وعن الحسن بن الحسين قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز يبكي حتى رأيته بكى الدم، وكان خوفه بعد أن ولي الخلافة أشد وأعظم مما قبلها، فإنه كان رجلاً جسيماً فلما ولي الخلافة صار نحيفاً خوفاً من عدم القيام بحقوق العباد والمطالبة بذلك في الدار الآخرة.
قال ابن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وهو يطوف البيت وإن ربطة إزاره لغائبة في بدنه من سمنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها.
لطيفة مناسبة: نقل في كتاب لطائف المعارف عن عون بن عقبة أنه قال: بنى ملك من الملوك ممن كان قبلكم مدينة فتأنق في بنائها، ثم صنع طعاماً ودعا الناس إليه وأقعد على أبوابها أناساً يسألون كل من خرج هل رأيتم فيها عيباً؟ فيقولون: لا، حتى جاء في آخر الناس قوم أكسية فسألوهم: هل رأيتم فيها عيباً؟ فقالوا عيبين اثنين فأدخلوهم على الملك فقال لهم: هل رأيتم فيها عيباً؟ قالوا: رأينا فيها عيبين، قالوا: وما هما؟ قالوا: تخرب ويموت صاحبها، ثم دعوه وشوقوه إليها فأجابهم وانخلع من ملكه وتعبد معهم إلى أن مات، فحدث عون بهذا الحديث لعمر بن عبد العزيز فوقع منه موقعاً عظيماً، واشتد خوفه بسبب ذلك وهمَّ أن يخلع نفسه من الملك، فأتاه ابن عمه مسلمة فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فوالله لئن فعلت لتقتلن الناس بأسيافهم فقال: ويحك يا مسلمة حملتني ما لا أطيق وجعل يرددها، ومسلمة يناشده حتى سكن.
وعن أبي حازم الخناصري الأسدي قال: قدمت دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة والناس رائحون إلى الجمعة فقلت: إذا إن صرت إلى الموضع الذي أريد نزوله فاتتني الصلاة ولكن أبدأ بالصلاة فصرت إلى باب المسجد، فأنخت بعيري ثم علقته ورحت المسجد، فإذا أمير المؤمنين على الأعواد يخطب الناس فلما أن أبصرني عرفني فناداني: يا أبا حازم إليَّ مقبلاً، فلما أن سمع الناس نداء أمير المؤمنين إليَّ أوسعوا لي فدنوت من المحراب، فلما أن نزل أمير المؤمنين فصلى بالناس التفت إليَّ فقال: يا أبا حازم متى قدمت بلدنا؟ قلت: الساعة وبعيري معقول على باب المسجد، فلما أن تكلم عرفته فقلت: أنت عمر بن عبد العزيز قال: نعم، قلت له: بالله لقد كنت عندنا بالأمس بخناصرة أميراً لعبد الملك بن مروان فكان وجهك وضاء، وثوبك نقياً، ومركبك وطياً، طعامك شهياً، وحرسك شديداً فما الذي غير بك وأنت أمير المؤمنين فقال: يا أبا حازم أناشدك الله إلا حدثيني الحديث الذي حدثني بخناصرة قلت: نعم
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٦)
سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين أيديكم عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول» (1) قال أبو حازم: فبكى أمير المؤمنين بكاء عالياً حتى علا نحيبه ثم قال: يا أبا حازم فتلومني أن أضمر نفسي لتلك العقبة، لعلي أن أنجوا منها، وما أظنني منها بناج قال أبو حازم: فأغمي على أمير المؤمنين فبكى بكاءً عالياً حتى علا نحيبه ثم ضحك ضحكاً عالياً حتى بدت نواجذه، وأكثر الناس فيه القول فقلنا: اسكتوا وكفوا فإن أمير المؤمنين لقي أمراً عظيماً قال أبو حازم: ثم أفاق من نحيبه فبدرت الناس إلى لومه فقلت: يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك عجباً قال: أرأيتم ما كنت فيه؟ قلت: نعم، قال: إني بينما أنا أحدثكم إذ غمي عليَّ فرأيت أن القيامة قد قامت وحشر الله الخلائق،
وكانوا عشرين ومائه ألف أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ثمانون صفاً وسائر الأمم من الموحدين أربعون صفاً، إذا وضع الكرسي ونصب الميزان ونشرت الدواوين، ثم نادى المنادي أين عبد الله بن أبي قحافة؟ فإذا بشيخ طوال يخضب بالحناء والكتم، فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه إمام الله تعالى فحوسب حساباً يسيراً، ثم أمر ذات اليمن إلى الجنة ثم نادى المنادي: أين عمر بن الخطاب؟ فإذا بشيخ طوال يخضب بالحناء فأخذت الملائكة بضبعية فأوقفوه إمام الله تعالى فحوسب حساباً يسيراً، ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة، ثم نادى مناد: أين عثمان بن عفان؟ فإذا بشيخ طوال يصفر لحيته فأخذت الملائكة بضبعيه فأوقفوه إمام الله فحوسب حساباً يسيراً ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة، ثم نادى مناد: أين علي بن أبي طالب؟ فإذا بشيخ طوال أبيض الرأس واللحية عظيم البطن رقيق الساقين، فأخذت الملائكة بضبعية فأوقفوه إمام الله فحوسب حساباً يسيراً ثم أمر به ذات اليمين إلى الجنة فلما رأيت الأمر قد قرب مني، اشتغلت بنفسي فما أدري ما فعل الله بمن كان بعدي، إذ نادني المنادي أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت على وجهي ثم قمت فوقعت على وجهي ثم قمت فوقعت على وجهي وأتاني ملكان فأخذا بضبعي فأوقفاني إمام الله تعالى فسألني عن النقير والقطير والفتيل، وعن كل قضية قضيت بها حتى ظننت أني لست بناج ثم إن ربي تفضل عليَّ وتداركني منه برحمته وأمر بي ذات اليمين إلى الجنة، فبينما أنا مار مع الملكين الموكلين بي فمررت بجيفة ملقاة على رماد فقلت: ما هذه الجيفة؟ قالوا: أدن منه وسله يخبرك، فدنوت منه فوكزته برجلي فقلت له: من أنت؟ فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا عمر بن عبد العزيز، قال لي: ما فعل الله بك وبأصحابك؟ قلت: أما أربعة--------------------------------------------
(1) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/299) ، والقصة بتمامها عنده عن أبي حازم الخناصري.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٧)
فأمر بهم ذات اليمين إلى الجنة ثم لا أدري بمن كان بعد علي فقال لي: أنت ما فعل الله بك؟ قلت: تفضل علي ربي وتداركني برحمته، وقد أمر بي ذات اليمين إلى الجنة،
فقال: أنا كما صرت ثلاثاً، قلت له: من أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف، قلت له: الحجاج أرددها ثلاثاً، قلت: ما فعل الله بك قال لي قدمت على رب شديد العقاب ذي بطشة فقتلني بكل قتلة قتلت بها مثلها، ثم ها أنا موقوف بين يدي ربي أنتظر ما ينتظره الموحدون من ربهم، إما إلى الجنة وإما إلى نار.
