Arabic source text

📘 লামাসাতু বায়ানিয়্যাহ ফী নুসুসিম মিনাত তানযীল - কিতাব (ফাদিল সালিহ আস-সামাররাঈ)

📘 لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - كتاب (فاضل صالح السامرائي)

📘 লামাসাতু বায়ানিয়্যাহ ফী নুসুসিম মিনাত তানযীল - কিতাব (ফাদিল সালিহ আস-সামাররাঈ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
واختيار كلمة (نجد) للطريق ههنا اختيار لطيف مناسب، فإنه لم يقل كما قال في مواطن أخرى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل} [الإنسان: 3] أو {ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ} [عبس: 20] أو {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] أو {يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} [المائدة: 16] ذلك أن التعبير مناسب لجو السورة فإن سُلوكَ النجدِ فيه مشقةٌ وصعوبة لما فيه من صعود وارتفاع فهو مناسب للمكابدة والمشقة التي خلق الإنسان فيها، ومناسب لاقتحام العقبة وما فيه من مشقة وشدة.
{فَلَا اقتحم العقبة} .
العقبة: "طريق في الجبل وعر.. والعقبة الجبل الطويل يعرض للطريق، فيأخذ فيه، وهو طريق صعب شديد". وسميت بذلك لصعوبة سلوكها.
والاقتحام: هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة والقحمة هي الشدة والمهلكة والأمر العظيم.
والمقصود بالعقبة: الأعمالُ الصالحة التي سيبينها على سبيل الاستعارة.
جاء في (البحر المحيط) : "العقبة استعارة لهذا العمل الشاق من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل، وهو ما صعب منها وكان صعوداً، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها.. ويقال: قحم في الأمور قحوماً: رمى نفسه من غير روية".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)

وجاء في (روح المعاني) : "وهي هنا استعارة لما فسرت به من الأعمال الشاقة المرتفعة القدر عند الله تعالى.. ويجوز أن يكون قد جعل ما ذكر اقتحاماً وصعوداً شاقاً، وذِكْرُه بعد النجدين جعلَ الاستعارةَ في الذروة العليا من البلاغة".
ومعنى الآية أنه: "لم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين.. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه، هو الإنفاق المرضي النافع عند الله لا أنْ يُهلكَ مالاً لبداً في الرياء والفخار، فيكون مثلْه {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} [آل عمران: 117] الآية".
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن) : "ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربه التي لا يصل إليها، حتى يقتحمها بالإحسان إلى خَلْقِه بفك الرقبة، وهو تخليصها من الرق، ليخلِّصه اللهُ من رقِّ نفسه ورق عدوه، وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة، وبالإخلاص له سبحانه بالإيمان الذي هو خالص حقه. وهو تصديقُ خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن يوصيه بالصبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها، فيكون صابراً رحيماً في نفسه معيناً لغيره على الصبر والرحمة".
واختيار هذا التعبير أنسبُ شيء ههنا، فاختيار (العقبة) بعد (النجدين) اختيار بديع، وهو كما جاء في (روح المعاني) : إن ذكرها بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة العليا من البلاغة، ذلك أن النجد: وهو الطريق العالي المرتفع يؤدي إلى العقبة، وهي الطريق الوعر في الجبل، فإن العقبة تقع في النجاد غالباً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)

