وإن تعجب فعاجب هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها، إذ هي مقطعان: أحدهما مد ثقيل، والآخر مد خفيف، وقد جاءت عقب غُنتين في " إذاً " و " قسمة " وإحداهما خفيفة حادة،
والأخرى ثقيلة متفشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي. وهذا معنى رابع للثلاثة التي عددناها آنفاً، أما خامس هذه المعاني، فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة
على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضاً.
ثم الكلماتُ التي يُظن أنها زائدة في القرآن كما يقول النحاة، فإن فيه من ذلك أحرفاً: كقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) .
وقوله: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)
فإن النحاة يقولون إن " ما " في الآية الأولى و " أن " في الثانية، زائدتان، أي في الإعراب.
فيظن مَن لا بصرَ له أنهما كذلك في النظم ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لوناً من التصوير لو هو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته، فإن المراد بالآية الأولى، تصويرُ لين النبي صلى الله عليه وسلم لقومه، وإن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في " ما " وصفاً لفظياً يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تُشعر بانعطاف وعناية لا يُبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق،
ثم كان الفصل بين الباء الجارَّة ومجرورها (وهو لفظ رحمة) مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى.
والمراد بالثانية تصويرُ الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه لبعد ما كان بين يوسفَ وأبيه عليهما السلام وأن ذلك كأنه كان منتظراً بقلق واضطراب تؤكدهما وتصف الطربَ لمقدمه واستقراره، غُنةُ هذه النونِ في الكلمة الفاصلة؛ وهي " أن " في قوله: " أن جاء ".
وعلى هذا يجري كل ما ظن أنه في القرآن مزيد: فإن اعتبار الزيادة فيه وإقرارَها بمعناها،
إنما هو نقص يجل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام ويقتضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره. . . فما في القرآن حرف واحد إلا ومعه رأفي يسنح في البلاغة، من جهة نظمه، أو
دلالته، أو وجه اختياره، بحيث يستحيل ألبتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير مُحكمة أو شيء مما تنفذ في نقده الصنعة الإنسانية من أي أبواب الكلام إن وسعها منه باب.
ولكنك واجد في الناس من ينقبض ذرعُه ويُقصر به علمه، ولا يدعُ مع ذلك أن يقدم على الأمر لا يعرف من أين مُطلعه ومأتاه فيُمضي القولَ على ما خيلَ؛ ويفتي بما اختال، ولا يمنعه تقصيره من أن يستطيل به ولا استطالته من أن يكابر عليها؛ ولا مكابرته من اللجاج فيها، فيخطئ صواب
القول إن قال، ثم يخطئ الثانية في تصويب خطئه إن احتج، وما في الخط! جهة ثالثة إلا أن يصر على الخطإ.
ومما لا يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ، ثم مما يدل على أن نظم القرآن مادة فوق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
الصنعة ومن وراء الفكر وكأنها صُبَّت على الجملة صباً - أنك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلا مجموعاً ولم يستعمل منه صيغة المفرد، فإذا احتاج إلى هذه الصيغة استعمل مرادفها: كلفظة
(اللب) فإنها لم ترد إلا مجموعة، كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) .
وقوله:
(وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52) .
ونحوهما، ولم تجئ فيه مفردة، بل جاء في مكأنها (القلب) ، وذلك لأن
لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلما لم يكن ثم فصل بين الحرفين يتهيأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة؛ تحسن اللفظة مهما
كانت حركة الإعراب فيها؛ نصباً أو رفعاً، أو جراً؛ فأسقطها من نظمه بتة، على سعة ما بين أوله وآخره، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، وهذا على أن فيه لفظة
(الجبّ) ، وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدة في الجيم المضمومة.
وكذلك لفظة (الكوب) ، استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع.
و (الأرجاء) لم يستعمل القرآن لفظها إلا مجموعاً وترك المفرد - وهو الرجا: أي الجانب - لعلة لفظه، وأنه لا يسوغ في نظمه كما ترى.
وعكس ذلك لفظة (الأرض) ؛ فإنها لم ترد فيه إلا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه، ولما احتاج إلى جمعها أخرجها على هذه الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة وذهب بها، حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدة طويلة، وهي في
قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) .
ولم يقل: وسبع أرَضِين؛ لهذه الجسأةِ التي تدخل اللفظ ويختل بها النظم اختلالاً، وأنت فتأمل - رعاك الله - ذلك الوضع البياني، واعتبر
مواقع النظم، وانظر هل تتلاحق هذه الأسباب الدقيقة أو تتيسر مادتها الفكرية لأحد من الناس فيما يتعاطاه من الصناعة، أو بتكلفة من القول، وإن استقصى فيه الذرائع، وبالغ الأسباب، وأحكم ما
قِبَله وما وراءه. .
ومن الألفاظ لفظة (الآجرّ) وليس فيها من خفة التركيب إلا الهمزة وسائرها نافر متقلقل لا يصلح مع هذا المد في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن، فلما احتاج إليها لفظها ولفظ
مرادفها وهو (القرْمد) وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما، ثم أخرج معناها بألطف عبارة وأرقها وأعذبها، وساقها في بيان مكشوف يفضِح الصبحَ، وذلك في قوله تعالى:
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) .
فانظر، هل تجد في سر الفصاحة وفي روعة الإعجاز أبرع أو أبدع من هذا؛ وأي عربي فصيح يسمع مثل هذا النظم وهذا التركيب ولا يملكه حسُّه ولا يسوغه حقيقة نفسه ولا يجن به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
جنوِناً ولا يقول آمنت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالقرآن معجزة؛ وتأمل كيف عئر عن الآجر بقوله:
(فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله (فَأَوْقِدْ) وما يتلوها من رقة اللام، فإنها في أثناء التلاوة مما لا يطاق أن يعبر عن حسنه، وكأنما تنتزع النفس انتزاعاً.
وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر؛ فإنها تحقر شأن فرعون، وتصف ضلاله، وتسفه رأيه، إذ طمع أن يبلغ الأسبابَ أسباب السموات فيطلع إلى
إله موسى، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصَبَ الأرض سلماً، إلا شيئاً يصنعه هامان من الطين. . .!
وما يشذ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز؛ حتى إنك لو تدبرت الآيات التي لا تقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة، وهي بالطبع مظنة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز؛ فإنك ترى إعجازها أبلغ ما يكون في نظمها وجهات سردها، ومن تقديم
اسم على غيره أو تاخيره عنه، لنظم حروف ومكأنه من النطق في الجملة؛ أو لنكتة أخرى من نكت المعاني التي وردت فيها الآية بحيث يوجد شيئاً فيما ليس فيه شيء.
تأمل قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ)
فإنها خمسة أسماء، أخفها في اللفظ (الطوفان والجراد والدم) وأثقلها (الْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ) فقدم (الطوفان)
لمكان المدين فيها؛ حتى يأنس اللسان بخفتها؛ ثم الجراد وفيها كذلك مد؛ ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئاً بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت لماكن تلك الغُنة فيه؛ ثم جيء بلفظة (الدم) آخراً، وهي أخف الخمسة وأقلها حروفاً؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم
بها هذا الإعجاز في التركيب.
وأنت فمهما قلَّبتَ هذه الأسماء الخمسة، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا في هذا الوضع؛ لو قدمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر، ولأعنتكَ أن تجيء منها بنظم فصيح، ثم لا ريب أحالك ذلك عن قصد الفصاحة وقطَعَك دون غايتها.
ثم لخرجَتِ الأسماء في اضطراب النطق على ذلك بالسواء؛
ليس يظهر أخفها من أثقلها؛ فانظر كيف يكون الإعجاز فيها
ليس فيه إعجاز بطبيعته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وبهذا الذي قدمناه ونحوه مما أمسكنا عنه ولم نستقصِ في أمثلته لأنه أمر مُطرد - تعرف أن
القرآن إنما أعجز في اللغة بطريقة النظم وهيئة كوضع ولن تستويَ هذه الطريقة إلا بكل ما فيه على
جهته ووضعه، فكل كلمة منه ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه، ومن ههنا ينساق بنا
الكلام إلى القول في النوع الثالث.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
الجمل وكلماتها
والجملة هي مظهرُ الكلام، وهي الصورة النفسية للتأليف الطبيعي، إذ يُحيلُ بها الإنسان هذه المادة المخلوقة في الطبيعة، إلى معاني تُصورها في نفسه أو تصفها، ترى النفس هذه المادة المصورة وتحسها.
على حين قد لا يراها المتكلم الذي أهدَفَها لكلامه غرضاً ولكنه بالكلام كأنه
يراها.
ولذا كانت المعاني في كلماتها التي تؤدي إليها كأنها في الاعتبار بقية الشعاع النظري الذي اتصل بالمادة الموصوفة، أو بقية حس آخر من الحواس التي هي في الحقيقة جملة آلات الإنسان في صنع اللغة.
فإذا ركب الكلام على أصل من التركيب لا يتأدى بالمعاني إلى أبعد من مظاهر الحس، فهذا هو الكلام الطبيعي الذي لا يزيد من فضيلة المتكلم أكثر مما تزيد الحواس نفسها في هذا المتكلم
من فضيلة الإنسانية، وذلك أصل هو من رقة الشأن وخفة المنزلة بحيث يخرج الناس جميعاً بالسواء فيه ليس لأحد منهم على أحد فضل، ما دام الكلام سواء فيهم من أصل الخلقة وطبيعة الحياة.
أما إذا خرج الكلام إلى أن يكون في أوضاعه ومعانيه كأنه تصرف من الحواس في أنواع الإدراك ودرجاته كتصرف النظر في اكتناه الجمال وإدراك معانيه؛ أو السمع في استبانة الأصوات وحس نغماتها، إلى ما يشبه ذلك من صنع سائر الحواس في كمالها العصبي - فهذا هو الكلام
النفسي الذي يضيف إلى صفة المتكلم صفة البلاغة ويرتفع به عن أن يكون إنساناً من الجنس إلى أن يكون - بفضيلة البلاغة - مادة إنسانية لجنس الإنسان.
فإذا ارتفع الكلام إلى أن يصير في تقليبه ومداورته كأن طرق ما بين الحواس في أنواع إدراكها وبين النفس، فلا يخطئ التأثيرَ ولا ينافر جهة من جهاته ولا يعدو أن يبلغَ من الفؤاد مبلغه الذي قسم له - فهذا هو الكلام الذي يبين البليغ ويفرده من قومه ويجعله مهوى قلوبهم وصمت
أبصارهم إذ يكون في نفسه من هذه القوة البيانية ما يجعله خليقاً أن يعتده التاريخ أحد المجامع النفيسة في الأرض، وهم الذين لا يكثرون بعددهم، ولكن بمواهبهم؛ حتى إن أحدهم ليكون أمة في نفسه.
ويكون عمله تاريخ عصر من أمة؛ وهم أولئك الأفراد العظماء الذين تبتدئ درجاتهم مما بين الخلقِ بعضهم من بعض، إلى ما بين الخلق والخالق، من الشعراء إلى الأنبياء.
فإذا بعد الكلام وأمعن حتى يكون بدقائق تركيبه وطرفِ تصويره كأنما يفيض النفسَ على الحواس إفاضة، ويترك هذا الإنسان من الإحساس به كأنه قلب كله، ثم يبلغ من ذلك إلى أن يكون روح لغة كاملة وبيان أمة برفتها، لا يحيله الزمن عن موضعه، ولا يقلبه عن جهته، وإلى أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
يجعل البلغاء على تفاوتهم فيما بينهم، وعلى اختلاف عصورهم وأسبابهم المتلاحقة، وكأنهم معه طبقة واحدة وفي طوقٍ واحد من العجز؛ يعنيهم طلبه، ويعنِتهم إدراكه ويعرفون تركيبه ثم لا يجدون له مأتى من النفس ولا وجهاً من القدرة فذلك هو الكلام المعجز، بل هو معجزة الطبيعة
الكلامية التي لم تعرف في تاريخ أمة من أمم الأرض، ولا عرف أن بلغاء أمة من أمم الكلام قد أقروا وأجمعوا عليها إجماعاً يتوارثونه علماً ونظراً على انفساح التاريخ وتعاقب الأجيال، إلا ما كان
من ذلك في القرآن، وما لا يزال الإجماع منعقداً عليه ما بقي في الأرض لفظ من العرب.