قال أبو حازم فأعطيت الله عهداً بعد رؤيا عمر بن عبد العزيز أن لا أوجب لأحد من هذه الأمة ناراً.
وروي أنه رضي الله عنه منذ ولي الخلافة لم يضع لبنة على لبنة ولا أحدث له دآبة ولا امرأة ولا جارية، حتى لحق بالله.
قال له بعض أصحابه: لأي شيء لا تحدث لك بناء؟ قال هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة.
وعن أبي داود الرومي قال: كان لعمر بن عبد العزيز درجة يصعد عليها، وكانت تتحرك كلما نزل وطلع، وكان يرتاع منها ويرتعب، فأصلحها بعض أصحابه وشدها بطين في غيبته بغير إذنه، فلما صعد عمر ورآها قد ثبتت فسأل عمن أصلحها؟ فقيل له: إن فلاناً أصلحها، فقال: أعيدوها إلى ما كانت عليه فإني عاهدت الله منذ وليت أن لا أضع لبنة على لبنة ولا أجرة على أجرة.
اسمع واتعظ يا من أفنى في عمارة الدنيا عمره، وأقل من فعل الخيرات فيها وأكثر فيها ضرره، وكان السلف لصالح يخربون الدنيا ويعمرون بها الآخرة، ولا أنت يا مسكين عكست ذلك وغفلت أنك عن قريب ستصل إلى الحافرة ولله در من قال.
زيادة المرء في دنياه نقصان … وفعله غير فعل الخير خسران
يا عامر لخراب الدار مجتهداً … تالله هل لخراب الدار عمران
يا مستأنساً بالمنازل والدور، وكاسات الموت عليه تدور، يا مظلم القلب وما للقلب نور، الباطن خراب والظاهر معمور، لو ذكرت الأجداث والقبور، لأبطلت عمارة الدنيا أيا المغرور، ستحاسب على الأيام والشهور، يا من يصلي بلا حضور، ويصوم والصوم بالغيبة مغمور، كم نتلطف بك يا نفور، كم ننعم عليك يا كفور، تبارز بالمعاصي وأنت مستور، ويحلم عليك إنه حليم غفور، يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور، إلى متى تلهى بدار الغرور، وفي تمادي الغي تفنى الدهور، يا ناسياً الموت يا
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٨)
غافلاً عليه كاسات المنايا تدور، وما تزودت ليوم النشور، فانهض وتب من كل ذي ذنب متى تحظى برضوان العزيز الغفور.
ومن فضائله: أنه كان يعجبه ويحب من يذكر له شيئاً قصر فيه أو نسيه ويرى له الفضل في ذلك.
قال عمرو بن مهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي ثم هزني وقل: يا عمر ما تصنع.
فانظر يا هذا إلى خوف عمر بن عبد العزيز مع اجتهاده، فكيف بك مع تقصيرك، الدنيا مزرعة الآخرة، فما عملته في هذه وجدته في تلك.
فأنت اليوم تعمل وغداً ترى، فإن كنت غافلاً فأبك على ما قد جرى، وإذ كنت نائماً فستذهب عنك لذة الكرى، لو بكت عيناك يا هذا دماً ما تقدمت إلينا قدماً، كيف يصفوا لك ود بعد ما نشر العذر علينا علماً، إنما يصفوا وداد مرء حفظ العهد وراعى الذمما، لو أردناك لنا ما فتنا، ووصلنا حبلنا ما انصرما، ما رأينا منصفاً عامله منصف في صفقة إلا فاختصما، كانت الدنيا إذا قدمت على الصالحين قدموها إلى الآخرة.
كان عمر بن عبد العزيز يأتيه خراج اليمن فيدخله بيت المال، ويبيت في الظلام.
وكان يقول: إذا سهرت في أمر العامة أشعلت سراجاً من بيت المال، وإذا سهرت في أمر نفسي أسرجت عليَّ من مالي.
وأما عدله رضي الله عنه فإنه قد ملأ الأرض قسطاً وعدلاً وخضعت الوحوش لعدله وصارت الذباب في أيامه ترعى الغنم مع المغنم.
فقد حكي مالك بن دينار أنه لما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز قال رعاء الشاة من رؤوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس، فقيل لهم: من أعلمكم بصلاحه؟ قالوا: إنه قد قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شائنا (1) .
قال جسر القصاب: مررت في خلافة عمر بن عبد العزيز بشياه، وفيها نحو ثلاثين وحشاً أحسبهم كلاباً فقلت للرعاة لقد أكثرتم من الكلاب بين أغنامكم، فقالو: إنهم ذئاب فقلت لهم: العجب، فقالوا: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس (2) .--------------------------------------------
(1) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/255) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (5/386) .
(2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/255) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٩)
صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته ثم قال: ما رأيت أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى.
وكان رضي الله عنه عفيفاً زاهداً ناسكاً مؤمناً تقياً صالحاً رضياً وهو الذي أزال ما كان يذكر به علياً على المنابر، فإن بني أمية كانوا يلعنون علياً على المنابر، فأزاله عمر بن عبد العزيز ووضع مكانه: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر، وإلي هذا أشار كثير عزة بقوله:
وليت لم تسب علياً ولم تخف … بريئا ولم تقبل مقالة مجرم
وصدقت بالقول الفعال مع الذي … أتيت فأمسى راضياً كل مسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها … منا ينادى من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمني … بأخذك ديناري ولا أحد يهم
فاربح بها من صفقة لمبايع … وأكرم بها أكرم بها ثم أكرم
وهو الذي بعثه الله على رأس المائة الأولى لهذه الأمة ليصح لها دينها، فقد قال أحمد بن حنبل يروي هذا الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها» (1)
فنظرنا في المائة الأولى فإذا عمر بن عبد العزيز.
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (2) : حمله العلماء في المائة الأولى على عمر بن عبد العزيز، وفي الثانية على الشافعي وفي الثالثة على ابن شريح، وقيل: على الشيخ أبي الحسن الأشعري، وفي الرابعة على أبي سهل الصعلوكي وقيل: على القاضي الباقلاني، وقيل: على أبي حامد الإسفرائيني، وفي الخامسة على الغزالي.
