القرن الأول (100)، وأن الحديث النبوي قَدْ مَرَّ «بمراحل طويلة حتى وصل إلينا محرراً مضبوطاً، وساعدت الطباعة الحديثة على نشر هذا التراث الإسلامي العظيم» (101).
وبهذه النتيجة ختم الدكتور الشهيد الشيخ صُبْحِي الصَّالِحْ بحثه حول تدوين السُنَّة.
مَلَامِحُ التَّجْدِيدِ فِي المَنْهَجِيَّةِ الحَدِيثِيَّةِ عِنْدَ الدُّكْتُورِ الشَّهِيدِ:
ونحن نجول في هذه الرياض المنمقة من البحوث العلمية الراقية، يلفت انتباهنا حرص الدكتور الصالح على التوثيق الدقيق لكل معلومة مهما كانت، وعلى سوق الأدلة لكل رأي مهما كان ظاهراً. فإذا علمنا أنه رحمه الله طبع كتابه هذا " علوم الحديث ومصطلحه " للمرة الأولى سَنَةَ 1959م، أدركنا مدى الجهد الذي بذله، بل ومدى الاطلاع الذي يتحلى به رحمه الله.
ولا يمكننا أن ندرك الجديد الذي جاء به الشهيد على صعيد الكتابة والتوثيق إلا إذا نظرنا في مناهج التدوين عند معاصريه. وقد كتب معه بالتزامن في ذلك الوقت أئمة كبار من مثل العلامة الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله، فكنا نراه يسوق الكلام سوقاً، فيأتي بالأحاديث والأقوال دون إحالات، وكذلك، ممن نقل عنهم الشيخ الصالح في كتابه، العلامة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، اقتبس من كتابه " المختصر في علم رجال الأثر"، والكتاب عندي نسخة منه، وما يقال في كتابة الإمام أبي زهرة يقال فيه.
وهذا لا يعني التقليل من هذه الأعمال العلمية، وإنما هكذا كانت المنهجية، والقوم كانوا أمناء على الكلمة، وعلى الفكرة، فما كان أحدهم ليفرط بنفسه يوم القيامة بين يدي الديان. إضافة إلى أن غالب المصادر كانت ما زالت مخطوطات لم تخرج إلى عالم الطباعة بعد. ولا يخفى ما في الإحالة إليها من صعوبة.
ولعل السبب في حرص الدكتور الصالح على التوثيق هو التأثر بالمنهج الغربي للتصنيف من ناحية، ومن ناحية أخرى، قد يكون السبب هو نفس المنهج الذي اتبعه المستشرقون في توثيق المعلومات إيهاماً--------------------------------------------
(100) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": من ص 35 إلى ص 41.
(101) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
منهم للقارئ بصوابية ما توصلوا إليه، فأظهر بما لا يقبل الشك التدليس والتمويه الذي اتبعوه مع القارئ من خلال التوثيق.
ومهما كانت الأسباب فلا شك بأن التأليف والتوثيق العلمي عرف على يد الدكتور الصالح مرحلة جديدة قوامها التوثيق الدقيق.
ومع ما في الرجوع إلى المخطوطات من صعوبات إلا أننا وجدناه في هذا البحث من الكتاب فقط، والذي استغرق41 صحيفة من الكتاب البالغ 320 صحيفة، دون جريدة المراجع ومسرد الأعلام وصفحة التصويبات وفهرس الموضوعات، قد رجع إلى ستة مخطوطات، هي:
- مخطوط " المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي " للقاضي ابن خلاد الرَّامَهُرْمُزِي (102).
- مخطوط " الإلماع في تقييد الرواية وأصول السماع " للقاضي عياض اليحصبي (103).
- مخطوط " ذم الكلام وأهله " للحافظ أبي إسماعيل الهروي. (104).
- مخطوط " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي (105).
- مخطوط " جمع الجوامع " للحافظ السيوطي (106).
- مخطوط " علل الحديث " المروية عن الإمام أحمد (107).
هذا عدا المراجع المطبوعة التي نقل عنها والبالغة في هذا البحث فقط تسعاً وثلاثين [39] مرجعاً باللغة العربية، وثمانية مراجع باللغة الأجنبية.
