أرق وأقل خشونة وأبسط تضاريسا، كل ذلك ليكون حصنا ودرعا للرحم الذي يشتمل على هذه الدرة الثمينة التي تتجلى عظمة الخالق في تكوينها.
ولتيسير طروء التغيرات على هذه العظام عند الولادة فتكوين عظام الحوض يتناسب تماما مع ما يتطلب منها من القيام بعمل تنفرد به دون غيرها من عظام الهيكل، وهكذا يحفظ الحوض العظمي الرحم بداخله بحيث لا يصله شيء من الكدمات والهزات التي تتعرض لها المرأة، بل لو أصيبت المرأة في حادث أو سقطت من شاهق وتكسرت عظامها فإننا نجد الرحم في أغلب الأحوال سليما لم يمسه سوء، ولو أن شخصا اعتدى على امرأة ومزق أحشاءها بالسكين فإنه لن يستطيع أن يصل إلى الرحم، إلا إذا كانت المرأة حاملا في الشهر الرابع فما بعده، وأما قبل ذلك فيكاد يكون من المستحيل الوصول إلى الرحم بأي أذى.
والحوض على متانته له مفاصل أربعة يمكن من خلالها أن يتحرك قليلا حتى يزداد اتساعه وخاصة عند الحمل والولادة، بينما حوض الرجل لا يكاد يتزحزح.
2 - العضلات والأربطة: تكاد العضلات تحيط بالرحم من جميع جوانبه لتحفظ توازنه وبقاءه معلقا في منتصف الحوض، فمنها العضلات التي تمسكه من أعلى، ومنها ما تشده إلى أسفل، ومنها ما تجره يمنة ويسرة، ومنها التي تشده إلى عظام الحوض، وإلى جهات أخرى من الأحشاء تعرف بالصفاقات الحشوية والصفاقات الجدارية.
وهذه الأربطة تتعاون جميعا في حفظ الرحم في موضعه الطبيعي، وفي نفس الوقت تسمح له بالحركة الحقيقية والنمو الهائل في فترة الحمل، ولكأنما الرحم جسر معلق تربطه مجموعة محكمة من الأربطة والأعمدة المتينة المحكمة، بل إنه أعظم من ذلك بكثير، إذ لا يمكن للجسر المعلق أن ينمو أو يغير وضعه وهو متصل بمكانه لا يبرحه، كما أن وجود وفرة من الأحشاء الطرية اللينة وامتلاء الحوض بها يهيئ فراشا وثيرا للرحم عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
امتلائه بالجنين وتعاظمه خلال الأشهر الأخيرة من الحمل.
3 - هرمون الحمل (البروجسترون): ويؤثر هذا الهرمون على تقلصات عضلات الرحم فيجعلها متئدة وقورة بدلا من تلك الحركات النزقة الطائشة التي يسببها هرمون الأنوثة (الأوستروجين) ولهرمون الحمل تأثير هام في استقرار الرحم في فترة الحمل، حتى لا يقذف الجنين وخاصة في أشهره الأولى.
وهكذا تتضافر هذه العوامل لجعل الرحم القرار المكين وهل هناك وصف أعظم من هذا الوصف، وتحديد أدق للوظيفة من التحديد الرباني لطبيعة تكوين الرحم ومهمته، إنه وصف الخالق لمخلوقه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) [الملك: 14].
إنها العناية الإلهية بهذا المخلوق المعزز المكرم، إنه الله سبحانه الذي قدر وأحكم. وإنه الإعجاز القرآني الباهر الذي جاء على لسان النبي الأمي أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (21) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (23) [المرسلات: 20 - 23].
أما الظلمات الثلاث: فإن اكتشافها أحدث، وإن واقعها أعجب، وإن وظائفها أعظم، يقول الطب الحديث عن الظلمات الثلاث ما يلي: إنها ثلاثة أغشية تحيط بالجنين داخل الرحم وتسمى:
(أ) غشاء السلى أو (الأمنيون) ويحيط بالجنين مباشرة.
(ب) غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي).
(ج) الغشاء الساقط.
(أ) غشاء السلى «الأمنيون»: وهو عبارة عن كيس غشائي رقيق ومقفل يحيط بالجنين إحاطة تامة وبه سائل يزداد مع نمو الجنين .. والجنين يلعب وسط هذا السائل ويتقلب يمنة ويسرة بل ويتشقلب رأسا على عقب.