وإنما اطرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز من الصوت في الحرف، إلى الحرف في الكلمة، إلى الكلمة في الجملة، حتى يكون الأمر مقدراً على تركيب الحواس
النفسية في الإنسان تقديراً يطابق وضعَها وقواها وتصرفها، وذلك إيجاد خلقي لا قِبَل للناس به ولم يتهيأ إلا في هذه العربية عن طريق المعجزة التي لا تكون معجزة حتى تخرق العادة، وتفوت المألوف، وتعجز الطوقَ، وإنما امتنع أن يكون في مقدور الخلق، لأنه تفصيل للحروف على
النحو الذي يأخذه فيه تركيب الحياة، من تناسب الأجزاء في الدقيق والجليل، وقيام بعضها ببعض لا يغني منها شيء عن شيء في أصل التركيب وحكمته ولا يرد غيرها مردها ولا يأتلف ائتلافها
ولا يجري فيها إلى نحو ذلك مما أجرى الله عليه نشءَ الخلق وبعث الحياة، ثم اشتمالها على سر التركيب المكنون الذي جعل البلغاء منها بمنزلة الأطباء في سعة العلم بتركيب الأجسام الحية من
الخلية فما فوقها، دون العلم بالوجه الذي يمكن به التركيب، على أنهم لا يفوتهم شيء من دقائقه ولا يعزب عنهم مثقال ذرة من مادته، وهي بعد مبذولة لهم يقبلونها وششوضحونها ويزدادون بها
على الدهر خبرة، ثم ينصرفون عنها وهم في العلم غير من كانوا وهي لا تزال عندهم على ما كانت!
ولم نرَ شيئاً كان أمره مع العلم ذلك الأمر إلا أن يكون إلهياً، فقد فرغ الناس من كل ما وضع الناس، وعارض بعضهم بعضها، وأبرّ بعضهم على بعض ولم يسلم للمتقدم من الفضل على المتأخر إلا فضيلة احترام الموت واستحياء التاريخ، وقد بدِّلت الأرض غير الأرض وليس فيها من
أثر واحد لم يتناوله ناموس النشوء بالنقض من إحدى جهاته على هرم الدهر وتقادمه، غير القرآن فإنه طبقة وحده في إعجاز تركيبه وسلامة معانيه، لم تنقض منه آية ولا كلمة ولا ما دون الكلمة،
ولا ذُكر معه شيء من كلام البلغاء.
ولا عورض به ولا أزيل عن موضعه، ولا وزنه عقل إلا كان
مرجوحاً أبداً، وما أراده أحد إلا أراده بغير طريقته، ولا بحث عن طريقته إلا عي بإدراكها وبَعل بها ولم يدر ما هي ولا كيف هي ولا من أين يأتي لها، وصار أمره نشراً لا نظام له وعاد علمه جهلاً لا بصيرة معه:
ولعمري إنه لشى في العجائب كلها شيء أعجب من إمكان أن يكون القرآن
مع هذا الإعجاز كله غير معجز. . .!
ولقد كانت هذه الطريقة المعجزة التي نزل بها القرآن هي السبب في حفظ العربية واستخراج علومها؛ وما كان أصل ذلك إلا التحدي بها، فإن من حكمة هذا التحدي أن يدعوَهم إلى النظر في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
أساليبه ووجه نظمه وتدبُر طريقته، وأن يروزوا أنفسهم منها وَيزنوها به، حتى إذا استيقنوا العجز وأطرقوا عليه، كان ذلك سبباً لمن يخلفهم على اللغة إلى استبانة وجوه الإعجاز، فكشف لهم
عن فنون البلاغة، وتأدت بهم إلى حيث بلغوا من تتبع كلام العرب والاستقصاء فيه والكشف عن محاسنه، وأغرى بعض ذلك من بعضه، وأعان كل على كل، حتى اجتمعت المادة وتلاحقت
الأسباب ولولا ما صنعوا لخرج الناس إلى العخمَة، ولذهبت هذه الآداب ولما بقي في الأرض إلى اليوم من يقول إن القرآن معجز! .
وذلك بأن العرب لم يكن لهم من البلاغة إلا علم الفطرة، ولم يكن لمن بعدهم من هذه الفطرة إلا ما ترجعه الوراثة من أوليتهم، وهو شيء تتولاه العصور بالتحول والزيغ، وتدأب عليه بالنقض والاختلاف، حتى يخرج عن أصله إلى أن يكون أثلاً جديداً، ثم إلى أن تنشق منه أصول
أخرى وهي الطريقة التي تنشأ بها اللغات وتستمر وتذهب في الاشتقاق، فلا يبقى على ذلك من البلاغة العربِة شيء ينفذ إليه العلم أو تستطيعه القدرة، إذ تكون العربية نفسها قد درست وانتثرت
بقاياها في القبور والأنقاض.
ومن البيِّن أن أخص أسباب الارتقاء كائن في الغَلبة، والتميز والانفراد حيث وُجدت، فلو جاء القرآن مثل كلام العرب في الطريقة والمذهب، وفي الصفة والمنزلة، لما صَلُحَ أن يكون سبباً
لما أحدثه، ولذهب مع كلام العرب، ثم لتدافعته العصور والدول إن لم يذهب، ثم لبقي أمره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
كبعض ما ترى من الأمور الإنسانية؛ لا ينفرد ولا يستعلي.
