Arabic source text

📘 আল-উয়ূবুল মানহাজিয়্যাহ ফী কিতাবাতিল মুস্তাশরিক শাখত আল-মুতাআল্লিকাতি বিস-সুন্নাতিন নববিয়্যাহ (খালিদ আদ-দুরীস)

📘 العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية (خالد الدريس)

📘 আল-উয়ূবুল মানহাজিয়্যাহ ফী কিতাবাতিল মুস্তাশরিক শাখত আল-মুতাআল্লিকাতি বিস-সুন্নাতিন নববিয়্যাহ (খালিদ আদ-দুরীস)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يقول روبرت ثاولس: ((من الأمور التي تجعلنا ميالين إلى التفكير الأعوج، تحيزاتنا التي هي: طرق في التفكير تقررها سلفاً قوى ودوافع انفعالية شديدة، كالتي يكون مصدرها منافعنا الذاتية الخاصة، أو ارتباطاتنا الاجتماعية)) (1) . ويقول: ((إننا نكون تحت تأثير الهوى والتحيز في آرائنا ميالين إلى تصديق ما نرغب في تصديقه، أو ما نحتاج إليه أن يكون صحيحاً، وإلى إنكار ما نرغب في إنكاره، أو ما نحتاجه أن يكون باطلاً)) (2) .
ويقول فؤاد زكريا في كلام له عن التعصب - الذي هو وجه من وجوه التحيز والعنصرية - بوصفه أحد أهم عقبات التفكير العلمي،: ((التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائماً مخطئون … فحين أكون متعصباً لا أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضاً أن أستبعد فضائل الآخرين وأنكرها وأهاجمها)) (3) .
وفي نص آخر كأنه يتكلم فيه على " شاخت " يشير فؤاد زكريا أن التعصب بكل أنواعه، كالتعصب العنصري، والتعصب القومي المتطرف وغيرها؛ كلها تشترك في سمة واحدة هي: ((الانحياز إلى موقف الجماعة التي ننتمي إليها دون اختيار، ودون تفكير، والاستعلاء على الآخرين، والاعتقاد بأنهم " أحط ")) (4) .--------------------------------------------
(1) التفكير المستقيم والتفكير الأعوج (ص 183) .
(2) السابق (ص 187) .
(3) التفكير العلمي (ص 96) .
(4) السابق (ص 99) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

ثم يعدد مضار التعصب على روح المنهج العلمي فيقول: ((وأعظم الأخطار التي يجلبها التعصب على العلم، هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية، ومتعددة، ومتناقضة، وهو ما يتعارض كلية وطبيعة الحقيقة العلمية … كما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري - خرافي - يتسم بطابع وهمي مختلق، وهو بطبيعته يشجع التفكير غير العقلي؛ لأنه هو الدعامة الوحيدة لموقفه، ومن هنا كان أساس النازية هو " أسطورة " الجنس الآري المتفوق، وكان أساس التفرقة العنصرية هو " أسطورة " الجنس الزنجي المنحط، إلى غير ذلك من الأساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال التعصب)) (1) .
ويقول أحد المختصين في منهجية البحث التاريخي: ((إذا وقع الباحث في أسر التعصب، كان من السهل وصمه بالذاتية التي هي نقيض الموضوعية والعلم)) (2) .
إن نظرة سريعة إلى الكتب التي تكلمت على المنهجية العلمية وشروطها؛ تعطينا حكماً عاماً بأن الباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج بحثه علمية بأي حال من الأحوال (3) .
وبعد أن ألممنا بموقف المختصين في منهجية البحث العلمي من التحيز والعنصرية، فلننظر ماذا فعل " شاخت "؟--------------------------------------------
(1) السابق (ص 99، 101) بتصرف يسير.
(2) البحث في التاريخ قضايا المنهج والإشكالات (ص 20) .
(3) انظر المنهج لإحكام قيادة العقل لديكارت (ص 36) ، والمنطق وفلسفة العلوم (ص 58 -59) ، وأصول البحث العلمي (ص 58، 59، 61) ، وفلسفة العلوم الميثودولوجيا (ص 99) ، والمدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص 297) ، ومنهج البحث التاريخي (ص 19) ، والمدخل إلى مناهج البحث العلمي (ص26 - 27) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

