فقال الحنفية بوجوب الزكاة في جميع أنواع الزروع، عَمَلاً بعموم القرآن والحديث، وتكلموا في حديث التخصيص هذا بالطعن في سنده، وأجابوا عن المتن بأن المراد به زكاة يأخذها الجابي لتوزع عن طريق بيت المال.
وقال غيرهم بتخصيص وجوب الزكاة بأنواع معينة، عَمَلاً بالحديث المذكور الذي وجدوه تَقَوَّى في نظرهم بتعدد طرقه، على تفاصيل في كيفية عملهم به ليس هذا محلها.
وقد أيد القاضي الإمام أبو بكر بن العربي المالكي مذهب الحنفية في هذه المسألة كلها فقال في كتابه " أحكام القرآن " (1): «وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَجَعَلَ [الآيَةَ] مِرْآتَهُ فَأَبْصَرَ الحَقَّ، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي المَأْكُولِ قُوتًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ "».
وقال في " عارضة الأحوذي " (2): «وَأَقْوَى المَذَاهِبِ فِي المَسْأَلَةِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ دَلِيلاً، وَأَحْوَطُهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَأَوْلَاهَا قِيَامًا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ الآيَةِ وَالحَدِيثِ».
• • •--------------------------------------------
= انظر شرح الحديث في كتابنا " دراسات تطبيقية للحديث النبوي - قسم العبادات ": ص 26 - 28.
(1) جـ 1 ص 313.
(2) وهو شرحه على " جامع الترمذي ": جـ 3 ص 135 - وقد استوفى فيه ذكر المذاهب فبلغت ثمانية، انظر ص 100 - 134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: فِي الاِسْتِحْسَانِ وَحُجِّيَّتِهِ:
الاستحسان في اللغة: عد الشيء حسنًا.
وفي اصطلاح علماء اصول الفقه الحنفي يطلق بمعنيين:
الأول: المعنى الأعم: وهو كل دليل في مقابلة القياس الظاهر من كتاب أو سنة أو إجماع أو ضرورة أو قياس خفي.
المعنى الثاني: الأخص: وهو القياس الخفي، وقد غلب في الأصول أن يأتي بهذا المعنى (1) حتى ليظن كثير من الناس أن الاستحسان عند الحنفية خاص به.
مثال استحسان الكتاب والسنة: الترخيص في بيع السلم، فإنه في أصل القياس باطل لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل. لكن ثبت الترخيص به في النص وهو قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] وَ [بِالسُنَّةِ] بحديث: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ--------------------------------------------
(1) بتصرف يسير عن " التوضيح والتلويح ": جـ 2 ص 81، 82، و" فواتح الرحموت ": جـ 2 ص 320، 321 نحوه في " التحرير " للكمال بن الهُمام وشرحه " التقرير والتحبير " لتلميذه ابن أمير الحاج: جـ 3 ص 222.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» متفق عليه (1).
ومثال استحسان السنة: عقوبة الزاني المحصن بحد الرجم، فإن القياس أن يحد مائة جلدة قياسًا على البكر، لكن ثبت الرجم للمحصن بأحاديث " الصحيحين " على خلاف القياس.
ومثال استحسان الإجماع: الاستصناع: كأن يتعاقد مع الخياط على قميص كذا من قماش كذا بقيمة كذا، وهذا عقد صحيح عند الحنفية، مع أن «القياس يأبي عنه» كما قالوا، «إلا أنه انعقد الإجماع على جوازه في الصدر الأول، لأنهم كانوا يتعاملون به من غير نكير (2).
ومثال استحسان الضرورة: طهارة الحياض والآبار بعد تنجسها، والقياس يقتضي أن الحياض والآبار إذا تنجست لا تطهر أَبَدًا، لبقاء الماء المنجس ولو قليلاً وكذلك أرضه نجسة. إلا أنه حكم بالطهارة للضرورة والوقوع في الحرج العظيم (3).
