Arabic source text

📘 নাসায়িহ মানহাজিয়্যা লি তালিবি ইলমিস সুন্নাতিন নাবাবিয়্যাহ (হাতিম আল-আওনি)

📘 نصائح منهجية لطالب علم السنة النبوية (حاتم العوني)

📘 নাসায়িহ মানহাজিয়্যা লি তালিবি ইলমিস সুন্নাতিন নাবাবিয়্যাহ (হাতিম আল-আওনি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الحديث وشدة مأخذه، لا يواجهها إلا التخصص، ولا يجاوزنا عقبتها إلا جمع الهمة كلها في تحصيله والتفرغ الكامل له.
وقبل الحديث عن حاجة علم الحديث إلى التخصص فيه، وأنه علم يستعصي على من قرن به غيره، ولا يقبل له عند طالبه ضرة، كالليل والنهار والدنيا والآخرة؛ قبل ذلك أتكلم عن أهمية التخصص في جميع العلوم، وبيان أن التخصص منهج ضروري لا حياة ولا بقاء للعلوم إلا به.
وقد نبه العلماء قديماً على أهمية التخصص في العلوم، فقال الخليل ابن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) : (إذا أردت أن تكون عالماً فاقصد لفن من العلم، وإذا أردت أن تكون أديباً فخذ من كل شيء أحسنه) (1) .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) : (ما ناظرني رجل قط وكان مفنناً في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني رجل ذو فن واحد إلا غلبني في علمه ذلك) (2) .
إن هذه العبارات وأمثالها من الأئمة الدالة على فضل المتخصص في علم واحد على الجامع لأطراف العلوم (أو على رأي الخليل بن أحمد: الدالة على فضل العالم على الأديب المتفنن) ، جاءت لتؤكد أن كل علم من العلوم بحر من البحور، لا يعرفه ويصل إلى كنوزه وخفاياه إلا من غاص أعماقه، وقصر حياته على الغوص فيه. أما من اكتفى بالسباحة على ظهر كل بحر من بحور العلم، فإنه إنما عرف ظواهر تلك البحور، وما عرف من كنوزها شيئاً.
وأخص بالذكر أهل عصرنا، فإن العلوم قد ازدادت تشعباً، وعظم كل علم عما كان، بمؤلفات أهله فيه على امتداد العصور السابقة، وبزيادة اختلافهم وأدلة كل صاحب قول منهم؛ ومع ذلك فقد ضعفت الهمم، ونقصت القدرات عما علمناه من أئمتنا السالفين؛ وذلك بين واضح لمن عرف سيرهم وأخبارهم ووازن بينهما وبين حالنا؛ أولئك كانوا بما تعلموا وعلموا وألفوا وجاهدوا وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر كأن أعمارهم ليست بين الستين والسبعين وإنما بين مائة وستين ومائة وسبعين!! بل والله--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 850)
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 852) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

أكثر!!! أولئك كانت حياتهم كرامة، ووجهدهم معجزة خارقة للعادات!!! فأين نحن من أن نحوي علومهم؟! وأنى لنا أن نستوعب علم ما خلفوه لنا؟! ومع ذلك فقد تكلم هؤلاء أنفسهم عن فضل التخصص في العلم، فما أجهلنا إن حسبنا أننا بغير التخصص سنفهم علماً من العلوم!!!
ولقد سبرت بعض أحوال المتعلمين، فوجدت أكثرهم علماً وإنصافاً وتواضعاً، وأدقهم نظراً وفهماً، وأحسنهم تأليفاً وإبداعاً: هم أصحاب التخصصات. في حين وجدت أقلهم علماً وإنصافاً، وأكثرهم كبراً وتعالياً وتعالماً، وأبعدهم عن الفهم والتدقيق وعن الإبداع والإحسان في التأليف: المتفننين أصحاب العلوم، أو سمهم بالمثقفين؛ إلا من رحم ربك.
ومن فضل صاحب التخصص الفضل الظاهر، الذي يقرني عليه المنصف، أن صاحب التخصص لا يثرب على المتفنن، بل يراه أكثر أهلية منه في أمور كإلقاء المحاضرات والدعوة ومواجهة العامة، ويعتبره بذلك على ثغرة من ثغرات الإسلام، ويرى أن الأمة في حاجة إلى أمثاله. وأما أصحاب الفنون، فعلى الضد من ذلك، فهم أكثر الناس تثريباً وعيباً على المتخصصين، ولا يرون لهم فضلاً عليهم ولا في العلم الذي تخصصوا فيه، وينازعونهم مسائلة (وهم بها جهلاء) ، ويشنعون عليهم لعدم معرفتهم ببعض ما لم يتخصصوا فيه.
ولك بعد هذا أن تحكم، أي الفريقين أدخل الله في قوله تعالى (إن الله يحب المقسطين) (1) .
ولله ما يلاقيه أصحاب التخصصات من إخوانهم المتفننين!! من عدم فهم الأخيرين لتخصصاتهم، مع كلامهم فيها ومنازعتهم أهلها، بل قد يصل الأمر إلى استغلال أصحاب الفنون علاقتهم بالعامة والغوغاء، وانبهار هؤلاء بهم، فيتطاولون على أصحاب التخصصات وعلى علومهم، بما لا يؤلم العالم شيء مثله، وهو الكلام بجهل، وتشويه العلوم.--------------------------------------------
(1) المائدة (42) ، والحجرات (9) ، والممتحنة (8)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

