والسرج " رواه أهل السنن1.1. أن يتخذها مصلى يصلى عندها.
2. بناء المساجد عليها.
قوله: "والسرج": جمع سراج، توقد عليها السرج ليلا ونهارا تعظيما وغلوا فيها.
وهذا الحديث يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، بل على أنه من كبائر الذنوب; لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، ويدل على تحريم اتخاذ المساجد والسرج عليها، وهو كبيرة من كبائر الذنوب للعن فاعله.
المناسبة للباب
إن اتخاذ المساجد عليها وإسراجها غلو فيها; فيؤدي بعد ذلك إلى عبادتها.
مسألة: ما هي الصلة بين الجملة الأولى: "زائرات القبور"، والجملة الثانية "المتخذين عليها المساجد والسرج"؟ الصلة بينهما ظاهرة: هي أن المرأة لرقة عاطفتها وقلة تمييزها وضعف صبرها ربما تعبد أصحاب القبور تعطفا على صاحب القبر; فلهذا قرنها بالمتخذين عليها المساجد والسرج.
_________
1 رواه: الطيالسي برقم (2733) ، وأحمد (1/229، 287، 324، 337) ، وابن أبي شيبة (3/344) ، وأبو داود (كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، 3/558) ، والنسائي (كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، 4/95) ، والترمذي (الصلاة، باب كراهة أن يتخذ على القبر مسجدا، رقم 320) - وقال: "حديث حسن"-، وابن ماجه مختصرا (كتاب الجنائز، باب النهي عن زيارة القبور، رقم 1575) ، وابن حبان (رقم 788) ، والطبراني في "الكبير" (12725) ، والحاكم (1/374) ، والبيهقي (4/278) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٨)
.......................................................................وهل يدخل في اتخاذ السرج على المقابر ما لو وضع فيها مصابيح كهرباء لإنارتها؟
الجواب: أما في المواطن التي لا يحتاج الناس إليها، كما لو كانت المقبرة واسعة وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه; فلا حاجة إلى إسراجه، فلا يسرج، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله; فقد يقال بجوازه; لأنها لا تسرج إلا بالليل; فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر، بل اتخذ الإسراج للحاجة.
ولكن الذي نرى أنه ينبغي المنع مطلقا للأسباب الآتية:
1. أنه ليس هناك ضرورة.
2. أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك; فعندهم سيارات يمكن أن يوقدوا الأنوار التي فيها ويتبين لهم الأمر، ويمكنهم أن يحملوا سراجا معهم.
3. أنه إذا فتح هذا الباب; فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد، فلو فرضنا أنهم جعلوا الإضاءة بعد صلاة الفجر ودفنوا الميت; فمن الذي يتولى قفل هذه الإضاءة؟ الجواب: قد تترك، ثم يبقى كأنه متخذ عليها السرج; فالذي نرى أنه يمنع نهائيا. أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه; فلا بأس بإضاءتها لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد; فهذا نرجو أن لا يكون به بأس.
والمهم أن وسائل الشرك يجب على الإنسان أن يبتعد عنها ابتعادا عظيما، ولا يقدر للزمن الذي هو فيه الآن، بل يقدر للأزمان البعيدة; فالمسألة ليست هينة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٩)
.......................................................................وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور، بل إنها من كبائر الذنوب; لهذا الحديث.
القول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد عن أصحابه; لحديث أم عطية: " نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا "1.
القول الثالث: أنها تجوز زيارة النساء للقبور; لحديث المرأة التي مر النبي صلى الله عليه وسلم بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: " اتقي الله واصبري فقالت له: إليك عني; فإنك لم تصب بمثل مصيبتي فانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل لها: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت إليه تعتذر; فلم يقبل عذرها، وقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى "2 فالنبي صلى الله عليه وسلم شاهدها عند القبر ولم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر. ولما ثبت في "صحيح مسلم3 " من حديث عائشة الطويل، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أهل البقيع في الليل، واستغفر لهم ودعا لهم، وأن جبريل أتاه في الليل وأمره، فخرج صلى الله عليه وسلم مختفيا عن عائشة، وزار ودعا ورجع، ثم أخبرها الخبر; فقالت: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي: السلام
_________
1 رواه: البخاري (كتاب الجنائز، باب اتباع النساء للجنائز، 1/394) ، ومسلم (كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، 2/646) .