ويمسك بالحبل السري وهو في أمان تام، وللسائل الأمنيوني فوائد جمة من أهمها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
أ- تغذية الجنين: حيث يحتوي السائل على مواد زلالية وسكرية وأملاح يمتصها الجنين مما يساعد على تغذيته ونموه.
ب- حماية الجنين ووقايته من الصدمات المفاجئة والحركات الخفيفة والسقطات التي تتعرض لها الأم.
ج- يحتفظ الجنين بحرارة ثابتة تقريبا فهو مكيف جيد بحيث لا تزيد الحرارة ولا تقل إلا في حدود ضئيلة جدا.
د- يمنع السائل الأمنيوني غشاء الأمنيوني من الالتصاق بالجنين، وذلك لأن التصاق الغشاء بالجنين من العوامل الهامة في حدوث التشوهات الخلقية فوجود السائل عامل مهم في تجنب هذه التشوهات الخلقية.
(ب) غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي): وهو الغشاء الثاني من الأغشية التي تحيط بالجنين، والزغابات الكثيرة الموجودة في هذا الغشاء ينتقل الغذاء والأوكسجين بواسطتها من الأم إلى الجنين، كما ينتقل غاز ثاني أوكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى دم الأم.
وبداية تكوين هذا الغشاء عند تكون النطفة الأمشاج بعد تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، وتنقسم البويضة الملقحة وتصبح مثل الكرة أو مثل ثمرة التوت وتسمى (التوتة). وتتكون من طبقات فالطبقة الداخلية يتكون منها الجنين أما الطبقة الخارجية فيتكون منها هذا الغشاء المشيمي وإليه الإشارة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [الحج: 5] فهي المضغة غير المخلقة التي تقوم بمهمة مصنع كامل لتهيئة الغذاء المبسط المناسب للجنين، وإبعاد الفضلات التي يطرحها إلى الدورة الدموية للأم، حيث تفرزها بواسطة الكلى عن طريق البول.
(ج) الغشاء الساقط: وهو الغشاء الثالث الذي يحيط بالجنين من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
جميع جوانبه، وهو مكوّن من الغشاء المخاطي المبطن للرحم، وسمي الساقط لأنه يسقط ويخرج مع دم النفاس.
فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى وجلّ جلاله وعظمت حكمته .. :
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) [الواقعة: 58 - 59].
النشأة الجنينية:
يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ (1) مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14) [المؤمنون: 12 - 14].
تشير الآيات الكريمة إلى أطوار التكوين السبعة التي يمر فيها الإنسان حتى يصبح بشرا سويا. ولقد أصبحت هذه الأطوار من أهم دراسات العلوم الطبية الحديثة، وكشفت هذه العلوم أسرار التعبير بهذه الألفاظ المخصوصة في هذه الأطوار «نطفة، علقة، مضغة، تكوّن العظام، تكوّن اللحم على العظام».
ولا يتسع المجال لذكر ما قالوه هنا، وإنما نشير إلى مقتطفات من أقوالهم تلقي الضوء على جوانب من أسرار التعبير المعجز.
ولنستمع إلى رأي العلم الحديث في الطب في هذا الصدد فهم أهل الذكر في هذا المجال:
يقول الدكتور محمد علي البار في كتابه القيم «خلق الإنسان بين الطب والقرآن».
من هذه الآيات (2) الكريمة نستطيع أن نحدد معالم أطوار الجنين--------------------------------------------
(1) في «مفردات» الراغب: .... وقوله تعالى: مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ أي من الصفو الذي يسلّ من الأرض.
(2) آيات سورة: السجدة، الانفطار، آل عمران، الحج، المؤمنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
الإنساني وهي: (1) نطفة، (2) علقة، (3) مضغة مخلقة وغير مخلقة، (4) عظام، (5) لحم يكسو العظام، (6) التسوية والتصوير (خلق آخر) والتعديل، (7) نفخ الروح.
مرحلة النطفة:
والنطفة تطلق على ثلاثة أشياء هي:
1 - نطفة الذكر وهي الحيوانات المنوية.