وعدا المراجع التي نقل عنها بالواسطة، منها مثلاً مخطوط " أنساب [الأشراف] " للبلاذري (108).
وأمر آخر تجدر الإشارة إليه أن بعض المصادر التي استقى منها كانت عنده هدية من مؤلفيها أو محققيها (109).--------------------------------------------
(102) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص9 حاشية 1 و2.
(103) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 8 حاشية 2.
(104) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 8 حاشية 2.
(105) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 23 حاشية 5.
(106) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 31 حاشية 4.
(107) يراجع " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 14 حاشية 4.
(108) ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 5 حاشية 4.
(109) ينظر الملحق رقم 1. في آخر البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
مَلَامِحُ مَنْهَجِيَّةِ النَّقْدِ عِنْدَ الدُّكْتُورْ صُبْحِي الصَّالِحْ:
أيضاً مما يستوقفنا، ونحن نُسَرِّحُ عقولنا في هذا السِّفْرِ العِلْمِي المُبَارَكِ، متتبعين الإحالات العلمية، أن الدكتور الصالح ليس ممن يسلم للفكرة بسهولة، بل لا بد أن يكون لها من قوة الإقناع ما يلبي نهمه العلمي وعقله المستنير. لأنه صاحب قناعات ليس من السهل أن يأتيه آتٍ بما يخالفها، بل لا بد أن يكون عنده من قوة الحجة ما يجعل فكرته تصمد أمام نقده الدقيق والعميق.
لذلك نجده في الكثير من الإحالات في الحواشي يتبع الفكرة أو المعلومة المقتبسة بالنقد والتحليل، مهما كانت الفكرة بسيطة قد لا يُتَنَبَّهُ لها عادة.
من مثل تصحيحه لسنة وفاة التابعي همام بن منبه وأن وفاته كانت في سنة 101 للهجرة كما جاء في ترجمته من كتاب " الطبقات الكبرى " لابن سعد، وليس 131 أو132 على ما جاء في " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر، وعنه أخذ هذا التاريخ من ترجموا لهمام. كالزركلي مثلاً، ولم يدفعهم هذا الاختلاف الكبير لتحقيق التاريخ.
ولكن نَهَمَ الدكتور الصالح العلمي لا يشبعه مرور الكرام على هذه الإشكالية، وبالتالي لا بد من ترجيح تاريخ على آخر، فرجح ما جاء في " طبقات ابن سعد " معتمداً كونها (أقدم المصادر) والنص فيها واضح لا لبس فيه (إحدى أو اثنتين ومائة).
بينما عند الحافظ ابن حجر (قيل: سنة اثنتين، وقيل: إحدى أو اثنتين وثلاثين).
والحقيقة أن ما رجحه الدكتور الصالح هو التاريخ الصحيح، وقد جاءت ترجمة لهمام في كتاب قديم آخر هو " الطبقات " لخليفة بن خياط - المُتَوَفَّى سَنَةَ 240 للهجرة - ضمن الطبقة الثانية من تابعي اليمن، فقال: «هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهْ: يُكنى أبا عقبة، مات سنة إحدى أو اثنتين ومائة» (110). وابن خياط هذا معاصر لابن سعد المُتَوَفَّى سَنَةَ 230 للهجرة فهذا يؤكد ما رجحه عالمنا الصالح.
ومن ذلك أيضاً أنه عندما تكلم عن صحيفة عبد الله بن عمرو الصادقة، استشهد بقول لابن عمرو يقول فيه: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الحَيَاةِ إِلَاّ خَصْلَتَانِ الصَّادِقَةُ وَالوَهْطُ، فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا الوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا» (111).
وكان السيد رشيد رضا قد مال إلى تضعيف هذا القول في مجلة " المنار " (112)، اعتماداً على وجود رَاوٍ مُعَيَّنٍ في سنده، فاعتبر الدكتور الصالح أن هذا: «لا ينبغي أن يكون له أثر في إضعاف سائر الروايات--------------------------------------------
(110) " الطبقات " لخليفة بن خياط: ص 516.
(111) ينظر " أسد الغابة ": ج 3 / ص 346.
