الثاني: الأمور التي تحتاج إلى النظر والفكر ليتضح صحتها أو سقمها، وهي موضوعنا في هذه المقالة، ويواجهها المجتمع كما يواجهها الفرد، مثالها في الحياة الفردية مسألة تعلم الولد من رجل غير مسلم في هذا الزمان، وفي الحياة الاجتماعية مسألة التعاون والاتحاد بفرقة ضالة لهدف مشترك.
واضح أن هذا القسم من مسائل الحياة يحتاج إلى النظر والفكر، فأي منهاج نختار فيها للتفكر، وما هي الأصول الثابتة بالكتاب والسنة التي يجب علينا اتباعها عند التفكر في هذا النوع من المسائل؟.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
الأصول المتبعة:
حقيقة جلية وصادقة لا ريب فيها أن مرجع العلم والمعرفة والفارق بين الصحيح والسقيم في الأمور التي لها دخل بالذات في سعادة النفس وشقائها هو القرآن الحكيم وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهذا أمر مسلم لا يشك فيه أحد من المسلمين كما قال الله تعالى في شأن كتابه المبين: {هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان} فهو مأخذ الهداية ومنبع العلم والمعرفة، والفرقان المبين بين الحق والباطل والصحيح والسقيم، وما هذا شأنه فحقه أن يتخذ مأخذا ومرجعا للعلم والمعرفة، أما الإجماع والقياس فيرجعان إليهما، إن اتباع الصراط المستقيم هو المنهاج المختار في التفكر لأن منهاج الذين أنعم الله عليهم، هو الاهتداء بالكتاب والسنة والاعتماد عليهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أصل علمه ومنبعه هو الوحي الإلهي، وإذا اجتهد كان يتفكر في ضوء الوحي، ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتعلمون منه صلى الله عليه وسلم ويتبعونه، وإذا احتاجوا إلى الاجتهاد كانوا ينظرون إلى الكتاب أولاً ثم إلى السنة ثم إلى الرأي المبني على أحدهما، مثاله ما ورد في قصة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى اليمن، فاختبره بالسؤال عن منهاج التفكر والاجتهاد، ولما أجاب بذكر المراجع المذكورة بالترتيب المذكور صوب النبي صلى الله عليه وسلم رأيه.
ثم إن الكتاب والسنة كل واحد منهما قد وصل إلينا بأيدي الصحابة رضي الله عنهم الذين تعلموهما عن النبي من غير واسطة، وفهموا معناهما وعقلوا مغزاهما وعملوا بهما تحت مراقبته صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه تولى تربيتهم وتزكيتهم، وجعلهم أسوة متبوعة لمن سواهم من الأمة الكائنة إلى يوم القيامة ومبلغين لدعوته إلى سائر الناس، ومعلمين ما علمهم من الكتاب والسنة لمن سواهم من أمته صلى الله عليه وسلم فجماعة الصحابة هم الواسطة الكبرى بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم وكل صحابي رضي الله عنه هو أنموذج عملي لتعليمه عليه أفضل الصلوات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
والسلام، فبديهي أنه لا تتضح معاني الكتاب والسنة إلا بالنظر إلى عمل الصحابة وتشريحهم وتفسيرهم لهما.
فالكتاب والسنة منبعان لماء الحياة، وجماعة الصحابة نهر مملوء بمائهما جامع لهما لا يزال يجري إلى يوم القيامة.
فقد تبينت من هذه المقدمات الممهدة الأصول التي هي أجزاء الفكرة السنية النفسية وهي هذه:
الأصل الأول: يجب أن يكون تفكرنا في مسألة من مسائل الحياة من هذا النوع مبنيا على عقيدتنا الجازمة بأن المأخذ الأول للعلم الفارق بين الحق والباطل هو الكتاب والثاني هو السنة، أما الإجماع والقياس فيرجعان إليهما، وأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أخذوهما من النبي صلى الله عليه وسلم من غير واسطة، ونقلوهما إلى من بعدهم من الأمة، ولم ينقل ولا يمكن أن ينقل كذلك شيء عن الدين عن غير الصحابة، ومن نسب شيئاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغير توسط صحابي فهو كاذب زنديق، فعمل الصحابة هو مأخذ ثالث للعلم فكونه دليلاً قطعياً على كون ذلك العمل والقول ثابتا بالكتاب أو السنة مطابقاً لهما، ولكونه أنموذجاً عملياً لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم فهو حجة شرعية ما لم يعارضه حجة شرعية أخرى أقوى منه كنص الكتاب مثلاً.