لقد سلب من المسلمين أهم أخلاقهم الفاضلة، فنظر إليهم على أنهم مجموعة من الكذابين، فإن لم يكن هذا التعميم الذي أطلقه " شاخت " على علماء الدين المسلمين يعد تحيزاً عنصرياً وتعصباً مقيتاً، فليس في الدنيا من التعصب أو التحيز ما يستحق هذا الوصف.
إننا حين نقول: إن " شاخت " كان واقعاً تحت تأثير أفكار سابقة عنصرية تضمر احتقاراً للعرب والمسلمين وكراهية لهم، فإن شاهدنا على ذلك أحكام الرجل نفسه ونتائجه التي أعلنها، ويؤيد ذلك ما نعرفه من نصوص لبعض الغربيين أنفسهم من أن المستشرقين حين يبحثون في الإسلام والمسلمين، فإنهم يقومون بذلك من خلال ما ترسب في مخيلتهم الجماعية من صورة أسطورية خرافية مشوهة عن المسلمين، يقول الأستاذ محمد أسد - وهو في الأصل يهودي نمساوي قبل أن يسلم - مبيناً موقف الأوربيين من أهل الكتاب، والمستشرقين بصفة خاصة من الإسلام والمسلمين: ((يعتقد الأوربيون أن تفوقهم العنصري على سائر البشر أمر واقع، ثم إن احتقارهم إلى حد بعيد أو قريب لكل ما ليس أوروبياً من أجناس الناس وشعوبهم قد أصبح إحدى الميزات البارزة في المدنية الغربية.
على أن هذا وحده لا يكفي لإظهار ما يكنُّه الأوربيون نحو الإسلام خاصة، وهنا - نعني فيما يتعلق بالإسلام - لا تجد موقف الأوروبي موقف كره في غير مبالاة فحسب كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدود من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة عاطفية قوية. قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها تحتفظ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن، ومبني على التفكير، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميع بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته)) (1) .
هذا النص النفيس يمثل شهادة مهمة لأن الأستاذ محمد أسد ينقل واقعاً خبره وعرفه قبل إسلامه، حيث نشأ وتربى في " النمسا " ذات الثقافة الألمانية، وقد تقدم معنا أن " شاخت " نشأ في ألمانيا أيضاً، أضف إلى أنهما ولدا في بدايات القرن العشرين الميلادي، مما يجعل النص الآنف في غاية الأهمية، ولاسيما أنه يوضح لنا بصورة جلية الرؤية المتحيزة للجيل الذي نشأ فيه "شاخت "، وغيره من الأوربيين تجاه الإسلام والمسلمين.
ويؤكد الأمر بصورة جلية لاتقل أهمية عما سبق قول "انجمار كارلسون" (2) ، وهو أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين في أوربا: ((نحن نفتقد الإمكانات الموضوعية للنظر إلى الأصولية الإسلامية نظرة معقولة، وتناولها بأسلوب نقدي طبيعي، ولذا نعتبر الغرب الحديث مرادفاً للعقل، بينما نرى في الشرق عالماً متخلفاً يمشي على حافة الجنون، ويستحيل عليه مشاركتنا في--------------------------------------------
(1) الإسلام على مفترق الطرق (ص 52 - 53) .
(2) يعمل الآن سفيراً في وزارة الخارجية السويدية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

الحوار والسجال على قدم المساواة … إن صورة المسلم مطبوعة في وعينا على هذا النحو المخيف … )) (1) .
ويشير باحث غربي آخر اسمه " جيمس وولتز " في دراسة له عن مواقف الغربيين من المسلمين قبل الحروب الصليبية أن أوربا عاشت حالة من عدم المبالاة تجاه الإسلام والمسلمين مدة من الزمن، ثم تحول ذلك الموقف إلى نوع من العداء السياسي ما بين (710 - 1100 م) ، ثم تحول إلى عداء ديني مع مواجهة عسكرية في بعض المراحل، ثم يقرر هذا الباحث بعد ذلك: إن المترسخ في أذهان الأوروبيين عن الإسلام هو صورة قاتمة، وذلك بسبب العداء الذي ذكاه موقف الباباوات من الإسلام منذ اندلاع الحروب الصليبية، وإلى أيام استعمار الغرب للعالم الإسلامي الذي لم ينته إلا منذ بضعة عقود (2) .
إن مضمون النصوص السالفة أصبح اليوم حقيقة علمية أكدها عدد من المتخصصين في الاستشراق (3) ، وفي ذلك دلالة على ضخامة حجم التشويه المتعمد، في تصورات الغربيين، وبخاصة المستشرقون منهم عن الإسلام.
إن مُسلّمة " شاخت " التي بنى عليها نظريته في السنة النبوية، والدالة على أن علماء الحديث والفقه من المسلمين كانوا لا يتورعون عن الكذب في نسبة--------------------------------------------
(1) الإسلام وأوربا تعايش أم مجابهة؟ (ص 27) .
(2) انظر كتاب صورة العرب في عقول الأمريكيين (ص22 - 23) .
(3) انظر المستشرقون الناطقون بالإنجليزية (ص 94 - 96) ، رؤية إسلامية للاستشراق (ص 100 - 101) ، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري (ص 138 - 144) ، عبد الرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام (ص 30) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

