما، وبقي على هذه الحالة ما بقي، إلى أن جاءه جبريل في المساء! سبحانك هذا بهتان عظيم وافتراء جسيم
فاتضح أن ليس هناك رواية معتمدة صحيحة بالمعنى العلمي الصحيح، وأن الرواية التي صححها الحافظ قد أنكر بعضها هو نفسه فأين الإعتماد.
وأما قوله: "إن حديث الغرانيق له أسوة بكثير من الأحاديث الصحيحة"، فصحيح لو صح إسناده وأمكن تأويله، وكلا الأمرين لا نسلِّم به. أما الأول فلما علمت من إرساله من جميع الوجوه حاشا ما اشتد ضعفه من الموصول، وإنها على كثرتها لا تعضده. وأما الأمر الآخر فلأن التأويل الذي ذهب إليه الحافظ رحمه الله هو في الحقيقة ليس تأويلًا، بل هو تعطيل لحقيقة الجملة المستنكرة، وهو أشبه ما يكون بتأويلات بل تعطيلات القرامطة والرافضة للآيات القرآنية والأحاديث المصطفوية. تأييدًا لمذاهبهم الهدّامة وآرائهم الباطلة، خلافًا للحافظ رحمه الله فإنه إنما فعل ذلك دفاعًا عن مقام الحضرة النبوية والعصمة المحمدية، فهو مشكور على ذلك ومأجور، وإن كان مخطئًا عندنا في ذلك التأويل مع تصحيح القصة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
3- كلام الشوكاني:
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى:
"ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه" ثم ذكر بعض الآيات الدالّة على البطلان ثم قال: "وقال إمام الأئمة ابن خزيمة، إن هذه القصة من وضع الزنادقة".
4- كلام الآلوسي في إبطال القصة:
وعلى كل حال فإن الحافظ ابن حجر رحمه الله متفق مع الذين أنكروا القصة على تنزيهه صلى الله عليه وسلم من أن يكون للشيطان تَكلُّم على لسانه عليه الصلاة والسلام، فالخلاف بينه وبينهم يكاد يكون شكليًا أو لفظيًا، وإنما الخلاف الحقيقي بينهم وبين بعض المتأخرين1 حيث ذهب إلى تصحيح القصة مع التسليم بها دون--------------------------------------------
1 هو الشيخ إبراهيم الكوراني كما صرح بذلك الآلوسي وهو إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكردي ولد بـ"شهرزور" في شوال "1025هـ" وقدم المدينة ولازم القشاشي واجتمع في مصر عند مروره بها مع الشهاب الخفاجي، توفي بالمدينة في 28 جمادى الأولى سنة "1101هـ" كذا في "تاج العروس" للمناوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
كلام الآلوسي ورده على الكوراني في تصحيحه للقصة!
…
استنكار أي شيء منها، أو تأويل! بل جوّز على النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما فيها زاعمًا أن ذلك لا يتنافى مع عصمته، بل هو تأديب له! في كلام له طويل. يُغني وضوح بطلانه عن إيراده وتسويد الصفحات لرده، وقد نقله الآلوسي برمّته، ثم رده عليه في كلام متين، ولولا أن هذه العجالة لم توضع لهذه الغاية، لَسُقته بتمامه فأختصر من ذلك على قوله في خاتمة بحثه:
"لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد، فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء، عارفون بالغث والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوُسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا مردودًا، وهم أكثر ممن قال بقَوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقََبول1. ولَعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة، ثم وفق الله تعالى جمعًا من خاصته لإبطاله، أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نَسَخَه--------------------------------------------
1 قلت: هذا فيه بعد لا سيما بالنسبة للحافظ ابن حجر، فلو كان هناك جرح فلا يخفى عليه، والحق أن الحافظ جرى على بعض القواعد الحديثية فهو أعذر ممن خالفها ولم يجب عنها، وقد أجبنا نحن فيما سبق فالأقرب أن يقال: إنهم وقفوا على علة وهي الإرسال حسبما فصّلنا في سائر الطرق ولكن لم يرها علة فادحة القائل بالقبول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
سبحانه وتعالى، ولا سيّما وهو مما لم يَتوقف على صحته أمر ديني، ولا معنى آية، ولا سِوى أنها يتوقف عليها حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد".