فتدبر أنت هذا الأمرَ العجيب الذي كان الأصل فيه نزولَ آيات التحدي، وتأمل كيف أثبت القرآن إعجازه على الدهر بهذه الآيات القليلة، وكيف ضمن بما وراءها نثاة العقول التي تدرك هذا
الإعجاز وتقر به، وتكون مادة لتاريخه الأبدي، لا تضعف ولا تنحسم؛ وهل بعد هذا من ريب في قول الله تعالى يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
فقد علم الله هذا الأمر كيف يكون وكيف يثبت، فقدره بعلمه وفصله بحكمته قبل أن يقع، فانظر إلى آثار رحمة الله.
أما ألفاظ هذا الكتاب الكريم، فهي كيفما أدرتها وكيفما تأملتَها وأين اعترضتها من مصادرها أو مواردها ومن أي جهة وافقتها؛ فإنك لا تصيب لها في نفسك ما دون اللذة الحاضرة، والحلاوة
البادية، والانسجام العذب؛ وتراها تتساير إلى غاية واحدة، وتسنَح في معرض واحد، ولا يمنعها اختلاف حروفها وتباين معانيها وتعدد مواقعها من أن تكون جوهراً واحداً في الطبع والصقل، وفي
الماء والرونق؛ كأنما تتلامح بروح حية ما هو إلا أن تتصل بها حتى تمتزج بروحك وتخالِطَ إحساسك فلن تكون معها إلا على حالة واحدة.
تختلف الألفاظ ولا تراها إلا متفقة، وتفترق ولا تراها إلا مجتمعة، وتذهب في طبقات البيان وتنتقل في منازل البلاغة، وأنت لا تعرف منها إلا روحاً تداخلُك بالطرب، وتُشرِب قلبكَ الروعة، وتنتزع من نفسك حس الاختلاف الذي طالما تدبرت به سائر الكلام، وتصحفت به على
البلغاء في ألوان خطابهم وأساليب كلامهم وطبقات نظامهم، مما يعلو ويسفلُ، أو يستمر وينتقض، أو يأتلف ويختلف. . إلى غيرها من آثار الطباع الإنسانية فيما يعتريها من نقص أو كلال أو غفلة، ومما هو صورة في الكلام لوجوه اختلافها بالقوة والضعف في أصل الخلقةِ وطريقةِ
النشأة وأسباب التحصيل وآلات الصناعة إذ كل ذلك ليس في كل الطباع الإنسانية على سواء.
فأنت ما دمت في القرآن حتى تفرغ منه، لا ترى غير صورة واحدة من الكمال وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب وموضع التأليف وألوان التصوير وأغراض الكلام، كأنها تفضي إليك
جملة واحدة حتى تؤخذ بها وَيغلبَ عليك شبيه في التمثيل مما يغلب على أهل الحسق بالجمال إذا عَرَضت لأحدهم صورة من صوره الكاملة، فإن لم ضرباً من النظر يعتريهم في تلك الحالة خاصة،
ولو سَميتَه حس النظر الفكري لم تُبعِد، فهو يبتدئ في الصورة الجميلة ويستتم في النفس، فلو أنها أغمضت العين دونها لبقيت الصورة ماثلة بجملتها في الفكر، ولو وقفت العين على وجهة واحدة منها لوصلها الفكر بسائر أجزائها فتمثلت به سوية التركيب تامة الخلق، في حين لا ترى
العين إلا هذه الجهة وحدها.
وذلك أمرٌ متحقق بعد في القرآن الكريم: يقرأ الإنسان طائفة من آياته فلا يلبث أن يعرف لها صفة من الحسِّ ترافد ما بعدها وتمده، فلا تزال هذه الصفة في لسانه ولو استوعب القرآن كله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
حتى لا يرى آية قد أدخلت الضيمَ على أختها، أو نكرت منها، أو أبرزتها على ظل هي فيه. أو
دفعتها عن ماء هي إليه، ولا يرى ذلك كله إلا سواءَ وغاية في الروح والنظم والصفة الحسية، لا يغتمص في هذا إلا كاذب على دِخلة ونية، ولا يُهجن منه إلا أحمق على جهل وغرارة، ولا يمتري فيه بعد هذين إلا عامى أو أعجمي. . (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) .
إن طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد في تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها، وفي التمكين للمعنى بحس الكلمة وصفتِها، ثم الافتنان فيه بوضعها من الكلام،
وباستقصاء أجزاء البيان وترتيب طبقاته على حسب مواقع الكلمات، لا يتفاوت ذلك ولا يختل،
فمن أين يدخل على قارئه ما يَكد لسانه، أو ينبو بسمعه؛ أو يفسد عليه إصغاءه أو يرده عما هو منه بسبيله؛ أو يتقسم إحساسه ويتوزع فكره؛ أو يورده الموارد من ذلك كله أو بعضه؛ إلا أن يكون
هذا القارئ رَيضاً لم تفلح فيه رياضة البلاغة، ولا أجدى عليه التمرين والدُّربة؛ فخرج ألف اللسان بليدَ الحس متراجع الطبع، لم يبلغ مبلغ الصبيان في إحساس الغريزة وصفاء هذه الحاسة
واطراد هذا الصفاء.
فإننا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن وإظهاره، ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه، إلا نظمه واتساق هذا النظم، ولو هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو متون العلوم أو مختارِ الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه، أفي ذلك كان، لأعياهم وبلغ منهم
إلى حد الانقطاع والتخاذل، حتى لا يجمعوا منه قدراً في حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن: على أنهم يبلغون من هذا بالعفو والأناة، ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنتِ والجهد.