2 - نطفة الأنثى وهي البويضة.
3 - النطفة الأمشاج وهي النطفة المختلطة من ماء الرجل وماء المرأة أي البويضة الملقحة، والنطفة الأمشاج هي بداية مرحلة خلق الإنسان حيث يلقح الحيوان المنوي البويضة: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) [الإنسان: 2].
فإذا ما لقّحت البويضة وصارت بويضة ملقحة، ابتدأت انقسامات متعددة. وتعرف هذه المرحلة بمرحلة الانقسام والانشقاق وتتحول البويضة الملقحة (النطفة الأمشاج) إلى ما يشبه التوتة. ويبقى قطر النطفة الأمشاج حتى بعد أن تصبح كرة جرثومية لا يزيد عن 4/ 1 (ربع) مليمتر، وتستغرق هذه المرحلة أسبوعا كاملا حتى تعلق هذه النطفة الأمشاج التي تحولت إلى كرة جرثومية لها خلايا آكلة وقاضمة تعلق بواسطتها وبواسطة حملات دقيقة بجدار الرحم، وتتحول حينئذ إلى المرحلة التي تليها وهي:
مرحلة العلقة:
وهي الطور الثاني الذي تنتقل إليه النطفة، ويبدأ العلوق منذ اليوم السابع (منذ التلقيح) عند ما تلتصق الكرة الجرثومية بجدار الرحم .. وهناك جملة تعلقات في هذه المرحلة: تعلق أولي بواسطة الخملات الدقيقة، ثم تعلق ثان بواسطة الخلايا الآكلة، ثم تعلق ثالث بواسطة الخملات المشيمية،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
ثم تعلق رابع يربط بين الجنين الحقيقي وبين الغشاء المشيمي بواسطة المعلاق، ولا شك أن أهم ما يميز هذه المرحلة هو هذا التعلق، وإن وصف العلقة العالقة بجدار الرحم والمحاطة بالدم المتجمد (المتخثر) هو أدق وصف لهذه المرحلة.
وتستغرق هذه المرحلة أسبوعين تقريبا ينمو خلالها القرص الجنيني إلى لوح كمثري الشكل. وفي نهاية هذه الرحلة تنكشف الطبقة المتوسطة القريبة من محور الجنين لتشكل الكتل البدنية، ويبدأ ظهور أول كتلة بدنية في اليوم العشرين أو الواحد والعشرين منذ التلقيح، وعندئذ تكون العلقة قد تحولت إلى مضغة.
وفي هذه المرحلة نجد أن الكرة الجرثومية التي كانت قبيل العلوق لا تزيد عن 2/ 1 نصف مليمتر قد أصبحت بعد العلوق بأسبوع واحد فقط مليمترا ونصف.
وفي نهاية الأسبوع الثالث، منذ التلقيح، يصبح طول اللوح الجنيني ملمترين ونصف.
مرحلة المضغة «الأسبوع الرابع» (1):
ويبدأ هذا الطور بظهور الكتل البدنية ويكون أول ظهورها في أعلى اللوح الجنيني جهة الرأس ثم يتوالى ظهور هذه الكتل من الرأس إلى مؤخرة الجنين .. ويبدأ ظهورها في اليوم العشرين أو الواحد والعشرين منذ التلقيح .. ثم تستمر في الظهور واحدة على كل جانب من محور الجنين ..--------------------------------------------
(1) عند ما يكون عمر الجنين أسبوعين «مرحلة العلقة» فإن حجمه لا يزيد عن نقطة، وفي بداية المضغة (24) يوما لا يزيد عن حرف، وفي نهايتها يبلغ حجمه حبة القمح، وفي قمة تكوين الأعضاء في الأسبوع السادس ونصف لا يبلغ حجمه حجم حبة الفاصوليا، وفي نهاية تلك المرحلة في الأسبوع السابع والنصف لا يزيد كثيرا عن حبة الفول، وفي الأسبوع التاسع يكون شكله الإنساني مميزا، ويستمر النمو بعد ذلك .. «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» ص 418.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
ويكون وصف المضغة أو القطعة من اللحم التي مضغتها الأسنان ولاكتها ثم قذفتها هو أصدق وصف وأدقه لهذه المرحلة.