(112) المجلد 10 / ص 766.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
التي تُصَوِّرُ عبد الله بن عمرو يُعْنَى بصحيفته الصادقة عناية خاصة، وَيُعْنَى - بتعبير أدق - بكتابة ما كان يسمعه من الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد ثبتت هذه الفكرة في عدد من المصادر الموثوقة» وقد أشار إليها.
ومن ذلك أنه عندما تكلم عن صحيفة همام بن منبه (113)، ذكر تعليقة في الحاشية تفيد أن بروكلمان قد وهم في كتابه Geschischte des Arab ونسب الصحيفة إلى همام بن منده المُتَوَفَّى سَنَةَ 151 للهجرة، ولم يصحح ذلك في الطبعة الثانية ولا في الذيل.
فهذا كله يدلل على المتابعة العلمية الدقيقة، والمنهج العلمي الرصين الذي كان يزين شخصية الدكتور صُبْحِي الصَّالِحْ العلمية رحمه الله.
مَلَامِحُ الشَّخْصِيَّةِ العِلْمِيَّةِ عِنْدَ الدُّكْتُورْ صُبْحِي الصَّالِحْ (فِي مُوَاجَهَةِ المُسْتَشْرِقِينَ):
والذي يمكن أن نخلص إليه من نتيجة هو أن عالِمنا رحمه الله كان بحق موسوعة علمية، وكان يتحلى بمناقبية عالية في تحقيق النصوص والبحث العلمي الدقيق. وكان إلى هذا قارئاً جيداً، حباه الله تعالى بذهن وقاد، ونظر ثاقب، مما أهله أن يكون من جملة الذين ساهموا مساهمة فعالة في إرساء دعائم البحث الأكاديمي العلمي الحديث في الدراسات الإسلامية والعربية.
كما أَهَّلَهُ اطلاعه الواسع على تراث المستشرقين، وبخاصة أنه كان يتقن اللغة الفرنسية اتقانا جيداً، للتصدي إليهم في محاولاتهم بث (ضلالهم العلمي) المتعلق بتاريخنا وتراثنا.
وقد وجدناه في كتابه " علوم الحديث " فقط يتعقب أساطينهم في مواضع كثيرة، منها:
- (ص 49) عندما تكلم عن الرحلة في طلب الحديث، وكيف أنها كانت من مفاخر المحدثين، حتى إن المستشرقين لم يجدوا بُدًّا من الاعتراف بذلك. فكان مما قاله: «وإن المستشرق جولدتسيهر Goldziher، على ولوعه بإنكار أخبار القوم، لا يفوته أن يعترف بأن " الرحالين الذين يقولون إنهم طافوا الشرق والغرب أربع مرات، ليسوا - في نظره - مُبْعِدين ولا مغالين "».--------------------------------------------
(113) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وفي [ص 53]: عندما تكلم عن أثر هذه الرحلات العلمية في الاستنباطات الفقهية، استشهد بما كتبه المستشرق ابن الورد Ahlwardt عن تقصيه في بعض مباحثه لسبعين مسألة فقهية استنبطها الإمام الشافعي من حديث النية (114). ثم علّق بقوله: «وقد وفق في هذا البحث، لأنه جَمْعٌ واستقصاء لما ورد عن الإمام الشافعي من غير مناقشة. ولو بدأ يناقش لوقع فيما وقع فيه إخوانه المستشرقون من الخطأ والزلل».
وفي [ص 66] وأثناء الكلام على التدليس الذي كان يذكره بعض الرواة الهلكى، والذي هو أخو الكذب، ذكر قصة نسبها ابن الجوزي إلى الإمام عبد الكريم السمعاني صاحب كتاب " الأنساب "، والمُتَوَفَّى سَنَةَ 563 للهجرة، كان قد وقع بصر جولدتسيهر Goldziher عليها «وغدا يضخمها، كدأب المستشرقين، ليتخذها ذريعة إلى التشكيك بأمانتنا العلمية في رواية الحديث. غير أنه ما لبث أن نكص على عقبيه لما رأى ابن الأثير في السياق نفسه يرد فرية ابن الجوزي عن السمعاني، ويرى أن صاحب " الأنساب " أسمى من أن يكذب … ».