واختيار لفظ (الاقتحام) وما فيه من شدة ومخاطرة هو المناسبُ لبيان وعورة وصعوبة هذه العقبة، فإنه لم يعبر عن ذلك بالاجتياز ونحوه، مما يدل على شدة هذه العقبة. فانظر كيف أن كل لفظة وقعت في مكانها المناسب وأن اختيار كل لفظة اختيار مناسب لجو السورة. فكل من الاقتحام والعقبة مناسب لقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ} . ذلك أن من معاني (الكبد) المشقة والقوة، وأن اقتحام العقبة في مشقة وتعب كما أنه يحتاج إلى قوة وشدة. فانظر حُسْنَ المناسبة. كما أن هذه الآية تناسب ما بعدها من المشقات والشدائد التي يعانيها المسكين واليتيم، في اليوم ذي المسغبة.
ثم انظر علاقة هذه الآية بأول السورة وخاتمتها، وهو كيف أن الرسول كان في حال اقتحام للعقبة، وهو حالٌّ ببلد الله الحرام، يَلْقى ما يلقى من العنت والمشقة في تبليغ دعوة ربه. وبخاتمتها وهم الذين لم يقتحموا العقبة، فبقوا في عقبة جهنم أبد الآبدين، وكانت النار عليهم مؤصدة.
ثم إن اختيار (لا) في هذا الموطن اختيار عجيب دقيق، وهو ما وقف عنده النحاة والمفسرون وحاولوا تخريجه وتفسيره.
فقد ذهب قسم منهم إلى أنها نافية للفعل الماضي، أي: (فلم يقتحم العقبة) . ومن المعلوم أن (لا) إذا نفت الفعل الماضي المعنى، وَجَبَ تكرارها، إلا ما ندر نحو قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صلى} [القيامة:: 31] في حين لم تتكرر ههنا، وأجابوا عن ذلك بأنها مكررة في المعنى لأن (العقبة) مُفَسَّرةٌ بشيئين: فك الرقبة، وإطعام المسكين فكأنه قال: فلا فَكَّ رقبةً، ولا أطعمَ مسكيناً".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)

ومن النادر الذي دخلت فيه (لا) على الفعل الماضي المعنى ولم تكرر قول أبي خراش الهذلي:
إنْ تَغفر اللهمَّ تغفر جَمّا … وأيُّ عبدٍ لك لا ألمّا
أي: لم يُلِمّ. والمعنى: وأيّ عبد لم يذنب.
وقول الشاعر:
وكان في جاراته لا عهد له … وأيُّ أمرِ سيِّىء لا فَعَله
أي: لم يفعله.
قالوا: وهي هنا بمعنى (لم) وتكرارها كثير وهو غير واجب.
جاء في (روح المعاني) : "والمُتَيقَّنُ عندي أكثرية التكرار، وأما وجوبه فليس بمتيقن".
وقسم ذهب إلى أنها في الآية دعاء، فلا يلزم تكرارها، كقولهم: (لا فضّ الله فاك) و (لا عافاه الله) وهي هنا دعاء عليه أن لا يفعل خيراً.
وقيل: إن الفعل يراد به الاستقبال، بمعنى لا يقتحم العقبة، وإذا كان الفعل الماضي دالاً على الاستقبال لم يلزم تكرارها.
جاء في (المغني) : "ومثله في عدم وجوب التكرار بعدم قصد المضي، إلا أنه ليس دعاء قولك: (والله لا فعلت كذا) وقول الشاعر:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)

حَسْبُ المحبين في الدنيا عذابهم … تالله لا عَذّبتهم بعدها سَقرُ"
وجاء في (الفوائد في مشكل القرآن) للعز بن عبد السلام في هذه الآية: "ويشكل الفني بـ (لا) وهي إنما تنفي الاستقبال.
والجواب: إنها بمعنى (لم) والصحيح اشتراكهما، وعدل إليها لأن النفي بها أبلغ، لما توهمه من نفي الاستقبال في أصل الوضع، أو يجعلها على بابها، أي: صفة هذا يقتضي أنه لا يقتحم العقبة أبداً، فيكون ذماً له باعتبار صفته لا باعتبار عدم فعله وتضمنها معنى (لم) فيكون الذم أيضاً لعدم الفعل في الماضي".
وقيل هي للاستفهام، والتقدير: أفلا اقتحم العقبة، وقد حذفت الهمزة، والمعنى: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير؟ ".
وقال آخر: هي تحضيض والأصل: ألا اقتحم العقبة ثم حذفت الهمزة، وهو ضعيف ولا يعرف أن (لا) وحدها تكون للتحضيض وليس معها الهمزة.
هذا أبرز ما قيل في (لا) هذه.
والذي يبدو لي والله أعلم أن هذا التعبير جمع معاني عدة في آن واحد.
فهو يحتمل المضي، أي أن هذا الإنسان الذي يذكر عن نفسه أنه أهلك مالاً كثيراً ويحسب أن لن يقدر عليه أحد، وأنه لم يَطَّلعْ أحد عليه فيما يفعل - سواء كان هذا واحداً معيناً أم كان صنفاً هذا وصفه - لم يقتحم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)

