138 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَمَّدَ آبَادِيُّ، حدثنا أَبُو بَكْرٍعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، حدثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حدثنا جُوَيْرِيَةُ بْنُ بَشِيرٍ الْهُجَيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَرَأَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ: { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ لَكُمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَالشَّرَّ كُلَّهُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَاللهِ مَا تَرَكَ الْعَدْلُ، وَالْإِحْسَانُ مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْئًا إِلَّا جَمَعَهُ، وَلَا تَرَكَ الْفَحْشَاءُ، وَالْمُنْكَرُ وَالْبَغْيُ، مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْئًا إِلَّا جَمَعَهُ "

الثَّالِثُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ بَابٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ " وَالْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ يَنْتَظِمُ مَعَانِيَ أَحَدُهَا: التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ. وَالْآخَرُ: إِنْزَالُهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَإِثْبَاتُ أَنَّهُمْ عِبَادُ اللهِ، وَخَلْقُهُ كَالْإِنْسِ، وَالْجِنِّ مَأْمُورُونَ مُكَلَّفُونَ لَا يَقْدِرُونَ إِلَّا عَلَى مَا قَدِّرُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَالْمَوْتُ عَلَيْهِمْ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ أَمَدًا بَعِيدًا، فَلَا يَتَوَفَّاهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوهُ، وَلَا يُوصَفُونَ بِشَيْءٍ يُؤَدِّي وَصْفَهُمْ بِهِ إِلَى إِشْرَاكِهِمْ بِاللهِ تَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا يَدَّعُونَ آلِهَةُ كَمَا ادَّعَتْهُمُ الْأَوَائِلُ. وَالثَّالِثُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مِنْهُمْ رُسُلَ اللهِ يُرْسِلُهُمْ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَتْبَعَ ذَلِكَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مِنْهُمْ حَمَلَةَ الْعَرْشِ، وَمِنْهُمُ الصَّافُّونَ، وَمِنْهُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُمْ خَزَنَةُ النَّارِ، وَمِنْهُمْ كَتَبَةُ الْأَعْمَالِ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يَسُوقُونَ السَّحَابَ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، أَوْ بِأَكْثَرِهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ خَاصَّةً: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] "

فَصْلُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " مِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَحْيَاءَ الْعُقَلَاءَ النَّاطِقِينَ فَرِيقَانِ: إِنْسٌ وَجِنٌّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صِنْفَانِ أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ، فَأَخْيَارُ الْإِنْسِ يُدْعَوْنَ أَبْرَارًا، ثُمَّ يَنْقَسِمُونَ إِلَى رُسُلٍ وَغَيْرِ رُسُلٍ، وَأَشْرَارُهُمْ يُدْعَوْنَ فُجَّارًا ثُمَّ يَنْقَسِمُونَ إِلَى كُفَّارٍ، وَغَيْرِ كُفَّارٍ، وَأَخْيَارُ الْجِنِّ يُسَمَّوْنَ مَلَائِكَةً، ثُمَّ يَنْقَسِمُونَ إِلَى رُسُلٍ وَغَيْرِ رُسُلٍ، وَأَشْرَارُهُمْ يُدْعَوْنَ شَيَاطِينَ، ثُمَّ قَدْ يُسْتَعَارُ هَذَا الِاسْمُ لِفُجَّارِ الْإِنْسِ تَشْبِيهًا لَهُمْ بِفُجَّارِ الْجِنِّ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ هَذَا التَّفْسِيرُ، وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْجِنَّ مِنْهُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ، وَمِنْهُمْ سُكَّانُ السَّمَاءِ فَالَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ السَّمَاءِ يُدْعَوْنَ الْمَلَأَ الْأَعْلَى، وَيَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَالَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ هُمُ الْجِنُّ بِالْإِطْلَاقِ، وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى أَخْيَارٍ وَفُجَّارٍ، وَمُؤْمِنِينَ، وَكَافِرِينَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى مَلَائِكَةٌ لِأَنَّهُمْ مُسْتَصْلَحُونَ لِلرِّسَالَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْوَلَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَصْلُهُ مَالِكٌ، وَأَنَّ مِلَاكَ مَقْلُوبٌ، وَأَنَّهُ قِيلَ: الْوَاحِدُ الْمَلَائِكَةُ مَالِكٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلرِّسَالَةِ بِكَوْنِهِ مُصْطَفًى مُخْتَارًا لِلسَّمَاءِ أَنْ يَسْكُنَهَا إِذْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ مِنْهَا تَأْتِي سُكَّانَ الْأَرْضِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَالَ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُمْ مَعْنًى، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فِي آيَةٍ أُخْرَى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] فَأَبَانَ أَنَّ

الْمَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ كَانُوا طَبَقَةً وَاحِدَةً إِلَّا أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا عَصَى، وَلُعِنَ صَارَ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ، وَأَيْضًا إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللهِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْجِنِّ، وَأَنَّ النَّسَبِ الَّذِي جَعَلُوهُ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْجِنِّ قَوْلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ تَعَالَى عَمَّا قَالُوا عُلُوًّا كَبِيرًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْسَ هُمُ الظَّاهِرُونَ وَالْجِنَّ هُمُ الْمُجْتَنُّونَ، وَالْمَلَائِكَةُ مُجْتَنُّونَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ الْخَلَائِقَ قَالَ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 15] فَلَوْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ صِنْفًا ثَالِثًا لَمَا كَانَ يَدَعُ أَشْرَافَ الْخَلَائِقِ فَلَا يَتَمَدَّحُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى خَلْقِهِ " قَالَ: " وَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ إِنَّ سُكَّانَ الْأَرْضِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى إِنْسٍ وَجِنٍّ، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا الْحَدِّ لَمْ يَلْحَقْهُ اسْمُ الْإِنْسِ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا، وَلَا اسْمُ الْجِنِّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْئِيٍّ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ الْجِنِّ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَبَبِ مُفَارَقَتِهِ الْمَلَائِكَةَ فَقَالَ: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] فَلَوْ كَانَ كُلُّهُمْ جِنًّا لَاشْتَرَكُوا

فِي الِامْتِنَاعِ عَنِ السُّجُودِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ، وَفِي هَذَا مَا أَبَانَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خَيْرٌ وَالْجِنَّ خَيْرٌ وَأَنَّهُمَا فَرِيقَانِ شَتَّى، وَإِنَّمَا دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي مُسَاكَنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَمُجَاوَرَتِهِمْ بِحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَشِدَّةِ اجْتِهَادِهِ فَجَرَى فِي عِدَادِهِمْ، فَلَمَّا أُمِرَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ دَخَلَ فِي الْجُمْلَةِ الْمَلَكُ الْأَصْلِيُّ، وَالْمُلْحَقُ بِهِمْ غَيْرَ أَنَّ مُفَارَقَتَهُ الْمَلَائِكَةَ فِي أَصْلِ جَبَلَتِهِ حَمَلَتْهُ عَلَى مُفَارَقَتِهِمْ فِي الطَّاعَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ تَسْمِيَتُهُمُ الْأَصْنَامَ آلِهَةً وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهَا بَنَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَقَرُّبُهُمْ بِعِبَادَتِهَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ حِينَ كَانَ شَيَاطِينُ الْجِنِّ يَدْخُلُونَ أَجْوَافَهَا وَيُكَلِّمُونَهُمْ مِنْهَا، فَكَانُوا يَنْسِبُونَ ذَلِكَ الْكَلَامَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْأَصْنَامَ لِمَكَانِ تَكْلِيمِ الْجِنَّةِ إِيَّاهُمْ مِنْ أَجْوَافِهَا آلِهَةً، وَادَّعَوْا أَنَّهَا بَنَاتُ اللهِ فَأَثْبَتُوا بَيْنَ اللهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا جَهْلًا مِنْهُمْ "تحقيق الشيخ د. عبد العلي عبد الحميد حامد : إسناده، حسن

শুয়াবুল ঈমান লিল-বায়হাক্বী (138)