مرحلة العظام واللحم:
وهي مرحلة تستغرق الأسبوع الخامس والسادس والسابع، وفي الأسبوع السادس تكون هذه الهياكل الغضروفية لعظام الأطراف العلوية والسفلية قد ظهرت بوضوح وإن كان الطرف العلوي يسبق الطرف السفلي ببضعة أيام، وأول علامة على وجود عضلات الأطراف تظهر في الأسبوع السابع.
ومعنى هذا أن العظام تسبق العضلات .. ثم تكسو العضلات العظام وصدق الله العظيم حيث يقول: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً.
ثم أنشأناه خلقا آخر:
وهو التصوير والتسوية والتعديل ثم نفخ الروح، لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمران: 6].
ويقول عز من قائل: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (8) [الانفطار: 6 - 8].
وأما التسوية فهي تتم مع التصوير وقبله وبعده .. فهي تشمل جميع الأعضاء، إن عملية الهدم والبناء والتسوية والتعديل مستمرة في الجنين بشكل مثير .. إذ كل يوم بل كل ساعة تشهد جديدا .. هذه أنبوبة القلب المستطيلة تتحول إلى شكل ( S) ثم تتكون الغرف المتتالية: الأذين العام، والبطين العام، وبصلة القلب، والجيب الوريدي، ثم يعاد التركيب ليدخل الجيب الوريدي في الأذين الأيمن، وتدخل بصلة القلب في البطين الأيمن والأيسر. ومن بصلة القلب تنشأ جذور الشريان الأورطي والشريان الرئوي.
إن عملية التسوية والتعديل عملية مستمرة في بناء جسم الإنسان منذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
أن كان جنينا إلى أن يصبح شيخا هرما .. ولكن هذه التسوية والتعديل أبرز ما تكون في الجنين. ولا يمكن أن تتم التسوية والتعديل إلا بعد وضع الأسس. والأسس لجميع الأعضاء توضع في الفترة ما بين الأسبوع الرابع والثامن .. ولهذا تعتبر هذه الفترة هي الفترة الحرجة التي تكون فيها الجينات أشد ما تكون قابلية للتغيير، ولذا فإن تأثير الأدوية والعقاقير أو الأشعة أو الحميات .. تكون في أوج تأثيرها على الجنين في هذه الفترة.
وقد شرحت بعض الأحاديث النبوية جوانب في هذه المراحل، فقد جاء في صحيح مسلم قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتبه الملك» (1).
ويقول الطب الحديث: في نهاية الأسبوع السادس تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين هذه الأعضاء وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع وحتى الأسبوع الثامن.
والمبيض والخصية لا يمكن التعرف عليهما إلا في الأسبوع السابع والثامن حيث يمكن التعرف على الغدة التناسلية خصية هي أم مبيض.
وفي رواية أخرى عند مسلم: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليه الملك فيقول: يا رب ذكر أم أنثى؟» وفي رواية:
«بضع وأربعين ليلة» وفي رواية: «لخمس وأربعين» (2).
وهكذا نرى من مجموعة الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أن قمة تكوين الأعضاء وتحديد الذكورة والأنوثة على مستوى الغدد التناسلية إنما يكون في الأربعين.
وفي هذه الفترة يستطيل الحميل من (5) مليميترات إلى (23)--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم كتاب القدر 8/ 45.
(2) السابق ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
مليمترا، وتظهر عليه علامات خارجية كثيرة وواضحة، وإن كان بعضها لم يكتمل في هذه الفترة.
ومما تقدم يبدو أن التقسيم القرآني لمراحل نمو الجنين الإنساني أدق من وصف علم الأجنة، ولا يركز بعض علماء علم الأجنة على مرحلة العلقة كما يركز عليها التقسيم القرآني، وكذلك مرحلة التصوير والتسوية والتعديل، أما نفخ الروح فهو لا يزال في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: 7] (1).
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) [الواقعة:
58 - 59].
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) [لقمان: 11]. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) [الذاريات: 21].--------------------------------------------
(1) نقلنا هذا المقطع من كتاب «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للدكتور محمد علي البار، باختصار من الصفحة 365 - 379.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
تحقيق الشخصية «البصمات»
يقول تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة: 1 - 4].
لقد أثارت الإشارة في الآيات الكريمة انتباه المفسرين ودهشتهم، حيث أقسم الله سبحانه وتعالى بيوم القيامة وبالنفس الباقية على فطرتها التي تلوم صاحبها على كل معصية أو تقصير في طاعة، أقسم بهما على شيء عظيم يعتبر الركن الثاني من أركان العقيدة، ألا وهو بعث الإنسان بعد موته وجمع عظامه للحساب والجزاء. فبعد القسم على ذلك بين الله سبحانه وتعالى أن ذلك غير مستحيل، لأن من كان قادرا على تسوية بنان الإنسان يقدر على جمع عظامه وإعادة الحياة إليها.
والشيء المستغرب لأول وهلة في هذا الاستدلال، هو أن القدرة على تسوية البنان، والبنان جزء صغير من تكوين الإنسان، لا يدل بالضرورة على القدرة على إحياء العظام وهي رميم، لأن القدرة على خلق الجزء لا يستلزم بالضرورة القدرة على بناء الجسم كله.
وعلى الرغم من محاولات المفسرين إلقاء ضوء على البنان وإبراز جوانب الحكمة والإبداع في تكوين رءوس الأصابع من عظام دقيقة وتركيب الأظافر فيها ووجود الأعصاب الحساسة وغير ذلك، إلا أن الإشارة الدقيقة أدركت فيما بعد في القرن التاسع عشر الميلادي، عند ما اكتشف علماء الطب أن الخطوط الدقيقة الصغيرة الموجودة على البشرة في رءوس الأصابع تختلف من شخص لآخر وأن هذه الخطوط تكون على ثلاثة أنواع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
«أقواس، أو عراو، أو دومات- بمعنى دوائر متحدة المركز» وهناك نوع رابع يختلف عن الأنواع المذكورة ويطلق عليه اسم (المركبات) لأنها مركبة من أشكال متعددة.
وهذه الخطوط تظهر في جلد الجنين وهو في بطن أمه عند ما يكون عمره بين 100 - 120 يوما، وتتكامل تماما عند مولده، ولا تتغير مدى الحياة ومهما عرض له من إصابات وحروق وأمراض، كما أنه لا تتطابق تمام التطابق من شخص إلى آخر بل لا بد من فوارق تميز أحدهما عن الآخر.
لقد قلب الأطباء هذا الاكتشاف العجيب على وجوه، وأجريت الدراسات العميقة حولها وعلى أعداد كبيرة من الناس من مختلف الجنسيات والأعمار، ثم وقفوا أمام الحقيقة عارية ليحنوا الرءوس للقادر على أن يسوي البنان، وفي سنة 1884 م استعملت البصمات في إنجلترا رسميا كوسيلة للتعرف على شخصية الشخص المراد، ولا تزال البصمات أمضى سلاح يشهر في وجه الجريمة إلى يومنا هذا.
وتبرز عظمة الخالق سبحانه وتعالى في تشكيل هذه الخطوط على مسافة ضيقة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات مربعة، فلا تشابه بين بنان اثنين من ألوف الملايين من البشر.
ولو أعطي إنسان مساحة بمقدار قعر الكف مثلا وطلب منه أن يرسم لوحات كثيرة لا تتشابه في خطوطها وتقسيماتها، إن هذا الإنسان مهما كان واسع العقل، ومهما بلغت حيلته في هذا الشأن يمكن أن يرسم ألف أو عدة آلاف من النسخ، تتباين أشكالها وتقسيماتها، ومن ثم تنتهي إمكانياته، وتأتي الأشكال بعد ذلك متماثلة مع بعض ما سبق رسمه، أما خلق الله وإبداعه فلا يعجزه شيء في ذلك.
هذا ما توصل إليه العلماء إلى وقتنا الحاضر، ولا نقصر دلالة الآية القرآنية على هذا الجانب حصرا بل قد يأتي اليوم الذي تكتشف فيه أسرار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
ربانية أخرى في تسوية البنان، وتبقى الحقيقة الخالدة بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ معلما بارزا على مر الأجيال والعصور تشير إلى مصدر القرآن الكريم.
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: 6].