ومن فضل صاحب التخصص إذا وفقه الله تعالى، أنه من أكثر الناس لقالة (لا أدري) ، إذا سئل عن غير تخصصه. ولهذه القالة بركة لا يعرفها إلا قليل، فهي باب التواضع الكبير، وباب للعلم أكبر. وأما صاحب الفنون، فهو عن (لا أدري) أبعد؛ لأنه يضرب في كل علم بسهم، وبكثير جوابه على أسئلة العامة وأنصاف المتعلمين، التي هي - في الغالب - سؤالات عن الواضحات وعن ظواهر العلوم؛ فينسى مع طول المدة (لا أدري) ، ولا يعتاد لسانه عليها، ولا تنقهر نفسه لها؛ لذلك فهو عن بركاتها ليس بقريب!!
ثم إن للعلم دقائق لا يعرف المتفننون عنها شيئاً، أما المتخصصون فقد خبروها، وقادتهم إلى دقائق الدقائق. فهم فقهاء العلوم حقاً، وأطباء الفنون صدقاً.
يقول الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني تلميذ الشافعي (ت 260هـ) : (سمعت الشافعي يقول: من تعلم علماً فليدقق، لكيلا يضيع دقيق العلم) (1) .
كذا نصائح الأئمة، نور على نور!!
وأما الشافعي فقد كان آمناً من ضياع جليل العلم وعظمه، خائفاً من ضياع دقيقة. أما نحن الآن فنقول: (من تعلم علماً فليدقق، لكيلا يضيع جليل العلم) ؛ فدققوا يا بني إخوتي ما شئتم من التدقيق، فنحن مع تدقيقكم هذا لعلى جليل العلم وجلون!!!
وهنا أنبه على أن مطالبتنا بالتخصص لا يعني أن نطالب بذلك على حساب فروض الأعيان من العلوم، كتصحيح العقيدة وعلم التوحيد الجملي، وما يحتاج إليه من فقه العبادات، وما شابهها من الفروض العينية من العلوم؛ فهذا ما لا يجوز على مسلم جهله، فضلاً عن طالب العلم؛ بل نحن نطالب طالب العلم بما فوق ذلك، وهو أن لا يكون جاهلاً بنفع كل علم نافع (ولا أقول أن يكون عالماً بكل علم نافع، فهذا ضد ما أحث عليه) ؛ لأن الجهل بنفع علم ذي علم فائدة دنيوية أو أخروية يدعو إلى معاداة ذلك العلم، على قاعدة: من جهل شيئاً عاداه؛ ويقبح بطالب العلم أن يعادي علماً نافعاً، مهما قل نفعه في رأيه، فإنه لا ينقص على أن يكون فرضاً كفائياً.--------------------------------------------
(1) الأنساب المتفقة لابن طاهر المقدسي (3) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

وما أجمل وصية خالد بن يحيى بن برمك (ت 165هـ) لابنه، عندما قال له: (يا بني، خذ من كل علم بحظ، فإنك إن لم تفعل جهلت، وإن جهلت شيئاً من العلم عاديته، وعزيز علي أن تعادي شيئاً من العلم) (1) .
وأخص من العلوم مما يقبح بطالب العلم جهله العلوم الإسلامية جميعاً، كعلم الفقه وأصوله والتفسير وأصوله والعقيدة وعلوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وأدب، مما ينبغي على طالب علم الحديث المتخصص أن يحصل شيئاً منها. وضابط تحصيله لهذه العلوم (حتى لا يناقض ذلك مطالبتي له بالتخصص) أن يجعل مقصوده من طلبه لهذه العلوم تكميل استفادته لتخصصه وعميق فهمه له؛ حيث إن العلوم الإسلامية بينها ترابط كبير، لا يمكن من أراد التخصص في علم منها أن يكون جاهلاً تمام الجهل بما سواه. بل ربما قادته مسألة دقيقة في علم الحديث (مثلاً) إلى التدقيق في مسألة من مسائل أصول الفقه أو غيره، حتى يخرج بنتيجة في مسألته الحديثية. وليس ذلك بغريب على من عرف العلوم الإسلامية، وقوة ما بينها من أواصر القربى العلمية.
ولأزيد الأمر إيضاحاً أقول: كيف يتسنى لطالب الحديث أن يعرف الصواب في إحدى مشاهير مسائله؟ وهي مسألة الرواية عن أهل البدع وحكمها، إذا لم يكن عارفاً بالسنة والبدعة، وبصنوف البدع وأقسام المبتدعة، وبالغالي منهم ومن بدعته غليظة ومن يكفر ببدعته ممن هو بخلاف ذلك؛ وهذا كله باب من أبواب العقيدة عظيم.
وكيف يمكن لطالب الحديث أن يميز بين الروايات المختلفة، مثل زيادات الثقات: مقبولها ومردودها، والشاذة منها والمنكرة، والناسخة والمنسوخة، والراجحة والمرجوحة، إذا لم يكن عنده أصول الفقه والقدرة على الاستنباط والفهم للنصوص ما يتيح له الحكم في ذلك كله؟!
المهم أن يأخذ من العلوم التي لم يتخصص فيها، بقدر ما يخدم العلم الذي تخصص فيه، ولا يزيد على ذلك، وإلا لم يصبح متخصصاً، وإنما يكون متفنناً.
وطريقة تحصيله لتلك العلوم التي لا ينوي التخصص في واحد منها، مما لا يخرجه عن حد التخصص إلى حد التفنن، هي أن يدرس مختصراً من مختصرات تلك العلوم، تمكنه--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 853) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