أقوال لرسولهم صلى الله عليه وسلم؛ لا يمكن للعقل أن يقبلها؛ لأنها خرافية وخيالية إلى حد بعيد للأسباب التالية:
1 - هذه المسلَّمة مصادمة للطبيعة البشرية؛ وذلك لأن الصدق هو الأصل في معاملات البشر، ولذا فهو سهل وطبيعي، وراسخ الأركان، وأما الكذب فمهزوز مزعزع، معرض للهجوم باستمرار، ولا قوة فيه ولا خير، وهو قرين لكثير من الأمراض الاجتماعية كالسرقة والخوف والجبن والذل (1) ، وهو مضاد لروح التعاون الجماعي التي هي أساس قيام أي مجتمع.
ولا يمكن لمجتمع مهما بلغ انحرافه أن يتواطأ كل من فيه من رجال ونساء، ولأجيال متعاقبة، وفي بلدان مختلفة، ومن أقاليم متعددة على الكذب على زعيمهم وقدوتهم، وقائدهم الذي يحبونه ويحترمونه.
ومما يدل على أن مُسلّمة " شاخت " غير مقبولة عقلاً أن أحد مشاهير الغربيين، ويدعى " توماس كارليل " كتب مخاطباً قومه عاتباً عليهم في زعمهم أن المسلمين كذبة، فقال: ((لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خداع ومزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة … أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا--------------------------------------------
(1) انظر الأخلاق النظرية (ص 192 - 194) ، وأسس الصحة النفسية (ص 350) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بُله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث) (1) .
ولاحظ هنا أن " كارليل" وصف مَنْ يقول بمثل قول " شاخت " بالعار والسخف المخجل والعبث.
2 - إن القرآن وهو كتاب المسلمين المقدس يقف من الكذب موقفاً شديداً جداً، حيث يجعل من كذب في الدين مستحقاً للإثم المبين قال تعالى {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً} (النساء:50) ، كما أنه يجعله من صفات الكافرين قال تعالى {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} (المائدة: 103) ، وأن الكاذب لا يفلح قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} (النحل: 116) ، وأنه من أظلم الظلم قال تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: 144) .
والخالق عز وجل هو القائل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7) ، فاتباع السنة من دين الله، فالكذب فيها كذب على الله، فموانع الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلمعند المسلمين قوية؛ لأنها تستند إلى نصوص قرآنية كثيرة جداً.
3 - إن الواقع التاريخي للمسلمين في فتوحاتهم ومعاملتهم مع أهل الأديان الأخرى يدل على تحلِّيهم بخصال الصدق والعدل والأمر بالمعروف--------------------------------------------
(1) الأبطال (ص 58) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