2 من حديث أنس، رواه: البخاري (كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، 1/395) ، ومسلم (كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، 2/637) .
3 في (كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، 2/669) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٠)
.......................................................................عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين … " إلخ. قالوا: فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز. ورأيت قولا رابعا: أن زيارة النساء للقبور سنة كالرجال; لقوله صلى الله عليه وسلم " كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة "1 وهذا عام للرجال والنساء. ولأن عائشة رضي الله عنها زارت قبر أخيها، فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنه أمر بها بعد ذلك2. وهذا دليل على أنه منسوخ.
والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح غير صريح; فمن ذلك:
أولا: دعوى النسخ غير صحيحة; لأنها لا تقبل إلا بشرطين:
1. تعذر الجمع بين النصين، والجمع هنا سهل وليس بمتعذر; لأنه يمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها " للرجال، والعلماء اختلفوا فيما إذا خوطب الرجال بحكم: هل يدخل فيه النساء أو لا؟ وإذا قلنا بالدخول - وهو الصحيح -; فإن دخولهن في هذا الخطاب من باب دخول أفراد العام في العموم، وعلى هذا يجوز أن يخصص بعض أفراد العام بحكم يخالف العام، وهنا نقول: قد خص النبي صلى الله عليه وسلم النساء من هذا الحكم، فأمره بالزيارة للرجل فقط; لأن
_________
1 من حديث بريدة، رواه: مسلم (كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، 2/672) .
2 رواه: الحاكم (1/376) ، والبيهقي (4/78) . وصححه الذهبي، وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (4/418) : "رواه ابن أبي الدنيا في القبور والحاكم بإسناد جيد":.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣١)
.......................................................................النساء أخرجن بالتخصيص من هذا العموم بلعن الزائرات، وأيضا مما يبطل النسخ قوله: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج "1 ومن المعلوم أن قوله:" والمتخذين عليها المساجد والسرج " لا أحد يدعي أنه منسوخ; والحديث واحد; فادعاء النسخ في جانب منه دون آخر غير مستقيم، وعلى هذا يكون الحديث محكما غير منسوخ.
2. العلم بالتأريخ، وهنا لم نعلم التأريخ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: كنت لعنت من زار القبور، بل قال: "كنت نهيتكم"، والنهي دون اللعن.
وأيضا; فإن قوله: "كنت نهيتكم" خطاب للرجال، ولعن زائرات القبور خطاب للنساء فلا يمكن حمل خطاب الرجال على خطاب النساء، إذا; فالحديث لا يصح فيه دعوى النسخ.
وثانيا: الجواب عن حديث المرأة وحديث عائشة; أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعا، لكنها أصيبت، ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقى في بيتها، ولذلك خرجت وجعلت تبكي عند القبر مما يدل على أن في قلبها شيئا عظيما لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها صلى الله عليه وسلم أن تصبر; لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة; فالحديث ليس صريحا بأنها خرجت للزيارة، وإذا لم يكن صريحا; فلا يمكن أن يعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح.
وأما حديث عائشة; فإنها قالت للرسول صلى الله عليه وسلم " ماذا أقول؟ فقال: قولي: السلام عليكم "2 فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا
_________
1 سبق (ص 428) .