قال الكرماني: ولا يبعد أن يكون مع السادسة الإمام الرازي، وقال: كيف لا--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في سننه (4/109، رقم 4291) عن أبي هريرة.
وأخرجه أيضاُ: الحاكم في المستدرك (4/567، رقم 8592) ، والطبراني في المعجم الأوسط (6/323، رقم 6527) ، وأبو عمرو المقرئ في السنن الواردة في الفتن (3/742، رقم 364) ، والديلمي في الفردوس (1/148، رقم 532) .
وكلام الإمام أحمد رواه الخطيب في تاريخ بغداد (2/62) من طريق أبي سعيد الفريابي قال: قال أحمد بن حنبل: إن الله تعالى يقيض للناس في كل راس مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي راس المائتين الشافعي رضي الله عنه.
(2) انظر: تهذيب الأسماء (ص 27) للنووي.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٠)
ولولاه لامتلأت الدنيا من شبه الفلاسفة فهو الداعي إلى الله في إثبات القواعد الحقانية، وحجة الحق على الخلق في تصحيح العقائد الإيمانية.
وأفاد الكرماني: أن المراد بالمصحح لهذه الأمة دينها في رأس كل مائة سنة، من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه قال: وقد كان قبيل كل مائة أيضًا من يصحح ويقوم بأمر الدين قال: ويحتمل التعدد في المصحح.
وأما شيخنا الجلال السيوطي قال: إن هذا البعث من خصائص هذه الأمة، وإن عيسى ابن مريم يبعث في آخر مائة ليجدد لهذه الأمة أمر دينهم.
وكان يترنم بهذه الأبيات:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والردى لك لازم
يغرك ما يغني وتشغل بالمنى … كما غر باللذات في النوم حالم
ويشغل فيما سوف يكره غبه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم
ومن فضائله وزهده ما قاله مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لزوجته فاطمة بنت عبد الملك: اغسلي قميص أمير المؤمنين فقالت: نفعل إن شاء الله، ثم عدته فإذا القميص على حاله فقلت: يا فاطمة لم أمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين، فإن الناس يعودونه فقالت: والله ما له قميص غيره.
وكان مرضه الذي مات فيه أول شهر رجب سنة إحدى ومائة.
وروي أن مسلمة بن عبد الملك دخل عليه في مرضه الذي مات فيه فقال: يا أمير المؤمنين من توصي بأهلك، وكان له من الأولاد الذكور بضعة عشر وإذ ذكر فقال: إن ولييَّ فيهم الله وهو يتولى الصالحين.
ويروي أنه قال: يا أمير المؤمنين إنك افتقرت ولدك من هذا المال، وتركتهم عيلة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إلىّ فقال: اسندوني ثم قال: أما قولك: إني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال، فوالله ما منعتهم حقاً هو لهم ولم أعطهم ما ليس لهم، وأما قولك: لو أوصيت فاعلم أن وصيتي وولييَّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، ثم قال: بني أحد رجلين إما رجل يتقي الله تعالى فسيجعل له مخرجاً، وإما رجل منكب على المعاصي فلم أكن مقويه على معاصي الله تعالى، ثم بعث إليهم فلما حضروا ونظر إليهم فزرفت عيناه وقال: بنفسي أفدي الفتية الذين تركتهم لا شيء لهم، فإني بحمد الله تركتهم بخير، أي بني: إن أباكم بين أمرين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار،
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١١)
وتفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فلأن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، قوموا عصمكم الله تعالى، ولما وكلهم إلى مولاهم فتح الله عليهم بالمال الكثير.
حكى الكمال الدميري في الحمام: أن بعض العلماء الأكابر اجتمع بالمنصور وأمير المؤمنين فقال المنصور لذلك الرجل العالم يوماً من الأيام: عظني وأخبرني بأعجب ما رأيت، قال له: يا أمير المؤمنين من غريب ما رأيت أن عمر بن عبد العزيز مات وخلف إحدى عشر ولداً فبلغت تركته سبعة عشر دينار تصدق بخمسة دنانير واشترى له موضع القبر بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهماً.
ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنا فورث كل واحد منهم ألف ألف دينار ثم إني رأيت رجلاً من أولاد عمر بن عبد العزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله ورأيت رجلاً من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه قال: وهذا غير عجيب فإن عمر بن عبد العزيز وكلهم إلى ربه فكفاهم وأغناهم، وهشام وكلهم إلى دينارهم فأفقرهم مولاهم.
وعن الأوزاعي أنه قال: إن عمر بن عبد العزيز قال ما أحب أن يخفف عني سكرات الموت لأنه آخر ما يرفع للمؤمن من الأجر.
وفي رواية قال: ما أحب أن يخفف سكرات الموت لأنه آخر ما يكفر به عن المؤمن.
وروي أنه لما ثقل عليه المرض قال لمسلمة بن عبد الملك: خذ من مالي دينارين فاشتري لي كفنا فقال: يا أمير المؤمنين أن الدينارين لا يحصل بهما كفن بمثلك فقال: يا مسلمة إن كان الله عز وجل عني راضياً فسيبدلني لي بما هو خير منه، وإن كان ساخطاً فإنما أكون حطباً للنار.
ويروى أنه دخل عليه شخص يقال له: سابق في مرضه فقال: له يا سابق عظني وأوجز فأنشد:
إذا أنت لم ترحل بزاد التقى … وافيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون شريكه … وأرصدت قبل الموت ما كان أرصدا
فبكى عمر حتى وقع مغشياً عليه ودخل سابق مرة أخرى عليه فأنشده قصيدة طويلة:
فكم من صحيح بات للموت آمناً … أتتة المنايا بغتة بعدما هجع
فلم يستطيع إذ جاءه الموت بغتة … فراراً ولا منه بقوته امتنع
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٢)
فأصبح تبكيه النساء مقنعا … ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله … وفارق بعدما كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغني لماله … ولا معدماً في المال ذا حاجة يدع
فلم يزل عمر يضطرب ويبكي حتى غشي عليه.
وكان بوجهه شجة فلهذا كان يقال له: شجيج بني أمية لأن ضربته دآبة في وجهه.
وهو منسوب إلى عمر بن الخطاب لكن من جهة النساء.