حُجِّيَّةُ الاِسْتِحْسَانِ:
دار بين المتقدمين من العلماء نقاش كثير حول حُجِّيَّةِ الاستحسان ومشروعية العمل به، وأول من نقل إلينا كلامه في نقد الاستحسان هو الإمام الشافعي رضي الله عنه، وذلك أنهم قالوا: إن الاستحسان إثبات للحكم الشرعي بالرأي المجرد، أو باتباع ما يستهوي النفس، وهو--------------------------------------------
(1) " البخاري " في أول (السلم): جـ 3 ص 85، و" مسلم ": جـ 5 ص 55.
(2) " التوضيح والتلويح ": جـ 2 ص 82، و" التقرير والتحبير ": جـ 3 ص 222، و" فواتح الرحموت ": جـ 2 ص 321.
(3) انظر المراجع السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
ترك للقياس الذي هو حجة إلى ما ليس بحجة، وكل ذلك حرام لا يجوز في شرع الله تعالى، حتى إن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: «مَنْ اِسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ» أي أن من أثبت حُكْمًا بأنه مستحسن عنده من غير دليل من الشارع فهو المشرع لذلك الحكم، حيث لم يأخذه من الشارع (1).
والحقيقة أننا إذا تأملنا حقيقة الاستحسان التي لخصاناها في تعريفه كما هو عند الحنفية لا نجد تَرَدُّدًا في قبوله والالتزام بحجيته، وذلك هو ما آل إليه عمل المحققين من مختلف المذاهب، وأسوق في ذلك هذا النص من كلام العلامة التفتازاني الشافعي المذهب فإنه يعبر عن جوهر القضية ببيان شاف وكاف، قال التفتازاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: (2)
«والحق أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلاً للنزاع، إذ ليس النزاع في التسمية لأنه اصطلاح، وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» (3).
ونقل عن الأئمة إطلاق الاستحسان في دخول الحمام، وشرب الماء من يد السقاء، ونحو ذلك وعن الشافعي رحمه الله أنه قال:--------------------------------------------
(1) " حاشية التلويح " للتفتازاني: جـ 2 ص 21 بتصرف يسير، وانظر " أصول السرخسي ": جـ 2 ص 199، 200.
(2) " حاشية التلويح ": جـ 2 ص 81.
(3) الحديث موقوف على ابن مسعود من قوله.
رواه أحمد في " المسند ": 5/ 211 رقم 3600 ط. شاكر، ووهم السخاوي في " المقاصد ": ص 581 رقم 959 فقال: «وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ إِلَى المُسْنِدِ»، وتبعه العجلوني: 2/ 245 ط. الرسالة، وعزاه في " مجمع الزوائد " لأحمد والطبراني في " الكبير " والبزار وقال: (1/ 177، 178) ط. بيروت: «رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
«أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، واستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة».
وأما من جهة المعنى: فيلاحظ التفتازاني ملاحظة مهمة في الموضوع تبين سَبَبًا من الخلاف فيه، وهو اختلاف تعاريفهم للاستحسان، ومن ثم يخلص إلى هذه النتيجة فيقول (1): «ولما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان ـ مع أنه قد يطلق لغة على ما يهواه الإنسان ويميل إليه وإن كان مُسْتَقْبَحًا عند الغير، وكثر استعماله في مقابلة القياس ـ على الإطلاق ـ كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مُسْتَحْسَنًا حتى يتبين المراد منه، إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه».
وهذا الذي قاله السعد التفتازاني الشافعي يقرره لنا بإيجاز دقيق وواضح الفقيه والأصولي الحنبلي ابن اللحام الذي انتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمنه فيقول (2):
«الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص. وقد أطلق أحمد والشافعي القول به في مواضع.
وقال به الحنفية، وأنكره غيرهم، وهو الأشهر عن الشافعي، حتى قال: "مَنْ اِسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ". ولا يتحقق استحسان مختلف فيه». انتهى.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: جـ 2 ص 82، وانظر " التقرير والتحبير ": جـ 3 ص 222، 223 فقد أشار عدم ارتضائه هذا التوجيه، وكأنه لتقارب تعاريف الاستحسان، فيكون إنكار الاستحسان بسبب التخوف من إرادة المعنى اللغوي.