والنهي عن المنكر، وهذه الأمور لا تتسق مع أخلاق الكذابين، وفي ذلك يقول الفيلسوف الألماني " كانت ": ((من نسيج الإنسان الفاسد لم يُصنع أي شيء مستقيم أبداً)) (1) .
ويقول المستشرق " مونتجمري وات " مستدلاً بالتاريخ الأخلاقي، بوصفه حجة قوية على إخلاص محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه: ((إن الاعتقاد في إخلاص محمد تسنده حجة قوية، فاستعداده لأن يتحمل الأذى في سبيل معتقداته، والمستوى الأخلاقي الرفيع الذي اتصف به الرجال الذين آمنوا به واتخذوه إماماً، وعظمة المنجزات التي انتهى إليها، كل هذا ينم عن استقامته)) (2) .
فكيف يريدنا " شاخت " أن نصدق أن أولئك العلماء الذين لم يُطعن عليهم في نزاهتهم الدينية، وتقواهم، ووفائهم بالعهود، وصدق تدينهم، كانوا يسكتون على كذب بعضهم البعض، ولماذا لا نجد في كتب الجرح والتعديل أو التاريخ والسير وصفهم لبعضهم البعض بالوضع والكذب، إذا كانت الحال كما يزعم " شاخت "؟
4 - إذا كان المحدثون والفقهاء تعمدوا الوضع والكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا إذن اهتموا بنقد الأحاديث؟، ولماذا تعبوا كل هذا التعب في نقد الراوة والتصنيف في علم الجرح والتعديل والعلل، مادام كله كذباً؟!
5 - لو كان الأمر كما يزعم " شاخت " أن علماء المسلمين كانوا إذا احتاجوا في مسألة إلى دليل وضعوا سنداً لأحد آراء الفقهاء، ونسبوه لرسول--------------------------------------------
(1) الأعمال الكاملة لكانت (8/23) ط برلين، نقلاً عن كتاب نسيج الإنسان الفاسد (ص 5) .
(2) الوحي الإسلامي في العالم الحديث، نقلاً عن مناهج المستشرقين (1/ 210) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم يضعوا حديثاً بإسناد صحيح في حجية القياس، وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي، مع أن الحاجة ماسة لوجود مثل ذلك الحديث بديلاً لحديث معاذ رضي الله (1) عنه الذي ضعفه كثير من المحدثين؟
ولماذا لم يستطع الخليفة المأمون مع كل ما أوتي من قوة ونفوذ وسلطة واسعة أن يأتي بحديث واحد موضوع في مسألة خلق القرآن مع تحدي الإمام أحمد له وللمعتزلة بذلك؟
((إن الحقيقة التي تتحدث عن نفسها هنا هي أنه لم يكن من الممكن أن يوضع حديث على رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمر من غير ملاحظة العلماء له)) (2) .
إن تحيز " شاخت " واستسلامه الكامل للتعصب العنصري ضد المسلمين، أوقعه في مصادمة لأهم أصل من أصول المنهجي العلمي وهو الموضوعية.--------------------------------------------
(1) انظر تخريجاً مطولاً لهذا الحديث مع كلام بعض علماء الحديث في تضعيفه عند الشيخ الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة (2 / 273 - 286) رقم الحديث [881] .
(2) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص 12) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

‌‌المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر
من أخطر العيوب المنهجية في البحث العلمي، أن يتوصل الباحث إلى نتائج محددة عامة تكون مبنية على معلومات مستقاة من مصادر غير متخصصة في موضوع بحثه.
وهذا ما وقع فيه " شاخت " فقد توصل لنتائجه في السنة النبوية، معتمداً في ذلك على مصادر فقهية، وليست حديثيه، بل أكثر من ذلك أنني لم أجد في مصادره أي كتاب في علم مصطلح الحديث، أو الجرح والتعديل، أو العلل، أو التخريج، ومن يتجاهل هذه المصادر الأصلية في علم الحديث، كيف يمكن لنا بمقاييس المنهج العلمي أن نثق بنتائجه.
ولإيضاح أهمية استيعاب المصادر الأصلية المتخصصة في البحث العلمي عند أساتذة المنهجية، ننقل بعض المقتطفات من كلامهم حول ذلك، ومنها هذا النص لشارل فيكتور لانجلوا - مؤلف أحد أهم كتب منهج البحث في علم التاريخ المعتمدة في الجامعات الغربية - الذي يقول فيه: ((إذا تراءى لي أن أعالج نقطة تاريخية، أياً كانت، فإني أتلمس الموضع أو المواضع التي ترقد فيها الوثائق الضرورية لمعالجتها … ومن البين أن هذا العمل إذا لم يزاول مزاولة سليمة، أعني أنه إذا لم يعرف المرء قبل البدء في عمل تاريخي، كيف يحيط نفسه بكل المعلومات الميسرة له، فإنه يزيد بسهولة من مزالق خطر العمل على أساس وثائق غير كافية وهي مزالق وفيرة العدد مهما بذل من جهد.
وكم من عمل من أعمال التاريخ عولج وفقاً لقواعد أدق المناهج قد أفسده، بل قضى عليه قضاء مبرماً، أمرٌ مادي بسيط هو أن المؤلف لم يقف على وثائق