ومن كرامات عمر بن الخطاب أنه كان يقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً هو عمر بن عبد العزيز فإنه رضي الله عنه من أولاد عمر بن الخطاب من جهة الأم فإن أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
لطيفة: مر عمر بن الخطاب ليلة ببيت فسمع امرأة تقول لابنتها: أخلطي الحليب بالماء فقالت البنت: يا أماه أو ليس نادى عمر بن الخطاب أن لا يخلط أحد الحليب بالماء؟ قالت: إنه لا يرانا، فقالت: نطيعه في الملأ ونعصيه في الخلاء، فلما أصبح عمر دعا أولاده عبد الله وعبيد الله وعاصماً وعرض عليهم الجارية وقال: لو كان لأبيكم من حركة ما سبقه إليها من أحد، فتزوجها عاصم فولدت بنتا ثم ولدت الثانية عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن رجب في اللطائف: خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها، فيها: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاد ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله من قضي نحبه وانقضى أجله فتودعونه، وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب غنياً عما خلف، فقيراً إلى ما أسلف، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت، وانقضاء مواقيته وإني لا أقول لكم هذه المقالة وما أعلم على أحد من الذنوب أكثر ما أعلم عندي، ولكني استغفر الله وأتوب إليه، ثم رفع طرف درائه فبكى حتى شهق، ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله تعالى.
وعن عبيدة بن حسان قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عني فلا
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٣)
يبقى عندى أي أحد وكان عنده مسلمة بن عبد الملك، فخرجوا وقعد مسلمة وأخته فاطمة زوجة عمر على باب فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان، قال سمعنا صوتا من ناحية الباب يقول: ?تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ? [القصص: 83] ثم دخلوا عليه وقد مات رحمة الله واستقبل القبلة وغمض عينيه وطبق فاه (1) .
قيل: إن بعض الجان بعد موته رثاه فقال:
عنا جزاك مليك الناس صالحة … في جنة الخلود والفردوس يا عمر
أنت الذي لا نرى عدلاً نسر به … من بعده ما جرت شمس ولا قمر
ورثاه جرير فقال:
تنعي النعاة أمير المؤمنين لنا … مفضل حج بيت الله واعتمرا
حملت أمراً عظيماً فاضطلعت به … وسرت فيهم بحكم الله مؤتمرا
ورثاه الفرزدق بقصيدة طويلة منها:
لو أعظم الموت خلقاً أن يواقعه … لعدله لم يصبك الموت يا عمر
كم من شريعة حق قد نعت لهم … كادت تموت وأخرى منك تنتظر
قال الأوزاعي: شهدت جنازة عمر وخرجت إلى مدينة «قنسرين» فمررت على راهب يسير على ثورين أو حمارين فقال: يا هذا ما أحسبك شهدت جنازة هذا الرجل فقلت له: نعم فبكى فقلت وما يبكيك ولست من أهل دينه قال إنما أبكي على نور كان في الأرض فطفيء.--------------------------------------------
(1) روى ابن المبارك في الزهد خبر موته (ص 309، رقم 887) عن مغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتى ولو ساعة من نهار قالت: فقلت له يوماً: يا أمير المؤمنين ألا أخرج عنك عسى أن تغفي شيئاً فإنك لم تنم، قالت: فخرجت عنه إلى بيت غير البيت الذي هو فيه، قالت: فجعلت اسمعه يقول: ?تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ? [القصص: 83] يرددها مراراً ثم اطرق فلبث طويلاً لا أسمع له صوتا فقلت لوصيف له كان يخدمه: ويحك انظر، فلما دخل صاح، قالت: فدخلت عليه فوجدته ميتاً قد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينه.
ورواه أيضاً: ابن سعد في الطبقات الكبرى (5/406) ، والطبري في التاريخ (4/72) .
وانظر: سير أعلام النبلاء (5/141) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٤)
ويوم موته وثب ذئب على شاه فقال: الرعاة كأن الرجل الصالح قد مات فنظروا فوجدوا عمر قد مات تلك الليلة رضي الله عنه، ولي الخلافة بعده ابن عمه سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين.
وكانت خلافته مثل خلافة أبي بكر الصديق سنتين وخمسة أشهر، وكانت وفاته يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر، ومات بدير سمعان قرية من قري حمص، وكان قد أرسل لصاحب الأرض الذي يساومه على موضع قبره فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لأتبرك بقبرك وقد حاللتك منه فأبى أن يقبله إلا بثمن، وبايعهم على موضع قبره بدينارين، وقال لهم: إنما أريد بطن الأرض، فإذا دفنت فاحرثوا أرضكم وأزرعوا فيها وابنوا وانتفعوا فلا يضرني ذلك، ودفن هناك وكان عنده شيء من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظفاره فأوصى أن تدفن معه.
لطيفة: قال يوسف بن ماهك: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر إذا سقط علينا من السماء رق مكتوب عليه: بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
وقال خالد الربعي: مكتوب في التوراة أن السماء تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً.
لطيفة أخرى: قال الغزالي في منهاج الفائزين روي أن بعض الصالحين قال: كان لي ولداً استشهد فلم أره في المنام إلا ليلة توفي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، إذا تراءى إليَّ تلك الليلة فقلت: يا بني ألم تك ميتاً فقال: لا ولكني استشهدت وأنا حي عند الله أرزق، فقلت ما جاء بك فقال: نودي في السماء أن لا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلا وحضر الصلاة على عمر بن عبد العزيز فجئت لأشهد الصلاة ثم جئتكم لأسلم عليكم.
قال البخاري «وكتب بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي» (1) هذا هو السيد--------------------------------------------
(1) قال ابن حجر في الفتح (1/113) : قوله: «وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي» أي: ابن عميرة الكندي، وهو تابعي من أولاد الصحابة، وكان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة فلذلك كتب إليه، والتعليق المذكور وصله أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان لهما من طريق عيس بن عاصم قال: حدثني عدي بن عدي قال: كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فإن للإيمان فرائض وشرائع … إلى آخره» .
وقوله: «إن للإيمان فرائض» كذا ثبت في معظم الروايات باللام، وفرائض بالنصب على أنها اسم إن. وفي رواية ابن عساكر: «فإن الإيمان فرائض» على أن الإيمان اسم إن وفرائض خبرها، وبالأول جاء الموصول الذي أشرنا إليه.
وقوله: «فرائض» أي: أعمالاً مفروضة، «وشرائع» أي: عقائد دينية، «وحدوداً» أي: منهيات ممنوعة، «وسنناً» أي: مندوبات.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٥)
الجليل أبو فروة الكندي الجزري التابعي، وقد اختلفوا في أنه صحابي أم لا، والصحيح أنه تابعي.
وسبب الاختلاف في أنه روى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فظنه بعضهم صحابياً.
وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل، واستعمال عمر له يدل على أنه ليس بصحابي لأنه عاش بعد عمر، ولم يبق أحد من الصحابة في خلافته واتفقوا على جلالة عدي.