(2) في كتابه " المختصر في أصول الفقه ": ص 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
فهذه العبارة الأخيرة في كلام ابن اللحام مع تعريفه للاستحسان هي الفصل في الموضوع، فإنه بعدما استقرت الآراء على أن الاستحسان اسم لدليل متفق عليه، نَصًّا كان، أو إجماعًا، أوقياسًا خَفِيًّا إذا وقع في مقابلة قياس تسبق إليه الأفهام حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة فهو حجة عند الجميع من غير تصور خلاف.
ثم إنه غلب في اصطلاح الأصول على القياس الخفي خاصة، كما غلب اسم القياس على القياس الجلي، تمييزًا بين القياسين».
أَقْسَامُ الاِسْتِحْسَانِ وَالقِيَاسِ:
ولما أن الاستحسان لا يكون إلا لدى معارضة القياس فقد ضبط الحنفية العلاقات بين القياس والاستحسان بتقسيم دقيق، وذلك تارة باعتبار القوة والضعف وتارة باعتبار الصحة والفساد، ويتحصل من تفاصيل ذلك أقسام كثيرة (1) لا يتسع المجال ههنا لذكرها. لذلك نكتفي بالتقسيم الرئيسي وهو أن نقول:
إن الاستحسان ينقسم إلى قسمين: الأول ما خفي تأثيره، والثاني ما خفي فساده وظهرت صحته.
وينقسم القياس كذلك إلى قسمين: الأول ما ضعف تأثيره، والثاني ما ظهر فساده وخفيت صحته.
فإذا قابلنا كُلاًّ من قسمي الاستحسان وعارضناه بقسمي القياس كانت الأنواع أربعة.--------------------------------------------
(1) تبلغ بمقابلتها ببعضها ستة عشر قسمًا، كما في " مسلم الثبوت " وشرحه " فواتح الرحموت ": جـ 2 ص 324 وانظر تفاصيلها في " التوضيح " و" حاشية التلويح ": جـ 2 ص 82 - 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وأقوى هذه الأنواع الأربعة: القسم الأول من الاستحسان، وهو الذي قوي أثره فإنه مقدم على القسم الأول من القياس وهو القياس الضعيف الأثر.
ثم القسم الثاني من القياس وهو القياس الخفي الصحة، وهو مقدم على القسم الثاني من الاستحسان، وهو الاستحسان الخفي الفساد (1).
مثال القسم الأول: وهو الاستحسان الذي قوي أثره فقدم على القياس الذي هو ضعيف الأثر: سؤر سباع الطيور، وهو الماء الذي يبقي في الإناء بعد أن يشرب منه طائر من الطيور المفترسة:
القياس أن يكون هذا السؤر نَجِسًا، قِيَاسًا على سؤر سباع البهائم، لأن السؤر تابع في حكمه للحم الحيوان، ولحم سباع الطير حرام نجس عند الحنفية.
لكن الاستحسان يقضي بطهارة سؤر سباع الطير كسؤر الآدمي، فإن القياس على سؤر الآدمي أقوى من القياس الأول، وإن كان الأول أظهر، وسبب ذلك ضعف علة القياس وهي مخالطة الرطوبة النجسة للسؤر، وهذه العلة لا توجد في سباع الطيور، إذ تشرب بمنقارها فيخالط منقارها الماء، أما لعابها فلا يخالط الماء، والمنقار عظم طاهر، وملاقاة الطاهر للماء لا تنجسه، فكان من هذا الوجه كسؤر الآدمي لكن قالوا فيه بالكراهة لأنها لا تتحرز عن النجاسة، كالدجاجة المخلاة (2).--------------------------------------------
(1) " التقرير والتحبير ": ج 3 ص 223، و" فواتح الرحموت ": ج 2 ص 322، وقارن بالخضري في كتابه " أصول الفقه ": ص 367 الطبعة الرابعة، ففي بعض تفصيله نظر وهو اعتباره القسم الثاني من الاستحسان منزلة ثالثة في التقديم.