الثاني: ولتكن وجهة فكرنا ومقصدنا بالذات في كل فكرة هي المنفعة الدينية ورضا الله سبحانه ولو بوسائط عديدة، ولتكن المنفعة الدنيوية تابعة لها غير مقصودة بالذات بل مقصودة تبعا، لأن الله تعالى يقول: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً} . (سورة الإسراء) .
الثالث: علينا أن نتفكر في الكتاب والسنة وعمل الصحابة هل نجد فيها هداية جزئية، قولية أو عملية مخصوصة بما نحن فيه أو عامة كلية تنطبق على ما نتفكر فيه، ثم أن علينا اتباعها إن فزنا بها في الكتاب أو السنة أو عمل الصحابة، فقد قال الله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} . (الأنبياء) . وسيوضح المسألة المثال الآتي: أن أرباب الحل والعقد من مملكة إسلامية يتفكرون في سياستها الداخلية في تفويض الوزارة الداخلية أو الخارجية أو غيرها، إلى رجل مناسب يفوضونها إليه، ثم ينظرون إلى الكتاب المبين فيجدون فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} . الآية، وهذه الآية تهديهم إلى أصل عظيم ينور طريقهم لأنها تحذرهم عن تفويض الأمر إلى شيعي أو شيوعي وأمثالهما من أعداء الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
الرابع: أن الاحتراز عن الباطل واجب كإحقاق الحق، والحذر عن سبيل الغي حَتم واجب كاتباع سبيل الحق والهدى، فيجب علينا أن لا نستخدم دليلاً ولا نعمل عملا يعين أهل الباطل في طغيانهم أو يؤيدهم في ضلالهم أو ينفعهم في إظهار بواطلهم فإن الله تعالى يقول: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} . وقال عز اسمه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} . فينبغي لنا أن نراعي في فكرتنا في جانب النفي أيضا، فتكون فكرتنا مشتملة على نفي الباطل كاشتمالها على إثبات الحق.
الخامس: يجب الاحتراز كل الاحتراز عن فكرة تؤدي إلى قطع صلتنا بالكتاب أو السنة أو الصحابة أو ضعفها وعن عمل كذلك- والعياذ بالله- فإن الاعتصام والتمسك بالكتاب والسنة واجب على كل حال، ولا يمكن الاعتصام والتمسك بهما إلا باتباع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كما أوضحناه من قبل، وما يؤدي إلى ضعف هذا الاعتصام والتمسك فباطل مهلك فضلا عما يؤدي إلى قطعه والعياذ بالله، قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله" والآيات الدالة على هذا الأصل العظيم والأحاديث المضيئة له كثيرة وحق إن قلنا: إن (الموطأ للإمام مالك) من ضروريات الدين.
السادس: لا نقبل فكراً أو حلا لمسألة ثبت كونه غير مرضي عند الله بالكتاب أو السنة أو قول الصحابة أو عملهم، قال الله تعالى في مدح الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} . فعلى المؤمن أن يبتغي رضوان الله تعالى شأنه، ويترك ما هو غير مرضي عنده عز اسمه، مثاله الاستعانة بما تمنح الدول الكافرة باسم العون على الرقي في المعاش وإصلاحه، فإن أخذه يؤدي إلى مفاسد كثيرة كالميل إلى الدولة المانحة في مسلكها السياسي وإن كان باطلاً وغير ذلك من المفاسد، ولاشك أن هذه الاستعانة غير مرضية عند الرب سبحانه وتعالى بالنظر إلى ما تؤدى إليه. فينبغي للمؤمن أن يحترز عن هذا القسم من المقدمات إذا تفكر في تدبير أمر أو إنجاح حاجة من الحوائج القومية.
