3905 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ صِدِّيقِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ سَفَرٍ فَلْيُهدِ لِأَهْلِهِ فَلْيُطْرِقْهُمْ وَلَوْ كَانَ حِجَارَةً ". " تَفَرَّدَ بِهِ عَتِيقٌ، عَنْ يَحْيَى "
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَهُوَ بَابٌ فِي الْجِهَادِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123] ". قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ مَنَازِلٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَلَا يُؤْمَرُ فِي غَيْرِ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ، فَقِيلَ لَهُ: " قُمْ فَأَنْذِرْ " فَأَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ فَنَزَلَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ} [المائدة: 67]- إِلَى قَوْلِهِ - {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] فَلَمَّا بَلَّغَ كَذَّبُوهُ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ فقِيلَ لَهُ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ}، ثُمَّ أُمِرَ بِاعْتِزَالِهِمْ، فَنَزَلَ: {واصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]، وَنَزَلَ {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، ثُمَّ أُذِنَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ فِي الْهِجْرَةِ دُونَهُ، فَنَزَلَ: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]،
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى جَدُّهُ رَسُولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجْرَةِ، وَنَزَلَ {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] فَهَاجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ، فَنَزَلَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ، فَنَزَلَ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، وَقَدْ قُرِئَ يُقَاتِلُونَ، فَرَجَعَ إِلَى مَعْنَى مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ الْجِهَادَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَرَضَ الْهِجْرَةَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي فَرْضِ الْجِهَادِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]. {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]. {وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 244] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَلْزَمَ الْجِهَادَ إِلْزَامًا لَا يَخْرَجَ مِنْهُ، فَقَالَ: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: 111]، وَالْمُرَادُ بِهَذَا أَنَّهُ لَمَّا فَرَضَ الْجِهَادَ صَارَ قَبُولُهُ وَالطَّاعَةُ لَهُ فيه مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَانَ فَرْضُهُ بِشَرْطٍ: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَمَنْ قَبِلَه عَلَى هَذَا كَانَ بَاذِلًا نَفْسَهُ، وَذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمُبَايَعَةِ، فَكَانُوا بَائِعِينَ، وَاللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُشْتَرِيًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وكل ذَلِكَ بَايِعٌ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مُكَلَّفٌ أَنْ تُسَلَّمَ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَلُزُومُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَجَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى فَضْلِهِ، والثَّوَابِ عَلَيْهِ. قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفُتِحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، فَدَلَّهُمْ عَلَى مَا فِي الْجِهَادِ مِنْ عَاجِلِ الْفَائِدَةِ، وَآجِلِهَا، فَأَمَّا الْعَاجِلُ: فَهُوَ النَّصْرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَمَا يُرْزَقُوُنَهُ مِنْ فَتْحِ بِلَادِهِمْ، وَنَعِيمِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ. وَأَمَّا الْآجِلُ: فَهُوَ الْجَنَّةُ وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ. وَقَالَ: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]. وَقَالَ فِي مَدْحِ الْمُجَاهِدِينَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]. وَقَالَ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَضَّلُ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً، وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى، وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96]. وَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصُبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ موطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عُمِلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللهَ لَا يُضَيِعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً، وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وَقَالَ فِي حَيَاةِ الشُّهَدَاءِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]. وَقَالَ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أمواتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] "تحقيق الشيخ د. عبد العلي عبد الحميد حامد : إسناده: فيه من لم نعرفه.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَهُوَ بَابٌ فِي الْجِهَادِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123] ". قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ مَنَازِلٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَلَا يُؤْمَرُ فِي غَيْرِ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ، فَقِيلَ لَهُ: " قُمْ فَأَنْذِرْ " فَأَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ فَنَزَلَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ} [المائدة: 67]- إِلَى قَوْلِهِ - {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] فَلَمَّا بَلَّغَ كَذَّبُوهُ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ فقِيلَ لَهُ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ}، ثُمَّ أُمِرَ بِاعْتِزَالِهِمْ، فَنَزَلَ: {واصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]، وَنَزَلَ {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، ثُمَّ أُذِنَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ فِي الْهِجْرَةِ دُونَهُ، فَنَزَلَ: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]،
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى جَدُّهُ رَسُولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجْرَةِ، وَنَزَلَ {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] فَهَاجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ، فَنَزَلَ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ، فَنَزَلَ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، وَقَدْ قُرِئَ يُقَاتِلُونَ، فَرَجَعَ إِلَى مَعْنَى مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ الْجِهَادَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَرَضَ الْهِجْرَةَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي فَرْضِ الْجِهَادِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]. {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]. {وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 244] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَلْزَمَ الْجِهَادَ إِلْزَامًا لَا يَخْرَجَ مِنْهُ، فَقَالَ: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: 111]، وَالْمُرَادُ بِهَذَا أَنَّهُ لَمَّا فَرَضَ الْجِهَادَ صَارَ قَبُولُهُ وَالطَّاعَةُ لَهُ فيه مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَانَ فَرْضُهُ بِشَرْطٍ: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَمَنْ قَبِلَه عَلَى هَذَا كَانَ بَاذِلًا نَفْسَهُ، وَذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمُبَايَعَةِ، فَكَانُوا بَائِعِينَ، وَاللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُشْتَرِيًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وكل ذَلِكَ بَايِعٌ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مُكَلَّفٌ أَنْ تُسَلَّمَ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَلُزُومُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَجَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى فَضْلِهِ، والثَّوَابِ عَلَيْهِ. قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفُتِحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، فَدَلَّهُمْ عَلَى مَا فِي الْجِهَادِ مِنْ عَاجِلِ الْفَائِدَةِ، وَآجِلِهَا، فَأَمَّا الْعَاجِلُ: فَهُوَ النَّصْرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَمَا يُرْزَقُوُنَهُ مِنْ فَتْحِ بِلَادِهِمْ، وَنَعِيمِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ. وَأَمَّا الْآجِلُ: فَهُوَ الْجَنَّةُ وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ. وَقَالَ: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]. وَقَالَ فِي مَدْحِ الْمُجَاهِدِينَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]. وَقَالَ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَضَّلُ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً، وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى، وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96]. وَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصُبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ موطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عُمِلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللهَ لَا يُضَيِعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً، وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وَقَالَ فِي حَيَاةِ الشُّهَدَاءِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]. وَقَالَ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أمواتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] "تحقيق الشيخ د. عبد العلي عبد الحميد حامد : إسناده: فيه من لم نعرفه.
শুয়াবুল ঈমান লিল-বায়হাক্বী (3905)