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

كان من شأنها أن توضح تلك التي كانت في متناول يده - واقتصر عليها-، وأن تكملها أو تنقضها)) (1) .
ويقول الدكتور أحمد شلبي: ((ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في المراجع تخصصها في النقطة التي يُبحث فيها، فإذا كان البحث مثلاً في التاريخ فمراجعه الأصلية العامة هي كتب التاريخ)) (2) .
ويؤكد الدكتور صالح العساف أن معيار العلمية في مناهج البحث التي تدرس الظاهرة الإنسانية كما أشار كثير من علماء المنهجية هي: الدقة، إبراز الأدلة، واتباع المنهج العلمي بخطواته المختلفة، ومنها: ((جمع المعلومات عن المشكلة، متوخياً في ذلك البحث عن أصدق المصادر تأليفاً ومحتوى)) (3) .
ويتفق أساتذة المنهجية، على أن من أهم واجبات الباحث، إن لم يكن من أولها، أن يحيط إحاطة تامة بمصادر بحثه الأصلية التي تكون شديدة الصلة به، ويؤكدون أن الاعتماد على مصادر ثانوية أو غير متخصصة يضر بالبحث ونتائجه (4) .
إن آراء " شاخت " وأحكامه القطعية التي صرح بها حول السنة النبوية، لم يُراع فيها هذا الأصل المهم من أصول المنهجية في البحث العلمي.--------------------------------------------
(1) المدخل إلى الدراسات التاريخية، مطبوع ضمن كتاب النقد التاريخي (ص 5 - 6) والكتاب اشترك في تأليفه لانجلوا وزميله سينوبوس، والفصل الأول إلى السادس من كتابة لا نجلوا.
(2) كيف تكتب بحثاً أو رسالة (ص 61) بتصرف يسير.
(3) المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص 297) .
(4) البحث الأدبي (ص296، 297) ، مناهج البحث العلمي (ص 184 - 185) ، منهج البحث في الأدب واللغة (64 - 65) ، مزالق في طريق البحث اللغوي والأدبي (ص 25) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

وفي ذلك يقول الدكتور الأعظمي: ((لقد كان لسوء اختيار المستشرقين مواد دراسة الأسانيد أكبر الأثر في وقوعهم في أخطار جسيمة، نجمت عن سوء ذلك الاختيار في انتقاء المواد لهذه الدراسة … وبالتالي وصلوا إلى نتائج خاطئة؛ لاختيارهم مواد غير مناسبة للبحث والتنقيب عما يريدون.
لقد قام البروفسور " شاخت " بدراسة كتاب الموطأ للإمام مالك، والموطأ للإمام محمد الشيباني، وكتاب الأم للإمام الشافعي، وغني عن القول: أن هذه الكتب أقرب ما تكون إلى الفقه من كتب الحديث، وعلى الرغم من ذلك فقد عمم نتيجته التي توصل إليها في دراسته لتلك الكتب، وفرضها على كتب الحديث كافة، وكأنه ليست هناك كتب خاصة بالأحاديث النبوية، وكأنه ليس هناك فرق بين طبيعة كتب الفقه وكتب الحديث)) (1) .
والخطأ المنهجي الذي وقع فيه " شاخت " هو أنه انتقى المراجع التي يمكن أن يجد فيها ما يؤيد بحثه؛ ذلك لأن الكتب الأخرى غير كتب الحديث، لا يهتم أصحابها بسياق السند كاملاً، ويؤكد ذلك قول الشافعي رحمه الله تعالى: ((وكل حديث كتبته منقطعاً فقد سمعته متصلاً أو مشهوراً عمَّن رُوِي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه عن عامة، ولكن كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظاً، فاختصرت خوف طول الكتاب، فأتيت ببعض ما فيه الكفاية دون تَقَصِّي العلم في كل أمره)) (2) .--------------------------------------------
(1) دراسات في الحديث النبوي (2 / 397 - 398) .
(2) الرسالة (ص 431) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