2 البخاري: أحاديث الأنبياء (3326) ، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2841) ، وأحمد (2/315) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٢)
.......................................................................خرجت زائرة؟ فهو محتمل; فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة; إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحا; فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها رضي الله عنهما; فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا; لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور; لكنا ننظر بماذا ستجيبه. فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عاما، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول: إن عائشة رضي الله عنها استدلت بلفظ العموم; فهي كغيرها من العلماء لا يعارض بقولها قول الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه روي عنها; أنها قالت: " لو شهدتك ما زرتك 1 "، وهذا دليل على أنها رضي الله عنها خرجت لتدعو له; لأنها لم تشهد جنازته، لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء، وقال: إنها لا تصح عن عائشة رضي الله عنها، لكننا نبقى على الرواية الأولى الصحيحة; إذ ليس فيها دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نسخه، وإذا فهمت هي; فلا يعارض بقولها قول الرسول صلى الله عليه وسلم
إشكال وجوابه:
في قوله: "زوارات القبور" ألا يمكن أن يحمل النهي على تكرار الزيارة لأن "زوارات" صيغة مبالغة؟
_________
1 رواه: ابن أبي شيبة (3/343) ، والترمذي (الجنائز، باب زيارة النساء القبور، 4/11) . وفيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس; كما في "الجنائز" للألباني (ص 182) ، وذكر ابن القيم في "تهذيب السنن" (4/350) : "أنه هو المحفوظ".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٣)
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.الجواب: هذا ممكن، لكننا إذا حملناه على ذلك; فإننا أضعنا دلالة المطلق "زائرات".
والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لا على كثرة الفعل; ف "زوارات" يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيرا، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ} 1، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف; إذ الباب لا يفتح إلا مرة واحدة، وأيضا قراءة: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ} 2 ; فهي مثلها.
فالراجح تحريم زيارة النساء للمقابر وأنها من كبائر الذنوب.
وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (24/343) .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان: وهي: كل ما عبد من دون الله، سواء كان صنما أو قبرا أو غيره.
الثانية: تفسير العبادة: وهي: التذلل والخضوع للمعبود خوفا ورجاء ومحبة وتعظيما; لقوله: " لا تجعل قبري وثنا يعبد "3.
الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف من وقوعه: وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد "4.
_________
1 سورة ص آية: 50.
2 سورة الزمر آية: 73.
3 مالك: النداء للصلاة (416) .
4 مالك: النداء للصلاة (416) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٤)
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد: وذلك في قوله: " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "1.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله: تؤخذ من قوله: "اشتد غضب الله". وفيه: إثبات الغضب من الله حقيقة، لكنه كغيره من صفات الأفعال التي نعرف معناها ولا نعرف كيفيتها. وفيه أنه يتفاوت كما ثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: " إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولا بعده "2.
السادسة: وهي من أهمها -: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان: وذلك في قوله: "فمات، فعكفوا على قبره".
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح: تؤخذ من قوله: "كان يلت لهم السويق"; أي: للحجاج; لأنه معطم عندهم; والغالب لا يكون معظما إلا صاحب دين.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية: وهو أنه كان يلت السويق.
_________
1 مالك: النداء للصلاة (416) .
2 مر سابفا (ص 332) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٥)
التاسعة: لعنه زوارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.التاسعة: لعنه زوارات القبور: أي: النبي صلى الله عليه وسلم وذكر رحمه الله لفظ: "زوارات القبور" مراعاة للفظ الآخر.
العاشرة: لعنه من أسرجها: وذلك في قوله: " والمتخذين عليها المساجد والسرج ". وهنا مسألة مهمة لم تذكر، وهي: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا كما في قبر اللات، وهذه من أهم الوسائل، ولم يذكرها المؤلف رحمه الله، ولعله اكتفى بالترجمة عن هذه المسألة بما حصل للات، فإذا قيل بذلك; فله وجه.
مسألة: المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، فتقف وتسلم، ولا مانع فيه. والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، ولئلا يظن من يشاهدها أن المرأة يجوز لها قصد الزيارة; فيقع الإنسان في محذور، وتسليم المرء على النبي صلى الله عليه وسلم يبلغه حيث كان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٦)
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله
…
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "1.قوله: " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "2 أي: جعلوها مساجد; إما بالبناء عليها، أو بالصلاة عندها; فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد، والبناء عليها من اتخاذها مساجد.