من مراجعة مطولات تلك الفنون، فيما إذ أحوجه علمه الذي تخصص فيه إلى ذلك، كما سبق التمثيل له. وعليه أيضاً أن لا يقطع صلته بعلماء تلك العلوم المتخصصين فيها، وأن يصوب فهمه من علومهم عليهم، وأن لا يستبد بشيء من علمهم دون الرجوع إليهم.
وأما التخصص في علم الحديث، فقد سبق أنه من أحوج العلوم إلى التخصص فيه، لشدة عمقه وسعة بحور وامتداد آفاقه. مع ذلك فعندي في مشروعية التخصص فيه (ولو على حساب الفقه!) سنة ثابتة وحديث صحيح مشهور! وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع منا مقالة فحفظها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (1) .
و (نضر) بتخفيف الضاد وتشديدها: من النضارة، وهي الحسن والرونق والبهاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو لراوي الحديث بالحسن والبهاء مطلقاً، في الدنيا والآخرة. وقيل إن المعنى: أبلغه الله تعالى نضارة الجنة.
وراوي الحديث الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالنضارة: هو رواية باللفظ، ولو كان لا يفهم كل معاني الحديث (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ولو كان لا فهم له في الحديث أبداً (رب حامل فقه لا فقه له) !!
وهذا يدل على مشروعية رواية الحديث دون فقه، بل يدل على استحباب ذلك؛ ويدل على أن رواي الحديث دون علمه بفقهه محمود غير مذموم، وأنه مستحق بفعله هذا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له.
وقد تعقب الرامهرمزي (ت 360هـ) هذا الحديث في كتابه (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) بقوله: (ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقه) . وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر (2) ؛ ومثال ذلك أن تمثل بين مالك--------------------------------------------
(1) حديث صحيح مشهور، أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما. وروي من حديث نحو ثلاثين صحابياً. ولأبي عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم المديني (ت333هـ) جزء حديثي عنون به. وللشيخ عبد المحسن العباد (دراسة حديث (نضر الله أمرأ سمع مقالتي) رواية ودراية) .
(2) ما أحسن قوله: (وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر) ! فإنك إن ذكرت فضل الفقيه، قلنا لك: وهل تفقه الفقيه إلا بما رواه له المحدث وميز له صحيحه من سقيمه؟! وإن ذكرت فضل المحدث، قلنا لك: وهل يكون للرواية فائدة إلا بفقهها للعمل بما فيها؟!

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

بن أنس وعبيد الله العمري، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي، وبين أبي ثور وابن أبي شيبة (1) ، فإن الحق يقودك إلى أن تقضي لكل واحد منهم بالفضل.
وهذا طريق الإنصاف لمن سلكه، وعلم الحق لمن أمه ولم يتعده) (2) .
ورحم الله السلف! فقد كانوا أسبق إلى كل خير وعلم وإنصاف؛ ولهذا لما روى مطر بن طهمان الوراق (ت 125هـ فيما يقال) حديثاً، وسئل عن معناه، قال: (لا أدري، إنما أنا زاملة) ، فقال له السائل - وكان عاقلاً منصفاً - (جزاك الله خيراً، فإن عليك من كل: حلو وحامض) (3) .
وانظر إلى إجلال السلف لرواة الحديث، في العبارة التالية: يقول محمد بن المنكدر (ت 130هـ) : (ما كنا ندعو الراوية إلا رواية الشعر، وما كنا نقول للذي يروي أحاديث الحكمة إلا: عالم) (4) .
ومما سبق إليه السلف من العلم والخير والحق، التنبيه إلى أن علم الحديث علم لا يقبل الشركة ولا توزيع الهمة على غيره معه.
يقول الربيع بن سليمان المرادي (ت 270هـ) تلميذ الشافعي: (مر الشافعي بيوسف بن عمرو بن يزيد (وكان من كبار فقهاء المالكية: (ت 250هـ) ، وهو يذكر شيئاً من الحديث، فقال: يا يوسف، تريد أن تحفظ الحديث وتحفظ الفقه؟!! هيهات!!! " (5) .
وقد قدم الخطيب هذه الكلام من الشافعي، وهو يصف الذي يبرع في علم الحديث بقوله: "أن يعاني علم الحديث دونما سواه لأنه علم لا يعلق إلا بمن وقف نفسه عليه، ولم يضم غيره من العلوم إليه" (6) .
ثم أخرج الخطيب عقب ذلك العبارتين التاليتين:--------------------------------------------
(1) هذه الأمثلة الثلاثة، ذكر في كل واحد منها قرينين، الأول منهما إمام في الفقه والثاني =إمام في الحديث؛ فمن ينتقص أحد الإمامين؟!! أمن يستطيع ذلك؟!!!
(2) المحدث الفاصل للرامهرمزي (169 - 170) .
(3) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 1944) ، والجامع لأخلاق الراوي للخطيب (رقم 1371) .
(4) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 1533) .
(5) الجامع للخطيب (2/251 رقم 1569) .
(6) الجامع للخطيب (رقم 1569) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

يقول أبو يوسف القاضي (ت182هـ) : "العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعض على غرر" (1) .
ويقول أبو أحمد نصر بن أحمد العياضي الفقيه السمرقندي: "لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله إليه فلم يشهد جنازته" (2) .فإن كانت هاتان العبارتان حقاً في العلوم جميعها، فهي في علم الحديث أولى أن تقال وأحق. وهذا هو ما قصده الخطيب، عندما ساقها في ذلك السياق.
وللتخصص في كل العلوم معناه، وفي علم الحديث له معناه الخاص به؛ فهو تخصص لا يقبل الانقطاع إلى غيره، مهما طال زمن التفرغ في تحصيله، ومهما ظن طالبه أنه تملا منه وتضلع. لأنه خبرة دقيقة وحاسة لطيفة، لا تدوم إلا مع بقاء الالتصاق بالعلم. وسرعان ما تفسد تلك الخبرة، وتتعطل تلك الحاسة، إذا انقطع الطالب عن العلم فترة يسيرة.
يقول في بيان ذلك عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ) : "إنما مثل صاحب الحديث بمنزلة السمسار، إذا غاب عن السوق خمسة أيام تغير بصرة (3) .
وبلسان أهل عصرنا: إنما مثل صاحب الحديث بمنزلة تاجر العملات، لا يستطيع أن يستفيد ويربح، إلا إذا كان متابعاً لأسواق العملات، دون انقطاع؛ فإذا انقطع يوماً واحداً، أصبح كالجاهل بهذا السوق تماماً، وكأنه لم يكن عليماً به يوماً من الأيام! لأنه لا يستطيع أن يشتري أو يبيع، لعدم علمه باختلاف أسعار العملات الذي يتبدل كل ساعة.
ولذلك لم يجعل الإمام أحمد (ت241هـ) لطلب الحديث زمنا ينتهي عنده، ولم يوقت له فترة يجعلها حده؛ عندما سئل: "إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتى يموت (4) .
فإن قيل: قد جاءت عبارات كثيرة في كتب العلم، تدل على ذم من لم يجمع مع الحديث فقهاً، أو على ذم إفناء العمر في جمع طرق الأحاديث وتتبع الأسانيد.--------------------------------------------
(1) الجامع للخطيب (رقم 1570) .
(2) الجامع للخطيب (رقم 1571) .
(3) الجامع للخطيب (رقم 1909) .
(4) شرف أصحاب الحديث (رقم 145) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