ويقول أبو يوسف القاضي في رده على الأوزاعي: ((ولولا طول الكتاب؛ لأسندت لك الحديث)) (1) .
ويرى الدكتور الأعظمي أن من الظواهر التي تختص بها كتب الفقه من حيث الاستشهاد بالأحاديث:
1 - حذف جزء من الإسناد، والاكتفاء بأقل قدر ممكن من المتن الذي يدل على المقصود، وذلك تجنباً للتطويل.
2 - حذف الإسناد بكامله، والنقل مباشرة من المصدر الأعلى للراوية.
3 - استعمال كلمة السنة أو إحدى مرادفاتها للدلالة على أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، بدون ذكر حديث أو إسناد؛ لأن الحديث كان معروفاً ومشهوراً في الأوساط العلمية.
4 - ذكر طريق واحد فقط من الإسناد من عدة طرق متوافرة (2) .
وبإدراك هذه الفروق يتحقق لكل صاحب نظر صحيح أن " شاخت " قد ارتكب خطأ علمياً جسيماً بإجرائه لدراسته عن الأحاديث النبوية من خلال الكتب الفقهية، وبحسب أصول المنهج العلمي الصحيح، فإنَّ أيَّ دراسة أو نتيجة يصل إليها الباحث في الأحاديث النبوية أو الأسانيد في غير مصادرها الأصلية ذات الاختصاص المباشر، ونعني بها كتب الحديث بمختلف أنواعها رواية ودراية، محكوم عليها بالإخفاق ومجانبة الحقيقة؛ لأنها لن توصل إلى النتيجة السليمة والمنطقية بل ستكون مخالفة للواقع (3) .--------------------------------------------
(1) الرد على سير الأوزاعي (ص 31) .
(2) دراسات في الحديث النبوي (2 / 404) ، أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص 321) ، وقد ساق عدة شواهد تطبيقية على ذلك.
(3) دراسات في الحديث النبوي (2 / 405) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

ثم هناك أمر آخر يظهر منه عدم مصداقية " شاخت " في انتقائه لمصادره، ذلكم هو أنه يعتمد كتابات الإمام الشافعي اعتماداً كلياً، مع أنه في نظره متهم بأنه كثيراً ما يحرف في أصول مخالفيه ومبادئهم، ويسوق على ذلك أكثر من ثلاثين مثالاً، ويطعن عليه بأنه يزيد من عنده في كلام خصومه ويسوق على ذلك عدة أمثلة (1) .
والسؤال: إذا كان الإمام الشافعي غير موضوعي عند "شاخت " فهل يجوز في معايير المنهج العلمي أن يعتمد عليه؟ وما المعايير التي تجعله يقبل كلامه أحياناً، ويرفضه أحياناً بدون أي مسوِّغ منطقي؟.--------------------------------------------
(1) المستشرق شاخت والسنة النبوية (ص 89) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

‌‌المبحث الثالث: الشك غير المنهجي
يعطي أساتذة المنهجية الشك المنهجي مكانة مهمة، عبّر عنها أحدهم بقوله: ((في كل علم ينبغي أن تكون نقطة البدء هي الشك المنهجي. فكل ما لم يثبت بعد، ينبغي أن يظل مؤقتاً موضوعاً للشك، ولتوكيد قضية ما ينبغي تقديم الأسباب التي تبرر الاعتقاد بأنها صحيحة صادقة)) (1) .
وقد عرف مجمع اللغة العربية الشك المنهجي بأنه: ((مرحلة أساسية من مراحل منهج البحث في الفلسفة، وقوامها تمحيص المعاني والأحكام تمحيصاً تاماً بحيث لا يُقبل منها إلا ما ثبت يقينه، ومن أبرز من قال به الغزالي ثم ديكارت. فعلى الباحث أن يحرر نفسه من الأفكار الخاطئة " بالشك "، وأن يتروَّى فيما يعرض له، فلا يتسرع في حكمه)) (2) .
وفي تعريف آخر للأستاذ جبور عبد النور: ((هو موقف يتميز عن الشك الارتيابي بأنه وقتي، ويُسلِّم بالمقدرة على بلوغ حقائق أكيدة شرط التمكن من التدليل عليها)) (3) .
ولنا أن نتساءل بعد أن عرفنا ما هو الشك المنهجي: متى يكون الشك في معايير البحث العلمي غير منهجي؟
والجواب الصحيح عن هذا السؤال: بأنه يكون كذلك إذا كان الشك فيه إفراط وإنكار ونفي من دون بينة أو قرينة مقبولة، ولذا نجد أن أساتذة المنهجية الذين حثوا على الشك المنهجي، قد حذروا منه أيضاً، ومن هؤلاء--------------------------------------------
(1) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص 122) .
(2) المعجم الفلسفي (ص 103) .
(3) المعجم الأدبي (ص 154) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

