فإن قيل بعد ذلك: لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات، قيل: الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصًا، وإنما النقص عدم ما يمكن.
وأيضًا، فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما اتصف به وجب له، وامتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرًا ممتنعًا. وإذا قدر للذات تقدير ممتنع، وقيل: إنها ناقصة بدونه، كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير، لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل: إذا مات كان ناقصًا، فهذا يقتضي وجوب كونه حيًا، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة، كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات.
وأيضًا، فقول القائل: اكتمل بغيره ممنوع، فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره، ولا أنها ليست غيره، على ما عليه أئمة السلف؛ كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، وهو اختيار حُذَّاق المثبتة، كابن كُلَاّب وغيره.
ومنهم من يقول: أنا لا أطلق عليها أنها ليست هي هو، ولا أطلق عليها أنها ليست غيره، ولا أجمع بين السلبين قأقول: لا هي هو ولا هي غيره، وهو اختيار طائفة من المثبتة كالأشعري، وأظن أن قول أبي الحسن التميمى هو هذا، أو ما يشبه هذا.
ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب في إطلاقهما جميعًا، كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
ومنشأ هذا أن لفظ [الغير] يراد به المغاير للشىء، ويراد به ما ليس هو إياه، وكان في إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعانٍ فاسدة.
ونحن نجيب بجواب علمي فنقول: قول القائل: يتكمل بغيره. أيريد به بشىء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته؟ أما الأول فممتنع. وأما الثاني فهو حق، ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها، كما لا يمكن وجودها بدونه، وهذا كمال بنفسه لا بشىء مباين لنفسه.
وقد نص الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وأئمة المثبتة كأبي محمد بن كُلَاّب وغيره على أن القائل إذا قال: الحمد لله، أو قال: دعوت الله وعبدته، أو قال: بالله، فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته، وليست صفاته زائدة على مسمى أسمائه الحسنى.
وإذا قيل: هل صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات، فالصفات زائدة عليها، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج، فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة. والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات، وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن الصفات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فصل
وأما قول القائل: لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرًا إليها وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرًا إلى غيره، فهو من جنس السؤال الأول.
فيقال: أولاً: قول القائل: [لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرًا إليها] يقتضي إمكان جوهر تقوم به الصفات، وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات، فلو كان أحدهما ممتنعا لبطل هذا الكلام، فكيف إذا كان كلاهما ممتنعًا؟ فإن تقدير ذات مجردة عن جميع الصفات، إنما يمكن في الذهن لا في الخارج. كتقدير وجود مطلق لا يتعين في الخارج.
ولفظ [ذات] تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره، فهم يقولون: فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة. وحيث جاء في القرآن أو لغة العرب لفظ [ذو] ولفظ [ذات] لم يجئ إلا مقرونًا بالإضافة كقوله: {فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، وقوله: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119] .
وقول خُبَيْبَ رضي الله عنه:
وذلك في ذات الإله. . .
ونحو ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب، قالوا: إنه يقال: إنها ذات علم وقدرة، ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالو: [الذات] . وهي لفظ مُولَّد ليس من لفظ العرب العرباء؛ ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم، كأبي الفتح بن برهان، وابن الدهان وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية ورد عليهم آخرون، كالقاضي وابن عقيل وغيرهما.
وفصل الخطاب: أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها، فيقال: ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شىء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلاً، بل فرض هذا في الخارج كفرض عَرَض يقوم بنفسه لا بغيره.
ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له، كفرض صفة لا تقوم بغيرها، وكلاهما ممتنع، فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة، وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه متصف به.
ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائمًا بنفسه لا صفة له، سواء سموه جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك، ويقولون: وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع، فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له، فقد قدر ما لا يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج، فكيف إذا علم أنه ممتنع في الخارج عن الذهن.
وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع، وإنما يمكن فرضه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
في العقل، فالعقل يقدره في نفسه، كما يقدر ممتنعات، لا يعقل وجودها في الوجود ولا إمكانها في الوجود.
وأيضًا فالرب تعالى إذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكنًا وما أمكن له وجب امتنع أن يكون مسلوبًا صفات الكمال، ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة الواجبة له فرض ممتنع.
وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عمومًا وخصوصًا، فقول القائل: يكون مفتقرًا إليها، وتكون مفتقرة إليه، إنما يعقل مثل هذا في شيئين. يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير.
ثم يقال له: ما تعنى بالافتقار؟ أتعني: أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو ألا يكون أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة، بل لا يلزمه شىء معين من أفعاله ومفعولاته؛ فكيف تجعل صفاته مفعولة له، وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت التلازم فهو حق.
وهذا كما يقال: لا يكون موجودًا، إلا أن يكون قديمًا واجبًا بنفسه ولا يكون عالمًا قادرًا إلا أن يكون حيًا، فإذا كانت صفاته ملازمة لذاته، كان ذلك أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال، لم يكن الكمال واجبًا له، بل ممكنًا له، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوتها له إلى غيره، وذلك نقص ممتنع عليه، كما تقدم بيانه، فعلم أن التلازم بين الذات وصفات الكمال هو كمال الكمال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
فصل
وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص، فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ [العَرَض] على صفاته ثلاث طرق:
منهم: من يمنع أن تكون أعراضًا، ويقول: بل هي صفات وليست أعراضًا، كما يقول ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره.
ومنهم: من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كَرَّام وغيرهما.
ومنهم: من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل: العلم عرض بدعة، وقوله: ليس بعرض بدعة، كما أن قوله: الرب جسم بدعة، وقوله: ليس بجسم بدعة.
وكذلك أيضًا لفظ [الجسم] ، يراد به في اللغة: البدن والجسد، كما ذكر ذلك الأصمعي وأبو زيد، وغيرهما من أهل اللغة.
وأما أهل الكلام، فمنهم من يريد به المركب، ويطلقه على الجوهر الفرد بشرط التركيب، أو على الجوهرين، أو على أربعة جواهر، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر، أو اثنين وثلاثين، أو المركب من المادة والصورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وعامة هؤلاء، وهؤلاء يجعلون المشار إليه مساويا في العموم والخصوص، فلما كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل، صار مخلا. وحينئذ فالجواب العلمي أن يقال: أتعني بقولك إنها أعراض أنها قائمة بالذات أو صفة للذات، ونحو ذلك من المعاني الصحيحة، أم تعني بها أنها آفات ونقائص؟ أم تعني بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين؟
فإن عنيت الأول فهو صحيح. وإن عنيت الثاني فهو ممنوع. وإن عنيت الثالث فهذا مبني على قول من يقول: العرض لا يبقى زمانين. فإن قال ذلك وقال هي باقية قال أسميتها أعراضا_ لم يكن مانعا من تسميتها أعراضا.
وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال للحي عليم قدير عندك، وهذه الأسماء لا ينسمى بها إلا جسم، كما أن هذه الصفات التي جعلتها أعراضا لا يوصف بها إلا جسم؟ فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء كان جوابا "لأهل الإثبات" عن إثبات الصفات. ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
أتعني بالجسم المركب الذي كان مفترقًا فاجتمع؟ أو ما ركبه مركب فجمع أجزاءه؟ أو ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة؟ أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه؟ أو ما كان قائمًا بنفسه؟ أو ما هو موجود؟
فإن عنيت الأول، لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضًا لا تقوم إلا بجسم بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني، لم نسلم امتناع التلازم، فإن الرب تعالى موجود قائم بنفسه، مشار إليه عندنا، فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير.
وقول القائل: المركب ممكن، إن أراد بالمركب: المعاني المتقدمة؛ مثل كونه كان مفترقًا فاجتمع، أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال، فلا نسلم المقدمة الأولى التلازمية، وإن عنى به ما يشار إليه أو ما يكون قائمًا بنفسه موصوفًا بالصفات، فلا نسلم انتفاء الثانية، فالقول بالأعراض مركب من مقدمتين؛ تلازمية، واستثنائية بألفاظ مجملة، فإذا استفصل عن المراد حصل المنع والإبطال لأحدهما أو لكليهما، وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير، بطلت الحجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
فصل
وأما قول القائل: لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث، والحادث إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به.
فيقال أولا: هذا معارض بنظيره من الحوادث التي يفعلها، فإن كليهما حادث بقدرته ومشيئته، وإنما يقترنان في المحل. وهذا التقسيم وارد على الجهتين.
وإن قيل في الفرق: المفعول لا يتصف به، بخلاف الفعل القائم به، قيل في الجواب: بل هم يصفونه بالصفات الفعلية، ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية، فيصفونه بكونه خالقًا ورازقًا بعد أن لم يكن كذلك، وهذا التقسيم وارد عليهم.
وقد أورده عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، فزعموا أن صفات الأفعال ليست صفة كمال ولا نقص.
فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء في الأفعال التي تقوم به، إنها ليست كمالاً ولا نقصًا.
فإن قيل: لابد أن يتصف إما بنقص أو بكمال. قيل: لابد أن يتصف من الصفات الفعلية إما بنقص وإما بكمال، فإن جاز ادعاء خلو أحدهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
عن القسمين، أمكن الدعوى في الآخر مثله، وإلا فالجواب مشترك.
وأما المتفلسفة فيقال لهم: القديم لا تحله الحوادث، ولا يزال محلاً للحوادث عندكم، فليس القدم مانعًا من ذلك عندكم، بل عندكم هذا هو الكمال الممكن الذي لا يمكن غيره، وإنما نفوه عن واجب الوجود؛ لظنهم عدم اتصافه به.
وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم في ذلك، لاسيما وما قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة، أزلية موجبة لمعلولها؛ فإن العلة التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها معلولها، أو شىء من معلولها، ومتى تأخر عنها شىء من معلولها كانت علة له بالقوة هذا عند من سماه نقصا من النقص الممكن انتفاؤه.
فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له.
فيل وجود الجمادات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها أو واحد منها في الأزل، فيمتنع وجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد سواء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
قدر ذلك الآن ماضيا أو مستقبلا، فضلا عن أن يكون أزليا، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجود في آن واحد فضلا عن أن يكون أزليا، فليس هذا ممكن الوجود فضلا عن أن يكون كمالا، لكن فعل الحوادث شيئا بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لايحدث شيئا بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر علي الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل.
فإذا قيل لايمكنه إحداث الحوادث، بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصا بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئا بعد شيء.
وكذلك إذا فيل: جعل الشيء الواحد متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال قيل: هذا ممتنع لذاته.
وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال، قيل: هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعا يقتضى أن لايكون واجبا بنفسه بل واجبا بغيره.
فإذا قيل: هو واجب موجود بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره، كان هذا جمعا بين النقيضين.
وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه بها صفة كمال، فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص.
قيل: الأفعال المنفعلة بمشيئة وقدرته أن يكون كل منها أزليا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وأيضا: فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال، بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها، وأيضا فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئا بعد شيء، فقول القائل فيما حقه أن يوجد شيئا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل جمع بين النقيضين، وأمثال هذا كثير.
فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له فضلا عن أن يقال هو موجود أو يقال هو كمال للوجود.
وأما الشرط الآخر: وهو قولنا الكمال الذي لا يتضمن نقصا - على التعبير بالعبارة السديدة - أو الكمال الذي لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه - على عبارة من يجعل ماليس بنقص نقصا - فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصا كالأكل والشرب مثلا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل الشارب إلى غيره، وهو مايدخل فيه من الطعام والشراب وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما لايحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لايحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره.
ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزما لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزما للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزما لفقره المنافي لغناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
فصل:
إذا تبين هذا تبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي يدل عليه المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم له موافقة، وهم سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات، فإن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها، فإن ما اتصف بهذه فهو أكمل مما لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها.
والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد.
و" أهل الإثبات " يقولون " للنفاة " لو لم يتصف بهذه الصفات لاتصف بأضدادها من الجهل والبكم والعمي والصمم، فقال لهم " النفاة " هذا الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلات تقابل العدم والملكة إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلا لهما، كالحيوان الذي لا يخلو إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصيرا، لأنه قابل لهما بخلاف الجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
فيقول لهم" أهل الإثبات " هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن يقال الموجودات نوعان: نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لايقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى والأصم الذي لا يقبل السمع والبصر أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك أكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال على قولهم ممتنعا عليه صفات الكمال فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فسبهتموه بالجمادات وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص.
الوجه الثاني: أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة أمر اصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتا كما قال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} .
الوجه الثالث: أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص، وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للوجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات: أحدهما يقدر على التصرف بنفسه فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر: يمتنع ذلك منه فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذا الأفعال كان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه.
وإذا قيل: قيام هذه الأفعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما إذا قيل قيام الصفات به يستلزم قيام الأعراض به، والأعراض والحودث لفظان مجملان.
فإن أريد بذلك ما يعقله " أهل اللغة " من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض والآفات، كما يقال: فلان قد عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثا عظيما، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وقال: " لعن الله من أحدث أو آوى محدثا " وقال: " إذا أحدث أحدكم فلا يصل حتى يتوضأ ".
ويقول " الفقهاء " الطهارة نوعان، طهارة الحدث وطهارة الخبث.
ويقول " اهل الكلام ": اختلف الناس في أهل الأحداث من أهل القبلة كالربا والسرقة وشرب الخمر، ويقال فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض، فهذه النقائص التي تنزه الله عنها.
وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص، فإنما أحدث ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
الاصطلاح من أحدثه من " أهل الكلام " وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، لا لغة القرآن ولا غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم، بل مبتدعو هذا الاصطلاح هم من " أهل البدع " المحدثين في الأمة الداخلين في ذم النبي صلي الله عليه وسلم.
وبكل حا ل مجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه أعراضا وحوادث لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها، أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها.
وأيضا: فإذا قدر اثنان: أحدهما موصوف بصفات الكمال التي هي أعراض وحوادث على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش، والآخر: يمتنع أن يتصف بهذه الصفات التي هي أعراض وحوادث، كان الأول أكمل، كما أن الحي المتصف بهذه الصفات أكمل من الجمادات.
وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها، والآخر لافرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص - فلا يحب لا هذا ولا هذا ولا يرضى لا هذا ولا هذا، ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا - كان الأول أكمل من الثاني.
ومعلوم أن الله تبارك وتعالى يجب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال.
وكذلك إذ قدر اثنان: أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
والكذب ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر: لا قرق عنده بين الجاهل الكاذب الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا، ولا يغضب لا على هذا ولا هذا - كان الأول أكمل.
وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يقدر أن يفعل بيديه ويقبل بوجهه والآخر لا يمكنه ذلك - إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان، وإما لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه - كان الأول أكمل.
فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك، ووجه كل شيء بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به لا مذموم، كوجه النهار، ووجه الثوب، ووجه القوم، ووجه الخيل، ووجه الرائ، وغير ذلك، وليس الوجه المضاف إلى غيره هو نفس المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء كان الاستعمال حقيقة أو مجازا.
فإن قيل: من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل بيديه، قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء هو أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه، ولا يمكنه أن يفعل باليد، لهذا كان الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء.
فإذا قدر اثنان: أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه، والآخر: يمكنه الفعل بقوة فيه بكلامه - فهذا أكمل.
فإذا قدر آخر بقوة فيه وبكلامه وبيديه إذا شاء فهو أكمل وأكمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وأما صفات النقص فمثل النوم، فإن الحي اليقضان أكمل من النائم والوسنان، والله لا تأخذه سنة ولا نوم.
وكذلك من يحفظ بلا اكتراث أكمل ممن يلزمه ذلك والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما.
وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب.
ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز، والحياة دون الموت، والسمع والبصر والكلام دون الصمم والعمى البكم، والضحك دون البكاء، والفرح دون الحزن.
وأما الغضب مع الرضاء والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضى والحب دون البغض والغضب للأمور التي تستحق أن تذم وتبغض، ولهذا كان اتصافه بأنه يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، أكمل من اتصافه بمجرد الإعطاء والإعزاز والرفع، لأن الفعل الآخر حيث تقتضي الكلمة ذلك أكمل ممن لا يفعل إلا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له.
من اعتبر هذه الباب، وجده على قانون الصواب، والله الهادي لأولى الباب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
فصل:
وأما قول" ملاحدة المتفلسفة " وغيرهم: إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته، وإن أوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها، فيقال:
الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه.
وحينئذ قول القائل: يكون يكون نقصا بذاته إن أراد به أنه يكون بدون هذه الصفات ناقصا فهذا حق، لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لابد من صفات الكمال وإلا كان نقصا.
وإن أراد به أنه إنما صار كاملا بالصفات التي اتصف بها فلا يكون كاملا بذاته المجردة عن هذه الصفات فيقال:
أولا: هذا إنما يتوجه أن لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات، أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات فإذا كان أحد هذين ممتنعا امتنع كماله بدون هذه الصفات، فكيف إذا كا ن كلاهما ممتنعا، فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع.
فإنا نعلم بالضرورة أن الذات التي لا تصير علة بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى سبب آخر، فإن كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
صار فيه ما هو بالقوة وهو المخرج له إلى الفعل، وذلك يستلزم أن يكون قابلاً أو فاعلاً، وهم يمنعون ذلك لامتناع الصفات التي يسمونها التركيب.
وإن كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعًا بالضرورة والاتفاق؛ لأن ذلك ينافى وجوب الوجود؛ ولأنه يتضمن الدور المعي والتسلسل في المؤثرات، وإن كان هو الذي صار فاعلا للمعين بعد أن لم يكن، امتنع أن يكون علة تامة أزلية، فقدم شىء من العالم يستلزم كونه علة تامة في الأزل، وذلك يستلزم ألَاّ يحدث عنه شىء بواسطة وبغير واسطة، وهذا مخالف للمشهود.
ويقال ثانيا في إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعًا: هذا مبني علي تجدد هذه الأمور بتجدد الإضافات، والأحوال والأعدام؛ فإن الناس متفقون على تجدد هذه الأمور. وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ، فقال: هذه حوادث وهذه متجددات، والفروق اللفظية لا تؤثر في الحقائق العلمية.
فيقال: تجدد هذه المتجددات إن أوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن أوجب له نقصًا لم يجز وصفه به.
ويقال ثالثاً: الكمال الذي يجب اتصافه به هو الممكن الوجود، وأما الممتنع فليس من الكمال الذي يتصف به موجود، والحوادث المتعلقة بقدرته ومشيئته يمتنع وجودها جميعًا في الأزل فلا يكون انتفاؤها في الأزل نقصًا؛ لأن انتفاء الممتنع ليس بنقص.
ويقال رابعًا: إذا قدر ذات تفعل شيئًا بعد شىء، وهي قادرة على الفعل بنفسها، وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئًا، بل هي كالجماد الذي لا يمكنه أن يتحرك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)