فمن الأول، قول القائل:
زوامل للأسفار لا علم عندهم … بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا … بأحماله أو راح ما في الغرائر
ومن الثاني: قصة حمزة بن محمد الكناني الحافظ (ت357هـ) ، قال: "خرجت حديثاً واحداً عن النبي صلى الله عليه وسلم من مائتي طريق، أو من نحو مائتي طريق، فداخلني من ذلك الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك. قال: فرأيت ليلة من الليالي يحيى بن معين في المنام، فقلت له: يا أبا زكريا، خرجت حديثاً واحداً عن النبي صلى الله عليه وسلم من مائتي طريق! قال: فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت (ألهكم التكاثر) (1) " (2) .
فما هو معنى تلك العبارات؟ مع ما ندعو إليه من التخصص في علم الحديث.
فأقول: أما ما جاء في ذم من لم يجمع مع الحديث فقهاً، فلا يعارض كلام من كان من الناس بقوله النبي صلى الله عليه وسلم الذي سبق ذكره، مما يدل على مشروعية بل استحباب ما عابه ذلك العائب.
ثم إن الذي صدر منه ذلك الذم أحد رجلين: إما أنه من أهل العلم والفضل، وحينها يحمل كلامه على ذم من قصر فيما لا يجوز التقصير فيه من الفقه بالفروض العينية ونحوها، مما تقدم ذكره. وإما أن هذا الذام من أهل الرأي وأصحاب البدع، الذين يعادون السنة وأهلها، وينفرون من علومها؛ وهؤلاء لا وزن لمدحهم وذمهم، بل ربما كان ذمهم مرجحاً كفة المذموم على الممدوح منهم!!
وأما ما ورد من عيب إفناء العمر في تتبع طرق الأحاديث وجمع الأسانيد، فليس الأمر على إطلاقه.--------------------------------------------
(1) التكاثر (1) .
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 1988) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

فهذا يحيى بن معين الذي رآه حمزة الكناني يذم فعله في ذلك، يقول يحيى بن معين هذا: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه" (1) .
ويقول الإمام أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً" (2) .
وقال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين خطؤه" (3) .
إذن ما هو الأمر المعيب في تتبع الطرق وجمع الأسانيد؟
أجاب عن ذلك الخطيب البغدادي في كتبه، وحصر سبب عيب ذلك في أمرين:
الأول: جمع الأحاديث وقطع الأعمار في كتابتها، صحيحها وضعيفها وموضوعها، دون تمييز الصحيح بمزيد اعتناء، ولا معرفة الضعيف بعلته، ولا التنبيه على المكذوب والباطل؛ فهو جمع وتصنيف على الإهمال والإغفال، يضر أكثر مما ينفع.
يقول الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) : "ينبغي للمنتخب أن يقصد تخير الأسانيد العالية، والطرق الواضحة، والأحاديث الصحيحة، والروايات المستقيمة. ولا يذهب وقته في الترهات، من تتبع الأباطيل والموضوعات، وتطلب الغرائب والمنكرات … (ثم قال) والغرائب التي كره العلماء الاشتغال بها، وقطع الأوقات في طلبها، إنما هي ما حكم أهل المعرفة ببطلانه، لكون رواته ممن يضع الحديث، أو يدعي السماع. أما ما استغرب لتفرد رواية به، وهو من أهل الصدق والأمانة، فذلك يلزم كتبه، ويجب سماعه وحفظه" (4) .
وقال الخطيب أيضاً: "ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخليده الصحف، دون التمييز بمعرفة صحيحة من فاسده، والوقوف على اختلاف وجوهه، والتصرف في أنواع علومه، إلا تلقيب المعتزلة القدرية من سلك تلك الطريقة بالحشوية؛ لوجب على الطالب الأنفة لنفسه، ودفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه" (5) .--------------------------------------------
(1) التاريخ لابن معين (رقم 4330) ، والجامع للخطيب (رقم 1699) .
(2) الجامع للخطيب (رقم 1700) .
(3) الجامع للخطيب (رقم 1701) .
(4) الجامع للخطيب (126 - 227 رقم 1523، 1528) .
(5) الجامع للخطيب (رقم 1599) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