"لانجلوا" فقد حذر المؤرخين من الإفراط في الشك، ناصحاً لهم بعد أن شدد على أهميته، فقال: ((ينبغي ألا نسيء استعماله، فإن الإفراط في الشك والاتهام في هذه الأمور، يكاد يكون له نفس النتائج الضارة؛ للإفراط في الثقة والاعتقاد)) (1) .
ويقول الدكتور علي جواد الطاهر: ((الشك ضروري على أن يكون علمياً، وفي حدود الحقيقة، وأن يقع في السلب والإيجاب، وفيما لنا، وما علينا. أما الشك المرضي أو الشك الذي تدفعك إليه نزوة في مخالفة المألوف … فهو خارج حدودنا، وليس من وكدنا)) (2) .
والذي وقع فيه " شاخت " هو أنه رفض القبول ببعض الأمور المتعلقة بالسنة النبوية ورواتها، بناءً على شك لا يستند إلى دليل أو قرينة مقبولة علمياً، ومن صنيعه في ذلك زعمه بأن كافة كتب التراجم التي تبحث في ترجمة موسى بن عقبة غير موثوق بها، والسبب - في نظره - يرجع إلى أنه قد زِيدَ في أسماء شيوخ موسى، وكذلك في أسماء تلامذته بعد أن كثرت الأحاديث الموضوعة وأسانيدها المختلقة، ويحيل " شاخت " القراء إلى أن يقوموا بموازنة بين ترجمة موسى بن عقبة في " طبقات ابن سعد "، و" التاريخ الكبير للبخاري "، وهما من أقدم المصادر، وما كتب عنه في المصادر المتأخرة ليتبين لهم الفرق، إذ المصادر القديمة مقتضبة بعكس المصادر المتأخرة،--------------------------------------------
(1) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص 75) .
(2) منهج البحث الأدبي (ص46) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

والخلاصة التي يخرج بها القارئ من كلام " شاخت " أن كتب التراجم كلها ليست جديرة بالثقة (1) .
وقد تولى الدكتور الأعظمي (2) تفنيد هذا الرأي بأسلوب علمي رصين، حيث بيَّن أن محاولة زرع الشك في قلوب الباحثين حول قيمة كتب التراجم استناداً إلى التراجم المقتضبة لموسى بن عقبة لا يستند إلى أي دليل علمي؛ لأنه لا أحد من أولئك العلماء زعم أنه سيحاول استقصاء كافة المعلومات عن كل شخص يترجم له.
ثم ساق الأعظمي مثالاً وازن فيه ترجمة شعبة بن الحجاج في ثلاثة مصادر من كتب التراجم هي: " الطبقات " لابن سعد (ت 230 ?) ، وكتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (ت 241 ?) ، وكتاب "التاريخ الكبير" للبخاري (ت 256 ?) .
فكانت النتيجة أن ابن سعد (3) ترجم له في تسعة أسطر ولم يذكر من شيوخه أو تلاميذه أحداً، أما البخاري (4) فترجم له في ثمانية أسطر ذاكراً اثنين من شيوخه، وكذلك تلامذته لم يذكر إلا اثنين فقط، أما الإمام أحمد (5) الذي توفي بعد ابن سعد، وقبل البخاري فيذكر لشعبة مائة وخمسين شيخاً.--------------------------------------------
(1) كلام " شاخت " عن موسى بن عقبة نشره في إحدى المجلات الاستشراقية اسمها "Acra Orientalia" مجلد 21 سنة 1953م (ص 288 - 300) ، وقد لخصه الدكتور الأعظمي في كتابه دراسات في الحديث النبوي (2 / 386 - 387) .
(2) دراسات في الحديث النبوي (2 / 388 - 390) .
(3) الطبقات الكبرى (7 / 280 - 281) .
(4) التاريخ الكبير (4 / 244 - 245) .
(5) العلل ومعرفة الرجال (1 / 472 - 475) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