وقد ينسى أحدهم الآية من القرآن فينقطع إلى الصمت من قراءته، أو تتدخل في لفظه بعض الآيات المتشابهة في السور، أو يسقط بعض اللفظ في تلاوته فيضل في ذلك، ثم لا ييسره للذكر، ولا يذكره بالآية المنسية أكثر ما يتذكر، إلا نسقُ الحروف في بعض كلماتها، ولا يبين له مواقع
الكلِم المتشابهاتِ، إلا نظام كل كلمة من آيتها، ولا يهديه إلى ما أسقطه من اللفظ غير إحساسه باضطراب النظم وتخلخل الكلام، ولقد كان ذلك أكبر ما كنا نستعين به أيام الحداثة على اتقاء
الغلط والمداخلة والسهو، وكنا نفزع إليه إذا جلسنا بين يدي فقيهنا رحمه الله مجلس القراءة (والتسميع) . وقد عرفنا أن تأذِّي سمعهِ مقرون بأذى عصاه. . وكم تواصفنا مع أذكياء الصبيان في
(الكُتَّاب) فما رأينا منهم إلا من ادخر لمحنتهِ من ذلك أشياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
لا جرم كان القرآن في نظمه وتركيبه على الأصل الذي أومأنا إليه: نمطاً واحداً في القوة والإبداع، ولا تقع منه على لفط واحد يُخل بطريقته، ما دامت تنعطف على جوانب هذا الكلام
الإلهي وما دام في موضعه من النظم والسياق فإذا أنت حرَّفت ألفاظه من مواضعها، أو أخرجتها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
من أماكنها، وأزلتها عن روابطها حَصَلت معك ألفاظ كغيرها بما يدور في الألسنة ويجري في الاستعمال، ورأيتها - وهي في الحالين لغة واحدة - كأنما خرجت من لغة إلى لغة، لجد ما كانت
فيه مما صارت إليه، بيد أنك إذا تعرفت ألفاظ اللغة على هذا الوجه في كلام عربي غير القرآن،
أصبت أمراً بالخلاف، ورأيت لكل لفظة روحاً في تركيبها من الكلام فإذا أفردْتها وجدتها قريبة مما كانت، لأنها هي نفسها التي كانت من روح التركيب، ولم يكن لهذا التركيب في جملته روح خاصة بالنسق والنظم، فعلى كل لفظة معنى في الجملة كما أعطتها اللغة معنى في الإفراد، حتى
إذا أبنْتها وميزتها من هذه الجملة ضعفت ونقصت، وتبينتَ فيها الوحشة والقِلة شبيه الذي يَعرض للغريب إذا نَزَح عن موطنه وبانَ من أهله، وكان كل ذلك فيها طبيعياً لأن حقيقة التركيب إنما هي
صفة الوحي في هذا الكلام.
وهذه الروح التي أومأنا إليها، (روح التركيب) ، لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس؛ ولولاها لم يكن بحيث هو كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا
النظم: فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة؛ هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت، وان كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من
أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب: كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال، إلى نحوها مما يدور عليه.
ولولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة، على مقدار ما بين هذه المعاني ومواقعها في النفوس؛ وعلى مقدار ما بين الألفاظ والأساليب التي تؤديها حقيقة ومجازاً. كما تعرفه من كلام البلغاء عند تباين الوجوه التي يتصرف فيها، على أنهم قد رفهوا عن أنفسهم وكفوها أكبر المؤنة فلا
يألون أن يتوخوا بكلامهم إلى أغراض ومعان يعذب فيها الكلام ويتسق القول وتحسن الصنعة مما يكون أكبر حسنه في مادته اللغوية، وذلك شائع مستفيض في ماثور الكلام عنهم، ثم هم مع هذا يستوفون المعنى الواحد على وجهه، فإذا تحولوا إلى غيره، وأفضوا بالكلام إلى سواه رأيت من
اقتضابهم في الأسلوب ومن التذاكر في وضع المعنى إلى المعنى ما يشبه في اثنين متقابلين من الناس منظر قفا إلى وجه.
وعلى أنا لم نعرف بليغاً من البلغاء تعاطى الكلام في باب الشرع وتقرير النظر وتبيين الأحكام ونصبِ الأدلة وإقامة الأصول والاحتجاج لها والرد على خلافها، إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه في غير هذه الأبواب؛ وأنت قد تصيب له في غيرها اللفظ الحر، والأسلوب الرائع، والصنعة المحكم والبيان العجيب، والمعرضَ الحسنَ، فإذا صرت إلى ضروب من تلك
المعاني، وقعت ثمةَ على شيء كثير من اللفظ المستكرهِ، والمعنى المستغلق والسياق المضطرب، والأسلوب المتهافت والعبارات المتبذَّلة، وعلى النشاط متخاذلاً والعرى محلولة،
والوثيقة واهنة، وتبينتَ كلاماً لا تطمئن إليه في أكثر جهاته حتى لتعجب أن صاحبه وصاحب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
ذلك الكلام رجل واحد.
وإنما وقع للبلغاء هذا النقص من جهة التركيب، إذ ليس في كلامهم روح كروح النظم في القرآن ولا هذه الروح مما تُطوعه قُوى الخلق؛ فلما صاروا إلى الوضع الذي تضعف مادته اللغوية
من الحقيقة والمجاز وما إليها، صاروا إلى الضعف الذي لا قِبلَ لهم به ولا حيلة لهم فيه إلا مداورة الكلام وتعريض العبارة وتشقيق المعنى، فذهبوا إلى الخلق والتهافت وتصدير القول بالرقع من ههنا وههنا، فحيث أصبت كلمة رائعة أصبتَ منها رُقعة، وكان ما اتفق لهم من هذه الصنعة في
تحسين الكلام دليلاً على قبحه؛ وكان قبحاً جديداً.
وإنك لتحارُ إذا تأملت تركيب القرآن ونظمَ كلماته في الوجوه المختلفة التي يتصرف فيها؛ وتعقد بك العبارة إذا أنتَ حاولت أن تمضي في وصفه حتى لا ترى في اللغة كلها أدل على غرضك وأجمعَ لما في نفسك وأبينَ لهذه الحقيقة، غير كلمة الإعجاز.
وما عسى أن تقول في كلام ترى للفظ من الألفاظ فيه معنى؛ ثم ترى كأن لهذا المعنى في التركيب معنى آخر، هو الذي يفيض على النفس ويتصل بها فكأنه كلام مداخل وكأن اللغة فيه لغتان.