الثاني: يقول في بيانه الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) : "إنما كره مالك وابن إدريس وغيرهما الإكثار من طلب الأسانيد الغريبة والطرق المستنكرة، كأسانيد: (حديث الطائر، وطرق حديث المغفر، وغسل الجمعة، وقبض العلم، وإن أهل الدرجات، ومن كذب علي، ولا نكاح إلا بولي.. وغير ذلك، مما يتتبع أصحاب الحديث طرقه، ويعنون بجمعة؛ والصحيح من طرقه أقلها. وأكثر من يجمع ذلك: الأحداث منهم، فيتحفظونها ويذاكرون بها. ولعل أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثاً وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة التي أكثرها موضوع وجلها مصنوع، ما لا ينتفع به، وقد أذهب من عمره جزءاً في طلبه. وهذه العلة هي التي اقتطعت أكثر من في عصرنا من طلبه الحديث عن التفقه به، واستنباط ما فيه من الأحكام. وقد فعل متفقهة زماننا كفعلهم، وسلكوا في ذلك سبيلهم، ورغبوا عن سماع السنن من المحدثين، وشغلوا أنفسهم بتصانيف المتكلمين. فكلا الطائفتين ضيع ما يعنيه، وأقبل على مالا فائدة فيه" (1) .
فبين الخطيب أن سبب كراهة مالك وغيره لتتبع الطرق وجمع الأسانيد من طلبة الحديث، لا لأنه تتبع وجمع وحسب، ولكنه جمع لطرق أحاديث صحيحة أصلاً، وليس هناك أي فائدة زائدة من تتبع أسانيدها الأخرى التي قد يكون أغلبها ضعيفاً أو باطلاً. ومثال ذلك في عصرنا: ذاك الذي سود صفحات طويلات في تخريج حديث واحد، متوسعاً غاية التوسع في ذكر مصادر العزو، من مسانيد ومعاجم ومشيخات وأجزاء وتواريخ، مع أن الحديث صححه الشيخان من قبل، ولعله وافقهما على تصحيحه أئمة آخرون، ولا مخالف لهم في تصحيحه؛ فيخرج أخونا هذا، دون أي فائدة زائدة على ما كان قد بدأ به، عندما عزا الحديث للصحيحين، وهو أن الحديث صحيح!!
ثم إنه لا تتحقق كراهية ذلك الجمع للأسانيد إلا بشرط، وهو إذا ما كان الجامع لها من أحداث طلبة العلم وصغارهم، ممن لم يصلوا إلى درجة معرفة قدر جيد من صحيح السنة، فتنقطع أعمارهم في جمع تلك الأسانيد، ولعل أحدهم لا يعرف حديثاً صحيحاً (كما يقول الخطيب) ، فذهب عمره فيما لا ينتفع به. فمثل هذا لا تخصص في الحديث،--------------------------------------------
(1) شرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم 304) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

ولا تعلم الفقه؛ ولذلك عاب عليهم الخطيب انشغالهم عن الفقه بما هم فيه، فالفقه أجل وأشرف بكثير مما هم فيه.
ولذلك قال علي بن المديني: (إذا رأيت طالب الحديث أول ما يكتب الحديث يجمع: حديث الغسل، وحديث من كذب علي؛ فاكتب على قفاه: لا يفلح " (1) .
أما إذا كان الجامع لطرق الحديث (ولو كان أصل الحديث صحيحاً بأقل تلك الطرق أو بواحد منها) من الأئمة الكبار في السنة، الذين هم أولاً أئمة في الاطلاع على صحيح السنة والثابت منها، وفي تمييز المقبول من المردود، وهم ثانياً لم يقطعوا أعمارهم في جمع تلك الأسانيد، بدليل إمامتهم واطلاعهم العظيم على السنة؛ فهؤلاء لو جمعوا أسانيد حديث صحيح بأحد تلك الأسانيد، أي لو قاموا بمثل ما عبناه على الأحداث الصغار في العلم، لما عبناهم بذلك، بل نفرح بجهدهم هذا، ونعتبره من النفائس والأعلاق؛ وذلك لأن جمعهم الأسانيد لم يكن على حساب كمال علمهم بالسنة، ولم يشغلهم عما ينتفعون به من الأحاديث الصحيحة وتمييزها عن السقيمة. ولذلك فإن الأحاديث التي مثل بها الخطيب مما يعاب على الأحداث جمعه، لا يكاد يوجد حديث منها إلا قام بجمع طرقه حفاظ كبار وأئمة أعلام ممن يقتدي بهم.
فحديث الطير للإمام الذهبي فيه مصنف.
وحديث غسل الجمعة جمع طرقه الحافظ ابن حجر، كما نقله الزبيدي في (لقط اللآلي المتناثرة) .
وحديث (من كذب علي) جمع طرقه الطبراني وابن الجوزي.
وحديث (لا نكاح إلا بولي) جمع طرقه شرف الدين الدمياطي.
بل إن الخطيب نفسه ذكر جل هذه الأحاديث، في سياق ما ينصح بجمعه، اقتداء بالمحدثين الذين جمعوا تلك الأحاديث (2) . ومن قبله ذكرها الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) ، في نوع خاص بها (3) .--------------------------------------------
(1) الجامع للخطيب (رقم 1986)
(2) الجامع للخطيب (رقم 1983) .
(3) معرفة علوم الحديث للحاكم (250 - 254) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

وخلاصة ما سبق، فيما يلام عليه طالب الحديث وما لا يلام عليه من التدقيق في العلم، هو أنه يلام في قضاء العمر: في جمع الأباطيل والمناكير، وعدم تمييزها عن الصحاح المشاهير؛ وفي تتبع أسانيد حديث صحيح بأحد تلك الطرق، ولا فائدة في تتبع الأسانيد الأخرى، إلا انقضاء الحياة دون معرفة قدر كبير من صحيح السنة وتعلم علوم الحديث.
أما اللوم على التدقيق في العلم مطلقاً، فهو من أعظم الصواد عن العلم، ومن أكبر الدواعي إلى الجهل؛ وإلا فمتى يصل طالب العلم إلى مصاف العلماء؟ إذا لم يدقق التدقيق الذي بحسب مرتبته من العلم، والذي هو من باب الترقي في التعلم والتدرج فيه؛ من هو فهم رؤوس المسائل، إلى فهم فروع المسائل، إلى التفقه في العلم وأدلته وأصوله، إلى الاجتهاد فيه والاستنباط. وقد سبقت عبارة الإمام الشافعي، التي يقول فيها: (من تعلم علماً فليدقق، لكيلا يضيع دقيق العلم) .
وإنما أطلت هذه الإطالة في الحث على التخصص، وفي علم الحديث خاصة، لكثرة من يعيب ذلك!! وفي هؤلاء العائبين من نحسن به الظن، وغالبهم من إخواننا المتفننين، كما سبق!!
وأطلت هذه الإطالة أيضاً، لمزيد احتياج علم الحديث إلى التخصص الدقيق حقيقة، وإلى التعمق فيه؛ وخاصة في هذه الأعصار؛ فأين هم نقاده وصيارفته؟! وأين هم أطباء علله؟!!
الميزة الثانية:
أنه علم مع كثرة أجزائه وتشعب أطرافه، وإلا أنه علم مترابط بقوة، متداخل الأصول والقواعد، فتجد كل جزئية منه تنبني وتتصل بأغلب أو بكثير من أصول وفروع العلم كله. وهذه الميزة في الحقيقة هي صورة من صور الميزة الأولى، فهي صورة من صور صعوبة علم الحديث وشدة مأخذه. فهي لذلك تواجه أيضاً بالتخصص، كما ذكرناه سابقاً.
لكنها تستلزم اتباع أسلوب معين في التخصص، واستخدام طريقة خاصة في التعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

فإن تشعب أطراف العلم وكثرتها، مع قوة ترابط ما بينها، وتداخلها بأصول العلم وقواعده؛ لا يواجه ذلك ويتجاوز هذه العقبة إلا الاستحضار الواسع في الذهن لتلك الأطراف والأصول الكثيرة المتشعبة، وهذا مالا يكون إلا بالحفظ والفهم.
ولأهمية هذا الاستحضار الذهني لمسائل هذا العلم وجزئياته، حرص علماء الحديث على أن ينبهوا إلى أهمية الحفظ وضرورته في علم الحديث، ووضعوا مناهج للحفظ، وبينوا الأسباب التي يستعين بها طالب الحديث في الحفظ.
ولذلك تميز المحدثون بالحفظ دون علماء الفنون الأخرى جميعاً؛ ويقول الخطيب في التدليل لذلك: (الوصف بالحفظ على الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصة، وهو سمة لهم لا تتعداهم، ولا يوصف به أحد سواهم؛ لأن الراوي يقول: حدثنا فلان الحافظ، فيحسن منه إطلاق ذلك، إذ كان مستعملاً عندهم يوصف به علماء أهل النقل ونقاده. ولا يقول القارئ: لقنني فلان الحافظ، ولا يقول الفقيه: درسني فلان الحافظ، ولا يقول النحوي: علمني فلان الحافظ. فهي أعلى صفات المحدثين، وأسمى درجات الناقلين" (1) .
وحث المحدثون على الحفظ، حتى قال عبد الرزاق الصنعاني (ت 211هـ) : "كل علم لا يدخل مع صاحبه الحمام (يعني يكون محفوظاً في الصدر) ، فلا تعده علماً" (2) .
وأنشد قائلهم:
ليس بعلم ما حوى القمطر … ما العلم إلا ما حواه الصدر
فذاك فيه شرف وفخر … وزينة جليلة وقدر
فمن‌‌ الأسباب التي يستعان بها في حفظ الحديث:
‌‌الأول حسن النية:
فإنها مفتاح كل خير، وسبب التوفيق والتيسير والبركة في العلم.--------------------------------------------
(1) الجامع للخطيب (رقم 1564) .
(2) الجامع للخطيب (رقم 1818) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

وأورد الخطيب في هذا الباب أثر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته) (1) .
وقال معمر بن راشد (ت 154هـ) : "كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم، حتى يكون لله عز وجل" (2) .
‌‌الثاني: اجتناب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم، بالخطيئة يعلمها" (3) .
وقال رجل للإمام مالك: "يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء، فترك المعاصي" (4) .
وفي الأبيات المشهورة:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال بأن حفظ العلم نور … ونور الله لا يؤتاه عاصي
‌‌الثالث: العمل بالحديث الذي يرويه ويحفظه:
قال سفيان الثوري: (العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) (5) .
وقال جماعة من السلف، منهم الشعبي ووكيع: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به) (6) .
والسبب الذي من أجله كان العلم بالحديث مثبتا الحفظ، يظهر جلياً في أن العمل بالحديث يجعل معاني الحديث واقعاً عملياً، والمحسوسات أثبت في الذهن من المعنويات.--------------------------------------------
(1) الجامع للخطيب (رقم 1843) .
(2) الجامع لمعمر - بذيل مصنف عبد الرزاق - (11/256) ، والمدخل إلى السنن للبيهقي (رقم 519) .
(3) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن (رقم 487) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (رقم 1195) ، والخطيب في الجامع (رقم 1850) ، وانظر تخريجه في المصدرين الأولين.
(4) الجامع للخطيب (رقم 1846) .
(5) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 1274) .
(6) انظر جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 1284، 1286) ، والجامع للخطيب (رقم 1851، 1852) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

وأهم من ذلك أن العمل بالعلم سبب لتوفيق الله تعالى إلى العلم والزيادة منه، وكما قال تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله) (1) .
‌‌الرابع: اغتنام الأوقات المناسبة في اليوم للحفظ:
وهذا أمر يختلف فيه الأشخاص، باختلاف أحوالهم وظروف طلبهم للمعاش وغير ذلك. غير أن الذي يذكره أهل التجربة، هو أن أفضل الأوقات للحفظ: الليل عموماً، والفجر، ويخصون من الليل آخره وهو وقت السحر، بشرط أن يكون طالب العلم قد نام من أول الليل، وأخذ حاجته من النوم.
ومن جميل الوصايا في ذلك، ما ذكر من أن المنذر قال للنعمان ابنه "يا بني، أحب لك النظر في الأدب بالليل، فإن القلب بالنهار طائر، وبالليل ساكن، وكلما أوعيت فيه شيئاً علقه" (2) .
فتعقب الخطيب البغدادي هذه الوصية بقوله "إنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإن خلوه يسرع إليه الحفظ، ولهذا (لما) قيل لحماد بن زيد: ما أعون الأشياء على الحفظ؟ قال: قلة الغم. (قال الخطيب (وليس تكون قلة الغم إلا مع خلو السر وفراغ القلب، والليل أقرب الأوقات إلى ذلك" (3) .
وقال إسماعيل بن أبي أويس: "إذا هممت أن تحفظ شيئاً، فنم، ثم قم عند السحر، فأسرج، وانظر فيه، فإنك لا تنساه - بعد إن شاء الله") (4) (.
‌‌الخامس: اغتنام فترة الصبا والشباب:
واشتهرت كلمة الحسن البصري التي يقول فيها: "طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر" (5) ، وذاد بعضهم ما معناه: والعلم في الكبر كالنقش في النهر (6) .--------------------------------------------
(1) البقرة (282) .
(2) الجامع للخطيب (رقم 1872) .
(3) الجامع للخطيب (رقم 1872) .
(4) الجامع للخطيب (رقم 1873) .
(5) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 482) ، والمدخل إلى السنن للبيهقي (رقم 640) .
(6) انظر: المدخل إلى السنن للبيهقي (رقم 641) ، وجامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 481) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

ولذلك كان السلف يبكرون بأولادهم إلى مجالس الحديث، حتى قال عبد الله بن داود الخريبي (ت 213هـ) : "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث" (1) .
وقال علقمة بن قيس النخعي (ت62هـ) ، في بيان قوة حافظة الشاب ورسوخ حفظه: "ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة" (2) .
‌‌السادس: اختيار الأماكن المناسبة للتحفظ:
وصفة المكان المناسب: أن يكون مريحاً، لا يشق على النفس المكث به. وأن يكون هادئاً، بعيداً عن الأصوات العالية. وأن يكون خالياً من الملهيات وما يلفت الأنظار؛ فلا يجلس في حديقة، ولا في ممر الناس وأسواقهم. بل يختار مقصورة أو حجرة في منزله، يتحفظ فيها (3) .
‌‌السابع: الجهر بقراءة ما يراد حفظه:
ولذلك حكمة، بينها والد الزبير بن بكار القرشي (ت 256هـ) عندما رأى ابنه يتحفظ سرا، فقال له: " إنما لك من روايتك هذه (أي: تحفظك سراً) ما أدى بصرك إلى قلبك. فإذا أردت الرواية (أي: الحفظ) ، فانظر إليها، واجهر بها؛ فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك، وما أدى سمعك إلى قلبك" (4) .
(وهذا تعبير رائع صحيح، وهذا ما يقول فيه علماء التربية وعلم النفس: كلما كثرت الحواس المشاركة في تلقي موضوع أو تعلمه، كان حفظه أسرع وأيسر) (5) .
‌‌الثامن: إحكام الحفظ بكثرة تكريره.
يقول ابن الجوزي في (الحث على حفظ العلم) : "الطريق إلى إحكامه كثرة الإعادة. والناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا--------------------------------------------
(1) شرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم 137-139) .
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 483) ، والجامع للخطيب (رقم683) .
(3) الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (50) .
(4) الجامع للخطيب (رقم 1874) .
(5) تعليق للدكتور محمد عجاج الخطيب على المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. وكان أبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ) يعيد الدرس مائة مرة، وكان إلكيا الهراسي (504هـ) يعيد سبعين مرة. وقال لنا الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إلي حتى يعاد خمسين مرة. وحكى لنا الحسن أن فقيها أعاد الدرس في بيته مراراً كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد - والله - حفظته أنا! فقال: أعيديه، فأعادته؛ فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: إني أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك" (1) .
‌‌التاسع: تعهد المحفوظ، بإعادة النظر فيه وتكريره، في أوقات مختلفة:
إذ الحافظة مهما كانت قوية لابد أن تسهو، فالنسيان جبلة الإنسان. ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم، إلا مراجعته من حين لآخر، وعدم الاتكال على الحفظ الأول.
قيل للأصمعي: "كيف حفظت ونسي أصحابك؟! قال: درست وتركوا" (2) .
وقال علقمة النخعي: " أطيلوا كر الحديث لا يدرس" (3) ، أي: ليكلا يبلى وينسى.
وعلى طالب العلم أن يجعل له جدولاً معيناً لمراجعة محفوظة؛ فمثلاً: يجعل في نهاية كل أسبوع يوماً لمراجعة ما حفظة في ذلك الأسبوع، وفي نهاية كل شهر يوماً أو يومين لمراجعة محفوظه خلال الشهر كله، وفي نهاية السنة أسبوعاً أو أسبوعين لمراجعة محفوظه خلال السنة جميعها .... وهكذا.‌‌ العاشر: المذاكرة:
والمذاكرة اصطلاح يستخدمه المحدثون، يعنون بها مطارحات علمية ومساجلات حديثية، يعرض فيها الجلساء من حفاظ الحديث وطلبته لذكر فوائد الأحاديث وغرائب الأسانيد وخفي التعليلات، يسأل بعضهم بعضاً عن ذلك، ويفيد الواحد منهم الآخر ما غاب عنه. وقد كانت المذاكرة هذه من أبرز سمات المحدثين في عصوره الأولى (مثل الرحلة في طلب الحديث) ، ولها آدابها وشروطها المنصوص عليها وفوائدها، وأخبارها المروية فيها (4) .--------------------------------------------
(1) الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (48-49) .
(2) الجامع للخطيب (رقم 1879) ، وجامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 641) .
(3) الجامع للخطيب (رقم 1875) .
(4) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (140-146) ، والجامع للخطيب (2/404-421) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

وللمذاكرة مع الأقران وغيرهم - على المعنى السابق - فائدة عظيمة في تثبيت الحفظ، من جهة أنه تعهد للمحفوظ بتكريره ومراجعته خلال المذاكرة، وتذكير لما نسي منه، ودون إملال أو إضجار، بل في جو من النشاط والتنافس العلمي البناء.
ولذلك قال عبد الله بن بريدة: " قال لي علي بن أب طالب رضي الله عنه: تزاوروا، وتذاكروا هذا الحديث، فإنكم أن لم تفعلوا يدرس علمكم" (2) ، أي: يبلى ويخلق.
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه "تحدثوا، فإن الحديث يهيج الحديث" (3) .
وقال جماعة من السلف عبارة أصبحت شعاراً للمذاكرة، وهي قولهم: "إحياء الحديث مذاكرته" (4) .
ومن فوائد المذاكرة أيضاً: أنها سبب كبير وداع عظيم للتنافس المحمود بين طلبة العلم. والتنافس في الخير هو الأمل الجاهد لبلوغ الغايات العظام، ولولاه لما سعى للعلياء ماجد، ولما سما للرفعة طامح.
ولشدة التنافس أثناء المذاكرة بين المحدثين كانت من لذائذ علم الحديث ومن متعه الجليلة؛ حتى قال الوزير ابن العميد: " ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، (ثم ذكر تلك المذاكرة، التي غلب فيها الطبراني أبا بكر الجعابي، ثم قال: "فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني " (4) .
وقال علي بن المديني: "ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق؛ من--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 623، 687) ، وشرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم 202-203) .
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 626) ، وشرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم 207-208) ، والجامع للخطيب (رقم 1882-1883) .
(3) انظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم 627، 631، 639) ، وشرف أصحاب الحديث للخطيب (رقم 212، 214، 215) ، والجامع للخطيب (رقم 1884-1885) .
(4) الجامع للخطيب (رقم 1900) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

شدة شهوتهم له. وتذاكر وكيع وعبد الرحمن ليلة في المسجد الحرام، فلم يزالا حتى أذن المؤذن أذان الصبح " (1) .
وقال عبد الله بن المبارك:
ما لذتي إلا رواية مسندا … ت قيدت بفصاحة الألفاظ
ومجالس فيها تحل سكينة … ومذاكرات معاشر الحفاظ
نالوا الفضيلة والكرامة والنهى … من ربهم برعاية وحفاظ
لاظوا برب العرش لما أيقنوا … أن الجنان لعصبة لواظ
ومن فوائد المذاكرة أيضاً ومن آدابها: إفادة طلبة العلم بعضهم بعضا، وفي ذلك استعجال لأجر وثواب التعليم، قبل بلوغ الدرجة التي يحق فيها لطالب العلم جلوس مجالس المعلمين. وما أدرى طالب العلم؟ لعله يموت قبل أن يصل إلى أن تتحلق حوله الطلبة!!.
يقول عبد الله بن المبارك: "إن أول منفعة الحديث: أن يفيد بعضكم بعضاً" (2) .
ويقول الإمام مالك: "بركة الحديث: إفادة بعضهم بعضاً" (3) .
ويقول سفيان الثوري: "يا معشر الشباب، تعجلوا بركة هذا العلم، فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه، ليفد بعضكم بعضاً" (3) .
هذه هي أهم وسائل حفظ العلم، وأظهر أسباب تثبيته وعدم نسيانه.--------------------------------------------
(1) الجامع للخطيب (رقم 1899) ، بتصرف يسير.
(2) الجامع للخطيب (رقم 885) .
(3) المدخل إلى السنن للبيهقي (رقم 1493) ، ولابن معين عبارة نحوها في الجامع للخطيب (رقم 1494) .
(4) الجامع للخطيب (رقم 1492) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

ولكن مما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو أن‌‌ للحفظ طريقتين، لا يعجز عن إحداهما جميع الناس. ولكل طريقة منهما مميزاتها وعيوبها؛ فيحسن أن نذكرهما، بما لهما من محاسن وعيوب.‌‌ الطريقة الأولى (وهي أشهر الطريقتين) :
وهي أنفع للصغار والشباب ومن أوتي موهبة الحفظ: وهي بأن يقرر الطالب على نفسه لكل يوم جزءاً يسيراً من العلم، كأن يكون حديثاً أو حديثين أو أكثر، ويستحسن أن يكون قدراً يسيراً، فإن القليل يثبت والكثير لا يحصل (2) ؛ فيتحفظ هذا المقرر يومياً، حتى يغيبه في صدره؛ ويستمر على ذلك فترة طويلة، هي سنوات طلبه للعلم؛ مع تعهد المحفوظ دائماً، على المنهج الذي ذكرناه سابقاً في التعهد.
ولهذه الطريقة مميزات وعيوب:
فمن مميزاتها: أنها طريقة منهجية منضبطة، يمكن للطالب مع التزامها والمداومة عليها حفظ كتب برمتها، وتغيب مصنفات كاملة.
ومن مميزاتها أيضاً: أنها أسرع حفظاً من الطريقة التالية، إذ قد لا يجلس الطالب للتحفظ إلا ربع ساعة أو نصفها.
ومن عيوبها: أنها أسرع في التفلت من الطريقة التالية، وأنها أحوج ما تكون للتعهد للمحفوظ والمراجعة له دائماً، وعدم الانقطاع عنه من فترة لأخرى.
ومن عيوبها: أن الذي يلتزم بها الغالب أضيق في الاطلاع من صاحب الطريقة التالية، لأن الطالب معها مقيد بمقرر معين.
وأما‌‌ الطريقة الثانية للحفظ:
وهي أنفع لكبار السن، ولمن لم يؤت موهبة الحفظ: وتتلخص في إدمان مجالسة كتب السنة، وإدامة القراءة فيها، والجلد في ذلك والصبر عليه، مع الإكثار من النسخ والكتابة، وتعويد اليد على ذلك.--------------------------------------------
(2) انظر: الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (50) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)