وهنا نسأل: هل استجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل قبره وثنا يعبد أم اقتضت حكمته غير ذلك؟
الجواب: يقول ابن القيم: إن الله استجاب له; فلم يذكر أن قبره صلى الله عليه وسلم جعل وثنا، بل إنه حمي بثلاثة جدران; فلا أحد يصل إليه حتى يجعله وثنا يعبد من دون الله، ولم يسمع في التاريخ أنه جعل وثنا.
قال ابن القيم في "النونية":
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران.
صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى جعل قبره وثنا، ولكن قد يعبدون الرسول صلى الله عليه وسلم ولو في مكان بعيد، فإن وجد من يتوجه له صلى الله عليه وسلم بدعائه عند قبره; فيكون قد اتخذه وثنا، لكن القبر نفسه لم يجعل وثنا.
_________
1 رواه: مالك في "الموطأ" (1/172) وابن سعد في "الطبقات" (2/240) عن عطاء بن يسار مرسلا، وعبد الرزاق (1/106) وابن أبي شيبة (3/345) عن زيد بن أسلم مرسلا، ووصله أحمد (2/246) والحميدي برقم (1025) وأبو نعيم في "الحلية" (6/283، 7/ 317) عن أبي هريرة. وصححه البزار وابن عبد البر; كما في "تنوير الحوالك" (1/186) ، و "شرح الزرقاني" (1/ 351) .
2 البخاري: الصلاة (436) ، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531) ، والنسائي: المساجد (703) ، وأحمد (1/218 ،6/34 ،6/80 ،6/121 ،6/146 ،6/252 ،6/255 ،6/274) ، والدارمي: الصلاة (1403) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
........................................................................قوله: "المصطفى": أصلها: المصتفى، من الصفوة، وهو خيار الشيء; فالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل المصطفين لأنه أفضل أولي العزم من الرسل، والرسل هم المصطفون، والمراد به: محمد صلى الله عليه وسلم والاصطفاء على درجات أعلاها اصطفاء أولي العزم من الرسل، ثم اصطفاء الرسل، ثم اصطفاء الأنبياء، ثم اصطفاء الصديقين، ثم اصطفاء الشهداء، ثم اصطفاء الصالحين.
قوله: "حماية": من حمى الشيء، إذا جعل له مانعا يمنع من يقرب حوله، ومنه حماية الأرض عن الرعي فيها، ونحو ذلك.
قوله: "جناب": بمعنى جانب، والتوحيد: تفعيل من الوحدة، وهو إفراد الله تعالى بما يجب له من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله: "وسده كل طريق": أي: مع الحماية لم يدع الأبواب مفتوحة يلج إليها من شاء، ولكنه سد كل طريق يوصل إلى الشرك; لأن الشرك أعظم الذنوب، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 1.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرك الأصغر لا يغفره الله; لعموم قوله: "أن يشرك به"، وعلى هذا; فجميع الذنوب دونه لقوله: {وَيَغْفِرُ مَا
_________
1 سورة النساء آية: 48.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٧)
وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} 1 الآية.دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ؛ فيشمل كبائر الذنوب وصغائرها; فالشرك ليس بالأمر الهين الذي يتهاون به، فالشرك يفسد القلب والقصد، وإذا فسد القصد فسد العمل; إذ العمل مبناه على القصد، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2، وقال صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات "3.
إذا; فالرسول صلى الله عليه وسلم حمى جانب التوحيد حماية محكمة، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك ولو من بعيد; لأن من سار على الدرب وصل، والشيطان يزين للإنسان أعمال السوء شيئا فشيئا حتى يصل إلى الغاية.
قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، وهي مؤكدة لجميع مدخولها بأنه رسول، وأنه من أنفسهم، وأنه عزيز عليه ما يشق علينا، وأنه بالمؤمنين رءوف رحيم; فالقسم منصب على كل هذه الأوصاف الأربعة.
والخطاب في قوله: "جاءكم" قيل: للعرب; لقوله: "من أنفسكم" ; فالرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} 4 ويحتمل أن يكون عاما للأمة كلها، ويكون المراد بالنفس هنا الجنس; أي: ليس من الجن ولا الملائكة، بل
_________
1 سورة التوبة آية: 128.
2 سورة آية: 15-16.
3 أخرجه: البخاري في (بدء الوحي، برقم 1) ، ومسلم في (الإمارة، 3/1515) .
4 سورة الجمعة آية: 2.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٨)
.......................................................................هو من جنسكم; كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} 1.
وعلى الاحتمال الأول فيه إشكال; لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس من العرب والعجم. ولكن يقال في الجواب: إنه خوطب العرب بهذا; لأن منة الله عليهم به أعظم من غيرهم، حيث كان منهم، وفي هذا تشريف لهم بلا ريب.
والاحتمال الثاني أولى; للعموم، ولقوله: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} 2 ولما كان المراد العرب، قال: "منهم" لا "من أنفسهم"، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} 3 وقال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} 4 وعلى هذا، فإذا جاءت "من أنفسهم"; فالمراد: عموم الأمة، وإذا جاءت "منهم"; فالمراد: العرب; فعلى الاحتمال الثاني لا إشكال في الآية.
قوله: "رسول": أي: من الله كما قال تعالى: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً} 5 وفعول هنا بمعنى مفعل; أي: مرسل.
و"من أنفسكم": سبق الكلام فيها.
قوله: "عزيز": أي: صعب; لأن هذه المادة العين والزاي في اللغة العربية تدل على الصلابة، ومنه: "أرض عزاز"; أي: صلبة قوية، والمعنى: أنه يصعب عليه ما يشق عليكم، ولهذا بعث بالحنيفية السمحة، وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وهذا من التيسير الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم
_________
1 سورة الأعراف آية: 189.
2 سورة آل عمران آية: 164.
3 سورة الجمعة آية: 2.
4 سورة البقرة آية: 129.
5 سورة البينة آية: 2.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣٩)
.......................................................................قوله: "ما عنتم": "ما": مصدرية، وليست موصولة; أي: عنتكم; أي: مشقتكم; لأن العنت بمعنى المشقة، قال تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} 1 أي: المشقة.
والفعل بعد "ما" يؤول إلى مصدر مرفوع، لكن بماذا هو مرفوع؟ يختلف باختلاف "عزيز" إذا قلنا: بأن "عزيز" صفة لرسول; صار المصدر المؤول فاعلا به; أي: عزيز عليه عنتكم، وإن قلنا: عزيز خبر مقدم; صار عنتكم مبتدأ، والجملة حينئذ تكون كلها صفة لرسول، أو يقال: عزيز مبتدأ، وعنتكم فاعل سد مسد الخبر على رأي الكوفيين الذي أشار إليه ابن مالك في قوله:
.....................وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد.
قوله: "حريص عليكم": الحرص: بذل الجهد لإدراك أمر مقصود، والمعنى: باذل غاية جهده في مصلحتكم; فهو جامع بين أمرين: دفع المكروه الذي أفاده قوله: {} وحصول المحبوب الذي أفاده قوله: "حريص عليكم" ; فكان النبي صلى الله عليه وسلم جامعا بين هذين الوصفين، وهذا من نعمة الله علينا وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون على هذا الخلق العظيم الممثل بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 2.
قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} " بالمؤمنين": جار ومجرور خبر مقدم، و "رءوف": مبتدأ مؤخر، و "رحيم": مبتدأ ثان، وتقديم الخبر يفيد الحصر. والرأفة: أشد الرحمة وأرقها. والرحمة: رقة بالقلب تتضمن الحنو على المرحوم والعطف عليه بجلب الخير له ودفع الضرر عنه.