العقبة، فهو لم يؤمن ولم يطعم المحتاجين من اليتامى والمساكين ولم يتواص بعمل الخير.
ويحتمل أن هذا الإنسان فرداً كان أم صنفاً لا يقتحم العقبة في المستقبل، لأن من كان هذا وصفُه لا يقتحم العقبة، إلا إذا آمن وغيّر من حاله. فهو لم يقتحم العقبة في الماضي ولا يقتحمها في المستقبل، بل هو باقٍ على حاله على وجه الدوام.
ويحتمل أن هذا التعبير دعاء على هذا الصنف أو الشخص بألاّ يقتحم العقبة كما في قوله تعالى: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1] وقوله: {قَاتَلَهُمُ الله أنى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] . فإن من كان هذه صفته لا يستحق الدعاء له بالخير.
كما يحتمل الاستفهام المراد به التنديم والتوبيخ على ما فرط والحض على الإنفاق بمعنى "ألا اقتحم العقبة" وقد حذفت منه الهمزة. ونحو هذا وارد في القرآن الكريم والفصيح من كلام العرب، فقد جاء فيه قوله تعالى: {وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين} [الأعراف: 113-114] . بدلالة قوله تعالى: {قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين} [الشعراء: 41-42] .
ونحو قول الشاعر:
قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً.
أي: أتحبها؟ وقول الكميت:
طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ … ولا لعباً مني وذو الشيب يلعبُ
أي: أَوَذُو الشيبِ يلعب؟
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فقد جمع هذا التعبير عدة معان في آن واحد: المضي والاستقبال والتوبيخ والحض والدعاء. فهو أخبر أنه لم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)

يقتحم العقبة فيما مضى من عمره، وأنه لا يقتحمها في المستقبل، وأنه وَبَّخه على ذلك، ودعا عليه بعدم اقتحامها.
فانظر كيف جمع هذا التعبير هذه المعاني، وكلها مُرادةٌ مطلوبة وأنه لو جاء بأي حرف آخر غير (لا) لم يُفِدْ هذه المعاني الكثيرة المتعددة. فهو لو قال: (ما اقتحم العقبة) أو (لم يقتحم العقبة) لم يفد إلا الإخبار عنه في الماضي. فانظر كيف وسَّعت (لا) المعنى وجمعت معاني عدة في تعبير واحد؟
{وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة} .
هذا الأسلوب من أساليب التفخيم والتعظيم والتهويل ونحوه قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة} [القارعة: 3] وقوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة} [الحاقة: 3] و {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة} [الهمزة: 5] تعظيماً لأمرها. ثم فسر العقبة بعد ذلك بقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ} .
{فَكُّ رَقَبَةٍ} .
"وفك الرقبة: تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث: "أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دُلّني على عمل يُدخلني الجنة، فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أَوَليسا سواء؟ قال: لا. إعتاقها: أن تنفرد بعتقها. وفكها: أن تعين في تخليصها من قوَدٍ أو غُرْم".
وجاء في (فتح القدير) : "كل شيء أطلقته، فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.. والفك في الأصل حل القيد، سمي العتق فكاً، لأن الرق كالقيد، وسمي المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)

واختيار هذا التعبير يوحي بشدة حال المسترق، وكربه ومعاناته ومكابدته. والاسترقاق هو من أكثر أحوال المكابدة والمعاناة شدة. وارتباط الآية بقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ} ارتباط واضح بيّن.
{أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} .
المسغبة: المجاعة وهي الجوع العام وليس الجوع الفردي. والفرق بين المسغبة والسغب، أن السغب معناه: الجوع، والجوع قد يكون عاماً، وقد يكون خاصاً، أما المسغبة فهي عامة ولذا قيل: إن معناه "في يوم فيه الطعام عزيز".
وهذا مما يدل على شدة الكرب والضيق واللأواء، فالإطعام في هذا اليوم له شأنه فهناك فرق بين إطعام المسكين والطعامُ موفور والخلةُ مسدودة، والإطعام في وقت قلة الطعام وشِحَّتهِ والخوف من فقدانهِ والإمساك عن بيعه، فهده عقبة كؤود من عقبات المجتمع، والإطعام في مثل هذا اليوم اقتحام لهذه العقبة أي اقتحام.
{يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} وهو اليتيم القريب في النسب ليجتمع له صدقة وصِلَة. وذلك ليتفقد كل واحد أقرباءه المحتاجين ليتم التكافل والتراحم بينهم.
{أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} والمتربة مأخوذة من (تَرِبَ) : "إذا افتقر، ومعناه: التصق بالتراب. وذو المتربة: هو الذي مأواه المزابل وقيل: "وهم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)

المطروحون على ظهر الطريق قعوداً على التراب لا بيوت لهم".
وجاء بـ (أو) ولم يأت بالواو ذلك أن الواو تفيد معنى الجمع ومعناه: لو أتى بالواو لا يقتحم العقبة إلا إذا فك الرقبة، وأطعم هذين الصنفين جميعاً فإن أطعم صنفاً واحداً لم يقتحم العقبة. وهو غيرُ مُرادٍ، بل المراد التنويع. والمقصود أن يطعم هذه الأصناف من الناس، اليتيم أو المسكين، على سبيل الاجتماع أو الانفراد.
وقد قدم فك الرقاب على إطعام اليتامى والمساكين إشارة إلى عظم الحرية في الإسلام وأن المطلوب أولاً تحريرُ الناس من العبودية والاسترقاق.
وانظر بعد ذلك ارتباط هؤلاء الأصناف بقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ} فهؤلاء من أشد الناس مكابدة ومعاناه. ثم انظر إلى ارتباط هؤلاء الأصناف بقوله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} فقد أهلكها هذا القائل في غير محلها، فلم يطعمْ جائعاً ولم يفكَّ رقبة.
ثم انظر إلى ارتباط هؤلاء الأصناف بالآية بعدها، وهو قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة} فإن فك الرقاب وإطعام المحتاجين من المرحمة. وهؤلاء الأصناف من الناس من المسترقّين والمساكين من أحوجِ الخَلْق إلى الصبر.
{ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة} .
إن {ثُمَّ} هنا لا تفيد التراخي في الوقت وإلا تأخر الإيمان عن العمل الصالح الذي ذكره من فك الرقاب وإطعام المحتاجين في حين أنه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

لا يفيدُ عملٌ من دون إيمان. وإنما تفيد {ثُمَّ} ههنا تراخي رتبة الإيمان ورفعه محله عما ذكره من الأعمال لأنه هو الأصل، وهو مدار القبول والرفض.
جاء في (الكشاف) : "جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عملٌ صالح إلا به".
وجاء في (فتح القدير) : "جاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله. وفيه دليل على أن هذه القُرَب، إنما تنفع مع الإيمان".
وذكر بعد الآيات التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة.
جاء في (الكشاف) : "المرحمة: الرحمة أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه، أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يُبتلى بها المؤمن، وبأنْ يكونوا متراحمين متعاطفين أو بما يؤدي إلى رحمة الله".
إن السورة مبنية على هذين الأمرين: الصبر والمرحمة.
فالصبر مرتبط بقوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد} لما يلاقيه الرسول من عنت وأذى وهو حالٌّ بهذا البلد. وبقوله: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} فإن تربية الولد وحفظه بحاجة إلى الصبر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

ومرتبط بقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ} لأن المكابدة والمشقة والشدة، تحتاج إلى صبر.
وسلوك النجدين يحتاج إلى صبر لما في صعودهما وسلوكهما من تعب ونَصَب، واقتحام العقبة يحتاج إلى صبر، والرقبة المستَرَقّة تحتاج إلى صبر على القيام بشأن العبودية، وقضاء اليوم ذي المسغبة يحتاج إلى صبر كثير وشديد. واليتيم يحتاج إلى صبر، وكذلك المسكين ذو المتربة، فإن هذه الأصناف تحتاج إلى صبر طويل.
والذين آمنوا يحتاجون إلى الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي. فانظر كيف ارتبط الصبر بالسورة وكيف بُنيت السورة عليه؟
وكذلك الرحمة فإن ذكرها مع الصبر أحسن ذكر وأجمله. فهي مرتبطة بقوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد} على كل معاني (الحلّ) فإذا كان حالاًّ يبلّغ دعوة ربه فإنه أحرى أن يُعامَلَ بالرحمة لا بالأذى. وإذا كان المعنى أنه حلالٌ للرسول هذا البلد وذلك في فتح مكة فقد عامل الرسول قريشاً بالرحمة والإحسان، وقال في ذلك اليوم: "اليومَ يومُ المَرْحمة". وقال لهم: "ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ " قالوا: خيراً، أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم. فقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"
فانظر أيّ رحمة هذه؟
ومرتبطة بقوله: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} فإن العلاقة بين الوالد وولده، علاقة رحمة وبرٍّ.
وهذا الذي أهلك مالاً لُبداً، يحتاج إلى الرحمة لينفق المال على ذوي الحاجة، ولئلا يهلكه فيما لا ينفع.
وذو الرقبة المسترَقّة محتاجٌ إلى الرحمة والإشفاق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

واليوم ذو المسغبة ينبغي أن تَشيعَ فيه الرحمةُ وهو من أحوج الأوقات إلى إشاعة الرحمة، واليتيم المسكين من أحوج الخلق إلى الرحمة.
والذين آمنوا ينبغي أن يتواصوا بينهم بالرحمة.
وهكذا بنيت السورة على الصبر والمرحمة.
ثم انظر كيف كرر التواصي مع كل منها فقال: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة} ولم يقل: (وتواصوا بالصبر وبالمرحمة) ولا: (وتواصوا بالصبر والمرحمة) لأهمية التواصي بكلٍّ منهما وللدلالة على أن كلاًّ منهما جدير بالتواصي به.
فأنت ترى أن هناك ثلاثة تعبيرات لكل تعبير دلالته:
{وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة} .
وتواصوا بالصبر وبالمرحمة.
وتواصوا بالصبر والمرحمة.
والتعبير الأول أقوى التعبيرات للدلالة على أهمية كُلٍّ منهما، وذلك لتكرار الفعل مع حرف الجر توكيداً على أهمية ذلك. ثم يأتي التعبير الثاني بالدرجة الثانية وهو تكرار حرف الجر مع المرحمة دون تكرار الفعل، ثم يأتي التعبير الثالث بالدرجة الثالثة، وهو العطف من دون ذكرٍ للفعل ولا لحرفِ الجر. فيكون معنى التعبير الأول، وهو الذي عبرت به الآية أدلّ على أهمية كلٍّ من الصبر والمرحمة وآكد من التعبيرين الآخرين.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قدم التواصي بالصبر على التواصي بالمرحمة ذلك لأنه تقدم ما يحتاج إلى الصبر من المكابدة والمشقة، وانغمار الإنسان فيها، واقتحام العقبة وذكر النجدين. وأخَّر المرحمة لما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

جاء بعد ذلك من فكِّ الرقاب وإطعام الأيتام والمساكين. فقدم التواصي بالصبر لمّا تقدّم ما يدعو إليه.
وقد تقول: ولمَ لم يقل كما قال في سورة (العصر) : {وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 3] ؟ فقد ذكر التواصي بالحق ثم ذكر بعده التواصي بالصبر.
والجواب: أنَّ المقامَ مختلف ففي سورة (العصر) كان الكلام على خسارة الإنسان على وجه العموم، فجاء بالتواصي بالحق على وجه العموم. ولما كان الكلام في سورة البلد على جزء من الحق وهو ما يتعلق بالرحمة والإطعام قال: {وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة} .
وقدم الحق في سورة (العصر) : لأنه الأهَمُّ ولأن الصبر إنما يكون صبراً على الحق. إذ ليس المهم هو الصبر، وإنما المهم أن يصبر على ماذا، ثم إن التمسك بالحق والتواصي به يحتاج إلى صبر أيّ صبر. فقدم الحق لذلك بخلافِ سورةِ البلد، فإنه قدم الصبر على المرحمة لما ذكرنا.
{أولائك أَصْحَابُ الميمنة * والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المشأمة} .
أي: أولئك الذين آمنوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، وفَكُّوا الرقبةَ وأطعموا المحتاج في اليوم ذي المسغبة أصحاب الميمنة. والميمنة: مفعلة من اليُمن، وهو الخير والبركة أو من اليمن. وقد يكون معناه جهة اليمين التي تقابل الميسرة وهي الجهة التي فيها السعداء. وقد يكون معناها أصحاب اليمين أي: الذين يُؤتَون صحائفهم بأيمانهم. وقد يكون معناها: أصحاب اليمن والخير على أنفسهم وعلى غيرهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