السابع: لا ينبغي أن تكون مقدمات فكرتنا مبنية على مجرد الميل والرغبة إلى أمر أو عن أمر بل لابد أن تكون ناشئة عن الفهم السليم والحكمة، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} . (سورة البقرة) ، وهذه الأصول هي أجزاء (الفكرة السنية النفسية) ، والفكرة التي تراعى فيها هذه الأصول وتكون على طبقها تسمى ب (الفكرة السنية) ، وهي متروكة في حياتنا الاجتماعية منذ قرون، على الغالب وتركها هو سبب زوال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
الأمة المسلمة في حياتها الدينية والسياسية وفي غيرهما من شعب الحياة،
وعلاجه إنما هو اتباع هذه الفكرة، ولاشك أن اتباعها في فكرتنا الاجتماعية وسيلة قوية لرقي الاجتماع وغلبة الإسلام والمسلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
الأمثلة:
ولزيادة التنوير نورد أمثلة للفكرة السنية النفسية في الأمور الاجتماعية:
المثال الأول: نفرض أن دولة من دول المسلمين تفكرت في مسألة تعليم العلوم الحديثة، لكنها لم تتبع (الفكرة السنية) إذاً تجعل الدنيا غاية فكرها وجهدها وتكون فكرتها فكرة أوروبا وأمريكية، وتختار ما اختار أهلها من الرغبة عن الدين، والميل إلى الفسق والفجور، واتخاذ سبيل الغي في النظام التعليمي ومناهجه كرفع حجاب الطالبات وأمثالها من الأمور المخالفة للشريعة المقدسة، وكذلك لا تبالي هذه الدولة بتسليط أهل الضلالة كالشيعة والمرزائين وغيرهما من الضالين على الإدارات التعليمية ونظمها.
وأما إذا كانت فكرتها (الفكرة السنّية) فتكون غاية فكرها وجهدها ومرام سعيها من إشاعة العلم هي إعلاء كلمة الله ومنافع الآخرة وترويج الخير في العالم.
وتكون الغاية هي إرضاء الله تعالى شأنه، أما المنافع الدنيوية فتكون مقصودة تبعا للمنافع الدينية، فتتخذ سبيل الرشد سبيلا إلى مرامها، وتحترز كل الاحتراز عما نهى عنه الشرع الشريف، ولا تجترئ بتسليط أهل الضلال وأعداء الإسلام من المنافقين والمجاهرين بالكفر على الإدارات التعليمية.
المثال الثاني: فرضنا أن أرباب الحل والعقد لمملكة مسلمة يريدون أن يضعوا دستوراً لمملكتهم فيلجأون إلى الكتاب والسنة وعمل الصحابة ومشاورة الفقهاء، ولا يلتفتون إلى ما يتفوه به أهل أوربا وأمريكا وغيرهما من الذين لا يتبعون الإسلام، لأن الفكرة السنّية النفسية ترشدهم إلى تلك المآخذ والمنابع، وتصدهم عن النظر إلى غيرها، ويصرحون في الدستور بأن مملكتهم هي مملكة إسلامية سنّية قائمة على منهاج الخلافة الراشدة، وغاية وجودها هي إجراء الأحكام الشرعية وحفظها والدعوة إليها ونصرتها، والرقي الديني والدنيوي لأهل الإسلام بحيث تكون دنياهم تابعة لدينهم، ثم أنهم لا يغفلون عن الأغيار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
الأشرار المجاهرين بعداء الإسلام الداعين إلى النار كالشيعة والمرزائية وغيرهما من أهل الضلالة والنفاق، فإن أرباب الحل والعقد وقواد المسلمين المتفكرين بالفكرة السنّية النفسية لا يغفلون عن مكائد تلك الأشياع الضالة، فيضعون قوانين وضوابط في الدستور التي تسد طرق هذه الأشياع المنافقة على المملكة وطرق غدرهم بها، ويحفظون المملكة عن شرهم.
وأما الذين لا يتفكرون بالمنهاج الإسلامي أي لا يختارون (الفكرة السنّية) فلا يبالون بتلك الأمور المهمة، أو يغفلون عن بعضها، أو يطرحون بعضها قصداً لضعف إيمانهم واعوجاج فهمهم لفقدهم (الفكرة السنّية) فيذوقون وبال أمرهم، ويخسرون في الدنيا والآخرة، يوردون قومهم مورد الهلاك والخسران كما نرى الآن في بعض البلدان الإسلامية فإن أهل السنة بها يبتلون بظلم شديد ومصائب عظيمة وما ذلك إلا لفقدهم (الفكرة السنّية) في حركاتهم السياسية وذهولهم عن الحقيقة أنهم أهل السنة والجماعة وأنهم هم المسلمون، وأن الرافضة ليست من الإسلام في شيء بل هم أعداء الإسلام والمسلمين.
مثال آخر: أرادت دولة مسلمة حديثة إصلاح معيشة القوم وإجراء نظام للمعيشة يكون موجبا لفلاح القوم ويحفظ أهل الملك من الفقر والمسكنة، وظلم الظلمة من المستحصلين المتمولين المغلوبين من الشحّ والبخل، فإن كانت الدولة معتادة للفكرة السنّية واختارتها للتفكر في هذه المسألة المهمة، فلابد أن تنظر إلى الكتاب والسنة وعمل الصحابة وأقوال الفقهاء وتختار النظام الإسلامي للمعيشة الذي أمر به الله تعالى شأنه، ورسوله صلى الله عليه وسلم وفسرته الصحابة بقولهم وعملهم، وفصلته الفقهاء في ضوء عمل الصحابة وأقوالهم، ولا تلتفت هذه الدولة المؤمنة إلى نظام غير إسلامي كالشيوعية وغيرها من الأنظمة الخاطئة الباطلة، وأما الدولة التي ليس لها حَظ من (الفكرة السنّية) فتخبط خبط عشواء وتتبع كل عمياء، وتنظر إلى أنظمة غير إسلامية فتختار بعضها فتذوق وبال إثمها في الدنيا والآخرة، وكانت عاقبة أمرها خسراً، والأمثلة الثلاثة المذكورة آنفا للفكرة السنّية النفسية تكفي للزيادة في وضاحتها وتنور مفهومها ومصداقها فنختم بيانها، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
شهادة التاريخ:
التاريخ يدخر المواعظ والعبر لنتعظ بها، ولنسلك طريق المستقبل في ضوئها، فنشير إلى بعض الحوادث الماضية التي تصدق ما قلناه من أن (الفكرة السنّية) لها أثر عظيم في رقي الأمة المسلمة وعروجها، وإن تركها موجب لزوالها وانحطاطها، فإن زوالها إنما بدأ حين ضعف اعتصامها بالكتاب والسنة، ولاشك أن هذا الضعف قد طرأ عليها بسبب التغير في منهاج فكرها ووجهة نظرها، وذلك بأن المجتمع الإسلامي من حيث المجتمع قد ترك (الفكرة السنّية) في الأمور الاجتماعية لاسيما في الأعمال السياسية وإن بقيت مختارة لكثير من الأفراد في الحياة الفردية، وكفاك مثلا وعبرة حادثة زوال الخلافة العباسية فإنها سقطت في أول فتنة في التاريخ الإسلامي التي أثارها المنافقون، وأصبحت تلك الفتنة قائدة لجيش الفتن التي صحبتها، كفتنة القول بخلق القرآن وفتنة إنكار الحديث وأمثالها من الفتن التي ظهرت في عصر العباسيين وانتهت بزوالهم.
وتوضيح هذا المجمل أن أول فتنة ظهرت في الإسلام هي فتنة تنقيص شأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإن سعي اليهود لإزالة حب الصحابة وتعظيمهم وتوقيرهم عن قلوب المسلمين أنتجت فرقة في الأمة تسمي نفسها باسم الشيعة.
وهذه الفرقة التي نشأت على عداوة الصحابة وتنقيص شأنهم، قد قويت على عهد الخلافة العباسية، لأن العباسيين استعانوا بها حين أثاروا الثورة ضد الأمويين، ثم إن خلفاءهم وزعماءهم قربوا هذه الفرقة ونصبوا رجالها على مناصب جليلة وأشركوهم في أمور الخلافة، حتى أنها تسلطت عليهم، وكان عاقبة الأمر أن الشيعة لعداوتهم لأهل السنة ولدينهم الحق دمروا الخلافة العباسية تدميرا واستأصلوها بالمؤامرة بتآمر الذين دعوهم للتدمير وأعانوهم على هذا المقصد الشنيع.
والسبب الأساسي لتلك الحادثة الفاجعة الأليمة هو أن العباسيين ومن كان معهم من المسلمين أي من أهل السنة صرفوا النظر عن هداية الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} . (الآية) وخالفوها باتخاذ أعداء الإسلام المنافقين بطانتهم وبالاعتماد عليهم وتركوا الفكرة السنّية فذاقوا وبال خطئهم.
ثم إن هذا المرض أصبح وباء متعديا إلى العامة من أهل السنة وأفسد مزاج المجتمع لأن الاختلاط والمودة بالذين أشربوا في قلوبهم عداوة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
والسخط على دينهم الحق أدّى إلى ضعف حب الصحابة وسنتهم ونقص عظمتهم في قلوبهم، فأدى إلى ضعف في اعتصامهم بالكتاب والسنة وقد حفظ الله تعالى شأنه طائفة من المؤمنين من هذا الداء العضال حتى أصبحت مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم". أو كما قال، لكنها كانت قليلة في العدد.
وكما أن التاريخ يقص قصص زوال الأمة وأسبابها ويرفع الحجاب عن الحقيقة أن إهمال الفكرة السنّية وتركها واختيار فكرة غير سنّية هي أعظم أسباب زوال الأمة وانحطاطها كذلك ينبئنا عن عروج الأمة ورقيها وأسبابه، ويضيء لنا الطريق إليه ويأتينا بأخبار كثيرة تدل دلالة واضحة على أن (الفكرة السنية) كفيلة بعروج الأمة ورقيها وهي الطريقة الوحيدة إليه.
وإني أستطيع أن آتي من التاريخ بأمثلة كثيرة لهذا الأصل، لكني قصداً للإيجاز أكتفي بإيراد قصة المجاهد الجليل والفتى النبيل محمد بن القاسم الثقفي رحمه الله حين وصل إلى قلعة محكمة في غزوة السند، وكانت القلعة التي غزاها على ساحل بحر السند، ولم يكن هناك جسر ولا سفينة، فنظر إلى جيوشه وسألهم: أرب البحر والبر واحد أم لهما ربان؟ قالوا: إن الله وحده هو رب البحر والبر ورب كل شيء وهو رب العالمين، فقال: ربنا الذي نصرنا وحفظنا في البر وإنا خرجنا في سبيل الله فلا ينبغي لنا أن نرجع على أعقابنا فادخلوا البحر، فدخل المجاهدون في الماء يمشون عليه كما يمشي الرجل على الأرض، ولما رأت جيوش الهندوس الذين كانوا يرمون الحجارة عليهم بالمنجنيق هذه الحالة المدهشة العجيبة طرحوا أسلحتهم وفتحوا باب الحصن وأطاعوا المسلمين المجاهدين، وواضح أن محمداً بن القاسم ومن كان معه من المجاهدين تفكروا بفكرة سنية، فنظروا إلى وعد الله تعالى شأنه لا إلى الأسباب الظاهرة، واستعانوا بالإيمان فأفلحوا ونجحوا، ثم لا يخفى على من طالع تاريخ السند أن الفتح المذكور، جاء في تلك البلاد ببركات كثيرة من غلبة الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا، ونشاط علمي وفكري كما جاء بالأمن والسلام. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)