وقولنا: رقة في القلب هذا باعتبار المخلوق، أما بالنسبة لله تعالى; فلا نفسرها بهذا التفسير; لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ورحمة الله
_________
1 سورة النساء آية: 25.
2 سورة القلم آية: 4.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤٠)
.......................................................................أعظم من رحمة المخلوق لا تدانيها رحمة المخلوق ولا تماثلها; فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن لله مئة رحمة وضع منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلق منذ خلقوا إلى يوم القيامة، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه "1. فمن يحصي هذه الرحمة التي في الخلائق منذ خلقوا إلى يوم القيامة كمية؟ ومن يستطيع أن يقدرها كيفية؟ لا أحد يستطيع إلا الله عزوجل الذي خلقها؟ فهذه رحمة واحدة، فإذا كان يوم القيامة رحم الخلق بتسع وتسعين رحمة بالإضافة إلى الرحمة الأولى، وهل هذه الرحمة تدانيها رحمة المخلوق؟ الجواب: أبدا، لا تدانيها، والقدر المشترك بين رحمة الخالق ورحمة المخلوق أنها صفة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ورحمة الخالق غير مخلوقة; لأنها من صفاته، ورحمة المخلوق مخلوقة; لأنها من صفاته; فصفات الخالق لا يمكن أن تنفصل عنه إلى مخلوق لأننا لو قلنا بذلك لقلنا بحلول صفات الخالق بالمخلوق، وهذا أمر لا يمكن; لأن صفات الخالق يتصف بها وحده، وصفات المخلوق يتصف بها وحده، لكن صفات الخالق لها آثار تظهر في المخلوق، وهذه الآثار هي الرحمة التي نتراحم بها.
قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ،أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم في غير المؤمنين ليس رءوفا ولا رحيما، بل هو شديد عليهم كما وصفه الله هو وأصحابه بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 2.
قوله: "فإن تولوا": أي: أعرضوا مع هذا البيان الواضح بوصف
_________
1 من حديث أبي هريرة. رواه: "البخاري" (كتاب الأدب، باب جعل الله الرحمة في مئة جزء، 4/91) ، و "مسلم" (كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله، رقم 2752، 2753، 4/2108) .
2 سورة الفتح آية: 29.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤١)
.......................................................................الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا التفات من الخطاب إلى الغيبة; لأن التولي مع هذا البيان مكروه، ولهذا لم يخاطبوا به; فلم يقل: فإن توليتم. والبلاغيون يسمونه التفاتا، ولو قيل: إنه انتقال; لكان أحسن!
قوله: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قل ذلك معتمدا على الله، متوكلا عليه، معتصما به: حسبي الله، وارتباط الجواب بالشرط واضح، أي: فإن أعرضوا; فلا يهمنك إعراضهم، بل قل بلسانك وقلبك: حسبي الله، و "" خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر ويجوز العكس بأن نجعل: " مبتدأ ولفظ الجلالة خبراً، لكن لما كانت حسب نكرة لا تتعرف بالإضافة; كان الأولى أن نجعلها هي الخبر.
قوله: {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} 1 أي: لا معبود حق حقيق بالعبادة سوى الله عزوجل
قوله: "عليه توكلت": عليه: جار ومجرور متعلق بتوكلت، وقدم للحصر. والتوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب النافعة.
وقوله: "عليه توكلت" مع قوله: {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} 2 فيها جمع بين توحيدي الربوبية والعبودية، والله تعالى يجمع بين هذين الأمرين كثيرا كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 3 [الفاتحة: 5] ، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} 4.
قوله: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} 5 الضمير يعود على الله - سبحانه -.
و"رب العرش" ; أي: خالقه، وإضافة الربوبية إلى العرش وإن كانت ربوبية الله عامة، تشريف للعرش وتعظيم له. ومناسبة التوكل لقوله:
_________
1 سورة البقرة آية: 163.
