أمَّا الحبُّ الذي هو تعلُّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقُربِه والاستيحاش من بُعده، فلا يكون الغلوُّ فيه ـ عندما يكون المحبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَاّ عنواناً على مزيدِ قُربٍ من الله!! وقد علمنا أنَّ الحبَّ في الله من مُستلزمات توحيد الله تعالى، ومهما غلا مُحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حُبِّه له أو بالَغ، فلن يصِل إلى أَبعد من القَدْر الذي أَمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم!!! إذ قال فيما اتَّفق عليه الشيخان: "لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من مالِه وولدِه والناس أجمعين"، وفي رواية للبخاري: "ومن نفسه" ".
والجواب: على ذلك أن نقول:
أولاً: أمَّا ثناء البوطي على الرفاعي فيصدق على المثنِي والمثنَى عليه قول الشاعر:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ذهب الرِّجال المُقتدَى بفعالِهم … والمنكرون لكلِّ فعل منكرِ
وبقيتُ في خَلْف يُزكِّي بعضُهم
… بعضاً ليدفع معور عن معور
ثانياً: إنَّ وصفَ البوطي لنصيحة الرِّفاعيِّ المزعومة بـ (أنَّها تذكرة هادئة، وأنَّها لطيفة في أسلوبها!!) بعيدٌ عن الحقيقة والواقع؛ يتَّضحُ ذلك بالوقوف على بعض الجُمل التي أوردتُها من كلام الرِّفاعيِّ، ففيها الكذب والجفاء.
ثالثاً: وأمَّا موافقتُه للرِّفاعي فيما جاء في أوراقه، فإنَّ كلَّ ما تقدَّم في الردِّ على الرِّفاعي هو ردٌّ على البوطي.
رابعاً: وأمَّا إجماع العصور الثلاثة وما بعدها الذي زعمه البوطي على التبرُّك بآثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المكانيَّة، كمكان مولدِه وبئر أريس التي سقط فيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
خاتَمُه صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، فلا يتأتَّى له إثبات هذا الإجماع، بل ولا إثبات القول به عن واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم!
وأيُّ إجماعٍ يُزعمُ من الصحابة ومَن بعدهم على ذلك، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه الأمر بقطع شجرة بيعة الرضوان في الحديبية قرب مكة، وجاء عنه أيضاً التحذيرُ من التعلُّق بمثل هذه الآثار، وقال:
"إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً"؟! كما مَرَّ ثبوت ذلك عنه في مصنَّفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
خامساً: وأمَّا زعمه بأنَّه لَم يُخالف هذا الإجماعَ المزعوم إلَاّ علماءُ نجد، فغيرُ صحيح؛ لأنَّ كلَّ متَّبع للكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة يقول بهذا الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه، وهم في هذا العصر كثيرون، منتشرون في الأقطار المختلفة، ومنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الكويت والشام التي منها الرفاعي والبوطي!
سادساً: وأمَّا زعمه أنَّ المزعومَ نُصحهم يُكفِّرون سوادَ الأُمَّة بحُجَّة كونهم أشاعرةً أو ماتريديِّين، فهو كذبٌ منه وافتراءٌ، كما أنَّه كذبٌ وافتراءٌ من الرفاعي، وقد مرَّ الردُّ عليه.
وأزيد هنا فأقول: إنَّ الفِرَقَ الواردةَ في قوله صلى الله عليه وسلم: "ستفترِقُ هذه الأُمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلَاّ واحدة" الحديث، هم من المسلمين؛ لأنَّ أُمَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتان: أمَّة الدعوة، يدخل فيها اليهود والنصارى، وكلُّ إنسيٍّ وجِنِّي من حين بِعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة.
وأمَّةُ الإجابة: وهم الذين دخلوا في هذا الدِّين، وفيهم الفِرق المذكورة في الحديث، وكلُّ هذه الفِرَق مسلمون مُستحقُّون للعذاب بالنَّار، سوى فرقةٍ واحدة، وهي مَن كان على ما كان عليه الرسول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
صلى الله عليه وسلم وأصحابُه رضي الله عنهم.
سابعاً: وأمَّا تفريقُه بين الإطراءِ والغُلُوِّ، ومَنعُه الأولَ وتجويزُه الثاني، فهو من التفريقِ بين متماثِلَين، وكما أنَّ النَّهيَ جاء عنه صلى الله عليه وسلم عن الإطراء، فإنَّ الغُلُوَّ جاء فيه النَّهيُ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ، وقد لَقَطَ ابنُ عبَّاسٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصَى الجِمار، وهنَّ مثل حصى الخذف، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يَرموا بمِثلِها، قال: "وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الغلُوُّ في الدِّين"، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيُّ وغيرُه.
ومعلومٌ أنَّ مَحبَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يجبُ أن تكون في قلب كلِّ مسلم أعظمَ من مَحبَّته لنفسِه وأهله والناس أجمعين، لكن لا يجوز فيها الغُلُوُّ الذي قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
يُؤدِّي إلى أن يُصرَف إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شيءٌ من حقِّ الله، كالذي حصل للبوصيريِّ في أبياتِه التي أشرتُ إليها فيما تقدَّم في الردِّ على الرفاعي.
وليت شعري! ما الذي سوَّغ للبوطيِّ تجويز الغلوِّ في محبَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم أُسُس الدِّين، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدِّم آنفاً: "وإيَّاكم والغلو في الدِّين، فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين"؟!
وأسأل الله عز وجل أن يهدي مَن ضلَّ من المسلمين سبل السلام، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن يوفِّق المسلمين جميعاً للفقه في الدِّين والثبات على الحقِّ، إنَّه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)