وهذا آخر الكلام في تحقيق بطلان قصة الغرانيق.
وقد بقي علينا التعرض لذكر فائدة سبقت مناسبتها وهي سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة سورة "النجم" وهي تضمن بيان سبب ذلك فأقول:
سبب سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم:
رب سائل يقول: إذا ثبت بطلان إلقاء الشيطان على لسانه عليه الصلاة والسلام جملة "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" فَلِمَ إذن سجد المشركين معه صلى الله عليه وسلم وليس ذلك من عادتهم؟
والجواب ما قاله المحقق الآلوسي بعد سطور من كلامه الذي نقلته آنفًا:
"وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم، وإلا لما سجدوا، لأننا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} إلى آخر الآيات [النجم: 50-40] . فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بين يديْ ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير، وقد ظنّوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان، كافٍ في دفع ما توهَّموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه صلى الله عليه وسلم، فقد نزلت سورة "حم السجده" بعد ذلك كما جاء مصرّحا به في حديث عن ابن عباس. ذكره السيوطي في أول "الإتقان" فلما سمع عُتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصّلت: 13] ! أمسك على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: "كيف وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب" وقد أخرج ذلك البيهقي في "الدلائل" وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
ويمكن أن يقال على بعد: إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم، ولايلزم منه ثبوت ذلك الخبر، لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19-20] ، بناء على أن المفعول محذوف وقدّروه حسبما يشتهون، أو على أن المفعول: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} [النجم: 21] . وتوهّموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثًا، والحب لشيء يعمي ويُصمّ، وليس هذا بأبعد من حملهم "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة، مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه من الغين".
"وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
محمد ناصر الدين الألباني
انتهى تبيض هذه الرسالة صباح يوم الإثنين الواقع في 7/3/1372هـ - 23/11/1952م أسأل الله تعالى أن يفيد بها السائل وسائر المسلمين ويجعلها خالصة لوجه الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
الفهارس
…
الفهرس:
الصفحة الموضوع
3 المقدمة وسبب تأليف الرسالة.
7 بين يدي الروايات، وتفسير قوله تعالى: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} .
10 روايات القصة وعللها.
10 الرواية الأولى: عن سعيد بن جبير، وبيان علة ما رواه عنه موصولا.
18 الرواية الثانية: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
20 الرواية الثالثة: عن أبي العالية.
21 الرواية الرابعة: عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس.
23 الرواية الخامسة: عن قتادة.
24 الرواية السادسة: عن عروة بن الزبير.
26 الرواية السابعة: عن أبي صالح، وبيان ضعف من وصله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
28 الرواية الثامنة: عن الضحاك.
29 الرواية التاسعة: عن محمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب.
31 الرواية العاشرة: عن ابن عباس، وبيان ضعف طرقه عنه.
35 بيان بطلان القصة متنا.
37 كلام الحافظ ابن حجر والرد عليه.
38 قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها.
40 ضعف الحدث المرسل وسببه.
42 هل يتقوى الحديث بمجيئه من طرق مرسلة ورأي المؤلف في ذلك.
47 ذكر جماعة من الأئمة طعنوا في قصة الغرانيق.
48 1- كلام أبي بكر ابن العربي في إبطال القصة.
55 2- كلام القاضي عياض في ذلك.
60- رد الحافظ ابن حجر وتعقبنا عليه.
66 3- كلام الشوكاني.
66 4- كلام الآلوسي ورده على الكوراني في تصحيحه للقصة!.
68 سبب سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم.
71 الفهرس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)