2 سورة البقرة آية: 163.
3 سورة الفاتحة آية: 5.
4 سورة هود آية: 123.
5 سورة التوبة آية: 129.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤٢)
.......................................................................{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} 1 لأن من كان فوق كل شيء ولا شيء فوقه; فإنه لا أحد يغلبه، فهو جدير بأن يتوكل عليه وحده.
وقوله: "العرش" فسره بعض الناس بالكرسي، ثم فسروا الكرسي بالعلم، وحينئذ لا يكون هناك كرسي ولا عرش، وهذا التفسير باطل، والصحيح أن العرش غير الكرسي، وأن الكرسي غير العلم، ولا يصح تفسيره بالعلم، بل الكرسي من مخلوقات الله العظيمة الذي وسع السماوات والأرض، والعرش أعظم وأعظم، ولهذا وصفه بأنه عظيم بقوله تعالى: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} 2 وبأنه مجيد بقوله: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} 3 على قراءة كسر الدال، وبأنه كريم في قوله: {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} 4 لأنه أعظم المخلوقات التي بلغنا علمها وأعلاها لأن الله استوى عليه. وفيه دليل على أن كلمة العظيم يوصف بها المخلوق; لأن العرش مخلوق، وكذلك الرحيم، والرءوف، والحكيم.
ولا يلزم من اتفاق الاسمين اتفاق المسميين، فإذا كان الإنسان رءوفا; فلا يلزم أن يكون مثل الخالق، فلا تقل: إذا كان الإنسان سميعا بصيرا عليما لزم أن يكون مثل الخالق; لأن الله سميع بصير عليم، كما أن وجود الباري سبحانه لا يستلزم أن تكون ذاته كذوات الخلق; فإن أسماءه كذلك لا يستلزم أن تكون كأسماء الخلق، وهناك فرق عظيم بين هذا وهذا.
وقوله: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي: كافيني، وهكذا يجب أن يعلن المؤمن اعتماده على ربه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي يتخلى الناس عنه; لأنه قال: "فإن تولوا". وهذه الكلمة - كلمة الحسب - تقال في
_________
1 سورة التوبة آية: 129.
2 سورة التوبة آية: 129.
3 سورة البروج آية: 15.
4 سورة المؤمنون آية: 116.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤٣)
عن أبي هريرةرضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تجعلوا بيوتكم قبورا،..الشدائد، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين قيل لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} 1.
(تنبيه) : في سياقنا للآية الثانية فوائد نسأل الله أن ينفع بها.
قوله: "لا تجعلوا": الجملة هنا نهي; فلا ناهية، والفعل مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
قوله: "بيوتكم": جمع بيت، وهو مقر الإنسان وسكنه، سواء كان من طين أو حجارة أو خيمة أو غير ذلك، وغالب ما يراد به الطين والحجارة.
قوله: "قبورا": مفعول ثان لتجعلوا، وهذه الجملة اختلف في معناها; فمنهم من قال: لا تجعلوها قبورا; أي: لا تدفنوا فيها، وهذا لا شك أنه ظاهر اللفظ، ولكن أورد على ذلك دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته.
وأجيب عنه بأنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم دفن في بيته لسببين:
1- ما روي عن أبي بكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من نبي يموت إلا دفن حيث قبض "2 وهذا ضعفه بعض العلماء.
2- ما روته عائشة رضي الله عنها: " أنه خشي أن يتخذ مسجدا "3.
_________
1 سورة آل عمران آية: 173.
2 سبق (ص 397) .
3 سبق (ص 397) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤٤)
.......................................................................وقال بعض العلماء: المراد ب "لا تجعلوا بيوتكم قبورا "; أي: لا تجعلوها مثل القبور، أي: المقبرة لا تصلون فيها، وذلك لأنه من المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها، وأيدوا هذا التفسير بأنه سبقها جملة في بعض الطرق: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورا "1 وهذا يدل على أن المراد: لا تدعوا الصلاة فيها.