وطبقاً لنظرية " شاخت " لنا أن نتساءل: إذا كانت الأحاديث الموضوعة والأسانيد المختلقة كانت وراء تكاثر أسماء شيوخ شعبة في مدة أحد عشر عاماً، هي الفاصل الزمني بين وفاتي ابن سعد وابن حنبل، بحيث ارتفع العدد من الصفر عند الأول إلى مائة وخمسين عند الثاني، فما الطريقة التي استعملها البخاري بحيث تمكن من إرجاع ذلك العدد الكبير إلى اثنين فقط، وبعد مضي خمسة عشر عاماً أخرى؟
وكيف تقلصت القائمة عند البخاري عن قائمة ابن حنبل، وكان من المفروض بناءً على نظرية " شاخت " أن تنمو أكثر فأكثر؟
ومثال آخر على استعمال هذا المستشرق للشك بصورة غير علمية ألبتة: وهي طعنه في "سلسلة الذهب "عند المحدثين أعني حديث مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، فقد شكك في ثبوت سماع مالك من نافع مولى ابن عمر، وهذه نص عبارته المترجمة: (بما أن نافعاً مات في سنة 117 ? أو قريباً منها، ومات مالك في سنة 179?، فعلاقتهما ممكنة الوقوع عندما كان مالك فتى. بل ربما كان موضع شك أيضاً ما إذا لم يأخذ مالك - الذي يتهمه الشافعي في موضع آخر بالتدليس - مروياته من أحاديث مدونة يزعم مجيئها عن نافع) ثم يذكر في الحاشية: ((ليس هناك تاريخ موثوق معروف لميلاد مالك)) (1) .
وقد نص جمهور العلماء على أن مالكاً رحمه الله قد ولد سنة 93? وهذا أصح الأقوال، وذهب البعض إلى أن ولادته كانت سنة 90، وقيل 94،--------------------------------------------
(1) هذا النص من كتاب أصول الفقه المحمدي لشاخت (ص 176 - 177) ، نقلاً عن " أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية " (ص 299 - 300) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

وقيل 95، وقيل 96، وقيل 97 ? (1) . فعلى الرأي الراجح يكون عمره حين مات نافع في الرابعة والعشرين، وعلى أبعد الأقوال يكون عمره في العشرين، ومالك كنافع كلاهما من أهل المدينة، فهل يمتنع في العقل أن يكون تتلمذ عليه وسمع منه، أليس في زمننا أناس كثر يتخرجون في الجامعة وهم في الثانية والعشرين من عمرهم أو أقل؟!
إن المثالين اللذين ذكرتهما عن استعمال " شاخت " للشك غير المنهجي هما غيض من فيض شكوك تفتقر لمقومات الشروط المعتبرة في الشك المنهجي، ولكن المقام لا يحتمل الاسترسال في ذكر الشواهد والرد عليها.
ولابد هنا من التذكير بأن المنهج العلمي الصحيح لا يقر الخلط بين الشك المنهجي والرفض العلمي المبني على دليل؛ لأن الشك يكون مشروعاً ومطلوباً في البحث العلمي بوصفه خطوة أولى هدفها هو التثبت في الأمر، ولا يحق للباحث أن يرفض كل -أو بعض- ما يدَّعيه مخالفه من أدلة تدعم رأيه لا لشيء إلا؛ لأنها تؤيد رأيه، ذلك لأن للمخالف أيضاً أن يعامله بالمثل فيقول له: إنما رفضت دليلي؛ لأن قبوله يضعف رأيك، ونصرت غيره؛ لأنه يؤيد وجهة نظرك، فلابد للشك حتى يكون علمياً من معايير موضوعية علمية بعيدة عن الذاتية والتحيز (2) .--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارك (1 / 110) .
(2) من طرائف ما وقفت عليه أن تلميذ المستشرقين المخلص " طه حسين " الذي توسع في تطبيق الشك في دراساته الأدبية، وجدته ينعى على المستشرقين سوء استعمالهم للشك حين تكون بحوثهم تتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلموسيرته، بينما موقفهم من شعر أمية بن الصلت موقف المتيقن المطمئن مع أن أخباره ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة النبوية، ثم يتساءل بتعجب: فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون الآخر؟ أيكون المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات. انظر في الأدب الجاهلي (ص 143) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

‌‌المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة
من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم ((مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال)) (1) .
ويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين الباحث، والوصول إلى الحقيقة: تجاهل الأدلة المضادة، وعليه فإن الدليل المضادَّ يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه، حتى لو كان في ذلك تغيير لمنطلقات البحث الأساسية؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى الحقيقة (2) .
ويؤكد آخر بأنه ينبغي للعالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها (3) .
ولبيان خطورة الأدلة المضادة على نتائج أي بحث علمي، سنقتطف هذين النصين، أحدهما للدكتور توفيق الطويل يقول فيه: ((إن الأمثلة الإيجابية - أي التي تؤيد صحة فرض من الفروض - لا تكفي لإثبات صدقه؛ لأن الشواهد السلبية التي تنفي صحته أهم في مجال الاختبار والتمحيص من الشواهد المؤيدة--------------------------------------------
(1) الأخلاق النظرية (ص 190 -191) .
(2) كيف تكتب بحثاً (ص 31 - 32) .
(3) فلسفة العلوم (ص94) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)