ولكنه مع نقده المتواصل للمستشرقين لا يغمطهم حقهم، فمَن أَحْسَنَ بَيَّنَ حُسْنَهُ وأظهره، كما في [ص 69] عندما تكلم عن أول دار للحديث أُنشئت في القرن الهجري السادس، وهي المدرسة النورية في دمشق، فقد أحال إلى المستشرق وستنفلد Wustenfeld، فوصفه قائلاً: «وكتاب وستنفلد المذكور من أطرف ما أُلِّفَ في وصف دور العلم عند العرب والترجمة لشيوخها» (115). ونحن نتكلم عن سنة 1959م.
وعندما تكلم على مصطلحات: الحديث، والسنة، والفروقات بينها (116)، وعلى دور الأمة عبر الأجيال في الحفاظ على السُنَّة، استشهد بإحصائية جولدتسيهر نفسه حول هذا الموضوع، فقال: «وعلى طريقة المستشرقين في إحصاء الجزئيات واستقراء التفصيلات، قام جولدتسيهر بجمع طائفة حسنة من المعلومات عن إحياء السُنَّة في مختلف العصور الإسلامية، وليس لنا اعتراض على النتيجة التي خرج بها من دراسته لهذه الناحية بالذات، فقد أثبت أن إحياء السُنَّة كان يرادف غالباً العمل على نشرها وتثبيتها في نفوس الأفراد والجماعات».--------------------------------------------
(114) - Ahlwardt ، Berliner catalog II ، p. 165 ،no 1362
(115) - Wustenfeld ، die Akademien der Araber und ihre: Lehrer ، p. 69 (cf. Tradit. Islam ، 231 note 1) - 115
(116) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
وكذلك عند الكلام على الصوفية وأثرهم في حركة الوضع في الحديث (117)،أورد عبارة للإمام يحيى بن سعيد القطان يقول فيها: «مَا رَأَيْتُ الكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الخَيْرِ [وَالزُّهْدِ]».
ومع أن العبارة ليست على ظاهرها، إذ كيف يُنسَبُ إلى الخير ثم يكذب؟! وإنما يقصد بالكذب هنا: الخطأ، وهو المشهور من مصطلح المتقدمين. لأن هؤلاء الذين نُسبوا إلى الخير، وهم الصوفية، شغلهم التزهد عن ضبط الرواية فكثر عندهم الخطأ في الرواية.
ولما كان المستشرقون لا معرفة لهم بهذه المصطلحات، فإن بعضهم - وهو المستشرق نولدكه - «وجد في مثل هذه العبارة مادةً صالحةً للتعليق، والتعقيب، مع أنها تشير إلى دقة المقاييس النقدية عند رجال الحديث».
وهكذا نجد إمامنا لا يكاد يفوت فرصة ممكن أن يبين فيها خطأًُ لمستشرق، أو حتى صواباً، إلا وابتهلها.
هذا ويلاحظ المتابع لردود الدكتور الصالح على المستشرقين أنها كلها في مباحث نظرية بحتة من علوم الحديث، وليس فيها شيء من المباحث التقنية " المصطلحات "، وهذا من العلامات الدالة على أسبقية الأمة المسلمة في وضع هذا المنهاج العلمي لنقد المرويات، فلو كان عندهم من هذا شيء لحاكموا مصطلحنا إلى مصطلحهم، ولكن لما لم يكن عندهم من ذلك شيء، سَلَّمُوا لنا مصطلحنا، بل واقتبسوه وأعملوه في مروياتهم، فجاء من ذلك العجب!!.
شُبْهَةٌ وَرَدُّهَا:
مع هذا كله وُجِدَ من يقول إن منهج النقد عند المسلمين ركز على الشكل (السند) وأهمل المضمون (المتن) (118). «أو كما يقولون: يُعنى بالأسانيد ولا يبالي بالمتون».