وكلا المعنيين صحيح; فلا يجوز أن يدفن الإنسان في بيته، بل يدفن مع المسلمين; لأن هذه هي العادة المتبعة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، ولأنه إذا دفن في بيته; فإنه ربما يكون وسيلة إلى الشرك، فربما يعظم هذا المكان، ولأنه يحرم من دعوات المسلمين الذين يدعون بالمغفرة لأموات المسلمين عند زيارتهم للمقابر، ولأنه يضيق على الورثة من بعده فيسأمون منه، وربما يستوحشون منه، وإذا باعوه لا يساوي إلا شيئا قليلا، ولأنه قد يحدث عنده من الصخب واللعب واللغو والأفعال المحرمة ما يتنافى مع مقصود الشارع; فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " زوروا القبور; فإنها تذكركم الآخرة "2.
وأما أن المعنى: لا تجعلوها قبورا; أي: مثل القبور في عدم الصلاة فيها; فهو دليل على أنه ينبغي إن لم نقل: يجب أن يجعل الإنسان من صلاته في بيته ولا يخليه من الصلاة. وفيه أيضا: أنه من المتقرر عندهم أن المقبرة لا يصلى فيها.
إذن; فيكون هذا النهي عن ترك الصلاة في البيوت لئلا تشبه المقابر; فيكون فيه دليل واضح على أن المقابر ليست محلا للصلاة، وهذا هو
_________
1 البخاري: الشهادات (2679) والمناقب (3836) والأدب (6108) والأيمان والنذور (6646) والتوحيد (7401) ، ومسلم: الأيمان (1646) ، والترمذي: النذور والأيمان (1534) ، والنسائي: الأيمان والنذور (3764) ، وأبو داود: الأيمان والنذور (3249) ، وأحمد (2/11 ،2/17 ،2/20 ،2/76 ،2/98 ،2/142) ، ومالك: النذور والأيمان (1037) ، والدارمي: النذور والأيمان (2341) .
2 سبق (ص 431) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤٥)
ولا تجعلوا قبري عيدا،..................................................الشاهد من الحديث للباب; لأن اتخاذ المقابر مساجد سبب قريب جدا للشرك.
واتخاذها مساجد سبق أن له مرتبتين:
الأولى: أن يبني عليها مسجدا.
الثانية: أن يتخذها مصلى يقصدها ليصلي عندها.
والحديث يدل على أن الأفضل: أن المرء يجعل من صلاته في بيته وذلك جميع النوافل; لقوله صلى الله عليه وسلم " أفضل صلاة المرء في بيته; إلا المكتوبة "1 إلا ما ورد الشرع أن يفعل في المسجد، مثل: صلاة الكسوف، وقيام الليل في رمضان، حتى ولو كنت في المدينة النبوية; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو في المدينة، وتكون المضاعفة بالنسبة للفرائض أو النوافل التي تسن لها الجماعة.
قوله: "عيدا": العيد: اسم لما يعتاد فعله، أو التردد إليه، فإذا اعتاد الإنسان أن يعمل عملا كما لو كان كلما حال عليه الحول صنع طعاما ودعا الناس; فهذا يسمى عيدا لأنه جعله يعود ويتكرر.
وكذلك من العيد: أن تعتاد شيئا فتتردد إليه، مثل: ما يفعل بعض الجهلة في شهر رجب وهو ما يسمى بالزيارة الرجبية، حيث يذهبون من مكة إلى المدينة، ويزورون كما زعموا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أقبلوا على المدينة تسمع لهم صياحا، وكانوا سابقا يذهبون من مكة إلى المدينة على الحمير خاصة، ولما جاءت السيارات صاروا يذهبون على السيارات.
وأيهما المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الأول; أي العمل الذي يتكرر
_________
1 من حديث زيد بن ثابت، رواه: البخاري (كتاب الأذان، باب صلاة الليل، 1/239) ، ومسلم (كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، 1/539) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤٦)