1603 - أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: نَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ هَذَا الطَّوَّافَ الَّذِي يَطُوفُ عَلى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيتصدّق عَلَيْهِ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ كَانَ فِي الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ هُوَ الطَّوَّافُ السَّائِلُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَلا يُفْطَنُ بِهِ، فَيُعْطَى، لِأَنَّ السَّائِلَ قَدْ تَأْتِيهِ بِمَسْأَلَتِهِ كِفَايَتُهُ، فَتَزُولُ حَاجَتُهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ اسْمُ الْمَسْكَنَةِ، وَلا يَزُولُ عَمَّنْ لَا يُفْطَنُ بِهِ، فَيُعْطَى.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِفَقِيرٍ مَنْ جَمَعَ الدِّرْهَمَ إِلَى الدِّرْهَمِ، وَالتَّمْرَةَ إِلَى التَّمْرَةِ، وَلَكِنْ مَنِ أَنْقَى نَفْسَهُ وَثِيَابَهُ، لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ {

يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [الْبَقَرَة: 273]، فَذَلِكَ الْفَقِيرُ.

فَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَأَنْ يُتَحَرَّى وَضْعُهَا فِي أَهْلِ التَّعَفُّفِ دُونَ الْمُلْحِفِ الْمُلِحِّ.

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمًا فِي الصَّدَقَاتِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمِسْكِينُ الطَّوَّافُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ: الْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْفَقِيرُ: الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمَانَةٌ، وَالْمِسْكِينُ: الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ، وَالْمِسْكِينُ: مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ وَلا تُغْنِيهِ، سَائِلا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ، فَالْمِسْكِينُ عِنْدَهُ أَحْسَنُ حَالا مِنَ الْفَقِيرِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الْكَهْف: 79]، أَثْبَتَ لَهُمُ الْمُلْكَ مَعَ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ.

وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَحْسَنُ حَالا مِنَ الْمِسْكِينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَجِدُ الْقُوتَ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: الْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فاطر: 15]، أَيِ: الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي أَذَلَّهُ الْفَقْرُ وَأَسْكَنَهُ، أَيْ: قَلَّلَ حَرَكَتَهُ، مِفْعِيلُ مِنَ السُّكُونِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الْكَهْف: 79]، سُمُّوا مَسَاكِينُ لِذُلِّهِمْ وَقُدْرَةُ الْمُلْكِ عَلَيْهِمْ، وَضَعْفِهِمْ عَنِ الانْتِصَارِ مِنْهُ.

وَيَقَعُ اسْمُ الْمِسْكِينِ عَلَى كُلِّ مَنْ أَذَلَّهُ شَيْءٌ غَيْرَ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ مَسْكَنَتُهُ مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ.

শারহুস সুন্নাহ লিল বাগাওয়ী (1603)