فقال البخاري: عدي سيد أهل الجزيرة.
وقال أحمد بن حنبل: عدي لا يسئل عن مثله وتوفي في ستة عشرين ومائة.
«أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودتا وسننا» هذا الذي قاله البخاري من قوله «وكتب عمر بن عبد العزيز أن للإيمان … إلى آخره» تعليق ذكره بصيغة الجزم وهو حكم منه بصحته، ومقصود البخاري بهذا الأثر المنقول عن عمر بن عبد العزيز الاستدلال على مذهبه من زيادة الإيمان ونقصانه، وأن عمر بن عبد العزيز كان قائلاً بأن الإيمان قول وفعل، وكان قائلاً: بأنه يزيد وينقص حيث قال: «فمن استكملها فقد ستكمل الإيمان» واستدل بكلامه لأنه جمعها بجلالته وفضله وعلمه كما قدمنا ذلك، والفرق بين الفرائض والشرائع والسنن ظاهر، وذلك أن المراد بالفرائض: الأعمال المفروضة، وبالشرائع: العقائد الدينية، وبالحدود: المنهيات، وبالسنن: المندوبات، هكذا فسرها الكرماني والبرماوي.
قال البرماوي: وفسرناها بذلك حذراً من التكرار فيكون ذلك وفاء بالاعتقاد وبالعمل والترك واجبين ومندوبين.
* * *
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٦)
المجلس الخامس عشر
في قوله تعالى ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى? [البقرة: 260] وفيه فوائد كثيرة متعلقة بالسيد إبراهيم صلاة الله وسلامه عليه
«وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ?وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي?» مقصود البخاري بهذه الآية الاستدلال أيضاً على مذهبه من زيادة الإيمان ونقصانه، وهي دليل ظاهر على قبول الزيادة، وفصل هذه الآية عن الآيات التي استدل بها على زيادة الإيمان ونقصانه لأن تلك دلت على الزيادة بالصريح، وهذا بطريق اللزوم، ففصل ليشعر بالتفاوت، ووجه الاستدلال أن السيد إبراهيم سئل أن يريه إحياء المولي فقال: ?رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى?، وإنما سأل ليزداد يقيناً وبصيرة، فإنه إذا انضم عين اليقين إلى علم اليقين لا شك أن الإيمان يكون أقوى فلما سأل ذلك قال الله تبارك وتعالى ?أَوَلَمْ تُؤْمِن? ألم تصدق بأني أحي الموتى، وهو سبحانه عالم بأن إبراهيم يصدق بذلك ولكن قال له ذلك ليظهر إيمانه لكل سامع فقال إبراهيم في جواب ربه: بلى ومن بأنك تحي الموتى ولكن سألتك ?وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي? أي: ليزداد يقيني إذ ليس سمع كمن رأى وليس الخبر كالعيان ولله در القائل:
ولكن للعيان لطيف معنى … له سأل المشاهدة الخليل
فطلب -صلوات الله وسلامه عليه- رؤية إحياء الموتى ليصير علم اليقين عنده بالاستدلال عين اليقين بالمشاهدة، فإنه ليس ما يصل إلى القلب بالخبر كالدي يصل إليه بالنظر لأن الكذب في الخبر ممكن وفي العيان غير ممكن.
وذهب بعض أهل التصوف إلى أن السيد إبراهيم عليه السلام إنما قصد بالسؤال رؤية الباري جل وعلا، وجعل السؤال عن كيفية إحياء الموتى وسيلة إلى ذلك فكأنه قال: رب أرني ذاتك وأنت تحي الموتى، فلما سأل من ربه أن يريه كيف يحي الموتى ليزداد يقينه
قال الله تعالى ?فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ? قيل: خذ الطاووس والديك والغراب والنسر، قيل: الحمامة بدل النسر والبطة بدل الطاووس.
?فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ? أي: ضمهن إليك ولتبرهن واعرف هيئتهن ثم قطعهن ثم اخلط لحمهن ورشهن ودمهن بعضه ببعض، ثم أمسك رؤوسهن عندك، ثم جزئهن ثم اجعل على كل جبل من جبال أرضك وكانت سبعة، وقيل: أربعة أجزاء.
?ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً? أي: قل لهم تعالين بإذن الله يأتينك ساعيات
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٧)
مسرعات في طيرهن أو مشيهن على رجلهن، ففعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما أمره الله تعالى أخذ هذه الطيور الأربعة وذبحها وقطع رؤوسها ووضع الرأس عنده ثم قطع لحمها قطعاً قطعاً، وخلط الجميع وقسمه سبعة أقسام على عدد الجبال، ووضع على كل جبل منها جزءاً كما أمره الله تعالى، ثم قال لهذه الأجزاء تعالين بإذن الله فعاد كل جزء إلى جسده، وأتى كل جسد إلى رأسه الذي معه وقيل: قال: أيتها الطيور المنقطعة والأعضاء المتفرقة عودي كما كنت بإذن الله تعالى، فعادت أجنحة هذا إلى مكانها ورأس هذا إلى بقيته وأعضائه والتأم هذا إلى هذا، وإبراهيم ينظر إليها وأقبلت أربعتها تسعي بإذن الله تعالى فعندها قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فقال: له عند ذلك ربه ?أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ? [البقرة: 131] .
وقال بعضهم: لما قال السيد إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قيل: له أنت شاك في قدرتنا حتى تقف في حقيقتنا وتقول: أرني فقال: يا رب أنت أريتني بعين بصيرتي فأرني بعين بصري لأجمع بين النظريين، فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحها ويفرق أجزائها ويجعل على كل جبل منهن جزء وأمره أن يأخذ رؤؤس الأربعة فيجعلها بين أصابعه، ويدعوها ففعل ذلك، فهب بنسيم من جانب القدرة، وجمع تلك الأجزاء المتفرقة وأتوا نحوه واختطف كل منها رأسه من بين أصابعه، وطار حياً بقدرة الله سبحانه وتعالى فعكفوا على رأس إبراهيم، ونادوه بلسان فصيح وقلب جريح: يا إبراهيم أي شيء أردت بنا حتى سفكت دمنا، يا إبراهيم تأدب فربما باسطك ربك بمثل ما باسطته، ففي تلك الليلة رأى إبراهيم ربه في المنام يقول له: اذبح ولدك كأنه يقال له إبراهيم نحن أريناك أحياء الموتى فأرنا أنت إماتة الأحياء.