(2) " التحرير " وشرحه " التقرير والتحبير ": جـ 3 ص 222، و" التوضيح " و" حاشية التلويح ": جـ 2 ص 82، و" فواتح الرحموت ": جـ 2 ص 322، 323.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
مثال القسم الثاني: وهو القياس الذي هو خفي الصحة وتقديمه على الاستحسان الذي هو ظاهر الصحة خفي الفساد: سجدة التلاوة إذا قرئت آية السجدة في الصلاة هل تدخل في ركوع الصلاة؟
القياس أنها تؤدى بالركوع في الصلاة، لأن المقصود منها هو تعظيم الله تعالى مخالفة للمتكبرين من المشركين، ويدل على ذلك وقوع التداخل فيها، إذا قُرِئَتْ مِرَارًا في مجلس واحد، أو سُمِعَتْ مِرَارًا في مجلس واحد أجزأت سجدة واحدة. وهو قول الحنفية.
أما الاستحسان فيقضي أن لا يجوز كما هو قول الأئمة الثلاثة، قِيَاسًا على سجود الصلاة، لا ينوب عنه ركوعها، فكذا هذا أيضًا، لأن كُلاًّ منهما هو غير المأمور به.
لكن الحنفية رأوا هذا الاستحسان فاسدًا باطنًا، لأن كُلاًّ من الركوع والسجود مطلوب في الصلاة بطلب يخصه، فلا يتأدى أحدهما بالآخر، بخلاف سجدة التلاوة فإن السجود غير مقصود بالذات إنما المقصود هو التعظيم عند قراءة هذه الآيات وهو كما يحصل بالسجود يحصل بالركوع.
وقد يعترض على الحنفية بأن هذا يوجب أن تؤدى سجدة التلاوة بالركوع خارج الصلاة أيضًا؟
أجاب الحنفية عن هذا بأن الركوع لم يعرف قربة خارج الصلاة، والتعظيم إنما يكون بما هو قربة معتبرة شَرْعًا، فلا بد حينئذ من السجود (1).--------------------------------------------
(1) " التحرير " و" شرحه ": جـ 3 ص 224 ، و" التوضيح والتلويح ": جـ 2 ص 82، 83، و" فواتح =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
و [يؤيد] (*) مذهب الحنفية في هذا ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة.
فعن ابن عمر: أنه كان إذا قرأ «النجم» و «اقرأ باسم ربك» في صلاة وبلغ آخرها كَبَّرَ وَرَكَعَ، وإن قرأها في غير صلاة سجد.
وعن ابن مسعود أنه سئل عن سجدة تكون في آخر السورة أيسجد لها أم يركع؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَارْكَعْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاسْجُدْ ثُمَّ اقْرَأْ بَعْدَهَا سُورَةً» (1).
قال المحقق ابن امير الحاج: «ولم يرو عن غيرهما خلافه، بل ذكره ابن أبي شيبة عن علقمة وإبراهيم والأسود وطاوس ومسروق والشعبي والربيع بن خُثيم وعمرو بن شرحبيل» (2).
وهكذا ضبط الحنفية هذا النوع من أدلة الأحكام الشرعية، والذي يأتي بمثابة استثناء من الإطراد في الأحكام، فجعلوا هذا الاستثناء مُقَعَّدًا بقواعد ينظر فيها إلى الطرفين المتقابلين: نص في مقابلة القياس، أو قياس خفي في مقابلة القياس الجلي.
ونختم هذه اللمحة الموجزة بهذه الملاحظة القيمة التي أتوا بها حيث قالوا:--------------------------------------------
= الرحموت ": جـ 2 ص 323.
(1) قال في " فواتح الرحموت ": «وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآثَارِ فَحَسَنٌ».
(2) " التقرير والتحبير " لابن أمير الحاج: جـ 3 ص 225، لكن الكمال بن الهُمام يرى أن هذه المسألة من باب تقديم الاستحسان لا القياس. ويرى ابن أمير الحاج أنه حيث وردت هذه الآثار في المسألة فهي من قبيل الاستحسان بالأثر أيضًا، كما أنها من قبيل الاستحسان بالقياس الخفي. وهي ملاحظة دقيقة جديرة بالاعتبار في هذه المسألة.
