2082 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ، نَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ، نَا عَفَّانُ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، نَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَس، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ».

قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.

قَالَ الإِمَامُ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ.

وَيُرْوَى فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، لأَنَّهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ هَلاكِهَا بِوُرُودِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا لِصِغَرِهَا وَضَعْفِهَا، وَإِذَا تَلِفَتْ لَا يَبْقَى لِلْمُشْتَرِي بِمُقَابَلَةِ مَا دَفَعَ مِنَ الثَّمَنِ شَيْءٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» نَهَى الْبَائِعَ عَنْهُ، لِئَلا يَكُونَ آخِذًا مَالَ الْمُشْتَرِي إِلا بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ يُسَلَّمُ لَهُ، وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ مِنْ أَجْلِ الْمُخَاطَرَةِ وَالتَّغْرِيرِ بِمَالِهِ، فَأَمَّا إِذَا بَاعَ وَشَرَطَ الْقَطْعَ عَلَيْهِ، يَصِحُّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لأَنَّهُ يَأْمَنُ بِالْقَطْعِ مِنَ الْهَلاكِ بِالآفَةِ وَالْعَاهَةِ.

وَأَمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا، لأَنَّهَا تَأْمَنُ مِنَ الْعَاهَةِ بَعْدَهُ فِي الْغَالِبِ لِكِبَرِهَا وَغِلَظِ نَوَاتِهَا، ثُمَّ تَبْقَى إِلَى أَوَانِ الْجِدَادِ.

وَبُدُوِّ الصَّلاحِ فِي الرُّطَبِ أَنْ يَصِيرَ بُسْرًا، وَهُوَ أَنْ يُرَى فِيهِ نُقَطُ الْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ.

وَفِي الْخَوْخِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْمِشْمِشِ، وَالتُّفَّاحِ، بِأَنْ يَطِيبَ بِحَيْثُ يُسْتَطَاعُ أَكْلُهُ.

وَفِي الْبِطِّيخِ بِأَنْ يُرَى فِيهِ أَثَرُ النُّضْجِ.

وَفِي الْقِثَّاءِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، بِأَنْ يَتَنَاهَى بِحَيْثُ يُجْتَنَى فِي الْغَالِبِ.

وَإِذَا بَاعَ ثَمَرَةَ حَائِطٍ بَدَا الصَّلاحُ فِي بَعْضِهِ، جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ مُطْلَقًا إِذَا اتَّفَقَ الْجِنْسُ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، بِأَنْ كَانَ فِيهِ كَرْمٌ وَنَخِيلٌ، بَدَا الصَّلاحُ فِي ثَمَرِ النَّخِيلِ دُونَ الْكَرْمِ، يَجِبُ شَرْطُ الْقَطْعِ فِيمَا لَمْ يَبْدُ فِيهِ الصَّلاحُ.

وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرِ جَائِزٌ مُطْلَقًا، سَوَاءً كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ، فَإِنْ بَاعَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلا يَجُوزُ فِي الْحَالَيْنِ.

وَالْخَبَرُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ.

وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ مَعَ الشَّجَرَةِ يَجُوزُ مُطْلَقًا، سَوَاءً كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ أَوْ بَعْدَهُ، لأَنَّ الثَّمَرَةَ كَالتَّابِعِ لِلشَّجَرَةِ.

وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ إِلا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَإِنْ بَاعَ مَعَ الأَرْضِ جَازَ مُطْلَقًا.

أَمَّا بَيْعُ الزَّرْعِ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، فَإِنْ كَانَ زَرْعًا تُرَى حَبَّاتُهُ ظَاهِرَةٌ كَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لَا تُرَى حَبَّاتُهُ كَالْحِنْطَةِ، وَالذُّرَةِ، وَنَحْوِهَا، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لأَنَّ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ الْحَبُّ، مُسْتَتِرٌ بِمَا لَيْسَ فِيهِ صَلاحُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي الْقِشْرَةِ السُّفْلَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالرَّانِجِ، وَنَحْوِهَا فِي الْقِشْرَةِ الْعُلْيَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «حَتَّى يَحْمَرَّ، وَحَتَّى يَسْوَدَّ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ «يَبْدُو صَلاحُهُ، حُمْرَتُهُ، وَصُفْرَتُهُ»، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الاعْتِبَارِ بِحُدُوثِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الثَّمَرَةِ، لَا إِتْيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ بُدُوِّ الصَّلاحِ فِي الثِّمَارِ غَالِبًا.

وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الاعْتِبَارَ بِالزَّمَانِ، فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ جَازَ بَيْعُهُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ

بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَاهَةُ» فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: مَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: طُلُوعُ الثُّرَيَّا.

وَالْمُرَادُ مِنْهُ عِنْدَ الآخَرِينَ حَقِيقَةَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا مِنَ الأَحَادِيثِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى طُلُوعِ الثُّرَيَّا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ فِي الثِّمَارِ يَكُونُ بَعْدَ طُلُوعِهَا غَالِبًا.

وَرَوَى عِسْلُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا طَلَعَ النَّجْمُ قَطُّ وَفِي الأَرْضِ مِنَ الْعَاهَةِ شَيْءٌ إِلا رُفِعَ».

وَعِسْلُ بْنُ سُفْيَانَ أَبُو قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيُّ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِيهِ نَظَرٌ.

وَأَرَادَ بِالنَّجْمِ: الثُّرَيَّا، وَطُلُوعُهَا بِالْغَدَاة مَعَ الصُّبْحِ، وَذَلِكَ لِثَلاثَ عَشْرَةَ تَخْلُو مِنْ أَيَارَ.

وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمَالِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، ثُمَّ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ بَيْعَ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ.

وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ أَقَاوِيلُ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ.

وَالثَّانِي: صَحِيحٌ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ.

وَالثَّالِثُ: فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ بَاطِلٌ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَجَازَ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَرِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ.

وَلَوْ بَاعَ حَمَلَ الْبَاذِنْجَانَ، وَالْخِرْبَزَ، وَالْقِثَّاءَ، بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْخِرْبَزِ أَثَرُ النُّضْجِ، وَفِي الْبَاذِنْجَانِ وَالْقِثَّاءِ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ، أَوْ عِظَمُ بَعْضِهِ، فَجَائِزٌ، وَيُتْرَكُ حَتَّى يَتَلاحَقَ صِغَارُهُ بِكِبَارِهِ، وَمَا نَبَتَ بَعْدَهُ، فَلِلْبَائِعِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا نَبَتَ حَتَّى تَنْقَطِعَ ثَمَرَتُهُ.

بَاب وَضْعِ الْجَائِحَةِ.

শারহুস সুন্নাহ লিল বাগাওয়ী (2082)