فائدة: قال ابن العماد في الذريعة لم يتعرض المفسرون لوجه الحكمة في كونها أربعة، وظهر لي والله اعلم أن العناصر لما كانت أربعة ناسب الحصر في الأربعة، ويؤيد ذلك ما قاله أن الله أوحى إليه أن يأخذ بطة خضراء وغراباً أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمراً، فإن الأخضر بمثابة الصفراء أو الأسود بمنزلة السود والأبيض كالبلغم والأحمر الدم والله أعلم.
والحكمة في أمره بالأخذ من الطير دون غيره من الحيوانات: أن الطير أقرب إلى الإنسان، وأجمع لخواص الحيوان.
قال بعض العلماء: وإنما أخذ هذه الطيور الأربعة دون غيرها من الطيور لنكتة لطيفة وهي: أن أعداء الآدمي أربعة: الدنيا والهوى والنفس والشيطان كما أشار إليه
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٨)
بعضهم بقوله:
إني بليت بأربع ما سلطوا … إلا لعظم بليتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … كيف السبيل وكلهم أعدائي
فكأنه أشار بأخذه لهذه الطيور ووضعها على الجبال أن ينفي عنه ما أتصف كل واحد منها من هذه الأعداء الأربعة، فأشار بالطاووس إلى نفي نية الدنيا لأنه أكثر الطيور زينة، وأشار الغراب إلى نفي الحرص لأنه أكثر الطيور روضاً، وأشار بالديك إلى نفي الشهوة لأنه أكثر الطيور شهوة، وأشار بالنسر إلى نفي العجب لأنه أكثر الطيور عجباً، فكأنه تعالى بقوله: خذ هذه الأربعة واجعل كل منها على جبل، فالحرص على جبل الترك، والزينة على جبل الزهد، والعجب على جبل التواضع، والشهوة على جبل الإخلاص.
فائدة في أحكام هذه الطيور: أما الطاووس فهو طائر معروف في طبعه العفة وحب الزهو والخيلاء والإعجاب بريشة، يلقي ريشة في الخريف كما يلقي الشجر ورقة، فإذا بدأ طلوع الأوراق من الشجر طلع ريشة، ومع حسنة يتشأم به ونكره الناس إقامته في البيت.
وسببه: أنه لما كان سبباً لدخول إبليس الجنة وخروج آدم منها، وسبباً لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا كرهت أقامته في الدور، وكان غير مبارك فيها، ويحرم أكله لخبث لحمه، ويصح بيعه للتفرج على لونه.
وأما الديك فكنيته أبو اليقظان ويسمى الأنيس والموأنس، وقد ذكر العلماء أنه يجوز الاعتماد على الديك المجرب في أوقات الصلوات، وكانت الصحابة يسافرون معهم بالديك تعرفهم أوقات الصلاة.
ويحل أكله ويكره سبه كما روى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» (1)
حديث إسناده جيد.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (4/327، رقم 5101) عن زيد بن خالد الجهني.
وأخرجه أيضاً: النسائي في السنن الكبرى (6/234، رقم 10781) ، وأحمد في مسنده (5/192، رقم 21723) ، والحميدي في مسنده (2/356، رقم 814) ، والطيالسي في مسنده (ص 129، رقم 957) ، وعبد بن حميد (1/117، رقم 278) ، والطبراني في المعجم الكبير (5/240، رقم 5210) ، وأبو الشيخ في العظمة (5/1758) ، والبيهقي في شعب الإيمان (4/299، رقم 5172) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٩)
قال الحليمي في قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه يوقظ للصلاة» على أن كل ما استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب، بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان.
ويروى في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الديك الأبيض حبيبي وحبيب حبيبي جبريل عليه السلام يحرس بيته وستة عشر بيتاً أبيض» (1) .
وأما الغراب فهو من الفواسق الخمس يستحب قتله في الحل والحرم، ويحرم أكل الغراب الأبقع والغراب الأسود الكبير الجبلي، وأما غراب الزرع فإن أكله حلال ويسمى غراب الزيتون لأنه يأكله.
وأما النسر فهو عريف الطيور يقول: في صياحه ابن آدم عش ما شئت فإن الموت ملأ قلبك كذا قاله الحسن بن على.
وفي هذا مناسبة لما خص به النسر من العمر الطويل فقد قيل: يعيش ثمانين سنة وهو سيد الطيور لحديث ورد في ذلك ذكره الدميري في النسر وسنذكره في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى ويحرم أكله لاستنجاسه بأكله الجيف.
وأما الحمام فإنه يصدق على الذكر والأنثى من الفواخت والقمارى والقطا والوراشين واليمام والقلاب والمنسوب وأشباه ذلك، ويحل أكله بجميع أنواعه لأنه من الطيبات، وتربية الحمام لأجل البيض والإفراخ والأنس وحمل الكتب جائز بلا كراهة، وأما اللعب بها والتطير والمسابقة فقيل: يجوز لأنه يحتاج في الحرب لنقل الأحبار، والأصح كراهته فقد روي عن سفيان الثوري أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم لوط.
وقال النخعي: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.--------------------------------------------
(1) رواه أبو الشيخ في العظمة (5/1757) عن أنس مرفوعاً.
وهو حديث منكر فيه: أحمد بن محمد بن أبى بزة المقرئ، أورده العقيلي في الضعفاء (1/127، ترجمة: 155) وأخرج الحديث من طريقه وقال: وقال منكر الحديث ويوصل الأحاديث ومن حديثه … فساق حديثه هذا.
وترجم له الذهبي في الميزان (1/288، ترجمة 563) وقال: أحمد لين الحديث ونقل قول العقيلي فيه، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث لا أحدث عنه، وقال ابن أبي حاتم: روى حديثاً منكراً.
وانظر ترجمته أيضاً في لسان الميزان (1/283، ترجمة 843) ، ومع أنه منكر في الحديث، إلا أنه ثبت في القراءة قاله الذهبي في المغني في الضعفاء (1/55، ترجمة 428) .
وعموماً فحديثه هذا أنكره العلماء انظر في ذلك كشف الخفاء (1/497، رقم 1323) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢٠)
وروى ابن وهب (1) أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فدعا لها بالبركة.
ومما يدل على كراهة اللعب بالحمام الطيارة ما في سنن أبي داود وابن ماجة والطبراني وابن حبان بإسناد جيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: «شيطان يتبع شيطانة» (2) .
وهو محمول على إدمان صاحب الحمام على طيرانه والاشتغال به، والارتقاء بسببه إلى السطوح التي يشرف منها على بيوت الجيران وحرمتهم لأجله، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمام شيطاناً لأنه لا يكاد يخلو من عصيان العاصي يقال له: شيطان قال تعالى ?شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ? [الأنعام: 112] وأطلق على الحمامة شيطان مجاورة، ولا ترد الشهادة بمجرد اللعب عندنا بها، خلافاً لأبي حنيفة ومالك فإن انضم إليه قماراً ونحوه ردت الشهادة.