_________
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(يُؤَيِّدُ) وليس (يُؤَدِّي)، انظر أصل هذا الكتاب: مجلة مركز بحوث السنة والسيرة - دولة قطر: 8 - 1415 هـ، ص 142.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
إن الاستحسان إن كان قياسًا خَفِيًّا يقابل القياس الجلي فإنه يتعدى إلى الصور الأخرى وسائر المسائل التي توجد فيها علة الاستحسان، أما إذا كان دليلاً آخر غير ذلك فلا يتعدى إلى غيره.
وسبب ذلك في القسم الأول أنه قياس، ومن شأن القياس التعدية، أما في القسم الثاني فإنه معدول به عن سنن القياس، وما كان معدولاً به عن سنن القياس فغيره عليه لا يقاس (1).
• • •--------------------------------------------
(1) " التنقيح " و" شرحه "، و" حاشية التلويح " عليه: جـ 2 ص 84، و" التحرير " و" شرحه ": جـ 3 ص 225، 226، و" مسلم الثبوت " و" شرحه ": جـ 2 ص 321، 322.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: فِي خَبَرِ الوَاحِدِ الصَّحِيحِ وَحُجِّيَّتِهِ:
هذا الموضوع هو أَهَمُّ ما نقصد له في بحثنا هذا، وذلك لما وقع في شأن الحديث الصحيح الآحادي من تطرف، ولا سيما في عصرنا هذا.
لقد غلا بعضهم في قبول الحديث الصحيح الآحادي حتى بدا كأنه يرى أن أحدًا غيره لا يعمل بالحديث!! (1) وَفَرَّطَ آخر في شأنه حتى كان الحديث الصحيح لا يعني شيئًا ملزمًا عنده. والجدير بالذكر ها هنا أن مذهب الحنفية في هذا الموضوع لا يختلف عما قرره جماهير أئمة العلم، إلا في بعض الجزئيات، وإن كان قد شاع في ظن كثير من الناس توهم غير ذلك، ولذلك فإنا سنبحث مسألة خبر الواحد الصحيح بصورة عامة لدى الأصوليين، ونوضح ما تفرد الحنفية به.
تَقْسِيمُ الخَبَرِ مِنْ حَيْثُ عَدَدِ رُوَّاتِهِ:
يقسم جمهور علماء أصول الفقه الخبر من حيث عدد وراته إلي قسمين:--------------------------------------------
(1) وقد صدرت بذلك رسائل نشرت على مستوى واسع، سوف نذكر مقتطفات من جنوحها ونناقشها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
القسم الأول: المتواتر:
وهو الخبر الذي رواه جمع كثير يستحيل تواطؤهم علي الكذب عن جمع مثلهم إلي نهاية السند، وكان مستندهم الحسّ.
أي أن يكون الخبر نقلا لأمر يدرك بإحدي الحواس، وليس أمرا عقليا، فكون الواحد نصف الاثنين يقول به كل الخلق، وليس هو من المتواتر لأنه أمر عقلي. ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة صلي الله عليه وسلم أمر مشاهد بالحس، وقد نقله جميع كبير ستحيل تواطؤهم علي الكذب عن جمع مثلهم إلي الطبقة الذين شاهدوا المعجزة، وهم كثير كذلك رضي لله عنهم، فهو إذن خبر متواتر.
القسم الثاني خبر الواحد أو الآحاد:
وهو كل ما لم يبلغ درجة التواتر، بأن كان له سند واحد فقط، أو إسنادان، أو أكثر لكنه لم يبلغ رتبة التواتر.
وقد وافق الحنفية علي التقسيم وعلي أحكام كل قسم في اصطلاحهم، وأضافوا قسما آخر ثالثا هو المشهور والمشهور عند الأصوليين الأحناف: هو الخبر الذي كان آحاديا في الأصل، ثم تواتر في القرن الثاني والثالث مع قبول الأمة له، كما في مسلّم الثبوت. قال في شرحه فواتح الرحموت: «وان لم يكن كذلك فهو خبر الواحد (1).