والذين كفروا هم أصحاب المشأمة. والمشأمة مفعلة من الشأم، وهي جهة الشمال، أو من الشؤم، وهو ضد اليُمن.
ومعنى أصحاب المشأمة أصحاب جهة الشمال التي فيها الأشقياء أو الذين يؤتَون صحائفهم بشمائلهم أو أصحاب الشؤم على أنفسهم وعلى غيرهم.
وقد تقول: ولمَ لم يقل أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال كما قال في مواطن أخرى من القرآن الكريم؟
والجواب أن اختيار هذين اللفظين له عدة فوائد:
منها: أن الميمنة والمشأمة جمعت عدة معانٍ، وهي كلها مُرادةٌ مطلوبة في آن واحد، ولو قال: أصحاب اليمين أو أصحاب الشمال لأعطى معنى واحداً.
فأصحاب الميمنة هم أصحاب جهة اليمين التي فيها السعداء، وهم الذين يؤتَون صحائفهم بأيمانهم، فيذهبون إلى الجنة، وهم أصحاب اليمن والخير والبركة على أنفسهم وعلى غيرهم، فإنهم أفاضوا خيرَهُم ومالهم على الفقراء والمحتاجين وتواصوا بالرحمة على خلق الله وهم ميامين على أنفسم بأنْ رضي الله عنهم وأدخلهم الجنة.
وكذلك أصحاب المشأمة فهم أصحاب جهة الشمال التي فيها الأشقياء، وهم الذين يؤتَون صحائفهم بشمائلهم، ويساقون إلى النار، وهم أصحاب الشؤم على أنفسهم وعلى غيرهم في الدنيا والآخرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

هذا إضافة إلى التناسب اللفظي، فالعمل والوصف والجزاء كله (مفعلة) فالذين يطعمون في يوم ذي {مَسْغَبَةٍ} يتيماً ذا {مَقْرَبَةٍ} أو مسكيناً ذا {مَتْرَبَةٍ} ويتواصون بـ {بالمرحمة} أصحاب {الميمنة} . ومقابلهم من الكفار أصحاب {المشأمة} .
فاقتضى المقام هذا الاختيار من كل جهة.
وقد تقول: ولِمَ جاء في آية الكفار بضمير الفصل، فقال: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المشأمة} ولم يأت به مع المؤمنين؟
والجواب: أن المذكورين من المؤمنين هم من أصحاب الميمنة، وليسوا أصحاب الميمنة على جهة القصر فهناك أصحاب ميمنة غيرهم فإنه لم يذكر مثلاً: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو الذين آمنوا وتواصوا بالحق، أو الذين آمنوا وتواصوا بالجهاد، أو الذين آمنوا وتواصوا بالدعوة إلى الله، فكلُّ هؤلاء من أصحاب الميمنة. بل ربما كان من أصحاب الميمنة من لم يتواص بصبر ولا مرحمة أصلاً من عامة المسلمين، وقد قال تعالى في سورة التين: {إِلَاّ الذينءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6] ولم يذكر تواصياً بشيء.
أما الذين كفروا فهم أصحاب المشأمة حصراً، ولا يخرجهم منهم وصفٌ آخر أو عمل آخر إذا بقوا على كفرهم.
جاء في (روح المعاني) : إنه "جيء بضمير الفصل معهم لإفادة الحصر".
فكان ذكر ضمير الفصل في آية الكفار، وعدم ذكره في آية المؤمنين هو المناسب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

{عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} .
ومعنى الآية: إنها عليهم "مُطبقةٌ فلا ضوءَ فيها، ولا فُرَج ولا خروج منها آخر الأبد". وههنا سؤالات:
لِمَ قدم الجار والمجرور: {عَلَيْهِمْ} ولم يؤخرهما؟
ولِمَ قرئت {مُّؤْصَدَةٌ} بالهمز؟ وما الفرق بينها وبين عدم الهمز؟
ولِمَ لم يقل كما قال في سورة الهمزة. {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} ؟
ولِمَ ذكر جزاء الكافرين، ولم يذكر جزاء المؤمنين؟
أما تقديم الجار والمجرور فقد يظن ظانٌّ أنه لفاصلة الآية، فإن كلمة (مؤصدة) هي المناسبة لخواتم الآي: المسغبة، المقربة، المتربة، المرحمة، المشأمة. ولو قال: (نار مؤصدة عليهم) لم يكن مناسباً.
وهذا صحيح فإنه لو أخر الجار والمجرور لم يناسب خواتم الآي، غير أن المعنى يقتضي ذلك أيضاً، فإن التقديم ههنا يفيد الحصر، فإن النار مؤصدة على الكافرين لا يخرجون منها أبداً. أما غير الكافرين من عصاة المؤمنين، فقد يخرجون منها بعد أن ينالوا عقابهم، فهي إذن مؤصدة عليهم حصراً ولو قال: (نار مؤصدة عليهم) لم يفد الحصر بل لأفاد أنها مؤصدة عليهم، وقد تكون مؤصدة على غير الكفار أيضاً، وهو غير مراد.
أما قراءة الهمز في (مؤصدة) فإنها قرئت أيضاً (موصدة) بغير الهمزة. وقد يظن ظان أن التخفيف أولى لأنه من (وصد) و (أوصد) .
والحق أنهما لغتان: أصد ووصد، يقال: أصد الباب وآصده وأوصده، إذا أطبقه وأغلقه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

جاء في (لسان العرب) : "أصد البابَ أطبقه كأوصده إذا أغلقه ومنه قرأ أبو عمرو: إنها عليهم مؤصدة بالهمز أي مطبقة".
وجاء في (روح المعاني) : "مؤصدة مطبقة من آصدت الباب، إذا أغلقته وأطبقته، وهي لغة قريش على ما روي عن مجاهد.. ويجوز أن يكون من (أوصدته) بمعنى غلقته أيضاً وهمز على حد من قرأ بالسؤق مهموزاً، وقرأ غير واحد من السبعة، موصدة بغير همز فيظهر أنه من أوصدت.. والمراد مغلقة أبوابها، وإنما أغلقت لتشديد العذاب والعياذ بالله تعالى عليهم".
أما اختيار الهمز، فله دلالته ذلك أن الهمزة حرف ثقيل شديد، وهي على كال حال أثقل من الواو فاختار الهمزة على الواو لثقلها وشدتها، لأن الموقف شديد وصعب، فهي المناسبة لثقل ذلك اليوم وصعوبته وشدته قال تعالى: {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} [الإنسان: 27] ، وإنَّ النُّطقَ بها لثقيلٌ، فإذا قال (مؤْ) كان كأنَّ الشخصَ يعاني من أمر ثقيل. فهي أنسب وأدَلّ على الكرب والثقل من التسهيل والنطق بالواو.
وهو المناسب أيضاً لجو المكابدة والشدة والقوة في السورة. والله أعلم.
أما السؤال الثالث وهو: لماذا لم يقل كما قال في سورة الهمزة: {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} فذلك له أكثرُ من سبب، وكلُّ تعبير هو أليقُ بمكانه من نواح عدة منها:
1- إنه توسع في سورة الهمزة في ذكر صفات المعذَّب وتوسع في ذكر العذاب فقال: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحطمة * نَارُ الله الموقدة * التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} [الهمزة: 1-9] .
فقال في ذكر صفات المعذَّب، أنه هُمَزة لُمَزة، وأنه جمع مالاً وعَدّدة، يحسب أن ماله أخلده، في حين لم يزد في سورة البلد على قوله: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} . ولما توسع في صفات المعذب توسع في ذكر عذابه، فقال: {كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحطمة * وَمَآ أَدْرَاكَ … } .
فناسب ذلك ذكر الزيادة في سورة الهمزة دون سورة البلد.
2- إنه ذكر في أول الهمزة {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} فدعا عليهم بالهلاك الدائم الذي لا ينقطع. ورفعُ (الويل) يفيد الثبوت، فناسب الدلالة على الدوام، أن يقول: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} للدلالة على الاستيثاق من غلق الأبواب عليهم.
3- ذكر في سورة الهمزة أن هذا الكافر يجمع المال ويعدده، ويحفظه فكما حفظ المال وجمعه وأغلق عليه الأبواب، واستوثق من حفظه أغلقت عليه أبواب جهنم واستوثق منها بأنها مُدّت عليهم الأعمدة. فناسب الاستيثاق من حفظ المال وإيصاد الأبواب عليه الاستيثاقَ، وإطباقَ الأبواب عليه في النار. في حين أنه ذكر في سورة (البلد) أنه أهلك مالاً لُبداً. فذلك أهلكَ المالَ وأنفقه، وهذا جَمَعَ المال وحفظه، فناسب ذكر الحفظ وشدة الاستيثاق في سورة الهمزة الاستيثاق من غلق باب النار عليه، والجزاءُ من جنس العمل.
4- ذكر في سورة الهمزة أن هذا الكافر يحسب أن ماله أخلده في الدنيا وأبقاه، وأنه لا يفارقها، فعوقب بذلك بالخلود في النار، وإطباق أبوابها عليه والاستيثاق بالعمد الممدّدة عليها، للدلالة على خلوده