ثم ما أنت قائل في كلام جاء من الإبداع في التأليف ومن وجوه التفنن في تلوين المعاني بحيث نفى العربَ جميعاً عن لغتهم وهم في أرقى ما اتفق لهم من الصور اللغوية، واستبد بها
دونهم واستغرق كل ما جاء به من محاسن البيان حتى لم يدع لمن يقابل بينه وبين كلامهم إلا حُكماً واحداً تنتهي إليه المقالة من أي جهاتها سلك؛ وهو أن العرب أوجدوا اللغة مفردات فانية،
وأوجدها القرآن تراكيبَ خالدة.
ثم ماذا يبلغ القول من صفة هذا التركيب العجيب، وأنت ترى أن أعجب منه مجيئه على هذا الوجه الذي يستنفد كل ما في العقول البيانية من الفكر، وكل ما في القوى من أسباب البحث؛
كأنما ركب على مقادير العقول والقوى وآلاتِ العلوم وأحوال العصور المغيبة؛ فتراه يتخير من الألفاظ على درجات ليس معنى العجب فيها أن يقع التخير عليها، ولكن العجب أن تستجيب ألفاظه على هذا الوجه المعجز الذي لا يكون في اللغة إلا عن قدرة هي عين القدرة التي ألهمت
أهلها الوضعَ والتعبيرَ وتشقيق الكلام، حتى حصلت لغتهم كاملة في كل ذلك، أفي معنى أعجب من أن تتجاذَبَك معاني الوضع في ألفاظ القرآن فترى اللفظ قاراً في موضعه لأنه الأليق في النظم،
ثم لأنه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدلالة، ومع ذلك الأحكم في الإبانة،
ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة، ومع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية مما يتقدمه أو يترادف عليه، حتى خرج بذلك كله في تركيب قصرُ معارضتهِ أن تنتهيَ إليه بعينه، ولا مثلَ له إلا ما يتردد
منه على لسان قارئه، وحتى خرج التعبير عن معانيه بألفاظ أخرى من نفس اللغة العربية مخرج الترجمة إلى غيرها من اللغات إذ لم تحمل لغة من لغات الأرض حقيقة ما تعئنه ألفاظه على تركيبها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
المعجز بل هو في ذلك يُعجزها جميعاً ويخرج عن طوقِ أهلها لمان تساندوا فيه، وإنَّما جهدُ ما تبلغه تلك اللغات أن تجيء بشبه معانيه، قصداً في بعضها ومقاربة في بعضها مع الاستعانة بالشرح المبسوط والعبارة الملونة، وعلى أنه ليس ضرباً من ضروب الصناعات اللفظية التي لا يتفق فيها أن
تنقل من لغة إلى لغة وإن من أعجب ما يحقق الإعجاز أن معاني هذا الكتاب الكريم لو ألبست ألفاظاً أخرى من
نفس العربية، ما جاءت في نمطها وسمتها والإبلاغ عن ذات المعنى لا في حكم الترجمة، ولو تولى ذلك أبلغ بلغائها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً؛ فقد ضاقت اللغة عنده على سعتها؛ حتى
ليس فيها لمعانيه غير ألفاظه باعيانها وتركيبها، ومتى كانت المعارضة والترجمة سواء إلا في المعجز الذي يساوي بين القوى في المعجز وهي بعد في ذات بينها مختلفات؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
(فصل)
غرابة أوضاعه التركيبية
وههنا أمر دقيق لا بد لنا من طلب وجهه، لأنه شطر الإعجاز في القرآن الكريم، وسائر ما قدمناه شطر مثله؛ وذلك أنك حين تنظر في تركيبه لا ترى كيفما أخذت عينُك منه إلا وضعاً غريباً
في تأليف الكلمات، وفي مَساق العبارة، وبحيث تبادركَ غرابته من نفسها وطابعها بما تقطع أن هذا الوضع وهذا التركيب ليس في طبع الإنسان، ولا يمكن أن يتهيأ له ابتداء واختراعاً دون تقديره على
وضع يشبهه، أو احَذاء لبعض أمثلة تقابله، لا تحتاج في ذلك إلى اعتبار ولا مقايسإ، وليس إلا أن تنظر فتعلم.
ولو ذهبتَ تَفلي كلامَ العرب من شعر شعرائهم ورَجَزِ رجَّازهم وخطب خطبائهم وحكمة حكمائهم وسجع كهَّانهم، من مضى منهم ومن غبر على أن تجد ألفاظاً في غرابة تركيبها (التي هي صفة الوحي) كألفاظ القرآن، وعلى أن ترى لها معاني كهذه المعاني الإلهية التي تكسب الكلامَ
غرابة أخرى يُحس بها طبع المخلوق ويعتريه لها من الروعةِ ما يعتري من الفرق بين شيء إلهي وشيء إنساني - لما أصبت في كل ذلك مما تختاره إلا لغة وأوضاعاً ومعاني إنسانية، تقيع بجملتها دون قصدها الذي أردت، ولا ترضاها للتمثيل والمقابلة، ولا تراها تحل مع القرآن إلا في محل
نافر ولا تنزل منه إلا في قاصية شاردة؛ ثم لوجدت فرق الغرابة الإلهية بين اثنينهما في الكلام عينَ ما تعرفه من الفرق بين الماء في سحابه، والماء في ترابه.
وما من بليغ يتدبر هذه الأوضاع في القرآن؛ ثم تحدثه النفس في خاطراً إنسانياً يتشؤف إلى مثلها، أو يضل بها صبباً من أسباب المطمعة، أو يظن أنه قادز عليها، إذ يرى غرابة الوضع في
تركيب الألفاظ أشبه شيء بالتوقيف الإلهي في وضع الألفاظ نفسها لو كان وضعها ابتداءَ واختراعاً في اللغة وكان ذلك في زمنه (أي البليغ) أو بعين منه بحيث تظهر له غرابة الوضع اللغوي خالصة
جديدة، لا شوبَ فيها مما يألفه السمع أو تمكنه العادة، أو نحو ذلك مما يجعلُ الغريبَ مأنوساً، أو يأخذ من غرابته أو يصقِلُ بعض جهاتها.
فيظهر الأمر الغريب وكأنه غير ما هو في نفسه.
على أنه لا يجد مع تلك الغرابة في أوضاع القرآن، إلا ألفاظاً مؤتلفة متمكنة، التئام سردها وتناصُف وجوهها؛ لا ينازع لفظ واحد منها إلى غير موضعه، ولا يَطلُب غير جهته من الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
ولعمري إن اتفاق هذا الإحكام العجيب مع غرابة الوضع، لهو أغرب منها في مذهب البلاغة،
وأدخلُ في باب العجب، ولولا أن الأمر إلهي، ولا عجب من قدرة الله.
وقد كان العرب إنما يرَكبون ألفاظهم في معاني مألوفة وعلى سُنن معروفة فإن وقع فيها شيء غريب فلا يكون من انتلاف اللفظ مع اللفظ وإنما يجيء من أبواب أخرى تتعلق بهيئة التركيب نفسه؛ على ما عرف من جهات البلاغة وفنونها. وذلك شيء لا ينقضُ العُرف، بل يتهيأ مثلُهُ لكل
من تسبب له وأخذ في طريقته، وكثيراً ما اتفق للمتاخر فيه أبدعُ مما جاء به المتقدم؛ لأنه أمر عموده الطبع؛ وأسبابه في الاكتساب والتمرين، والبراعة فيه بالتوليد والمحاكاة والتأمل؛ وهذه
ضروب كلما اتسعت أمثلتُها اتسعت فنونها، لاشتقاق بعضها من بعض؛ وبها انتهت البلاغة في المتأخرين إلى ما انتهت إليه مما ذهب أكثره من علم المتقدمين في صدر اللغة.
وتلك الغرابة التي أومأنا إليها، وقد يتفق الشيء القليل منها لافراد الفصحاء وأئمة البيان، مما ينفذ فيه الطبع اللغوي، والمنزع القوي، وهو من غرابة القريحة فيهم؛ على أن ذلك لا يعدو كلمات معدودة: كقول امرئ القيس في الجواد: (قيدِ الأوابد) وقول أبي تمام في الرأي: (وطن للنُّهى) ونحو ذلك من الكلمات الجامعة التي تتفق لفحول الشعراء والبلغاء، مما هو في الحقيقة
وضغ لغوي مركب، يشبه الوضع اللغوي في الكلمات المفردة، فيتناول اللغة والبلاغةَ جميعاً، وتكون فضيلته في الجهتين.
بَيدَ أنك ترى جملة تراكيب القرآن من غرابة النظم، على ما يشبه هذا الوضعَ في ظاهر الغرابة وترى فيه من البلاغة الجامعة خاصة أضعاف ما أنت واجده لأهل اللغة كلهم من الشعراء
والخطباء والكتاب، وهذا الضرب من البلاغة تحصي منه في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يرجح بكثير من الناس. ولكن لا يعمهم؛ وهو باب من أبواب بلاغته عليه الصلاة والسلام بل من أخص أبوابها.
كما نبسطه في موضعه.
ولا يذهبن عنك أن وضع الألفاظ المفردة إنما يقع في أزمان متطاولة وعصور متعاقبة.
ولا يلبث اللفظ أن يوضع حتى يجري في الاستعمال ويستوفي وجوه التركيب التي يقلب عليها.
فنزول القرآن في بضع وعشرين سنة. واجتماعه من سبع وسبعين ألف كلمة ونيف؛ بهذه التراكيب التي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
لم تعْد للعرب في غرابة أوضاعها التركيبة، وهم أهل الوضع والمتصرفون في اللغة بقياس القريحة وعلى أصل الفطرة - هو مما يحقق إعجازه الأبدي على وجه الدهر، إذ يستحيل بَتَّةً أن يتفق لغير أولئك العرب في باب، إفراداً وتركيباً على طرقه المعروفة ما اتفق للعرب، ولا بعضه، ولا قليل
من بعضه، إلا إذا انشقت من لغتهم لغة أخرى على غير سَنَنها وأصولها، كما ترى في غرابة كثير من الأوضاع العامية في كل لهجة من لهجاتها، لأن هذا الانشقاق وضغ جديد جاء من تكييف
المادة اللغوية على وجه غريب، وإن كانت هذه المادة في نفسها قديمة.
وكل العلماء قد مضوا على أن ألفاظ القرآن بائنة بنفسها، متميزة من جنسها فحيثما وجد منها تركيب في نسق من الكلام، دل على نفسه وأومأت محاسنه إليه ورأيتَه قد وشحَ ذلك الكلامَ وزينه
وحرك النفس إلى موضعه منه؛ وهو بعد أمر واقع لا وجه للمكابرة فيه، ولا نعرف له سبباً إلا ما بيناه من الصفة الإلهية في معانيه، وغرابة الوضع التركيبي في ألفاظه، فإن ذلك يتنزل منزلة الوضع
الجديد في الكلام المألوف، فلا ينبئ الوضع الغريب عن نفسه بأكثر مما تدل عليه ألفةُ المأنوس الذي يحيط به.
ومن أجل ذلك كله قلنا إن العرب أوجدوا اللغة مفردالب فانية، وأوجدها القرآن تراكيب خالدة؛ وأن لهذه اللغة معاجم كثيرةَ تجمع مفرداتها وأبنيتها، ولكن ليس لها مُعجم تركيبي غير القرآن.
وإنما سميناه " المعجم التركيبي " لأنه أصل فنون البلاغة كلها فما يكون في المنطق العربي نوغ بليغ إلا هو فيه على أحسن ما يمكن أن يتفق على جهته في الكلام، وقد رأيناه في كل أنواع
البلاغة يجنح إلى الوضع والتأصيل حتى أنك لو قابلت ما فيه من أمثلتها بأحسن ما استخرجه العلماء من جملة كلام العرب، لأصبتَ فرق ما بين ذلك في سمو الطبيعة اللغوية وأحكام البيان وانتظام محاسنه، كالفرق الذي تكشفه المقابلة ما بين النبوغ والتقليد ولله المثل الأعلى.
ولقد كان هذا القرآن الكريم بما استجمع من ذلك، هو (علم البلاغة) عند أولئك العرب الذين كانت البلاغة فيهم إحساساً محضاً، ثم صار من بعدهم بلاغة هذا العلم في المولدين، وهو على ذلك ما بقيت الأرض، فكان العرب يثلقون عنه البلاغة بوجدانِ الحاسة اللغوية وإحساس الفطرة، كما يتلقى أهل الفن الواحد قواعد النبوغ عن المثال الذي يخرجه لهم نابغة الفن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
من ههنا كانت دهشتهم له، وكان عجبهم منه، إذ رأوه يجري مجرى الفن مما لا يعرفون له فناً، ووجدوه في ذلك ببلاغة البلغاء جميعاً، واستيقنوه فوق ما تسعُ الفطرة، ثم صار مَن بعدَهم يأخذ منه أصولَ هذا العلم، عصراً بعد عصر، وقبيلاً بعد قبيل، حتى استقرت البلاغة على
(قواعدها) وهو مع ذلك بحيث كان، لا الفطرةُ استوفت ما فيه ولا الصناعة؛ ولا يزال بعد كأنه في نمط بلاغته سر محجَّب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
وهذا أمر لم يقع له نظير في التاريخ ولن يقع بعد.
وما من أمة في الأرض غير العرب استوفت وجوهَ البلاغة في لغتها من كتاب واحد (على أن تكون هذه اللغة من أوسع اللغات
وأبلغهن قصداً واستيفاء كالعربية)
سواء كان لها ذلك الكتاب قبل أن توضع علوم بلاغتها وقبل أن
يعرف منها باب أو فصل من باب أو مثال من فصل كما وقع في العربية،
أو بعد أن وضعت، ولا سواء في المنزلة والإعجاز أن يكون الكتاب كذلك.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
(فصل)
البلاغة في القرآن
وبعد فلا سبيلَ من كتابنا هذا إلى بسط الكلام وتقسيمه فيما تضمنه القرآن من أنواع البلاغة التي نصَبَ لها العلماء أسماءها المعروفة: كالاستعارة والمجاز وغيرهما، فضلاً عن أنواع البديع الكثيرة؛ فإن ذلك يُخرج استخراجه من القرآن باباً مفرداً صنف فيه جماعة من العلماء المتأخرين:
منهم الإمام الرازي المتوفى سنة 606 هـ، فقد لخص كتابي (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز) للجُرجاني، واستخرج منهما كتابه في إعجاز القرآن وهو كتاب معروف، أحسن في نسقه وتبويبه،
ثم الأديب ابن أبي الإصبع المتوفى سنة 654 هـ فقد صنف كتاب (بدائع القرآن) أورد فيه نحو مائة نوع من معاني البلاغة وشرحها، واستخرج أمثلتها من القرآن، ثم ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ وقد أشرنا في غير هذا الموضع إلى تصنيفه "كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان "
وهو في معناه بتلك الكتب كلها.
هذا إلى أن كل ما كتبه المتقدمون في علوم البلاغة وإعجاز القرآن: كالرماني، والواسطي، والعسكري، والجرجاني، وغيرهم.
فإنما يَنحون به هذا النحوَ من انتزاع أمثلته في القرآن،
والإضافة في أبوابها، ثم ما يداخل هذه الأبواب من فنون الكلام شعرِه ونثرِه، ومن أجل ذلك قلنا آنفاً: إن القرآن كان علم البلاغة عند العرب، ثم صار بعدهم بلاغة هذا العلم.
بيد أنه لا يفوتنا التنبيه على أن كل ما أحصاه العلم من أنواع البلاغة في القرآن الكريم،
فإنما هو جملة ما في طبيعة هذه البلاغة مما يمكن أن يُقلب عليه الكلام في وجوه السياستين البيانية والمنطقية، بحيث يستحيل ألبتَّة أن يوجد في كلام عربي نوع ممن ذلك وقد خلا هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
منه، إلا أن يكون من باب الصنعة والتكلف الذي يتلوم الأدباء على صنعه ويذهبون فيه المذاهب الكثيرة من النظر والأعداد والتنقيح ونحوها، ثم لا يعطيه معنى البلاغة مع كل هذا العنت إلا اصطلاحهم أنفسهم على أنه من البلاغة.
ولسنا نقول إن القرآن جاء بالاستعارة لأنها استعارة أو بالمجاز لأنه مجاز، أو بالكناية لأنها كناية، أو ما يطردُ مع هذه الأسماء والمصطلحات إنما أريدَ به وضغ معجر في نسق ألفاظه وارتباط
معانيه على وجوه السياستين من البيان والمنطق، فجرى على أصولهما في أرقى ما تبلغه الفطرة اللغوية على إطلاقها في هذه العربية، فهو يستعير حيث يستعير، ويتجوز حيث يتجوز، ويُطنِبُ
ويُوجز ويؤكد ويعترض ويكرر إلى آخر ما أحصي في البلاغة ومذاهبها؛ لأنه لو خرج عن ذلك لخرج من أن يكون معجزاً في جهة من جهاته ولاستبانَ فيه ثمة نقص يمكن أن يكون في موضعه ما هو أكمل منه وأبلغ في القصد والاستيفاء.
فالعلماء يقولون إن كل ذلك فنونَ من البلاغة وقعَ بها الإعجاز، لأنهم اصطلحوا على هذه التسمية التي حدثت بعد العرب، ولو قالوا إن القرآن معجز في العربية لأن الفطرة والعقل لا يبلغان
مبلغه في سياستي البيان والمنطق بهذه اللغة، لكان ذلك أصوب في الحقيقة، وأبلغ في حقيقة الصواب، وأمكن في معنى الإعجاز، وأتم في هذا الباب كله، ما دام في لسان الدهر حرف من العربية.
واعلم أنه ليس من شيء يحقق إعجازَ القرآن من هذه الجهة، ويكشف منه عن أصول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)