وقد تسرع بعض العصريين ـ الذي أومأ إله بحثنا ـ فانتقد هذا التقسيم عند الحنفية، دون أن يكلف نفسه البحث عن وجهة لهم أو--------------------------------------------
(1) جـ 2 ص 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
عذر. وحسبنا لو نظرنا إلى علاقة الأقسام أن نلحظ أن الحنفية منطقيون في جعل القسمة ثلاثية، لأن القسم الثالث المشهور قسم مركب من القسمين الأول والثاني، مما يجعل أفراده في التقسيم عملاً مقبولاً، فضلاً عن الأثر الذي يترتب على ذلك، مما أقره من حيث المبدأ العلماء الآخرون، كما سنوضحه أن شاء الله تعالى.
وقد أقر الحافظ ابن حجر هذا القسم، بل جعله مما يفيد العلم النظري لا الضروري، لأنه احتف بقرينة رفعته عن حكم الآحاد الظني فهو يفيد علم الطمأنينة، دون علم اليقين وفوق غلبة الظن.
لكن يجب ان يعلم القارىء أن خبر الواحد الذي ذكرنا معناه هنا ليس خَاصًّا بالصحيح، بل هو مشترك، منه ما هو صحيح ومنه ما ليس كذلك، لكن بحثنا هنا خاص بخبر الآحاد الصحيح، وهو الذي توفرت فيه الشروط التي تجعله موصوفًا بالصحة باتفاق العلماء.
الحديث الصحيح: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من أول السند إلى منتهاه ولم يكن شاذًا ولا مُعَلاًّ. وهذه الشروط خمسة، نوضحها فيما يأتي:
[شروط الحديث الصحيح] (*):
الشرط الأول: العدالة:
وهي مَلَكَةٌ تحمل صاحبها على التقوى واجتناب الأدناس وما يخل بالمروءة عند الناس.
وشروطها: العقل والبلوغ، والإسلام والتقوى، ومراعاة العرف الاجتماعي الصحيح، وهذه الشروط تحقق صدق الراوي وتوازن شخصيته.--------------------------------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) أدرجت هذا العنصر ليتناسب مع منهجية البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
الشرط الثاني: الضبط:
وهو استيعاب الحديث حفظًا عن ظهر قلب أو تقييده في كتاب إلى أن يرويه كما سمعه.
وللضبط مقياس دقيق وضعه العلماء، عَوَّلُوا عليه في كشف مستوي حفظ الراوي للحديث، وهو كما لخصه الإمام ابن الصلاح: (1)
«أَنْ نَعْتَبِرَ ـ أي نقايس ـ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً - وَلَوْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى - لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَوْنَهُ ضَابِطًا [ثَبْتًا]، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهُمْ، عَرَفْنَا اخْتِلَالَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ».
فإذا اجتمع في الراوي هذان الركنان: العدالة والضبط فهو حجة يلزم العمل بحديثه إذا استوفى الحديث بقية شروطه، ويطلق على الراوي حينئذ «ثقة». وذلك لأنه تحقق فيه الاتصاف بالصدق، وتحلى بقوة الحفظ الذي يُمَكِّنُهُ من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه، فتحقق أنه أدى الحديث كما سمعه فصار حجة، وإذا اختل فيه شيء من خصال الثقة كان مردود الحديث بحسب الاختلال الذي لحقه».
وتحقيق هذين الشرطين في توثيق الراوي يستدعي استيفاء النظر فيه من جميع وجوه البحث في الرواة، تتركز في وجهين يجمع كل واحد منها عَدَدًا من علوم الحديث وقواعده:--------------------------------------------
(1) في كتابه " علوم الحديث ": ص 106.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الوجه الأول:
البحث في الراوي من حيث تحديد شخصه، أي بعبارة عصرنا تحصيل ما يسمى الآن بطاقة شخصية «تذكرة هوية» للراوي، وذلك من ناحيتين:
الناحية الأولي:
ناحية اسم الراوي واسم أبيه وقبيلته ونسبته وتميزه عما يشابهه في شيء من ذلك من أسماء الرواة، وذلك من أسماء الرواة، وذلك بدرساته في ضوء مجموعة علوم تدرس الرواة من هذه الناحية تبلغ ثلاثة عشر عِلْمًا في أصولها، سميتها علوم أسماء الرواة.