وللرد على هذه المغالطة ختم الشهيد الدكتور الشيخ صُبْحِي الصَّالِحْ رحمه الله كتابه " علوم الحديث " ببحث مستفيض دحض فيه هذه الشبهة وأتى من الأدلة الدامغة ما فيه الغنية «لمن ألقى السمع وهو شهيد» (119). وقد تكلم فيه عن الفرق بين (التدليس) وبين (الكذب) ليبين خطأ ما ذهب إليه جولدتسيهر من طعن متعمد في الروايات الحديثية، فَرَدَّ عَلَيْهِ من كلام أقرانه من المستشرقين «وَالحَقُّ مَا--------------------------------------------
(117) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 290.
(118) كتب في هذا الموضوع الدكتور صلاح الدين الإدلبي كتابه " منهج نقد المتن عند [علماء الحديث النبوي] " فأتى فيه بما شفى وكفى.
(119) " علوم الحديث ومصطلحه " ص 311. وقد استغرقت الخاتمة من ص 309 إلى ص 320 من الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ» (120). فقال: «ومع أن التدليس أخو الكذب، فإنهما ليسا مترادفين على معنى واحد، والمدلَّس على كل حال ليس هو الموضوع. فالكذب في التدليس ضرب من الخداع (121)، والكذب في الوضع لون من الاختلاق. وقد لاحظ هذا الاختلاف بين الاصطلاحين كل من المستشرقين فرنكل Frankel و Ahlwardt ابن الورد» (122).
«وجولدتسيهر يعرف هذا جَيِّدًا، ولكنه يَتَعَمَّدُ الخلط بين الاصطلاحين لِيُهَوِّلَ في شأن الوضع والوضاعين» (123).
ولذلك نرى الشيخ الصَّالِحْ، عندما يتكلم عن تلازم منهجية العلماء في النقد للسند والمتن معاً، «وأن هذه الثنائية المؤلفة من المتن والسند هي التي كانت تسود جميع مسائل هذا الفن»، نراه يشن هُجُومًا على المستشرقين الذين حاولوا اللعب على التفريق بين هذه الثنائية، وادعاء أن النقد انْصَبَّ على السند دون المتن، فيقول: «لن نرتكب الحماقة التي لا يزال المستشرقون وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم (الغزير) يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يُفْصَلُ بين خَصْمَيْنِ لا يلتقيان، أو ضَرَّتَيْنِ لا تجتمعان، كما فعل شبرنجر في مقاله في " المجلة الإجتماعية الألمانية الشرقية " عن الحديث عند العرب، وإن كان قد حاول أن يُهَدِّئَ من غلوائه بزعمه أن التشدد في الأسانيد لم يكن يعني المحدثين حقيقة إلا إذا تعلق بالحلال والحرام. وقد بينا فساد هذا الرأي … ».
ولذلك نراه يكثر الانتقاد لتحليلات المستشرقين، وبخاصة جولدتسيهر الذي كان يعترف بأن دقة علم المصطلح كما وضعه المسلمون ليس له مثيل في التاريخ «ولكنه أبى أن يجعل الدقة فيه شاملة للمتن والسند معاً» (124)، هذا غير طعنه ببعض الصحابة كأبي هريرة رضي الله عنه (125).
وأخذ أحمد أمين هذا عنه «فخاض فيما لم تحمد عقباه» (126)، مما فتح المجال أمام البعض للنيل من نصوص الحديث ومتونه، «كما نجد في كتاب ساليسبرغ».--------------------------------------------
(120) هكذا أورد الدكتور صبحي العبارة، وأصلها (الفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ) فما كل ما شهدت به الأعداء فهو حق.
(121) هذا إن قُصِد.
(122) Frankel، Diearamaischen Fremdworter im Arabischen 188 ; Ahlwardt،Verzeichniss der Landbergschen Sammlung arab. Handschriften de la Biblioth royale de Berlin، no 149
(123) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 313.
(124) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 319.
(125) نظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 320.
(126) المرجع السابق نفسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وبهذا ختم الشهيد الدكتور الصَّالِحْ هجومه على المستشرقين. ويمكننا القول: إن كتابه جاء سجلاً حافلاً جامعاً لشبهاتهم حول الحديث وَالرَدِّ عَلَيْهَا، وهو يعتبر من أوائل ما أُلِّفَ في هذا الموضوع، ساعده في ذلك إتقانه للغة الفرنسية، واطلاعه الواسع على كتابات المستشرقين، وبخاصة خلال فترة دراسته في جامعة السوربون. ففي الوقت الذي يكتب غيره في الرد على المستشرقين معتمدين على ما يُتَرْجَمُ من كتاباتهم، كان الدكتور الصَّالِحْ رحمه الله يقرأ في مؤلفاتهم مباشرة.