واستشكل العلماء سؤال السيد إبراهيم إحياء الموتى ليزداد يقينه وإيمانه يقول سيدنا علي: لو كشف الغطاء ما ازدادت يقيناً أي: لو كشف لي الغطاء عن الأمور المغيبة، من الحشر والنشر والحساب وكيفية إحياء الموتى ونحوها بأن شدتها واقعة ما ازددت بسبب وقوعها يقيناً بها.
ووجه الإشكال أن قول سيدنا علي يقتضي أنه لا يزداد يقينه عند رؤية إحياء الموتى ولا عند جميع الأمور المغيبة، والسيد إبراهيم طلب ذلك لأجل يقينه وإيمانه فيلزم أن يكون مقام سيدنا علي أعلى من مقام السيد إبراهيم مع أن مقام إبراهيم أعلى بالإجماع للقطع بأنه لا يصل ولي إلى درجة الأنبياء، وقد جمع العلماء بين القولين بما لا نطول بذكره.
«وإبراهيم» سرياني معناه بالعربية «أب راحم» ، وقيل: «رحيم» ذكره الله تعالى في القرآن في إحدى وسبعين موضعاً، وفيه سبع لغات أشهرها إبراهيم، ويقال: «إبراهام» وبها قرئ في السبعة، وكان مولده -صلوات الله وسلامه عليه- ببابل من أرض السواد بناحية يقال لها: «كوش» كما صححه ابن الملقن في زمان النمروذ بن--------------------------------------------
(1) ابن وهب هو: أحمد بن سليمان بن وهب، أبو الفضل: كاتب له شعر، من أهل بغداد، من بيت وزارة وفضل. تقلد أعمالاً منها النظر في جباية الأموال، وله ديوان شعر، وديوان رسائل. وكانت وفاته في سنة: 285 هـ.
(2) أخرجه أبو داود في سننه (4/285، رقم 4940) ، وابن ماجه في سننه (2/1238، رقم 3765) ، وابن حبان في صحيحه (13/183، رقم 5874) عن أبي هريرة.
والحديث عند البخاري في الأدب المفرد (1/441، رقم 1300) ، وأحمد في المسند (2/345، رقم 8524) ، والبيهقي في السنن الكبرى (10/213، رقم 20730) ، وفي شعب الإيمان (5/244، رقم 6534) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢١)
كنعان.
وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف مائة سنة ومائتان وثلاث وستون سنة، وبينه وبين آدم ثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثون سنة، والنمروذ عليه اللعنة كان جباراً عنيداً دعا الناس إلى عبادته وهو أحد الملوك الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها ورد في الحديث: «ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران أما المؤمنان فسليمان بن داود والإسكندر ذو القرنين عليهما السلام، وأما الكافران فنمرود عليه اللعنة وبخت نصر» (1) .
وكان عند النمروذ كهان ومنجمين فلما أراد الله إيجاد السيد إبراهيم قالوا: إنا نجد في علمنا أنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يده، فأمر يذبح كل مولود يولد في تلك الناحية في تلك السنة، فلم يولد فيها غلام إلا ذبحه.
وأما أم إبراهيم فإنه لما حملت به لم يعلموا بحبلها، فإنها كانت جارية حديثة السن تعلم الحبل، ولم يستبن في بطنها شيء، فلما حملت به أمه قالت الكهان للنمرود: إن المولود الذي أخبرناك قد حملت به أمه هذه الليلة، فلما عظم بطنها خشي آزر أن يعلموا بها فيذبحوها وولدها، فانطلق بها إلى أرض بين البصرة والكوفة فأنزلها في سرب من الأرض، وجعل عندها ما يصلحها وجعل يكتم ذلك من أصحابه، فولدت إبراهيم فيه وشب فكان ابن سنة كابن ثلاثين سنة، وكانت أمه كلما دخلت عليه وجدته يمص أصابعه فقالت ذات يوم نظرت إليه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبناً ومن إصبع عسلاً ومن إصبع زبداً ومن إصبع سمناً.
لطيفة وقعت لشخص في الصغر نظير ما وقع للسيد إبراهيم: نقل الشيخ كمال الدين الدميري عن عبيد بن واقد الليثي البصري قال: كنت أريد الحج فوقفت على رجل بين يديه غلام أحسن الغلمان وأكثرهم حركة فقلت: من هذا؟ قال لي ابني وسأحدثك عنه، خرجت مرة حاجاً ومعي أم هذا الغلام وهي حامل به، فلما كنا في بعض المنازل ضربها الطلق فولدت هذا وماتت، وحضر الرحيل فأخذت الصبي فلففته في خرقة وجعلته في غار وبنيت عليه أحجاراً، وارتحلت وأنا أرى أنه يموت من ساعته، فقضيت الحج فلما نزلنا ذلك بادر بعض رفقتي إلى الغار فنقض الأحجار فإذا بالصبي--------------------------------------------
(1) رواه الطبري في تاريخه (1/142) فقال: عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢٢)
ملتقم إبهامه فنظرنا فإذا اللبن يخرج منها، فاحتملته معي فهو هذا الذي ترى.
واختلف في إقامة إبراهيم في الغار وقيل: سنة، وقيل: خمسة عشر شهراً، وقيل: سبعة أشهر فلما شب إبراهيم في السرب، وتكلم قال لأمه من ربي؟ قالت: أنا، فقال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ فقالت: النمروذ، قال: فمن رب النمروذ؟ قالت: اسكت فسكت، ثم رجعت إلى أبيه فقالت: المولود الذي يغير دين أهل الأرض هو ولدك وأخبرته بما قال، فأتاه أبوه فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: النمروذ، قال: فمن رب النمروذ؟ فلطمه لطمةً وقال: اسكت فسكت.
وهذا هو الرشد الذي أشار إليه بقوله ?وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ? [الأنبياء: 51] أي: هديناه وأصلحناه من قبل موسى وعيسى وقيل: معنى قبل أي: من قبل بلوغه.
ولما كان في السرب لم ير شيئاً مما على الأرض من الحيوانات أو غيرها ولا السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم فقال لأبويه: أخرجاني فأخرجاه آخر النهار حين غابت الشمس، فنظر إلى الإبل والبقر والغنم والخيل فسأل عن أسمائها فسماها له، قال هذا الجنس يقال له: غنم، وهذا يقال له: بقر، وهذا يقال له: إبل، فقال: ما لهذه لابد أن يكون لها من خالق إله خالق ورازق.