وهي:
1 - معرفة المبهمات، أي من أغفل اسمه من الرواة.
2 - من ذكر باسماء متعددة.
3 - الأسماء والكنى.
4 - الألقاب واسماء أصحابها.
5 - المنسوبون إلى غير آبائهم، كمن نسب إلى جده أو مربيه.
6 - النسب التي على خلاف ظاهرها، وكأن ينسب إلى قبيلة غير قبيلته لسكناه فيها.
7 - الموالي من الرواة ونوع ولاء الراوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
8 - أوطان الرواة ونسبتهم إليها.
9 - الأسماء المفردة والكنى التي لم يسم بها غير راو واحد.
10 - المتفق والمفترق، وهو أن يتفق اسم راويين أو أكثر كتابة ونطقا كأن يكون اسمهما محمد أو عبد الله .. وكيف يميز كل واحد.
11 - المؤتلف والمختلف وهو أن يتفق اسم الراويين في صورة الخط ويختلف في اللفظ مثل يزيد وتزيد وبريد.
12 - المتشابه ويتركب من النوعين السابقين مثل: موسى بن عَلِيٍّ وموسى بن عُلَيٍّ.
13 - المتشابه المقلوب وهو عكس السابق.
الناحية الثانية:
تحديد شخص الراوي من حيث وجوده الزماني والمكاني وذلك بمجموعهة علوم نسميها «علوم الرواة التاريخية» يبلغ عدد أصولها عشرة أنواع من العلوم.
وهي:
1 - تواريخ الرواة، وفيها مواليدهم ووفياتهم ورحلاتهم.
2 - طبقات الرواة، أي أجيالهم العلمية.
3 - التابعون وهم الذين شافهوا الصحابة.
4 - أتباع التابعين. الذين شافهوا التابعين.
5 - الإخوة والأخوات الذين لهم روايات.
6 - رواية الأقران عن بعضهم.
7 - رواية الأكابر عن الأصاغر، مثل رواية الشيخ عن تلميذه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
8 - السابق واللاحق وهو أن يروي اثنان عن راو واحد وبين وفاتيهما أمد بعيد.
9 - رواية الآباء عن الابناء.
10 - رواية الأبناء عن الآباء. فيهما تعيين الأسماء التي ربما لا تذّكر، وبيان ما قد يكون غير متصل
الوجه الثاني:
البحث في الراوي من جهة العلوم التي تُعَرِّفُ بحاله من حيث القبول أو الرد.
وهي:
1 - صفة (أي شروط) من تقبل روايته.
2 - الجرح والتعديل.
3 - الصحابة لان وصف الصحبة تعديل للصحابي.
4 - معرفة الثقات والضعفاء.
5 - من اختلط ـ أي اختل ضبطه في آخر عمره من الثقات.
6 - الوحدان: وهو الذي لم يرو عنه غير راو واحد وحكمه أنه مجهول إن لم يوثّق.
7 - المدلّسون.
الشرط الثالث: الاتصال:
أي اتصال السند: ومعناه أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه من الرواة من أول السند حتى يبلغ التلقي قائله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وهذا الشرط يستدعي البحث من جهتين:
الأولى:
بحث السند من حيث الاتصال أو الانقطاع:
فإذا كان متصلاً بقانون أي نوع من أنواع الاتصال ـ وهي سبعة أنواع، كان مقبولاً إذا ثبت استيفاؤه بقية الشروط الشروط المطلوبة لصحة الحديث.
وهذه الأنواع السبعة هي:
1 - المتصل، وهو ما سمعه كل راو ممن فوقه.
2 - المُسْنَدُ وهو المتصل المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
3 - المعنعن وهو ما وقع في سنده «عَنْ فُلَانٍ».