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

في النار أبد الآبدين. فحسبانه الخلود في الدنيا مقابل لحقيقة الخلود في النار. فهناك ظَنٌّ وهنا يقين. وهناك خلود مظنون في الدنيا وهنا خلود واقع حقيقة في النار.
5- ذكر في سورة الهمزة أن هذا الكافر يتعدى على الآخرين، فهو لم يكفّ أذاهُ عنهم، ولم يَنَلْهُمْ من خيره شيء، فهو يهمزهم ويلمزهم ويمنع خيره عنهم، فلم ينفق من ماله شيئاً. فلما اعتدى على الآخرين وآذاهم انبغى له الحبس لتخليص الناس من شره وعدوانه. والمحبوس تُغلق عليه أبواب الحبس ويُستوثق من إغلاقها وعدم فتحها لئلا يخرج منها. فناسب ذلك زيادة الاستيثاق بالعمد الممدة على الأبواب لئلا تفتح. في حين لم يذكر في سورة البلد سوى الكفر بآيات الله، ولم يذكر أنهم تعدّوا على الآخرين.
6- إن المعذبين في سورة الهمزة كفار وزيادة، فهم:
1- كافرون.
2- يتعدون على الآخرين بالهمز واللمز والسخرية والتكبر.
3- أنهم جمعوا الأموال ولم ينفقوها.
4- يحسبون أن الأموال تُخَلِّدهم في الدنيا.
في حين لم يذكر في سورة البلد إلا الكفر.
فأولئك كفار وزيادة في العدوان، فاقتضى ذلك الزيادة في تعذيبهم وحبسهم.
فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه. ولو جُعلت الزيادة في سورة البلد لم تَحْسُن كما هو ظاهر.
وأمّا السؤال الأخير وهو: لماذا ذكر جزاء الكافرين ولم يذكر جزاء المؤمنين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

فالجواب عنه أن ذلك لمناسبة ما ذكر في أول السورة من خلق الإنسان في كبد، فلم يناسب ذلك ذكر النعيم وإنما الذي يناسبه ذكر الجحيم وما فيه من مشقة.
جاء في (روح المعاني) : "وصرح بوعيدهم ولم يصرح بوعد المؤمنين، لأنه الأنسب بما سِيقَ له الكلامُ والأوفقُ بالغرض والمرام".
ثم انظر بعد ذلك إلى هذه السورة المحكمة النسج، كيف وضعت تعبيراتها لتؤدي أكثر من معنى.
فـ {لَا أُقْسِمُ} تحتمل النفي والإثبات.
و {حِلٌّ} تحتمل الحالّ والمستَحَلّ والحلال.
و {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} تحتمل العموم والخصوص من آدم وذريته أو إبراهيم وذريته أو الرسول وآبائه. وغير ذلك على وجه العموم.
و"الكبد" تحتمل المكابدة والمعاناة، وتحتمل القوة والشدة، وتحتمل استقامة الجسم واعتداله وغير ذلك.
و {أَيَحْسَبُ} تحتمل العموم والخصوص، فهي تحتمل كل إنسان، وتحتمل إنساناً معيناً تشير إليه الآية.
و {أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} تحتمل أكثر من معنى، فهو قد يكون أنفقه في المفاخر والمكارم والمباهاة. وتحتمل الإنفاق في عداوة الرسول، وتحتمل غير ذلك. وتحتمل الكذب فلم ينفق شيئاً، وإنما هو ادعاء محض.
و"اللَّبد" تحتمل الجمع وتحتمل المفرد، فعلى الجمع تكون جمع (لُبدة) كنقطة ونقط، وخطوة وخطى. وعلى المفرد تكون صفة كَحُطَم ولُكَع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)