وشيء قريب من سر الخالق في البنان، قضية اختلاف ألوان الناس وأصواتهم فلا نجد شخصين متطابقين في تقاسيم الوجه والبشرة واللون، وكذلك نبرات الصوت وطريقة الكلام، إنها قدرة الخالق العظيم الذي لا تنتهي بدائع صنعه، ولا تنقضي عجائب مخلوقاته، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (22) [الروم: 22].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
الحساسية الجلدية
يقول الله في معرض بيان ألوان العذاب التي يلاقيها يوم القيامة الذين كفروا بآيات الله وأغمضوا بصرهم وبصيرتهم عن نور الحق:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) [النساء: 56].
إن قدرة الله سبحانه وتعالى لا يقف أمامها شيء فتبديل الجلود المحترقة بأخرى جديدة أمر غير معجوز عنه، وقد أعاد بعث العظام وهي رميم، إنما الإشارة المعجزة في قوله تعالى: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ.
لقد قرر الأطباء أن حدود الشعور بألم الكي في الجلد السطحي، فلو احترق الجلد ووصل إلى اللحم لما كان هناك شعور بالألم بدرجة الحالة السابقة لأن الأعصاب التي تشعر بالألم موجودة في الجلد الخارجي.
أما في الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية، فالإحساس فيها ضعيف، لذلك يقول الأطباء: إن الحرق الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي
يتجاوز الجلد إلى الأنسجة لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألما كثيرا، فكأن الآية الكريمة تبين أن النار كلما أنضجت الجلد الذي يحتوي على أعصاب الإحساس بالألم جددت هذه الجلود بجلود جديدة ليستمر الشعور بالألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم (1).
إنه علم الله الذي أحاط بكل شيء، ودليل على أن هذا الكتاب--------------------------------------------
(1) «الجانب العلمي في القرآن الكريم» للدكتور صلاح الدين خطاب، ص 49 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
الخالد هو تنزيل الذي خلق الجلود والأنفس وأودع فيها خاصيات الإحساس بالألم وإلا فمن علم الأمي هذه الحقائق المذهلة في نفس الإنسان وتكوينه وميزاته التي تميز بها عن سائر المخلوقات.
الضغط الجوي وتأثيره على الإنسان:
يخبرنا القرآن الكريم عن حالة الذين يضيقون ذرعا بهدايات الإسلام ووعيده وإنذاره، يشبه حالتهم عند سماعها بحالة من يصعد في السماء وذلك في قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) [الأنعام: 125].
قال المفسرون: إن الآية الكريمة تشير إلى أن حالة الكفار عند سماع الإسلام كحالة من يزاول أمرا غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة، فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء، فحاله كحال من يزاول ما لا يقدر عليه (1).
وهذا الفهم محتمل من حيث ظاهر الآية، ولم يكن يتصور قبل صعود الإنسان في الفضاء أكثر من ذلك.
إلا أن آفاقا جديدة فتحت في دلالة الآية الكريمة عند ما صعد الإنسان في الفضاء وعرف تأثير الضغط الجوي على أجهزة الإنسان الداخلية.
يقول العلم الحديث في هذا الصدد: إن الله سبحانه وتعالى جعل الضغط في داخل الجسم متناسبا تماما مع الضغط الجوي المحيط بالجسم، وقدر قياس هذا الضغط بما يساوي وزن ستة وسبعين سنتمترا من الزئبق.
ففي الأحوال الاعتيادية للإنسان ليس هنالك أي تغلب من الضغط الداخلي على الخارجي ولا العكس، وبعد اكتشاف الوسائل الحديثة للارتفاع في أجواء السماء فقد لاحظوا مدى التأثير عند الصعود بهذا الضغط وما--------------------------------------------
(1) انظر في ذلك «غرائب القرآن» للنيسابوري، 2/ 21، و «تفسير البيضاوي» ص 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
يرافقه من انقباض وضيق في الصدر وآلام مبرحة في الرأس والأذنين وجميع المناطق الحساسة في الجسم، وكلما ارتفع في الجو تخلخل الضغط الجوي وزاد الضغط الداخلي واشتد هذا الضيق والشعور بالاختناق، وإذا ما استمر الإنسان في الصعود يأتي الوقت الذي يكون فيه هلاكه المحتم، لذا يضطر رواد الفضاء والطيارون الذين يحلقون عاليا في الأجواء إلى استخدام الألبسة المجهزة الخاصة بهذه الحالات، والتفسير العلمي لهذه الظواهر هو:
- كلما ارتفع الإنسان في الجو، انخفض الضغط الجوي، وتغلب عليه الضغط الداخلي للإنسان.
- تخلخل الهواء وعدم وجود الأوكسجين الكافي للتنفس.
- برودة الجو وعدم حفظ درجة الحرارة بنسبة معينة.
- يصل الإنسان عند الخروج من الغلاف الجوي إلى انعدام الوزن وهي مرحلة دقيقة خطيرة.
وكل هذه الظواهر تؤدي إلى تغير في وظائف أعضاء الإنسان الداخلية فالغازات في المعدة والأمعاء تتمدد وتسبب تقلصات عنيفة، وقد يؤدي تمدد هذه الغازات إلى انتفاخ يدفع الحجاب الحاجز إلى أعلى، فيضغط على القلب والرئتين مما يسبب الإغماء أو الاختناق في الحالات الشديدة، ويختل نظام الدورة الدموية فقد تنفجر بعض العروق والأغشية في الجسم كغشاء الطبل في الأذنين والإصابة برعاف شديد .. إلخ.
هذه هي الحالة التي يشبه بها القرآن الكريم حالة الذين يضيقون ذرعا بسماع آيات القرآن وهدايات الإسلام، إنها كحالة من يصعد في السماء من شعور بالضيق والاختناق: .. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ.
هكذا تنكشف الحجب عن الآيات المعجزة كلما تقدم العلم وتطور على مر العصور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
وجه دلالة الإعجاز العلمي على مصدر القرآن الكريم
إن الإشارات التي وردت في ثنايا آي الذكر الحكيم تتحدث عن بديع صنع الخالق سبحانه وتعالى في هذا الكون الفسيح في مختلف مجالاته، وتتحدث عن النفس الإنسانية وأعماقها وعواطفها ومشاعرها.
بلغت هذه اللفتات والإشارات من السعة والشمول مبلغا لا تستطيع أجيال من العلماء الإحاطة بها مهما أوتوا من وسائل وإمكانيات وجهود وطاقات، فهي من الشمول
بحيث تمتد في البعد الزمني إلى أصل الكون بمجراته وأفلاك نجومه وكواكبه.
ومن الإحاطة بحيث تتعرض للأنظمة المرئية وغير المرئية التي تسير عليها الكائنات الحية والجمادات من رياح، وسحب، وبحار، ونبات، وحيوان، وإنسان، وبلغت هذه الإشارات والتلميحات مبلغا من الدقة بحيث تعجز أحدث الوسائل والمختبرات العلمية عن متابعة هذه الحقائق، وكما رأينا من الأمثلة المتقدمة يقف العلم التجريبي الحديث فاغرا فاه عند بعض هذه الحقائق الدقيقة.
إن سوق القرآن الكريم هذه الحقائق بهذه السعة والشمول، وبهذه الدقة المتناهية يحمل كل صاحب عقل منصف إلى القول بأن هذا تنزيل العزيز الحكيم الذي أحاط بكل شيء علما.
إن البشرية كلها عاجزة عن الإحاطة بهذه الحقائق والوصول إلى ماهيتها وأسرارها، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن من عند رجل أمي عاش
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
في بيئة أمية لم يذكر التاريخ عن أسلافها تقدما في فنون علوم الكون أو النفس البشرية؟.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (6) [الفرقان: 4 - 6].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
الفصل الثالث الإعجاز التّشريعيّ
الحديث عن الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم حديث عن النظام الخالد للكون وما فيه، فالذي أبدع الكون من العدم وأوجد فيه من المخلوقات ما لا يحصى عددا وجعل أشرف هذه المخلوقات وأكرمها بني آدم، قد اختار لهذا المخلوق المعزز دستورا في الحياة ينظم سلوكه في الدنيا وعلاقته بنفسه وبخالقه سبحانه وتعالى، ورتب نتائج دنيوية وأخروية على نتيجة سيره وفق هذا الدستور الإلهي الكريم، حيث يحصل الإنسان على الطمأنينة والعزة والرفاه في الدنيا ويشعر بإنسانيته الحقة، ويدرك الحكمة الإلهية من خلقه وإيجاده وتفضيله على سائر المخلوقات، كما ضمن الله سبحانه وتعالى له السعادة في الآخرة استمرارا لسعادته الدنيوية:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: 32].
