92 - قَالَ
الشَّيْخُ
الْحُسَيْنُ
بْنُ
مَسْعُودٍ
: أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا خَالُ وَالِدِي أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، أَنا أَبُو الأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، وَبِكَ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ».
فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟، إِنَّ شَأْنَهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، إِنَّهُ لَفَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَإِنَّهُ عَلَيْهِ
لَهَكَذَا».
وَأَشَارَ وَهْبٌ بِيَدِهِ، مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ «وَأَشَارَ أَبُو الأَزْهَرِ أَيْضًا»، إِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ
وَجُبَيْرٌ هُوَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ، وَابْنُهُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدٌ، وَابْنُهُ جُبَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حِجَازِيُّونَ.
قَالَ الشَّيْخُ: هَذَا حَدِيثٌ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ فِي بَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، بِإِسْنَادِ أَبِي الأَزْهَرِ وَمَعْنَاهُ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا» أَوْ قَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ، «وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ».
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «وَإِنَّهُ عَلَيْهِ لَهَكَذَا» فِي رِوَايَةِ أَبِي الأَزْهَرِ.
وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ الْكَيْفِيَّةَ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ صِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلالِهِ مِنْ حَيْثُ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السَّائِلِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟» مَعْنَاهُ: أَتَدْرِي مَا عَظَمَةُ اللَّهِ وَجَلالُهُ؟.
وَقَوْلُهُ: «إِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ» مَعْنَاهُ: لَيَعْجَزُ عَنْ جَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ حَتَّى يَئِطَّ بِهِ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ إِنَّمَا يَكُونُ لِقُوَّةِ مَا فَوْقَهُ، وَلِعَجْزِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ «، وَمَنْ» بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّمْثِيلِ عِنْدَهُ مَعْنَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلالِهِ، وَارْتِفَاعِ عَرْشِهِ، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ، وَجَلالَةِ الْقَدْرِ لَا يُجْعَلُ شَفِيعًا إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِشَيْءٍ، أَوْ مُكَيَّفًا بِصُورَةِ خَلْقٍ، أَوْ مُدْرَكًا بِحَدٍّ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
قَالَ الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْوَاجِبُ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِه الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَالتَّسْلِيمُ، وَتَرْكُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْعَقْلِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَظِيمٌ لَهُ عَظَمَةٌ، كَبِيرٌ لَهُ كِبْرِيَاءُ، عَزِيزٌ لَهُ عِزَّةٌ، حَيٌّ لَهُ حَيَاةٌ، بَاقٍ لَهُ بَقَاءٌ، عَالِمٌ وَلَهُ عِلْمٌ، وَمُتَكَلِّمٌ وَلَهُ كَلامٌ، قَوِيٌّ لَهُ قُوَّةٌ، وَقَادِرٌ وَلَهُ قُدْرَةٌ، وَسَمِيعٌ وَلَهُ سَمْعٌ، بَصِيرٌ لَهُ بَصَرٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الْوَاقِعَة: 74]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الْحَج: 62]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الجاثية: 37]،
وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النِّسَاء: 158]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ".
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} [غَافِر: 65]، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111].
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرَّحْمَن: 27]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [الْقَصَص: 88]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} [سبأ: 3]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النِّسَاء: 17]، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النِّسَاء: 166]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [الْبَقَرَة: 255]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّسَاء: 164]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} [الْفَتْح: 15]، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الْحَج: 40]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [
الذاريات: 58]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} [الْأَنْعَام: 65]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْبَقَرَة: 20]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [الْقَمَر: 55]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّسَاء: 134]، وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
وَيَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَا يَجُوزُ لَهُ اسْمٌ حَادِثٌ، وَلا صِفَةٌ حَادِثَةٌ، كَانَ اللَّهُ خَالِقًا وَلا مَخْلُوقَ، وَرَبًّا وَلا مَرْبُوبَ، وَمَالِكًا وَلا مَمْلُوكَ، كَمَا هُوَ الآخِرُ قَبْلَ فَنَاءِ الْعَالَمِ، وَالْوَارِثُ قَبْلَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، وَالْبَاعِثُ قَبْلَ مَجِيءِ الْبَعْثِ، وَمَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُشْبِهُ أَسْمَاءَ الْعِبَادِ، لأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَأَسْمَاءَ الْعِبَادِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي»:
فَبَيَّنَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُحْدَثَ لَهُ اسْمٌ بِحُدُوثِ فِعْلِهِ، وَلا يُعْتَقَدُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا هُوَ وَلا غَيْرُهُ، بَلْ هِيَ صِفَاتٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ، لَمْ يَزَلْ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَلا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
الشَّيْخُ
الْحُسَيْنُ
بْنُ
مَسْعُودٍ
: أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا خَالُ وَالِدِي أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، أَنا أَبُو الأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، وَبِكَ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ».
فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟، إِنَّ شَأْنَهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، إِنَّهُ لَفَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَإِنَّهُ عَلَيْهِ
لَهَكَذَا».
وَأَشَارَ وَهْبٌ بِيَدِهِ، مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ «وَأَشَارَ أَبُو الأَزْهَرِ أَيْضًا»، إِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ
وَجُبَيْرٌ هُوَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ، وَابْنُهُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدٌ، وَابْنُهُ جُبَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حِجَازِيُّونَ.
قَالَ الشَّيْخُ: هَذَا حَدِيثٌ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ فِي بَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، بِإِسْنَادِ أَبِي الأَزْهَرِ وَمَعْنَاهُ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا» أَوْ قَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ، «وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ».
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «وَإِنَّهُ عَلَيْهِ لَهَكَذَا» فِي رِوَايَةِ أَبِي الأَزْهَرِ.
وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ الْكَيْفِيَّةَ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ صِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلالِهِ مِنْ حَيْثُ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السَّائِلِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟» مَعْنَاهُ: أَتَدْرِي مَا عَظَمَةُ اللَّهِ وَجَلالُهُ؟.
وَقَوْلُهُ: «إِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ» مَعْنَاهُ: لَيَعْجَزُ عَنْ جَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ حَتَّى يَئِطَّ بِهِ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ إِنَّمَا يَكُونُ لِقُوَّةِ مَا فَوْقَهُ، وَلِعَجْزِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ «، وَمَنْ» بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّمْثِيلِ عِنْدَهُ مَعْنَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلالِهِ، وَارْتِفَاعِ عَرْشِهِ، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ، وَجَلالَةِ الْقَدْرِ لَا يُجْعَلُ شَفِيعًا إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِشَيْءٍ، أَوْ مُكَيَّفًا بِصُورَةِ خَلْقٍ، أَوْ مُدْرَكًا بِحَدٍّ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
قَالَ الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْوَاجِبُ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِه الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَالتَّسْلِيمُ، وَتَرْكُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْعَقْلِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَظِيمٌ لَهُ عَظَمَةٌ، كَبِيرٌ لَهُ كِبْرِيَاءُ، عَزِيزٌ لَهُ عِزَّةٌ، حَيٌّ لَهُ حَيَاةٌ، بَاقٍ لَهُ بَقَاءٌ، عَالِمٌ وَلَهُ عِلْمٌ، وَمُتَكَلِّمٌ وَلَهُ كَلامٌ، قَوِيٌّ لَهُ قُوَّةٌ، وَقَادِرٌ وَلَهُ قُدْرَةٌ، وَسَمِيعٌ وَلَهُ سَمْعٌ، بَصِيرٌ لَهُ بَصَرٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الْوَاقِعَة: 74]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الْحَج: 62]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الجاثية: 37]،
وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النِّسَاء: 158]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ".
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} [غَافِر: 65]، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111].
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرَّحْمَن: 27]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [الْقَصَص: 88]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} [سبأ: 3]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النِّسَاء: 17]، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النِّسَاء: 166]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [الْبَقَرَة: 255]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّسَاء: 164]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} [الْفَتْح: 15]، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الْحَج: 40]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [
الذاريات: 58]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} [الْأَنْعَام: 65]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْبَقَرَة: 20]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [الْقَمَر: 55]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّسَاء: 134]، وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
وَيَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَا يَجُوزُ لَهُ اسْمٌ حَادِثٌ، وَلا صِفَةٌ حَادِثَةٌ، كَانَ اللَّهُ خَالِقًا وَلا مَخْلُوقَ، وَرَبًّا وَلا مَرْبُوبَ، وَمَالِكًا وَلا مَمْلُوكَ، كَمَا هُوَ الآخِرُ قَبْلَ فَنَاءِ الْعَالَمِ، وَالْوَارِثُ قَبْلَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، وَالْبَاعِثُ قَبْلَ مَجِيءِ الْبَعْثِ، وَمَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُشْبِهُ أَسْمَاءَ الْعِبَادِ، لأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَأَسْمَاءَ الْعِبَادِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي»:
فَبَيَّنَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُحْدَثَ لَهُ اسْمٌ بِحُدُوثِ فِعْلِهِ، وَلا يُعْتَقَدُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا هُوَ وَلا غَيْرُهُ، بَلْ هِيَ صِفَاتٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ، لَمْ يَزَلْ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَلا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
শারহুস সুন্নাহ লিল বাগাওয়ী (92)