وقد عاصره عالم جليل كتب في الرد على المستشرقين، وهو الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ". وقد كان زميلاً للدكتور الصَّالِحْ في جامعة دمشق، إلا أن هذا الكتاب كان لما يطبع بعد، ولم يطلع عليه الدكتور صبحي الصالح إلا وملازم كتابه (" علوم الحديث ") الأخيرة في المطبعة (127).
وعليه فإن الكثير من المباحث التي رقمها كان له فيها نوع سبق، كما في المنهجية التي اتبعها.
فجزاه الله تعالى عن العلم خير الجزاء وأوفاه، وتقبله الله عنده من الذين أنعم الله عليهم.
انتهى المقصود وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور ماجد الدرويش
أستاذ الحديث الشريف في جامعة الجنان--------------------------------------------
(127) - ينظر " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 318 حاشية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
جَرِيدَةُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ:
1 - القرآن الكريم.
2 - " صحيح الإمام البخاري ". بيت الأفكار الدولية - ط / 1419 هـ - 1998 م.
3 - " فتح الباري بشرح صحيح البخاري " للحافظ ابن حجر. دار الريان للتراث. ط 1/ 1407 هـ - 1986 م.
4 - " مسند الإمام أحمد ". ترقيم محمد عبد السلام عبد الشافي. دار الكتب العلمية - بيروت. ط 1/ 1413 هـ - 1994.
5 - " جامع الإمام الترمذي ". تحقيق العلامة أحمد شاكر. دار الكتب العلمية - مصور.
6 - " المصنف " للإمام عبد الرزاق الصنعاني - تحقيق العلَاّمة حبيب الرحمن الأعظمي. المكتب الإسلامي - بيروت. ط 2/ 1403 هـ - 1983 م.
7 - " المعجم الأوسط " للحافظ الطبراني - تحقيق الدكتور محمود الطحان. مكتبة المعارف - الرياض. ط 1/ 1405 هـ - 1985 م.
8 - " جامع بيان العلم وفضله ". للحافظ ابن عبد البَر - تحقيق أبي الأشبال الزهري. دار ابن الجوزي. ط 1/ 1414 هـ - 1994 م.
9 - " الطبقات الكبرى " لابن سعد. دار صادر. ط / 1405 هـ - 1985 م.
10 - " الطبقات " لخليفة بن خياط. تحقيق الدكتور سهيل [زكار]. دار الفكر - بيروت. ط / 1414 هـ - 1993 م.
11 - " أُسْدُ الغابة في معرفة الصحابة " لابن الأثير الجزري. تحقيق جماعة من الأزهريين. دار الكتب العلمية. ط 2/ 1424 هـ - 2003 م.
12 - " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر. ط / دائرة المعارف النظامية في الهند. ط 1/ 1326 هـ.
13 - " سيرة ابن هشام ".
14 - " تقييد العلم " للحافظ الخطيب البغدادي. تحقيق يوسف العش. دار إحياء السُنَّة النبوية. ط 2/ 1974 م.
15 - " صحيفة همام بن منبه ". تحقيق د. محمد حميد الله. دمشق 1372 هـ / 1953 م. نسخة مُهداة من المُحَقِّقْ إلى الدكتور صُبْحِي الصَّالِحْ.
16 - " تاج العروس من جواهر القاموس " للإمام مرتضى الزبيدي. تحقيق علي شيري دار الفكر - بيروت - 1414 هـ - 1993 م.
17 - " علوم الحديث ومصطلحه " للدكتور صُبْحِي الصَّالِحْ. مطبعة جامعة دمشق. ط 1/ 1379 هـ - 1959 م.
18 - " المستشرقون والتراث " - الدكتور عبد العظيم ديب. دار الوفاء - المنصورة. ط 3/ 1413 هـ - 1992 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)