واشتمل القرآن الكريم على الأنظمة التي يحتاجها البشر في حياتهم المعاشية ولم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا كانت له نظرته الخاصة وتشريعه المستقل بحيث ينتج من مجموع أنظمته تشريع متكامل لمناحي الحياة كلها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: 5].
وينتج من تطبيقه على الناس أمة متكاملة الشخصية متميزة الملامح والسلوك عن سائر الأمم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110].
إن الجانب التشريعي والخلقي في القرآن الكريم لآية وأيما آية على كون القرآن من عند الله وليس من عند البشر.
فالأسس الأخلاقية والقواعد التشريعية السامية التي تضمنها القرآن الكريم تخرج عن طوق البشر إحاطة ودقة وشمولا.
يدل تاريخ الإنسانية على أنها لم تنجب مفكرا أو فيلسوفا أو مصلحا اجتماعيا استطاع أن يضع نظاما كاملا للعلاقات الداخلية والخارجية لدولة ما، وكم من حكيم حاول ذلك، ولكن نظرياته ظهر فيها النقص أحيانا والتناقض طورا ومجانبة الصواب كثيرا، وثار على بعضها أتباعه في حياته أو بعد مماته.
ولا تزال هذه الظاهرة تتكرر إلى يومنا هذا في الأمم والشعوب التي لا تدين دين الحق، علما أن هذه النظريات لا تتناول إلا جانبا واحدا بل وضيقا من جوانب الحياة الاجتماعية، أما أن توضع نظرية متكاملة الجوانب للكون والمخلوقات والأفراد والجماعات في شتى صورها وحالاتها، فهذا مما يخرج من طاقة البشر مهما أوتوا من علم وحكمة، فما بالك إذا ورد مثل هذا النظام الكامل على لسان رجل أمي لم يشتهر في حياته بالاطلاع على كتب وفلسفات الأقدمين، ولم يعرف بالأسفار العلمية والتجوال في الآفاق بحثا وراء الأنظمة والتشريعات.
وبقيت تلك العلوم والمبادئ قرونا وأجيالا كلما مر عليها دول وأزمان وتناولتها الأيدي والأفكار بالبحث والنقاش والنقد والتمحيص ظهر بريقها واشتد لمعانها وأدرك المنصفون من أهل كل عصر ربانية مصدرها وجدارة تطبيقها وصلاحها دون غيرها لكل زمان ومكان.
إن المبادئ السامية التي وردت في الشريعة الإسلامية وتضمنها القرآن الكريم برهان ساطع على مصدر القرآن الكريم ودليل صدق على نبوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
محمد صلى الله عليه وسلم وأنه تلقاها من لدن الحكيم الخبير، ليكون رحمة للعالمين.
وسنلقي في مبحث الإعجاز التشريعي بعض الأضواء على جوانب من الهدايات القرآنية في:
أولا: العقيدة.
ثانيا: الشريعة.
ثالثا: الأخلاق.
وسنكتفي بالعموميات في كل ذلك، لأن التفاصيل تستغرق عمر الأجيال ولا زال علماء الأمة الإسلامية يستنبطون تشريعاتهم وأنظمة حياتهم وحلول مشاكلهم المستجدة من آي الذكر الحكيم، وسيبقى الدستور الخالد نبراسا في حياة المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أولا: في العقيدة:
جاء القرآن الكريم بعقيدة سهلة خالية من التعقيد ملائمة للفطرة الإنسانية تملأ النفس طمأنينة وارتياحا، والقلب نورا وانشراحا، والعقل قناعة.
فقد تولى القرآن الكريم توضيح العقيدة الإسلامية بأسلوب عذب جذاب لا يمكن لتاليه أو سامعه إلا أن يستجيب لنداء الفطرة ومقالة الحق بأنه تنزيل من حكيم حميد:
1 - ففي مجال بيان توحيد الله سبحانه وتعالى والاستدلال عليه من خلال مخلوقاته وآثار الإبداع في خلقه- وهي الطريقة الفطرية للإقناع والإتباع- يقول تعالى:* إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)