4 - المؤنن وهو أن يقع في سنده «أَنَّ فُلَانًا».
5 - المسلسل: هو ما تتابع رجال إسناده علي حال واحدة.
6 - 7 ـ العالي وهو ما قل عدد رواة سنده، والنازل ما كثر رواة سنده.
أما إذا كان منقطعًا بموجب أي قانون من قوانين أنواع الانقطاع كان غير مقبول وهذه الأنواع ستة نبينها فيما يأتي:
1 - المنقطع، وهو كل ما لا يتصل سنده بأي حال.
2 - المُرْسَلُ، ما رفعه التابعي دون ذكر الواسطة.
3 - المُعَلَّقُ، وهو ما حذف أول سنده.
4 - المُعْضَلُ، ما سقط منه اثنان في موضع واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
5 - المُدَلَّسُ، وهو ما أوهم فيه الراوي الاتصال بصيغة محتملة وهو غير متصل.
6 - المُرْسَلُ الخَفِيُّ، وهو ما رواه الراوي عمن عاصره ولم يلقه.
الجهة الثانية:
قوانين الرواية وهي خمسة أنواع من العلوم الحديثية، ولها صلة وثيقة بالاتصال؛ لأن بعض طرق تحمل الحديث لا يعتبر الحديث به متصل بالسند، مثل الوِجَادَةِ، كما أن المقبول منها درجاته متفاوتة.
فضلا عن دلالة هذه العلوم على جانب التوثيق السابق فيما يتبين من تطبيق الراوي لها بدقة، أو تساهله فيها، وبيان مدى ذلك التساهل.
وهذه الأنواع الخمسة من علوم الحديث هي:
1 - كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه.
2 - صفة رواية الحديث وشروط أدائه.
3 - كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب.
4 - آداب المحدث.
5 - آداب طالب الحديث.
الشرط الرابع: ألا يكون الحديث شاذًا:
الحديث الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أوثق منه بمزيد ضبط، أو كثرة عدد. وينقسم إلى قسمين: شاذ المتن وشاذ السند.
والسبب في اشتراط عدم الشذوذ أن الثقة إذا خالفه من هو أقوى منه كان ذلك دليلاً على أن هذه الثقة قد وهم في رواية هذا الحديث. وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
يقال: ما فائدة هذا الشرط طالما أننا اشترطنا في الراوي أن يكون ضابطا؟.
والجواب أن الضبط مَلَكَةٌ بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وَهْمٌ في بعض ما يرويه، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ. وذلك يعني أن يكون الحديث منسجمًا مع الأحاديث المعروفة المُسَلَّمَةِ في موضوعه.
الشرط الخامس: ألا يكون الحديث مُعَلاًّ:
والحديث المعلل هو الحديث الذي اطُّلِعَ فيه على علة تقدح في صحة الحديث مع أن ظاهرة السلامة منها. وهو على قسمين: معلل السند، ومعلل المتن.
وهذا الشرط يفيد في خلو الحديث من أي وصف قادح في صحة الحديث يكون الحديث بحسب الظاهر سليمًا منه (1).
وهذان الشرطان الأخيران يستوجبان بحث الحديث من ناحية متنه في ضوء علوم المتن كلها، وذلك لأنه لا يمكن الحكم على المتن بلا شذوذ أو الإعلال أو بسلامته منهما إلا بعد دراسته من جميع الوجوه، وقد تكفلت بذلك علوم المتن.--------------------------------------------
(1) تعبيرنا بقولنا «وَلَا مُعَلاًّ» موافق لعبارة ابن الصلاح، وهو أصح وأدق من تعبير غيره بقوله «مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ» وهو تعبير درج عليه بعض العصريين، وذلك لان كلمة «عِلَّةٌ» تطلق على نوعين: علة قادحة، وعلة غير قادحة كما هو مقرر في أصول الحديث، فلم يكن التعبير بـ «عِلَّةٍ» صريحًا في المراد. أما المعلل فلا يكون إلا متضمنًا في باطنه وصفًا قادحًا في صحة الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)