وقيل: إنه قال لأمة: هذه الخلائق هذا طويل وهذا قصير، وهذا قوي وهذا ضعيف، وهذا غني وهذا فقير، وهذا صحيح وهذا مريض، من صنع هذا كله؟ فقالت له: النمروذ، قال لها: ومن خلق النمروذ؟ فلطمته وقالت: اسكت.
ثم رق قلبها له وقالت: ألك حجة على أنه ليس برب؟ قال: نعم، قالت: وما هي؟ قال: له زيادة ونقصان، وتحريك وإسكان، وهل يقوم ويقعد، ويأكل ويشرب، ويستيقظ وينام؟ فقالت: نعم، قال: هذا صفات الأجسام، المفتقر إلى الشهوة والطعام، وعزل سلطنته قريب، وورآه من الموت يوم عصيب، يا أمي من تؤلمه بقة وتقتله شرقة وتوجعه إبره وتجعله الحوادث عبرة، ويجوع ويظمأ، ويسمن ويضنأ، ويعمل فيه البرد والحر، وليس بيده نفع ولا ضر، لا يكون إلهاً كأنك بملكه قد تناهى، قالت: فمن إله السماوات والأرض، قال: الذي لا يغلب ولا يقهر، ولا ينام ولا يسهر، ولا عرض ولا جوهر، يعلم ما يسر من القول ما يجهر، خالق الليل الدامس، ومخرج الثمرة من اليابس، قالت له: فأين هذا الرب؟ قال: لا يوصف بأين ثم انظر وتفكر في خلق
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢٣)
السماوات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني أسقاني ربي، مالي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فإذا المشترى قد طلع، وقيل: الزهرة، وكانت الليلة في النصف الثاني من الشهر فرأى الكوكب قبل القمر فقال: هذا ربي فلما أفل أي: غاب قال: لا أحب الآفلين، ثم طلع القمر قال هذا ربي كما قال تعالى ?فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ? [الأنعام: 77] ثم طلعت الشمس فلما رآها قال هذا ربي كما قال: ?فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ? [الأنعام: 78، 79] .
قال القاضي عياض: استدلال إبراهيم بالكواكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمسة عشر شهراً واسم أبيه تارح، ولقبه آزر كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ? [الأنعام: 74] ومعناه الشيخ الكبير، وقيل: معناه قبيح الفعل، وقيل: سمي آزر لشدة كفره، وقيل: آزر اسم لصنم الذي كان يعبده فلقب به لملازمته لعبادته، وقيل: أطلق عليه بحذف مضاف أي: لأبيه عابد آزر، وكان نجاراً يصنع الأصنام، فلما بلغ إبراهيم من العمر سبع سنين كان أبوه يعطيه الأصنام ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم فينادي عليها من يشتري شيئاً يضره ولا ينفعه فلا يشتري أحداً منه شيئاً، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى آزر فيضرب رأسها فيه ويقل: اشربي ثلاث مرات استهزاء منه بها وبقومه وما هم عليه من الضلال والجهالة، حتى فشي أمره بين الناس فاستهزأ به قومه وأهل بلدته.
وقال بعضهم: كان آزر ينحت الأصنام لفرط حبه لها فإذا كثرت عليه يبيعها وكان يعطيها لأولاده ويبيعوها، وكان يعطي إبراهيم الصنم ليبيعه فيربط إبراهيم في رقبته حبلاً ويبله في الماء ويسحبه على التراب ويرميه تحت أرجل الكلاب، ويلطخها بالعذرة ويقول: من يشتري ما يضره ولا ينفعه فقال له: أبوه ويحك لم لا يشترون منك؟ فقال: سوق آلهتكم كاسد، فقال له أبوه: فامدحه حتى يشترون منك لنأكل من ثمنه الخبز قال إبراهيم: كيف أمدحه إن قلت: سميع كذبت وإن قلت: بصير كذبت ?يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً? [مريم: 42] ، قال آزر: ?أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ? [مريم: 46] قال: نعم، قال آزر: ?وَاهْجُرْنِي مَلِيَّاً? أي: حينا من الدهر حتى لا يجر عليك مني ما لا تريد فقال
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢٤)
إبراهيم: ?سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي? [مريم: 47] معناه إنك مني سالم لا أوذيك لو آذيتني سألت الله تعالى لا يعاقبك بأذيتي، وإنما قال ?وَاهْجُرْنِي مَلِيَّاً? لأنه أعاب الصنم عنده بثلاثة أشياء قال: لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن عبده فلا تصلح له الربوبية، إنما الربونية لرب يأتي إليه في ليلة ظلماء فيقضي حاجته، ويراه في ظلمة الليل ويسمع قوله ويعلم، ثم قال: وأما ما طلبت من الهجر بقولك اهجرني فقد هجرتك ولن تراني قط عندك، هذا فراق ليس بعده تلاق، ووداع ليس بعده اجتماع.
وقيل: إن إبراهيم أقام عند أبيه سبع عشرة سنة كاشف قومه وقال لهم: ?مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ? [الأنبياء: 52] يعني ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها قالوا: ?وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ? [الأنبياء: 53] يعني إننا نقتدي في عبادتها بأباءنا ونقلدهم قال: ?لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ? [الأنبياء: 54] .
ثم اظهر دينه -صلوات الله عليه وسلامه- قال: ?أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَاّ رَبَّ العَالَمِينَ? [الشعراء: 75، 76، 77] فقالوا: من تعبد أنت يا إبراهيم؟ قال: رب العالمين، فقالوا: يعني النمروذ قال لا ?الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ? [الشعراء: 78 - 82] .
فلما ظهر أمره للناس حتى بلغ النمروذ الجبار دعاه: يا إبراهيم إلهك الذي بعثك وتدعوا الناس إلى عبادته وتذكر من قدرته، وتعظمها له على غيره صفة لنا فقال إبراهيم: ?رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ?، قال النمروذ: ?أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ? قال له إبراهيم: كيف تحي وتميت؟ قال: أخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته ثم أعفو عن الآخر فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك إلزاماً على وجه يعجز الإتيان بنظيره ?فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ? فبهت عند ذلك النمروذ ولم يرد جواباً ولزمته الحجة كما قال تعالى ?فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ? [البقرة: 285] .
ثم إن إبراهيم أراد أن يري قومه ضعف الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، وعجزها إلزاماً للحجة، فجعل ينظر وقتاً يخل فيه مكان الأصنام إلى أن حضرهم عيد، فإنهم كان لهم في كل سنة عيد يخرجون إليه يجتمعون فيه، وكانوا إذا رجعوا من
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢٥)